اقتصاديات.. حنين لـ "قرف" التلفزيون السوري
2017-05-28 00:00:00

أمل عرفة وفهد يكن في أغنية "صباح الخير يا وطنا"- من ذكريات التلفزيون السوري



في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، اشتعلت تجارة "الانتينات" والمقويات لالتقاط بث قنوات دول الجوار بما فيها المعادية، وتجارة أجهزة الفيديو، وكل ذلك من أجل الهروب من مشاهدة التلفزيون السوري، الذي حوله حافظ أسد، إلى أداة لقهر الناس وإجبارهم على مشاهدة أنشطة الدولة البعثية المتمثلة ببرامج أرضنا الخضراء ومع العمال والطلبة والطلائع والشبيبة والحرفيين والنساء إلخ، هذا فضلاً عن خطابات حافظ أسد ذاتها التي كانت تستغرق عدة ساعات وهو يهدد الإمبريالية وعملاء الاستعمار ثم يظل يعيدها التلفزيون على مدى أكثر من أسبوع..

في تلك الفترة أصبحت مشاهدة التلفزيون السوري تشكل حملاً ثقيلاً على المواطن، لهذا أخذ يبحث على غير هدى عن أي شيء يخلصه من هذه الصورة الوحيدة لهذا الجهاز، وكان يبدي استعداده لدفع أي ثمن مقابل الخلاص من هذا الوضع، ومن ينجح بالتقاط بث قنوات الدول المجاورة، كان شكله وموقعه يبدو مختلفاً بين الناس، كما لو أنه ليس من دولة البعث..

الخلاص الحقيقي كان بعد منتصف التسعينيات من القرن الماضي، عندما انطلق بث القنوات الفضائية، فكان أول شيء عاداه الشعب السوري هو تلفزيون بلدهم والكثيرون قاموا بحذفه من قائمة الخيارات من أجل ألا يمروا عليه حتى مروراً، وهكذا أصبحت تسمع الناس تتحدث عن أنها لم تشاهد التلفزيون السوري منذ سنوات طويلة، وبعضهم كان يتحدث عن أنه اليوم شاهد التلفزيون السوري لأنه "حن" للقرف والملل..

وحدها الفئة العمرية التي لم تعي أيام حافظ أسد، عادت لمشاهدة التلفزيون السوري في السنوات الخمس الأخيرة قبل انطلاق الثورة السورية، من أجل متابعة المسلسلات فقط، أما نشرة الأخبار فقد ظلت التحدي الأكبر الذي لم ينجح التلفزيون السوري في إعادة الجمهور إليها، اللهم إلا لمتابعة أحوال الطقس أيام الشتاء، وحتى تلك لم تكن الناس تثق بنشرة تلفزيونهم الجوية، وكانوا يرددون أن الحيوانات تفهم بالطقس والتنبؤ به أكثر من مقدمي هذه النشرة ومعديها..

عندما بدأت الثورة السورية في العام 2011، جاءت توجيهات عليا بعدم مشاهدة القنوات الإخبارية المعادية في الدوائر الحكومية وفي المحال التجارية وأن يتم مشاهدة القنوات السورية وقناة المنار والعالم الإيرانية فقط، وكل من يضبط متلبساً وهو يشاهد قنوات الجزيرة والعربية كانوا "يبهدلونه".. أما ردة فعل الجميع على ذلك القرار فكانت أن قاموا بتوليف الجهاز على قناة "غنوة" للفن الهابط، ومع تزايد أعمال القتل والعنف، لم يعد مقبولاً مشاهدة هذه القناة، فقام البعض بإغلاق الجهاز نهائياً أو إغلاق الصوت.

مناسبة الحديث عن التلفزيون السوري، سببه نقاش أثاره مؤخراً معي أحد الزملاء العاملين في هذا التلفزيون ومن فترة الثمانينات من القرن الماضي، رداً على تعليق أبديت فيه وجهة نظري على منشور كتبه على صفحته الشخصية في "فيسبوك"، يعتبر فيه أن التلفزيون السوري كان بمثابة مدرسة خرجت كبار الإعلاميين رغم كل مساوئه، وأنه لازال حتى اليوم أكاديمية مهمة لكل من يريد أن يتعلم أبجدية الإعلام..

فكان ردي عليه: "أنني أتفق معك بأنه بالفعل مدرسة، ولكن إياك أن تقل لي أنه تلفزيون".. وسردت له ما كتبته في البداية، دون أن أخفي حنيني لتلك الأيام التي كان فيها الصراع مع القرف يأخذ شكلاً إبداعياً، ويشعرنا بلذة الانتصار.. أما اليوم فقد ارتد صراعنا الفردي مع الملل والقرف إلى أنفسنا وأحياناً إلى اللوك الذي يجب أن نظهر عليه، بلحية أو بلا لحية، بشوارب أو بلا شوارب، بشعر أو بلا شعر.. ليتنا بقينا على نفس أدوات الصراع السابقة، عندما كنا نستمتع بلعبة القط والفأر..


فؤاد عبد العزيز - اقتصاد



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



  جميع الحقوق محفوظة © 2011 - 2017 - أحد مشاريع زمان الوصل

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2017
top