<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?>
			<rss version="2.0"
				xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
				xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
				xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
				xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
				xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
				xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
				xmlns:media="http://search.yahoo.com/mrss/">

			<channel>
				<title>اقتصاد مال و اعمال السوريين</title>
				<atom:link href="//www.eqtsad.net/news/rss/90/" rel="self" type="application/rss+xml" />
				<link>https://www.eqtsad.net</link>
				<description>اقتصاد موقع اقتصادي عربي يهتم بمال و أعمال و السوريين و أخبار الاقتصاد العربي و العالمي و العملات و المعادن و الذهب و البورصة.</description>
				<lastBuildDate>Mon, 16 Mar 2026 11:15:56 +0300</lastBuildDate>
				<language>ar-sy</language>
				<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
				<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
				<docs>https://www.eqtsad.net</docs>
		
				<item>
						<title><![CDATA[المفاوضات على ضفاف بحيرة جنيف.. (الفصل السادس عشر والأخير من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/23263</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/23263</comments>
						<pubDate>Sun, 23 Dec 2018 20:51:04 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/23263</guid>
						<description><![CDATA[مساء دمشق، يوم الخامس من حزيران، 2040، كان مشهوداً، وكأنه عيد. كانت النشوة تغامر الجميع، واندفعت عائلات كثيرة لتجوب المولات، والأسواق التقليدية، مع أولادها. وكأن دمشÙ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<div><br>مساء دمشق، يوم الخامس من حزيران، 2040، كان مشهوداً، وكأنه عيد. كانت النشوة تغامر الجميع، واندفعت عائلات كثيرة لتجوب المولات، والأسواق التقليدية، مع أولادها. وكأن دمشق ليست في حرب. وكانت وسائل الإعلام تنقل مشاهد الاطمئنان الواضحة في شوارع العاصمة، على الهواء مباشرةً. وفي غمرة التقارير الميدانية، تمكنت كاميرا إحدى القنوات الإعلامية من التقاط فيديو لعائلة الدمشقي، زوجته، وأولاده الخمسة، في الحميدية، يحيط بهم بضعة أفرادٍ من الأمن، ويصافحهم الناس، فيما كانوا يعتزمون دخول محل "بكداش" الشهير، للبوظة الدمشقية.<br><br>&nbsp;وتحدث إياد للكاميرا، قائلاً: "أردنا أن نكون مع بقية السوريين في الشوارع". سأله الصحفي: "لست خائفاً من الحرب". فضحك إياد باستهانة بادية، وردّ: "هل ترى أية مظاهر للخوف بين عامة الناس في الشوارع.. هناك شعور عارم بنصرٍ مؤزرٍ بإذن الله".<br><br>حالما بثت القناة الإعلامية التسجيل، وصل تقرير استخباراتي مستعجل إلى مكتب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، حيث كان الرجل في حالة استنفار قصوى. قرأ التقرير: "عائلة جمال تمرح في الأسواق، والثقة بادية على الأولاد، والارتياح كان جلياً على زوجته، فيما بقي جمال بعيداً عن الأضواء حتى الآن". <br><br>أغضبه التقرير أكثر.. "إذاً، هو يمسك بزمام الأمور، ويدير مكيدة كبرى لإسرائيل".<br><br>واجتمع مجلس الأمن القومي الأمريكي، وانضم إليه مسؤولون آخرون، وقال الرئيس الأمريكي بحزم: - يبدو أن جمال يستخف بنا، بشكل جلّي.<br><br>قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية: - سيدي، أقترح أن نسير وفق الخطة التي اتفقنا عليها. بصراحة، فيديو العائلة أراحني بالفعل، لأن انقلاب المتطرفين على جمال، كارثة أكبر بكثير من كونه يدير الأمور بنفسه. وحالما يستوعب جديتنا في التهديد، سيتواصل معنا. كن واثقاً بذلك سيدي. الدمشقي لن يجرّ سوريا، الآن على الأقل، إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>أيّد معظم المسؤولين الأمريكيين وجهة نظر مدير المخابرات. وتسارعت التحضيرات لمؤتمر الرئيس، الذي كان البيت الأبيض قد أعلن عنه بالفعل.<br><br>***<br><br>قبيل ذلك بأقل من ساعة، كان 20 ألفاً من قوات المشاة السورية تقتحم بلدات وقرى مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قنية، ومدن وبلدات عربية أخرى في هضبة الجولان المحتلة. وسط دهشة وذهول سكان تلك البلدات من السوريين المُتبقين في الجولان حتى ذلك التاريخ.<br><br>&nbsp;ووصل المقاتلون إلى ضفاف بحيرة طبريا، وكانت فرق عدة منهم، تقتحم المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، الواحدة تلو الأخرى.