دوافع المشروع الاقتصادي الإيراني في سوريا

أحاول منذ فترة دراسة بدايات التوغل الإيراني في الاقتصاد السوري. وهو توغل، للأمانة، جاء متأخراً بالمقارنة مع التوغل السياسي. ذلك أن نظام الأسد الأب والابن لم يكن يعتبر إيران نموذجاً اقتصادياً يحتذى به، وإنما جاء التوغل الاقتصادي كفاتورة وثمن للمواقف السياسية الإيرانية الداعمة للنظام، تماماً كما حدث في العلاقات مع تركيا، مع فارق أن الأتراك كان لهم نموذجهم الاقتصادي الناجح الذي يمكن الاستفادة منه .. غير أن نظام الأسد في علاقته مع الأتراك والإيرانيين، لم يكن يطرح نفسه كشريك وإنما كتابع وباحث عن الحماية، في ظل متغيرات دولية وجد نفسه فيها في مواجهة تحديات لم تكن تغطي مواقفه "الخنفشارية" التي كان يتخذها.

مع مجيء بشار إلى السلطة في العام 2000، لم يكن هناك تعاون اقتصادي حقيقي بين إيران وسوريا، بل كان هناك تبادل تجاري محدود كما كل العلاقات مع الدول. وهو لم يتجاوز في أحسن الحالات الـ 100 مليون دولار.. استمر الأمر على هذا الحال إلى العام 2003 عندما وجد بشار نفسه معزولاً عن محيطه الدولي في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق، ثم اكتملت عزلة النظام عن محيطه العربي أيضاً، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في العام 2005. وما تلاها بعد ذلك من أحداث كانت ضربتها القاضية في أعقاب الضربة الإسرائيلية لحزب الله في لبنان في العام 2006. وحتى ذلك التاريخ كانت جل الطموحات الإيرانية الاقتصادية في سوريا تتركز حول قطاع السياحة الدينية، وكما هو معروف للجميع فإنها كانت تسعى للسيطرة على المناطق التي كانت تعتبرها مقدسة بالنسبة لها، من خلال امتلاك زمام هذه السياحة من بدايتها وحتى نهايتها، حيث تحولت ملكية المناطق المحيطة بتلك المزارات المقدسة، لإيران، وبتسهيل وإشراف من النظام مباشرة.

ما أود الإشارة إليه هنا كمعترضة، أن إيران لم يكن لديها مشروع اقتصادي على الإطلاق في علاقتها مع الدول، وإنما مشروعها سياسي توسعي مغلف بغطاء ديني. ولعل اللافت للانتباه في هذا المجال أن أغلب استثمارات القطاع الخاص الإيراني في الخارج، هي استثمارات في مجالين متناقضين، فإما السياحة الدينية أو السياحة الجنسية..وكلا القطاعين كانا يدران أرباحاً كثيرة عليها، حيث كانت تذهب فوائض الأموال الكبيرة الناتجة عنها إلى "قم" لخدمة مشروعها الديني التوسعي.. أما فيما يتعلق بالاقتصاد الحقيقي المتمثل بالقطاع الصناعي، فإيران كانت متخلفة كثيراً في هذا المجال وربما كان جل اهتمامها منصباً على الصناعات الحربية والذي بالنهاية أيضاً يخدم مشروعها التوسعي.

لذلك كان نظام الأسد يدرك هذه الإمكانيات المحدودة للقطاع الاقتصادي الإيراني وطبيعة الاستفادة منه. وعندما فتح المجال لإيران لكي تكون صاحبة الأولوية في المشروعات الاقتصادية الحكومية بالاضافة إلى تقديم تسهيلات كبيرة لرجال الأعمال الإيرانيين، كان هناك حالة تذمر لدى القطاع الحكومي، وخصوصاً بعد سوء تنفيذ المشروعات التي قامت بها في قطاع الكهرباء.. عندما عهد إليها ببناء عدد من محطات التحويل. غير أن القرار كان سياسياً بامتياز، وعلى الحكومة الالتزام به مهما كانت تكاليفه وخسائره.

حقيقة، كانت إيران مخلصة لمشروعها التوسعي وعملت عليه بجد، وهي لم تكن تبحث عن شراكة أو استثمارات اقتصادية في سوريا إلا بالقدر الذي يخدم هذا المشروع. وكان يجري العمل على هذا المشروع بالتنسيق مع النظام، غير أن النظام وأمام وضوح وفجاجة المشروع الإيراني وفي محاولة للتعمية على الرأي العام الداخلي، حاول أن يقدم إيران بصورة مختلفة، كحالة من التبرير للتوغل الإيراني في السيطرة على المناطق التي تعتبرها مقدسة بالنسبة إليها. لهذا اتخذ التوغل الإيراني في السنوات العشر الأخيرة شكلاً اقتصادياً... فمثلاً دفعت إيران برجل الأعمال الكويتي الشيعي، عبد الحميد دشتي، للدخول إلى السوق السورية من خلال شركة العقيلة للتأمين، وهي شركة مساهمة مغفلة تأسست بتاريخ 2007، وتتصدر جميع شركات التأمين الخاصة العاملة في سوريا من ناحية رأس المال، إذ يبلغ ملياري ليرة سورية مدفوعة بالكامل.. إلا أن ما قام به دشتي فيما بعد أنه بدأ بشراء أراضٍ واسعة في محيط منطقة السيدة زينب بحجة أنه ينوي تنفيذ مشروعات للتطوير العقاري، وكان ذلك يتم برعاية وتسهيلات من النظام، لدرجة أنه تجاوز الملكية المسموح بها في سوريا وهي 5 آلاف دونم دون أن يستطيع أحد الاعتراض عليه.. وتبين فيما بعد أن المشروعات العقارية التي طرحها كانت وهمية ولم ينفذ منها شيئاً.

خلاصة القول، إن الثورة السورية أوقفت هذا النزيف الإيراني لممتلكات ومقدرات البلد، كما أنها أوقفت المشروع الإيراني الذي لا يختلف أبداً عن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي .. فكلاهما استخدم ذات الأدوات .. وفي النهاية أن تصحو متأخراً خير من ألا تصحو.

وشكراً للثورة السورية المباركة.

ترك تعليق

التعليق