من 300 $ محلياً إلى 120 ألف $ دولياً: تجارة الآثار في دير الزور بفتوى شرعية!

تتعرض المواقع الأثرية في محافظة دير الزور لعمليات تتراوح بين النهب والسرقة والتخريب والتنقيب العشوائي، ما ألحق الضرر بهذه المواقع المتضررة أصلاً نتيجة استهداف قوات الأسد لها، كما تزايدت في الآونة الأخيرة عمليات بيع القطع الأثرية في دير الزور أمام أنظار الجميع دون أي تحرك من قبل كتائب الثوار أو المجالس المحلية، وفوق ذلك بإجازة من الهيئة الشرعية.

وتنشط ورشات التنقيب العشوائي في جميع المناطق الأثرية وتتركز بصورة رئيسية في مناطق: السيال (مملكة ماري) في ريف دير الزور الشرقي، والصالحية (دورا أوروبوس) غرب مدينة البوكمال، وقلعة الرحبة غرب مدينة الميادين، ومنطقة ترقا في مدينة العشارة والتي دخلت على خط التنقيب العشوائي مؤخراً، كما رصدت في مدينة دير الزور عمليات تنقيب في كل من السوق المقبي ومحيط الجامع العمري.

الحفر العشوائي

وبحسب "مسار برس" فإن العديد من الأدوات التي يمنع عادة استخدامها في المواقع الأثرية، تستخدم في الحفر والتنقيب، فقد سجلت مؤخراً عمليات حفر بالآليات الثقيلة في قلعة الرحبة بحثاً عن القطع الأثرية، وهي المنطقة التي تحظى مكتشفاتها بأسعار خاصة من قبل تجار الآثار في المحافظة ما يدفع ورشات التنقيب إلى التركيز عليها في الحفر واستخدام جميع الوسائل مهما كانت مؤذية.

ثامر المحمد –أحد سماسرة الآثار سابقاً – تحدث عن تضرر الآثار من الحفر العشوائي، موضحاً أن جميع القطع التي يعثر عليها في محافظة دير الزور تباع خارج البلاد للتجار الأجانب الذين يشتكون من أن بين الآثار التي يشترونها قطعاً متضررة بسبب الحفر بأدوات غير مناسبة للتنقيب، ويضيف ثامر أن السوق مليئة بالقطع الأثرية التي تسبب الحفر العشوائي بفقدانها لمعالمها وقيمتها، كما يؤكد ثامر حقيقة بيع قطع أثرية مسروقة من المتاحف في الخارج وتورط شخصيات مرتبطة بنظام الأسد في سرقتها وبيعها.

غياب الرادع أسهم في تفاقم الظاهرة

يقول الناشطون في دير الزور إن غياب الرادع والجهل العام بحساسية هذا النوع من الأعمال زاد في انتشار عمليات الحفر في المواقع الأثرية، بل غياب الهيئات الشرعية، وكتائب الثوار عن ردع من يقومون بالحفر وتقاعسهم عن حماية هذه المواقع على وجه التحديد، ناهيك عن إفتاء الهيئات الشرعية في المنطقة بأن عملية البحث عن الآثار والتجارة بها “جائزة شرعاً ولا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية بالنظر إلى أنها لقية”.

ونقلت "مسار برس" عن الشيخ "أبو محمد" العضو في الهيئة الشرعية “إن تجارة الآثار والحفر بحثاً عنها جائزة ولا إثم فيها” لكن الشيخ "أبو محمد" اشترط أن “يدفع التاجر أو الحفار خُمس ما يجني لبيت مال المسلمين”.

أما كتائب الثوار فتتجنب الاصطدام مع العاملين في الحفر وبيع الآثار تلافياً للصدام مع العشائر التي ينتمي إليها هؤلاء، فأبو أيمن –وهو قائد ميداني في الجبهة الإسلامية– رأى أنه ليس من الحكمة تدخل الكتائب في هذه المشكلة، وإذا كان لابد من التحرك فيفضل أبو أيمن تحرك الهيئة الشرعية، على اعتبار أنها المسؤول عن إدارة المناطق المحررة كما يقول.

التوثيق في مواجهة العجز

في ظل هذا العجز عن حل مشكلة التنقيب العشوائي عن القطع الأثرية يسعى بعض الناشطين والمهتمين للقيام بأي خطوة إيجابية في هذا الإطار، وسط جهل عموم الناس بأهمية الآثار في حفظ حضارة وتاريخ البلاد، وخطورة الحفر العشوائي في المناطق الأثرية وما تسببه من تخريب للآثار والتداعيات المستقبلية لذلك، ويسعى البعض منهم لتوثيق عمليات الحفر والمتاجرة على الرغم من خطورة هذا العمل كون ورشات الحفر عادة ما تكون مسلحة.

محمود –وهو ناشط إعلامي– عبّر عن تصميمه على متابعة عمليات التوثيق مبيناً أنه “إذا سكت الجميع وتوقفنا عن التوثيق خوفاً منهم فلن يبق في المستقبل أي موقع أثري”، وأضاف “مرت من أمامي الكثير من القطع الأثرية وبيعت بمبالغ زهيدة دون أن أقدر على فعل شيء”.

وتحدث محمود عن قطع شاهدها بنفسه كيف تباع بأسعار زهيدة قياساً لقيمتها الأثرية، آخرها قطعة يعود تاريخها لمملكة “ماري”، وهي إحدى ممالك الحضارات السورية القديمة والتي ازدهرت في الألف الثالث قبل الميلاد، عثر عليها شاب عمره 16 عاماً وقام ببيعها لأحد التجار في المنطقة بمبلغ 50 ألف ليرة سورية أي حوالي 300 دولار أمريكي، إلا أن ذلك التاجر باع القطعة بدوره لتاجر آثار ألماني قدم إلى دير الزور خصيصاً من أجلها، بسعر يعادل 120 ألف دولار أمريكي.

لا سلطة تنفيذية تواجه تجارة الآثار

وعن دور المجالس المحلية في مواجهة تجارة الآثار قال الناشط محمود إن المجالس المحلية عموماً ومجلس محافظة دير الزور بشكل خاص يصفون أنفسهم بأنهم هيئات خدمية لا تمتلك القوة التنفيذية للتصرف ولا تملك الصلاحيات في المنطقة لإيقاف عمليات الحفر والتهريب.

ويؤكد الناشط محمود أن “هناك الكثير من القطع الأثرية التي خرجت من سورية وللأسف برعاية بعض ضعاف النفوس من أبناء العشائر وتحت نظر كتائب الثوار والهيئة الشرعية”.

وفي ظل ما تعيشه المنطقة من فوضى وانتشار للسلاح وغياب قوى أمنية ذات قدرة على الردع، فإنه لا يلوح في الأفق أي حل قريب لفوضى التنقيب عن الآثار، ما يشير إلى جدّية المخاوف من انحسار المواقع الأثرية بشكل كامل إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه.

ترك تعليق

التعليق