<br><br>في حالات نادرة، واجهت القوات السورية مقاومة محدودة في بعض المستوطنات، فيما استسلم اليهود في معظم المستوطنات حال دخول القوات السورية، والعلم السوري يعلوهم، والتكبيرات ترافقهم. كان الذعر هائلاً في أوساط المستوطنين الإسرائيليين. وبدأ المقاتلون السوريون يمشطون البيوت في المستوطنات، ويجمعون سكانها في ساحاتها، فيما كان النساء والأطفال يبكون، والرجال يتوسلون، وظن بعضهم أن قصة الإعدامات الجماعية التي عاشها فلسطينيون عام 1948، في دير ياسين وبلدة الشيخ وسواهما، ستتكرر هذه المرة، بهم. لكن، لم يتم أذية أحد، إلا من قاوم. وقضت القوات السورية التي دخلت المستوطنات، ليلتها، حتى الفجر، تمشط البيوت، وتصادر الأسلحة، وتجمع النساء والرجال والأطفال من المستوطنين، وتُحصيهم، وتجمعهم في أبنية كبيرة.<br><br>***<br><br>في تمام الثانية عشرة من منتصف الليل، بتوقيت دمشق، ظهر الرئيس الأمريكي، في مؤتمر صحفي، على الهواء مباشرة، وألقى بياناً، قال فيه بإيجاز: "لقد أوعزت لقواتنا المتواجدة في الشرق الأوسط، بالاستعداد، وأقولها بشكل صريح، وواضح، إن لم يتوقف العدوان السوري على إسرائيل، سنتدخل، ولن تكون هناك خطوط حمراء".<br><br>وعقّب الرئيس الأمريكي: "حاولنا التواصل مع جمال الدمشقي في دمشق، لكنه يرفض التواصل معنا، وذلك تصرف غير بنّاء، فالجميع يعلم أنه صاحب الكلمة العليا في دمشق. لا أريد أن أناقش تفاصيل وقف إطلاق النار، المُستعجل، مع مسؤولي حكومة دمشق، أريد مناقشتها مباشرة مع جمال الدمشقي".<br><br>وفي رده على أسئلة أحد الصحفيين، أقرّ الرئيس الأمريكي بسقوط 49 طائرة إسرائيلية، أمريكية الصنع، وقال: "لا نعرف من الذي زوّد السوريين بأسلحة مضادة للطائرات، ذات تقنية عالية". فسأله أحد الصحفيين: "هل تُلمّح للروس"، فردّ: "لا أعرف بعد".<br><br>سأله أحد الصحفيين: "هل ستقصفون دمشق؟". فأجاب: "لا نحبذ ذلك، لكن كل الخيارات مطروحة على الطاولة، إن لم نجد وسيلة لوقف عاجل لإطلاق النار، وإعادة الهدوء إلى الحدود السورية – الإسرائيلية".<br><br>حالما انتهى تصريح الرئيس الأمريكي، فُوجئت شخصية بريطانية تتمتع بنفوذٍ كبيرٍ، وصلات صداقة وطيدة، مع صنّاع القرار في واشنطن من جهة، ومع جمال الدمشقي من جهة أخرى، باتصال من الأخير. قال جمال: "صديقي، أبلغ الأمريكيين أن تدخلهم يعني سقوط كل الخطوط الحمر، من جانبنا أيضاً، وستكون العواقب وخيمة أكثر بكثير مما يظنون".<br><br>فأجابته الشخصية البريطانية: "جمال، ما رأيك لو نهدأ جميعاً، لنلتقي في ويلز مرة أخرى".<br><br>"أبداً.. ليس الآن.. بعد أن خرق الإسرائيليون تعهداتهم، وصف الرئيس الأمريكي ما يحدث بالعدوان السوري، أين كان ليلة أمس، ألم تصله تقارير مخابراته بأن طائرات إسرائيلية، انطلقت لتقصف موقعاً عسكرياً قرب العاصمة.. صديقي.. نحن نعلم أنكم كنتم تعلمون بنيّة الإسرائيليين، وأنكم أجزتم لهم ذلك.. إذاً، ليتحمل الجميع العواقب.. وإذا أراد الأمريكيون دفع الأزمة إلى أقصاها، صدقني، ستكون المفاجآت أثقل بكثير مما يتوقعون".<br><br>"جمال.. ما دمت تعلم أننا نعلم بنيّة الإسرائيليين.. إذاً، أنت تعلم أيضاً سبب إقدام الإسرائيليين على ذلك. لقد كانوا واثقين من أنك تطوّر مقدرات عسكرية تشكل خطراً على أمنهم، وكنت تنفي، وكنا نهدئهم دوماً ونقول لهم، إنكم تبالغون.. لكنك اليوم أثبت للجميع، أن الإسرائيليين كانوا على حق..جمال.. لن يترك الغرب إسرائيل تغرق وحدها، سيغرق الجميع معها".<br><br>"ما دام، لم يتدخل الأمريكيون، أو أحد آخر، فعجلة الأمور يمكن أن تعود إلى الوراء، لكن الوقائع على الأرض ستتغير.. ولن أقبل بأقل من ذلك".<br><br>"تقصد أننا نستطيع إعادة إحياء وقف إطلاق النار".<br><br>"سنتفاوض على ذلك، في الوقت المناسب".<br><br>"ما المدى الذي تنوي الذهاب إليه في عمليتك العسكرية؟".<br><br>"يتوقف ذلك على موقف الغرب تحديداً.. كلما كان تدخلهم مُنصفاً، كلما كنا مستعدين مبكراً، للجلوس على طاولة المفاوضات، من جديد، برعاية الغرب.. وكلما تصرف الغرب بانحياز أعمى لإسرائيل، كلما اضطررنا إلى الذهاب في عمليتنا العسكرية، إلى مدىً أبعد".<br><br>***<br><br>وصلت الرسالة سريعاً إلى واشنطن. وقبيل أذان الفجر في دمشق، بهُنيهة، خرج وزير الخارجية الأمريكي في تصريح متلفز، وعاجل، يؤكد بأن واشنطن منفتحة على كل المساعي للتواصل مع دمشق، وأنها تثق بأن حكومة دمشق جديرة بالثقة والتعاون، وأن واشنطن تقدّر غضب السوريين حيال التهور الإسرائيلي، لكنها تنتظر إجراءات بنّاءة للتواصل مع المسؤولين بدمشق، وحلحلة الأمر سريعاً.<br><br>واتصل وزير الخارجية الأمريكي، بنظيره السوري، وتحدثا مطولاً، وعرض عليه لقاءً عاجلاً في جنيف. ووعده الوزير السوري بدراسة المقترح، ببرودٍ كبيرٍ.