اقتصاديات.. عندما حولنا الأسد الأب إلى عمال سوريين في لبنان، والابن إلى لاجئين
2017-07-22 00:00:00

من مشاهد الإذلال التي يتعرض لها السوريون في لبنان - أرشيفية



قيض لي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي أن أكون أحد العمال السوريين في لبنان، ولو لفترة بسيطة، لكن الفكرة لم تكن تخلو من الإثارة.. فسوريا في تلك الأيام كانت أشبه بقفص كبير، سورها حافظ الأسد بشتى أنواع الحرمان والقهر والذل.

ولا أستطيع أن أخفي دهشتي الأولى، عندما وجدت الأسواق اللبنانية ملآى بكل شيء.. كنت أشاهد أجهزة التلفاز وهي معروضة في المحال التجارية للبيع، ولا تكاد تصدق عيناي ما أراه، ناهيك عن أنواع الأجبان والمعلبات والخبز اللبناني الشهي، والدخان السائب في الشوارع بكافة أنواعه وأشكاله، وغيرها من الأدوات المنزلية والزجاج.. كل ذلك، عندما رجعت إلى سوريا، كان التجربة التي نقلتها لمحيطي الاجتماعي، فكانوا يستمعون إلي غير مصدقين..

ولعل الجيل الذي عاصر فترة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، يدرك معنى كلامي، ويدرك حالة الحرمان التي عيشها حافظ الأسد للشعب السوري، بدءاً من الطفل الرضيع وحتى الشيخ الطاعن في السن..

في تلك الفترة، كان وحدهم رجالات الجيش والمخابرات، هم من ينعمون بالوفرة، بينما باقي فئات الشعب السوري، فقد دفعوا ثمناً باهظاً لسياسات حافظ الأسد الخنفشارية ومواقفه التاريخية والتي تمثلت بالحصار الخانق الذي طال أبسط مفردات الحياة اليومية المعاشية..

باختصار، كنت من الجيل الذي لم يعرف طعم الموز إلا في العشرين من عمره، ولم يلبس بنطال الجينز خلال كل تلك السنوات إلا مرة واحدة في حياته، وبعد عملية تهريب معقدة، انتهت بأن البنطال كان أكبر من مقاسي بكثير.. وكنت كذلك من الجيل الذي ظل طوال طفولته يحلم باقتناء "بسكليت" لدرجة أنني في أحد المرات عثرت على دولاب سيارة مهترئ، وجلست كل النهار قبالته أفكر كيف أحوله إلى دراجة هوائية..

لذلك كانت الرحلة إلى لبنان في عمر العشرين عاماً، كمن دخل إلى عوالم سحرية بكل معنى الكلمة.. كل شيء كان يثيرني ويستفز بصري، ويثير حفيظتي.. لم أكن أصدق أن المسافة بين بيروت ودمشق والبالغة ساعتين فقط سوف يتغير كل شيء بعدها..

كان لبنان في تلك الفترة، قد بدأ يشهد وفود العمالة السورية إليه، مع الاستقرار وانطلاق مشاريع إعادة الإعمار.. لذلك لم تكن تجد مكاناً على كامل الأراضي اللبنانية، إلا وتجد به سوريين.. وبحسب وصف أحدهم في تلك الفترة، تحت كل حجر في لبنان سوف تجد عاملاً سورياً..

لم يكن أحد يتساءل، ما الفرق بيننا وبينهم حتى نصبح عمال عندهم..؟، أو لما هم بعد كل هذه السنوات من الحرب الأهلية والدمار والاقتتال، يعيشون بشكل أفضل منا..؟!، وبحسب إحصائيات لبنانية رسمية فقد وصل عدد العمال السوريين في التسعينيات إلى أكثر من مليون عامل، أغلبهم من المنطقة الشرقية ومن حوران وإدلب والسويداء وحمص.. الخ، باستثناء المنطقة الساحلية التي كنت قلما تجد أحداً من أبنائها يعمل في لبنان، فهم في أغلبهم كانوا يذهبون إلى أجهزة الجيش والمخابرات ومؤسسات الدولة..

وكان العمال السوريون في لبنان يعملون بلا حماية، ويتعرضون لأنواع كثيرة من الاستغلال، وبعض الفئات اللبنانية حاولت الانتقام منهم، بفضل ما كان يقوم به الجيش السوري من أفعال مشينة بحق اللبنانيين.. وكل ذلك كان يجري دون أن تتدخل دولتهم أو تطالب بتنظيمهم بالاتفاق مع الدولة اللبنانية.. بل وكأن النظام سعى في تلك الفترة، وعبر سياسة التضييق المعاشي، لدفع عدد كبير من الشباب السوري للذهاب للبنان والعمل هناك، ضمن ظروف سيئة للغاية وبأجر لا يغطي سوى تكاليف معيشة الأسرة من طعام ولباس فقط.. وقلة من استطاعوا أن يدخروا من أعمالهم في لبنان، ويبنون مشاريع صغيرة في بلدهم..

لم تتغير الأمور كثيراً بعد مجيء بشار إلى السلطة، بل ظل الشباب السوري يذهب ويعمل في لبنان، وإن بصورة أقل من السابق، بسبب الانتهاء من مشاريع إعادة الإعمار.. وتميزت الفترة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بممارسات عنيفة ضد العمال السوريين في لبنان، إذ شهدت تلك الفترة تعرض الكثير منهم لعمليات تصفية وإذلال، وكل ذلك أيضاً لم يثر نخوة النظام السوري، ليحافظ على كرامة مواطنيه، عبر دعوتهم للعودة إلى بلدهم والعمل فيه، من خلال إطلاق مشاريع تنمية حقيقية، كانت الدولة في ذلك الوقت تمتلك كل المقومات لإطلاقها..

بل الملاحظ، أن سياسة الأسد الأب والابن، كانت تقوم على دفع الشباب السوري من أبناء المناطق السنية للهجرة خارج البلد والعمل في دول الجوار ودول الخليج وغيرها، وذلك لفسح المجال لأبناء المنطقة الساحلية لكي يستولوا على جميع المفاصل الوظيفية في البلد.. وحتى من يقرر البقاء في البلد والعمل فيها من أبناء المناطق السنية، كان يعمل وغيره من أبناء الساحل يحصل على الامتيازات والمهام والترقيات في المناصب.. لذلك سرعان ما يبدأ بالتفكير بالهجرة والعمل خارج البلد..

باختصار، إن التهجير الذي تعرض له الشعب السوري من أبناء المناطق السنية، وبهذه الأعداد المليونية، كان سياسة مقصودة من قبل نظام بشار الأسد.. فهم يعلمون، أنه عندما تقصف منطقة سكنية سوف يهاجر أهلها بالكامل.. وهو ما حدث بالضبط في سياسة التهجير السورية.. لذلك تباً لهذا النظام، قبل أن نلقي باللائمة على لبنان وعلى غيره من الدول المستضيفة للاجئين السوريين..



فؤاد عبد العزيز - اقتصاد



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



  جميع الحقوق محفوظة © 2011 - 2017 - أحد مشاريع زمان الوصل

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2017
top