اقتصاديات.. الليرة السورية، مؤشرات ودلالات لعام 2021


أغلبنا قد يتذكر أن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان دون الـ 1000 ليرة، ثم ما إن دخلنا العام الجديد، حتى بدأ انهيار الليرة يمضي بشكل متسارع، إلى أن وصلت إلى نحو 3000 ليرة أمام الدولار قبل أيام، أي أنها فقدت 200 بالمئة من قيمتها خلال عام، وهو الأمر الذي يدعو للتساؤل: ما الذي حدث، رغم اعتراف النظام السوري بعودة الاستقرار الأمني للبلاد طوال العام الجاري، والذي كان يحمّله أسباب انهيار الليرة في المرات السابقة..؟ وبناء عليه، هل نستطيع أن نتنبأ بوضع الليرة خلال العام القادم 2021..؟

لمعرفة ما الذي حدث طوال العام الجاري على المستوى الاقتصادي، والذي دفع الليرة السورية للانهيار، لا بد أن نعود إلى أرقام الموازنة العامة للدولة التي تم إقرارها، والبالغة 4 تريليون ليرة سورية، وهي موازنة تضخمية بالمقارنة مع موازنة العام 2019، والبالغة نحو 2 تريليون ليرة سورية، في وقت كانت فيه الليرة السورية تحوم حول 500 ليرة مقابل الدولار.

وهذا يعني أن النظام قام بضخ مبالغ طائلة من العملة الورقية السورية التي كان يحتفظ بها في المصرف المركزي من أجل تمويل هذه الموازنة الضخمة، وهو ما أدى مباشرة لفقدان الليرة أكثر من 100 بالمئة من قيمتها، حالما دخلنا العام 2020، بسبب عدم قدرة الاقتصاد على امتصاص هذا التضخم عبر الإيرادات الجديدة، والتي تأتي غالباً من الضرائب والتجارة الخارجية.

ثم جاءت الطفرة الثانية في منتصف العام الجاري، والتي دفعت الليرة السورية لكي تفقد ضعف قيمتها مرة أخرى، ونقصد الأوضاع الاقتصادية في لبنان، مع إعلان هذا البلد عجزه عن سداد ديونه المستحقة، ومن ثم الإعلان عن حزمة من القيود على السحوبات البنكية، التي تسببت على الفور بتضرر الليرة السورية، على اعتبار أن جزءاً كبيراً من أموال رجال الأعمال السوريين كانت مودعة في البنوك اللبنانية، ومن خلالها كان يتم تمويل عمليات الاستيراد للمواد الأساسية، بالإضافة إلى خلق التوازن لليرة السورية في أسواق الصرف، لكن كل ذلك تلاشى بشكل متسارع، وبالذات بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب من العام الجاري، والذي وجه ضربة قاسية للاقتصاد السوري، ظهرت معالمها على وجه الخصوص، من خلال أزمة المحروقات وأزمة الخبز.

إذاً، نحن أمام مؤشرين من العام الجاري، تسببا في انهيار الليرة السورية، أحدهما الموازنة التضخمية، البالغة ضعف موازنة العام السابق، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان.. وبناء على ذلك، كيف نستطيع أن نتنبأ بوضع الليرة السورية خلال العام القادم 2021..؟

من خلال معاينة أرقام الموازنة للعام القادم، سوف نجد أن النظام قام بمضاعفتها، إلى 8,5 تريليون ليرة .. أي أننا حكماً سوف نكون أمام انهيار لا يقل عن 100 بالمئة من سعر صرف الليرة، وخصوصا أن وزارة المالية تحجم حتى الآن عن عرض موارد هذه الموازنة وتقدير نسبة العجز فيها.. وبدل ذلك تتحدث عن استراتيجية جديدة للتكليف والتحصيل الضريبي، دون أن تقدم كذلك أية أرقام، سواء عن نسبة تمويل الضرائب في الموازنة العامة للدولة، أو قيمة التهرب الضريبي السنوي.

وفي العموم، فإنه في بلد كسوريا، لا يمكن أن تصل نسبة تمويل الضرائب في الموازنة العامة للدولة أكثر من 15 بالمئة، هذا مع الأخذ في الحسبان بأن النظام سوف يكون قادراً على ضبط التهرب الضريبي وتحصيل الضرائب المتراكمة..

وإذا نظرنا إلى مؤشرات أخرى كالتجارة الخارجية، سوف نجد أن بيانات وزارة الاقتصاد تقول بأن سوريا استوردت خلال العام الجاري بقيمة 5 مليار دولار، بينما صادراتها كانت بحدود 200 مليون دولار.. أي أن العجز في الميزان التجاري هائل، وهو من الأسباب التي تدفع بشدة للضغط على سعر صرف العملة وتؤدي إلى انهيارها.

وتحاول وزارة الاقتصاد كما تقول، أن تخفض فاتورة الاستيراد خلال العام القادم إلى 3,5 مليار دولار، وذلك بعد أن أصدرت قرارات بوقف استيراد العديد من المواد، لوقف الطلب على العملة الصعبة مقابل الليرة السورية.. وهي عملية من شأنها أن تحافظ على سعر الصرف عند مستوى معين، لكنها لا يمكن أن تمنع انهياره.

باختصار، نستطيع القول، ووفقاً لبيانات الاقتصاد السوري، إن الليرة السورية خلال العام القادم، مرشحة لأن تصل إلى أكثر من 5 آلاف مقابل الدولار، ما لم تحدث المعجزة.. ونقصد بالمعجزة هنا رفع الحصار والعقوبات عن النظام السوري، وتقديم يد العون له من قبل الدول الكبرى، وهذا الأمر في ظل المعطيات السياسية الحالية، هو أشبه بحلم إبليس في الجنة.

ترك تعليق

التعليق