<br><br>وحالما تنفس الصبح، يوم السادس من حزيران، عام 2040، تمكنت مراصد إسرائيلية في الجليل، من رصد تحركات الجيش السوري، بشكل جلّي، على الضفة الأخرى من بحيرة طبريا. "لقد وصلوا إلى بحيرة طبريا". وصل الخبر إلى غرفة العمليات في القدس الغربية. <br><br>كانت الاتصالات ما تزال مقطوعة تماماً عن هضبة الجولان، ولم يكن أحد يعرف ما الذي يحدث هناك. ولم يكن قد صدر أي بيان أو إعلان عن السلطات الرسمية السورية، يتحدث عن أية تفاصيل جديدة بخصوص الاشتباكات الجارية في الجولان. كان آخر إعلان ذاك الذي تحدث عن إسقاط 49 طائرة إسرائيلية، عصر اليوم السابق. ومنذ ذلك الحين، والتعتيم يسود الأخبار عن تطورات المعركة، الأمر الذي دفع بعض السوريين إلى الاستياء، متسائلين: "لماذا لا يُطلعونا على تطورات الأحداث؟". وزخرت وسائل التواصل الاجتماعي بالنقاشات والتعليقات، وأدلى كل السوريين بآرائهم، وكانت الغالبية العظمى منهم تشعر بارتياح كبير لمجريات الأمور، ذلك أن كل وسائل الإعلام، خاصة تلك التي ترصد الأصداء في إسرائيل، تؤكد أن الإسرائيليين في حال رعب شديد، وأن وسائل المراقبة والرصد عاجزة عن الكشف عما يحدث في الجولان.<br><br>وحوالي الساعة التاسعة والنصف، صباحاً، تعرضت القوات الإسرائيلية المُرابطة في مزارع شبعا وكفرشوبا، اللتين تُعتبران، لبنانيتين، وما تزالان تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، منذ أن أوقف حزب الله، في نهاية عام 2006، كل عملياته القتالية ضد إسرائيل.. تعرضت تلك القوات لهجوم مباغت من قوات سورية، وكان الهجوم شديداً، لكن لم يتم التشويش على الاتصالات، فأوعزت قيادة الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، للقوات الإسرائيلية في المنطقتين، بالانسحاب فوراً. وانسحبت تلك القوات سريعاً، لتتقدم القوات السورية، وتبسط سيطرتها على كامل المنطقتين، وتتوقف تماماً عند خط الحدود التاريخي، الفاصل بين فلسطين ولبنان، حسب ترسيم الحدود عام 1923.<br><br>توقف القوات السورية عن التقدم، فُسّر في غرفة قيادة العمليات بالقدس الغربية، تفسيرين متناقضين، الأول، أن جمال الدمشقي يرسل رسالة مفادها، أنه سيتوقف عند استعادته كامل الجولان، ومزارع شبعا وكفرشوبا، أي سيتوقف عند حدود فلسطين التاريخية، وفق ترسيم الحدود عام 1923. ودعا أصحاب هذا التفسير إلى تقبّل ذلك، والتعامل معه كأمر واقع، بغية تسريع عملية وقف إطلاق النار. كان وزير الدفاع من أصحاب ذلك التفسير، قال: "علينا ألا نعاند، لقد انتصروا، لنُحجّم نصرهم، لأننا إن عاندنا، وعبروا إلى شمال إسرائيل، ستكون كارثة، قد لا نتمكن من تلافي تبعاتها".<br><br>لكن أصحاب التفسير الثاني، كان لديهم رأي آخر، كانوا يرون أن جمال ربما يعتمد استراتيجية تأمين المناطق التي يسيطر عليها، بشكل جيد، قبل أن يتقدم إلى مناطق أخرى. واقترح أصحاب هذا التفسير أن على إسرائيل استخدام قدراتها الصاروخية عالية الدقة، والتهديد علناً بالسلاح النووي، كي تردع جمال، وتوقفه عند حدّه.<br><br>وانقسمت القيادة الإسرائيلية، بين راغبين بوقف عاجل لإطلاق النار عبر التفاوض، وبين من يريد الذهاب بعيداً في استخدام القدرات العسكرية الإسرائيلية الأخرى، التي لم تُستخدم. وانعكس ذلك الانقسام على صنّاع القرار الأمريكي في واشنطن، الذين كانوا بدورهم، منقسمين أيضاً، حول ذات الموضوع، بين مسؤولين يريدون ضبط الأمور، والتواصل مع جمال سريعاً، للوصول إلى وقف لإطلاق النار، وبين من يريد التحرك عسكرياً، لإعطاء جمال درساً، كي لا يُختم المشهد بصورة تنال من الهيبة الأمريكية حول العالم.<br><br>كان بعض رموز القيادات الإسرائيلية، الذين كانوا في حالة انهيار كامل مساء الخامس من حزيران، قد تجلدوا، صباح اليوم التالي، وانقلبت آراؤهم إلى الضدّ. ذلك أن الأنباء التي وصلتهم من واشنطن، والتي تُفيد بإصرار الرئيس الأمريكي على إظهار قدرٍ أكبرٍ من الحزم حيال السوريين، قد أشعرتهم بشيء من التوازن النفسي. يُضاف إلى ذلك، أنهم اطمئنوا للتحركات الأمريكية المكثفة للتواصل مع السوريين في دمشق. وكان رأي تلك القيادات، أن من الأفضل تعضيد خط التفاوض، عبر إجراء عسكري إسرائيلي، ولو كان على سبيل التهديد، بصورة تدعم الموقف الإسرائيلي في المفاوضات المُزمعة.<br><br>ورغم معارضة وزير الدفاع لوجهة النظر هذه، إلا أنه خضع لغالبية الآراء التي اتفقت على ضرورة إظهار المزيد من الحزم حيال دمشق، كي لا يتحول الأمر إلى هزيمة مطلقة ونكراء، بصورة تهدد الأمن الإسرائيلي مستقبلاً. وافق وزير الدفاع على رأي الأغلبية، على مضض. كان يخشى أن يكون في جعبة جمال مفاجآت نوعية أكبر من مجرد مضادات للطيران، وأجهزة التشويش والتعتيم على الاتصالات والأقمار الصناعية. كان يخشى من أن يكون الذهاب في المواجهة إلى مراحل أخطر، يعني، تنازلات أكبر، في المستقبل.<br><br>في دمشق، كان جمال الدمشقي قد علم للتو، خلاصة مجريات اجتماع القادة الإسرائيليين في غرفة العمليات بالقدس الغربية. كانت الأقمار الصناعية السورية، المُصغرة، الخفية عن الأعين، حتى الآن، ترصد من الفضاء الخارجي، حتى الهمسات، في داخل غرفة قيادة العمليات الإسرائيلية. <br><br>وأوعز جمال للجيش، ولجهازه البحثي والتقني، بتنفيذ الخطة ب. كانت كل الأمور معدة مسبقاً. وفي بقعة مهجورة، محاطة بإجراءات أمنية مشددة، في عمق البادية السورية، كان فريقٌ من العسكريين والباحثين يعملون كخلية نحل، تجهيزاً لمفاجأة من النوع الثقيل.<br><br>وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بخطاب متلفز، على الهواء مباشرة، توجه فيه للشعب الإسرائيلي، مُقرّاً بوصول القوات السورية إلى بحيرة طبريا، وبغياب الجولان تماماً عن شاشات الأقمار الصناعية، بصورة لم تسمح حتى الآن للقيادة الإسرائيلية بالكشف عن مصير لواء غولاني وسكان المستوطنات، هناك. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، عقّب: "نظراً لوصول الخطر على الأمن القومي الإسرائيلي إلى مراحل غير مسبوقة، حيث بات الشمال الإسرائيلي مهدداً بعبور مقاتلين متطرفين من السوريين إليه.. أُعلن، أن إسرائيل بصدد استخدام السلاح النووي، وتوجيهه للعاصمة السورية، أو أي مدينة أخرى، ترتأي المصلحة استهدافها، إن تقدمت القوات السورية أكثر. وننذر المسؤولين في دمشق، أن عليهم سحب قواتهم، عاجلاً، من المناطق التي دخلوها، والكشف عن مصير مقاتلينا ومدنيينا المفقودين، وإلا، فإن إسرائيل ستلجأ لكل الوسائل المتاحة لوقف العدوان السوري، وردعه".<br><br>في هذه الأثناء، كان الأسطول الأمريكي السادس، يقترب من الشواطئ السورية. وتداولت وسائل إعلام غربية تسريبات عن وجود قرارات بتوجيه ضربات أمريكية صاروخية، لعمق الأراضي السورية، تنتظر توقيع الرئيس الأمريكي.<br><br>وبدأت مشاعر الخوف تتسرب إلى السوريين، وظهر ذلك جلياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبدأت شريحة منهم تطالب حكومتها، بلفلفة الأمر، قبل أن تنجر البلاد إلى حرب شاملة، لا قِبل لها عليها.<br><br>في خضم تلك الأجواء، ظهر متحدث عسكري سوري، على شاشات القنوات السورية، معلناً عن حدث جلل في تاريخ السوريين، والأمة العربية والإسلامية، دعا الجميع لمتابعته بعد أقل من نصف ساعة من الآن.<br><br>وتسمّرت شعوب عديدة أمام شاشات القنوات الإخبارية، العربية والعالمية، التي كانت تنقل بث قناة "الشام" الدولية، المملوكة لـ جمال الدمشقي، والتي عادةً ما تبث أحدث الأخبار والتسريبات.<br><br>بعد أقل من نصف ساعة، انتقل بث قناة "الشام" الدولية، إلى بقعة صحراوية، ومن ثم ظهر قادة عسكريون يجلسون وراء إطلالة زجاجية ضخمة، وآخرون يرصدون بالمناظير تلك البقعة الصحراوية.<br><br>وبعيد وهلة من الزمن، نقلت الشاشات صورة تفجير هائل، شكّل سحابة مهولة اتخذت شكل "الفطر". وبعيد دقائق فقط، اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات، "إنها قنبلة نووية"، "سحابة الفطر"، "تجربة نووية في سوريا".<br><br>وبعيد انتهاء البث المباشر من مكان التفجير، وفيما كان محلل عسكري على شاشة "الشام" الدولية، يتلعثم من هول المفاجأة، ظهر على الشاشة خبر عاجل، يعلن بأن الرئيس السوري، سيظهر في كلمة متلفزة بعد قليل.<br><br>وبعد أقل من عشر دقائق، ظهر ناجي الفتيحي، في تسجيلٍ مصور، ليقول: "نعلن لشعبنا العظيم، وللعالم أجمع، أن الجمهورية السورية دخلت اليوم، النادي النووي. فقد تم اليوم، وبنجاح، تجريب قنبلة نووية، هي واحدة من عشرات القنابل الأخرى، التي تمتلكها قواتنا المسلحة. ونقول للعالم أجمع، هو سلاح لردع أي عدوان، ورسالة تحذير بغرض السلام، نأمل أن تصل إلى من تعنيهم".<br><br>وحالما انتهت كلمة الرئيس السوري، أُطلقت صفارات الإنذار في عدة مدن إسرائيلية، من بينها القدس الغربية. وعمّ الذعر الشوارع والمحلات، وسارع الإسرائيليون إلى الملاجئ، ونقلت وسائل إعلامية عديدة صوراً من شوارع القدس الغربية وقد فرغت خلال دقائق من الناس، بصورة شبه كاملة، فيما كانت صفارات الإنذار تولول.<br><br>وفي غرفة قيادة العمليات، بالقدس الغربية، اتصل المسؤول الأمني السوري الرفيع ذاته، بمدير الموساد، الذي وضع المكالمة على السبيكر، وتحلق حوله المسؤولون ليستمعوا. قال المسؤول الأمني السوري: "أعداؤنا الأعزاء، الصاروخ الثاني سيسقط بعد دقائق في إحدى مباني مفاعل ديمونا، لكن لا تخافوا، فهو سيسقط في مبنى بعيد عن الأبنية التي تتضمن الوقود النووي والأسلحة المخزنة. ويمكن لكم، بعيد سقوطه، أن تتأكدوا بأنه صاروخ بالستي، قادر على حمل رؤوس نووية. أرجو أن تكون قد وصلت الرسالة. شلوم".<br><br>أما في دمشق، فنزل الناس إلى الشوارع، ورغم مخاوف بعض الأمهات، وثلة أقل من الآباء، إلا أن معظم الشباب، والكثير من النسوة والأطفال، وحتى الكهول، كانوا يرقصون ويحتفلون في شوارع دمشق، وأرتال من السيارات تُطلق زماميرها بنغمات فرحة، ويخرج من نوافذها شبان وفتيات، يلوحون بالعلم السوري، علم الثورة، علم سوريا قبل البعث. وتكرر المشهد في مختلف المدن السورية، حتى في اللاذقية وطرطوس، وفي القامشلي وعامودا والحسكة، وفي السويداء أيضاً.<br><br>وفي واشنطن، ظهر متحدث عسكري في البنتاغون، في مؤتمر صحفي موجز، ليؤكد: "رصدت أقمارنا الصناعية تفجيراً نووياً هائلاً في عمق البادية السورية". وعقّب: "السوريون يملكون السلاح النووي". ثم استطرد: "ولدينا معطيات تؤكد أنهم يملكون صواريخ بالستية بعيدة المدى، قادرة على حمل رؤوس نووية، أطلقوا أحدها قبل قليل، في الأجواء الإسرائيلية، لكنهم لم يستهدفوا أية مدينة أو موقع إسرائيلي، لقد سقط الصاروخ في الصحراء، فيما يبدو أنها رسالة تحذير".<br><br>لم يقل المسؤول العسكري الأمريكي أن الصاروخ البالستي الثاني، سقط داخل مفاعل ديمونا، ولم تعلن السلطات السورية شيئاً عن الأمر، في حينه.<br><br>ومع التصريح الأمريكي هذا، عمّت الاحتفالات مدناً عربية وإسلامية عدّة، بيروت، عمان، بغداد، القاهرة، ومدناً خليجية، وأخرى يمنية. وكذلك، في اسطنبول وأنقرة وغازي عينتاب. كانت الفرحة عارمة في الشارع العربي والإسلامي. فيما كان الإسرائيليون مختبئين في الملاجئ، والرعب يداعب أذهانهم، والعاقل منهم، يقول في وجوم: "يبدو أنها هرمجدون بالفعل".<br><br>***<br><br>ومع حلول ظلام، يوم السادس من حزيران، عام 2040، حصل تطور نوعي جديد، إذ أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي أمر بتفعيل حالة الاستعداد الدفاعي من مستوى "ديفكون 2". وهي أعلى مستوى من حالات الاستعداد العسكري، وصلتها الولايات المتحدة الأمريكية، في تاريخها، مرة في أزمة الصواريخ بكوبا، ومرةً في حرب الخليج الأولى عام 1991. وتعني، أن هناك خطر حرب نووية، متوقع. ويُفيد هذا الإعلان، بأن القوات المسلحة الأمريكية، حول العالم، باتت في حالة تأهب واستعداد، مع التأكيد على جاهزيتها للعمل في حدود ست ساعات.<br><br>كانت رسالة واضحة لـ جمال الدمشقي، بأن الولايات المتحدة الأمريكية في طريقها للتدخل. وبدأ المحللون العسكريون في مختلف وسائل الإعلام، يوضحون ماذا يعني الإعلان الأمريكي. وفهم السوريون، جلياً، أن بلدهم باتت قاب قوسين أو أدنى من مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>في هذه اللحظات، اتصلت الشخصية البريطانية المتنفذة، بـ جمال الدمشقي. قال المتحدث: "جمال.. ما رأيك لو نلتقي في ويلز بعيداً عن الأضواء؟.. هناك العديد من الأصدقاء يصرّون على هذا اللقاء بشكل عاجل".<br><br>"نعم.. لكن، ليكن في جنيف. سأبلغ أصدقائنا في سويسرا بإعداد الأمر. سنعقد اللقاء في قصري الصغير على البحيرة، بعيداً عن ضجيج المدينة، وكاميرات الإعلام".<br><br>"حسناً".<br><br>***<br><br>قبل أن يغادر، احتضنته إيمان لوهلة، ثم تهاوى صوتها، وقالت: - لا تذهب.. أرسل أحداً مكانك.<br><br>أمسك برأسها، برفق، ونظر في عينيها، ومسّد شعرها، كانت عيناها تتلألأن بالدمع. قال: - لا تخافي يا حبيبتي.. لن يجرؤوا على مسّي بسوء.. على العكس، هم يريدون التفاهم معي بأي طريقة.. وهم يفضلون التفاهم معي، على أن يتخلصوا مني، فتصبح القدرات النوعية التي نمتلكها في قبضة قيادات لا يعرفونها، ولا يعرفون كيف يمكن التعامل معها.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أعلم ذلك.. ولكن.. يمكن لك أن ترسل أحداً آخر.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لقد تعبنا كثيراً كي نصل إلى هذه اللحظة، يجب أن أُشرف بنفسي على استثمارها.<br><br>ودّعته، بمرارة. وانطلق جمال بواسطة حوامة خاصة من مهبط خاص في قصره بدمشق، نقلته إلى مطار دمشق الدولي، حيث انتقل إلى طائرته العملاقة الخاصة، ليُغادر دمشق قبيل منتصف الليل.<br><br>وفي صباح اليوم التالي، السابع من حزيران، عام 2040، اجتمعت ثلة مُصغّرة من صفوة النخبة في العالم، مع جمال الدمشقي، في قصره المطل على بحيرة جنيف. كان جُلّهم من الأمريكيين، من بينهم، مدير المخابرات المركزية، ووزير الخارجية، ورئيس هيئة الأركان العامة، إلى جانب شخصيات بريطانية، وفرنسية، وألمانية، وسويسرية، وثلاث شخصيات إسرائيلية، هم، وزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان ومدير الموساد.<br><br>كانت بداية الاجتماع متوترة للغاية، إذ كان الغضب مُتجلياً في وجوه الشخصيات الإسرائيلية، مع نبرة لؤم واضحة في الكلام. فيما كان جمال هادئاً جداً. وكان معه، ثلاثة مستشارين شخصيين، ومسؤول دبلوماسي سوري رفيع يثق به، إلى جانب المسؤول الأمني الرفيع الذي سبق أن تحدث إلى الإسرائيليين بعيد إطلاق الصاروخين البالستيين، جلس إلى جواره ثلاثة مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى من هيئة أركان الجيش السوري.<br><br>جلست الشخصيات الرئيسية حول طاولة مستديرة ضخمة، من خشب الزان الموشّى بالموزاييك، فيما جلس مساعدو كل شخصية حاضرة، على مقاعد قريبة من الطاولة، كل مجموعة مساعدين خلف الشخصية الرئيسية الخاصة بهم، قريباً من الطاولة المستديرة، بصورة تسمح لهم بسماع تفاصيل النقاش.<br>&nbsp; <br>حاولت الشخصية البريطانية المُتنفذة ذاتها، إدارة الجلسة، وبدأت الكلام حول الضرورة الملحة للفلفة الأمور قبل أن تفلت تماماً من زمام سيطرة كل الأطراف. وتوجه بالكلام إلى جمال، قائلاً: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; جمال.. أنت تعلم أننا نعدّك واحداً منا.. فأنت من شخصيات المحفل النادرة، التي تحمل جنسية عربية.<br><br>فانبرى وزير الدفاع الإسرائيلي ليتحدث بنبرة حادة: - لكنه لم يكن عند حسن ظننا به.<br><br>قال جمال بهدوء: - لم أكن أظن أن مشاركتي في لقاءات المحفل المذكور، تعني نيلي العضوية فيه، فحضوري، كما يعلم جميع الموجودين هنا، كان حضوراً شرفياً، لتعزيز صلات الصداقة بين رجالات النخبة في العالم، ولإيجاد قنوات هادئة لحلحلة المشكلات حول العالم، بعيداً عن ضغوط الإعلام والرأي العام..<br><br>قاطعته الشخصية البريطانية المتنفذة: - وهذا ما قصدته.. ونحن هنا في سبيل ذلك..<br><br>لكن جمال استطرد: - أما أنني لم أكن عند حسن ظنكم بي.. فلم أكن أعرف أن المطلوب مني إثبات حسن ظن شخصيات إسرائيلية بي.. ولم أكن أظن أن هذا المحفل، قيادته إسرائيلية.. كنت أظنه محفلاً لصفوة القيادات في العالم.. <br><br>تدخلت الشخصية البريطانية سريعاً: - وهو كذلك.. أرجوكم، لا نريد تحويل دفة الحديث نحو مهاترات جانبية.<br><br>وتدخل وزير الخارجية الأمريكي ليقول: - دعنا ننسى موضوع المحفل الآن.. نحن هنا لأمر طارئ.. الشرق الأوسط على شفا حرب نووية.. سيد جمال، لقد خدعتنا طوال سنوات.. لقد كان الإسرائيليون محقون في أنك تطوّر قدرات تهدد أمنهم ووجودهم.<br><br>قال جمال: - سأوجز.. كي لا نضيع الوقت الثمين المُتاح لدينا.. عدم الثقة المتبادلة هي أساس المشكلة، فحينما أجد إسرائيل منكبة سنوياً على تطوير قدراتها العسكرية، رغم أنها في حالة سلام أو وقف إطلاق نار مع كل دول الطوق المحيطة بها، فيما إيران باتت تتمتع بعلاقات قريبة من التطبيع معها، ولم يعد هناك تهديد حدودي لهم.. فالأمر يوحي بأنهم يعدون العدّة لأمر ما.. لذا من الطبيعي أن نُعد بدورنا العدّة لحماية أنفسنا من أية مغامرات، كتلك التي تورطت بها القيادة الإسرائيلية فجر الخامس من حزيران. ومن ثم.. لم أسمع من الضامنين لوقف إطلاق النار، وأعني تحديداً الأمريكيين، أي موقف حازم حيال إسرائيل طوال 12 ساعة أعقبت عدوانهم، ولم نتحرك خلالها بانتظار موقف عادل ممن كنا نظن أنهم الضامنون حقاً لوقف إطلاق النار. فعلاً، لا قولاً.<br><br>شهق وزير الخارجية الأمريكي، وزفر بهدوء، ثم قال: - نعم.. سأكون صريحاً معك.. لقد أخطأنا في ذلك، لكننا كنا تحت ضغط مخاوف حلفائنا الإسرائيليين من أنك تمتلك قدرات تهدد أمنهم، وقد ثبت أن ذلك صحيح.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سيدي الوزير، أنا أعلم، بشكل يقيني، أنكم وافقتم على خطة العدوان الإسرائيلي، وكفلتم لهم حمايتهم إن تطورت الأمور بصورة غير متوقعة.. وهذا ما تفعلونه الآن..<br><br>تدخلت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - لن تسير دفة الحديث إلى نتيجة مثمرة، وفق هذه المنهجية.. ليطرح كل طرف ماذا يريد، ولنجري تفاوضاً على أساس ذلك.<br><br>قال وزير الدفاع الإسرائيلي: - حسناً.. بإيجاز.. نريد من السوريين أن ينسحبوا من المناطق التي سيطروا عليها، وأن يكشفوا عن مصير لواء عسكري كامل، وعشرات آلاف المدنيين الذين لا نعرف شيئاً عن مصيرهم حتى الآن. لتعود الأمور إلى سابق عهدها، ومن ثم، يمكن تحديد قواعد جديدة لوقف إطلاق النار.<br><br>قال جمال بحدة: - لقد انتهى عهد الإملاءات الخاص بكم.. هذا عهد جديد.. لا تحلموا بالجولان إلا على جثتي.<br><br>قال وزير الدفاع مبهوتاً: - ماذا؟<br><br>قالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - جمال.. اهدأ.. النقاش لا يكون بهذه الطريقة أرجوك، نحن في وضع حرج جداً، وبلدك ليست في مأمن تماماً.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; صدقني يا صديقي، بلدي في مأمن تماماً.. وما دام هناك عقلية تقوم على الإملاءات، فلن نستطيع إيجاد سبيل بنّاء للنقاش.<br><br>قال وزير الدفاع الإسرائيلي: - لقد طرحنا ماذا نريد.. لم نُملي.<br><br>تدخل مدير المخابرات المركزية الأمريكية: - سيد جمال.. لقد بت تملك قنبلة نووية، أو ربما أكثر، وذلك يرتب عليك مسؤولية كبرى.. فالمواجهة النووية ليست لعبة.. إن كنت تملك عشرات القنابل النووية، فإسرائيل تملك المئات، والولايات المتحدة الأمريكية تملك الآلاف.. لا يمكن لك أن تفكر بهذه الطريقة.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; جميل.. إذاً، لنُحيّد التهديد النووي، الذي أطلقه الإسرائيليون بالمناسبة، ولست أنا.. إن حيّدنا ذلك التهديد، ونسينا تماماً أن السلاح النووي مطروح في المواجهة.. لقد انتصرت قواتنا، ومن حقنا الاحتفاظ بالأراضي التي استعدناها، مع التذكير، لمن غاب عن ذهنه ذلك، هي أرضنا بالأساس، حتى أنها ما تزال حتى اليوم، بموجب القرارات الدولية، أرضاً محتلة، وقد استعدناها، فعلى أي أساس يتحدث السيد وزير الدفاع عن الانسحاب.. طريقته في الكلام تُوحي بأنه يهدد بإدخال عامل غير تقليدي في المواجهة، لأنه وفق الظروف الميدانية الراهنة، وباستخدام الأسلحة التقليدية، يبدو أن الطريق مفتوح أمامنا حتى القدس.<br><br>قال وزير الدفاع الإسرائيلي بحدّة: - تهديد جلّي لن أقبله.<br><br>نهض جمال من خلف الطاولة المستديرة الضخمة التي تجمع الشخصيات الرئيسية المُجتمعة، وقال: - اعذروني، أعتقد أن النقاش بات عبثياً، لم آت إلى هنا من أجل ذلك.. أنا مضطر للانسحاب.<br><br>وغادر جمال الغرفة، ولحقت به الشخصية البريطانية المُتنفذة، أمسكته من ذراعه برفق وهو في إحدى أروقة القصر التي كان يغادر عبرها، وقالت له: - أرجوك يا جمال.. لقد كنا سعداء للغاية أن عثرنا على شخصية سورية مثلك، يمكن أن نثق بها في إدارة هذا الجزء الكبير من الهلال الخصيب بصورة لا تهدد أمن القوى الإقليمية أو الدولية.. لا تهدم كل معالم الثقة بيننا.. لا يمكن لك أن تفكر بإنهاء إسرائيل.. لا أحد من الكبار سيقبل بذلك، وستجر بلدك لمواجهة دولية كبرى، لا قدرة لك على صدّها.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من قال أنني أفكر بإنهاء إسرائيل..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، ما معنى عبارتك، "الطريق مفتوح أمامنا حتى القدس".<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; صديقي العزيز.. لن نتمكن من الحوار مع الإسرائيليين إن كانوا ما يزالون يتوقعون مني العودة إلى ما قبل فجر الخامس من حزيران.. الآن، هناك على الأرض وقائع جديدة، يجب أن يكون التفاوض على أساسها. أما أن يناقشوني من منطلق، إما أن تنسحب، أو نستخدم السلاح النووي.. فما فائدة النقاش إذاً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حسناً.. اهدأ، دعنا نأخذ استراحة لبضع ساعات، ونعاود النقاش بعد العصر.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حسناً. <br><br>***<br><br>في مسعى لمنع انهيار المفاوضات، استطاعت الشخصيات الأوروبية الوسيطة إقناع الإسرائيليين بعدم المغادرة، فيما اتهم هؤلاء جمال الدمشقي بالمماطلة المقصودة، بغية فرض وقائع جديدة على الأرض، لتعزيز موقفه التفاوضي أكثر، بواسطتها. لكن تدخل الأمريكيين الذين أيدوا زملائهم الأوروبيين أدى إلى الاتفاق على استراحة تدوم إلى ما بعد عصر السابع من حزيران.<br><br>كان جمال، قبيل مغادرته إلى جنيف في الليلة الفائتة، قد اتفق مع القيادات بدمشق على تنفيذ سلسلة من الأفعال، حالما يُوعز لهم بذلك، من جنيف. وكانت التحضيرات جارية على قدم وساق، لتهيئة متطلبات تنفيذ التعليمات حالما يصل الضوء الأخضر لتنفيذها من جنيف. وحالما غادر جمال الاجتماع التفاوضي الصباحي، أعلم القيادات في دمشق، بتنفيذ ما اتفقوا عليه.<br><br>وظهر وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان في الجيش السوري، على شاشات التلفزة، وهما ينفذان جولة تفقدية في الجولان، جابا خلالها بعض التحصينات والخنادق الإسرائيلية المدمرة، ثم استعرضا عدة مئات من الأسرى من مقاتلي لواء غولاني الإسرائيلي، طلبا من الجنود السوريين الإحسان إليهم، ومن ثم، رفعا العلم السوري على نقطة تقع على ضفاف بحيرة طبريا، وسط هتاف الجنود السوريين وتكبيراتهم. ومن ثم، بدأ الوزير ورئيس الأركان بجولة مراقبة ورصد، بالمناظير، في أفق البحيرة، التي تقع على طرفها الآخر، فلسطين التاريخية.<br><br>بعيد ذلك، خرج الرئيس السوري في تسجيل مصوّر، يُعلن استعادة كامل هضبة الجولان السورية، المحتلة منذ 73 عاماً. وأكد أن الجنود السوريين يسبحون الآن في شاطئ البحيرة الشرقي، وسط استعدادات محتملة للعبور إلى الطرف الآخر. وطلب من السوريين الدعاء للجنود البواسل بالنصر المؤزر، مشيراً إلى أن الحرب لم تتوقف بعد.<br><br>ومن ثم، تجولت كاميرا قناة "الشام" الدولية، في إحدى المستوطنات الإسرائيلية، وتحدثت إلى مستوطنين ظهر عليهم الوجوم، وتحدثوا بالعبرية، بشيء من التحفظ، والخوف جلّي على محياهم.<br><br>كان هناك 100 ألف مستوطن في الجولان، باتوا في قبضة القوات السورية، فيما كان هناك 15 ألف مقاتل من لواء غولاني الإسرائيلي، مجهولي المصير، بالنسبة للإسرائيليين. <br><br>وقبيل العصر ببرهة، ظهر نائب الرئيس السوري، وسام شرف، في حديث صحفي مع إعلامي سوري مخضرم، ليقول: "هناك قناة تفاوض قائمة الآن، لكن الإسرائيليين يتعنتون، لم يستوعبوا بعد بأن الحقائق الميدانية، التي تعودوا عليها منذ أكثر من سبعين سنة، تغيرت، وأن لا رجعة للوراء، لذا أعتقد بأننا قد نكون مقبلين على حرب داخل الأراضي الفلسطينية.. لن نتوقف إلى أن نضمن شروطاً عادلة لوقف إطلاق النار هذه المرة".<br><br>ولليوم الثاني على التوالي، عمّت الاحتفالات شوارع دمشق ومختلف المدن السورية، وبعض المدن العربية والتركية. وفي دمشق، ملأ الناس الشوارع في مهرجانات فرح. بالأمس احتفلوا بامتلاك بلدهم سلاحاً نووياً وصواريخ بالستية قادرة على نقله، تغطي المدى الإسرائيلي. واليوم، يحتفلون بالسيطرة على كامل هضبة الجولان المحتلة منذ أكثر من سبعة عقود. كانت دمشق تعيش أيام فرحٍ زاهية، وكأنها لم تكن تلك المقصية عن الحضارة الإنسانية، والمنزوية تحت لواء حكم قروسطي، منذ تسع سنوات فقط. <br><br>كانت دمشق هذه الأيام، قبلة الاهتمام العالمي، ومصدر إلهام مُشع لجماهير عريضة من العرب والمسلمين، ومكمن فخر مُنتشٍ في نفوس أبنائها من السوريين.<br><br>***<br><br>وبعد عصر السابع من حزيران، رفض الإسرائيليون حضور جلسة المفاوضات، وأصرّوا على أن يُقدّم جمال الدمشقي إجراءات حسن نيّة، قبل حضورهم، متذرعين بأنه تسبب بإحراج هائل لهم أمام الرأي العام في بلدهم، بعد ما بثته وسائل الإعلام من صور للأسرى الإسرائيليين وللمستوطنين الخائفين. مشيرين إلى أنهم لن يقبلوا برسائل التهديد المرسلة من دمشق، بالعبور إلى داخل فلسطين.<br><br>وحاولت شخصيات أوروبية وأمريكية تشكيل قناة تفاوض غير مباشرة، يكونون الوسطاء فيها، دون أن يجلس الطرفان على طاولة واحدة. لكن جمال رفض أي تفاوض إلا وفق أسس متفق عليها، ويُقر عليها الإسرائيليون. وتعقّد المشهد. وفي هذه الأثناء، عبرت وحدات من الجيش السوري بزوارق، ليلاً، إلى الشطر الغربي من البحيرة، وسط قصف مدفعي مكثف، وتشويش على الاتصالات.<br><br>وفي وقت متأخر من مساء السابع من حزيران، غابت مدينة طبريا، ومعظم الساحل الغربي لبحيرة طبريا، عن عالم الاتصالات ورقابة الأقمار الصناعية. وسرعان ما فرّ الجنود الإسرائيليون من مواقعهم، حالما فقدوا القدرة على التواصل مع قياداتهم، تجنباً لمصير مماثل لذلك الذي حل بأقرانهم في الجولان. كما فرّ معظم المدنيين الإسرائيليين من طبريا ومن المستوطنات في تلك البقعة. وبات جلياً أن الشطر الغربي من بحيرة طبريا، أصبح في قبضة السوريين، وأن الحرب باتت داخل الأراضي الفلسطينية، في شمالها بالتحديد.<br><br>وقبيل منتصف ليل السابع من حزيران، طلب الإسرائيليون اجتماعاً عاجلاً مع جمال الدمشقي، نجحت الشخصية البريطانية المتنفذة في ترتيبه بعد أن أقنعت الأمريكيين بعدم الانجرار وراء دعوات التصعيد من جانبهم، لأن لدى جمال، كما هو جلّي، مفاجآت أخرى، والخطر بات محدقاً أكثر بعمق الأراضي الإسرائيلية، وما عاد يحتمل أي مشادات، أو تصعيد غير محسوب العواقب.<br><br>وتم الاتفاق على اجتماع عاجل، وافق عليه جمال، بحضور الشخصيات الإسرائيلية الثلاث. وكانت الشخصية البريطانية المتنفذة قد اشترطت أن تتولى إدارة المفاوضات، وألا يخرج أي من الطرفين عن المسار المتفق عليه للنقاش. وافق الطرفان على ذلك.<br><br>واجتمعت الشخصيات من الطرفين، بوجود الوسطاء الأوروبيين، إلى جانب مسؤولين أمريكيين، من جديد، في قصر جمال، حول طاولة الزان المستديرة الضخمة. وقالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أقترح كأساس للتفاوض، القبول بالوقائع الميدانية الجديدة.<br><br>قال وزير الدفاع: - نوافق، لكن ذلك لا يشمل عبورهم الأخير إلى طبريا.<br><br>قال جمال: - يجب أن يشمل القبول بكل الوقائع الميدانية الجديدة، والتفاوض على أساسها.<br><br>فتدخلت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - أقترح أن يكون النقاش محصوراً بمصير الجولان ومزارع شبعا وكفرشوبا، أما التقدم الأخير إلى عمق فلسطين، يجب التخلي عنه من الجانب السوري.<br><br>فقال جمال: - أرفض ذلك.. هناك وقائع ميدانية جديدة على الأرض، تحققت بالقوة وبتضحيات من جنودنا، لن أتركها تذهب هباءً.. التفاوض يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل التطورات الميدانية، ويتم على أساسها.<br><br>قال وزير الدفاع: - في هذه الحالة، نشترط وقف إطلاق نار مؤقت، على الأقل. لا يمكن أن نفاوض تحت النار.<br><br>وهنا تدخل مدير المخابرات المركزية الأمريكية: - بالتأكيد.. يجب أن تكون هناك إجراءات حسن نُية.<br><br>فقال جمال: - لكننا نجتمع هنا لنناقش شروط وقف إطلاق النار. فكيف تريدون وقف إطلاق النار، قبل الاتفاق على شروطه؟<br><br>فرد وزير الدفاع الإسرائيلي: - لكننا لن نقبل التفاوض تحت النار. قواتك تتقدم. ولا نعرف ما الذي يجري الآن في طبريا. وصفد في خطر. لن نقبل بذلك.<br><br>قال جمال: - حسناً.. كي أُثبت لجميع الموجودين هنا، حسن نيتنا، وعدم رغبتنا بتهديد الوجود الإسرائيلي، كما يعتقد خصومنا الإسرائيليون. سأوافق على وقف مؤقت لإطلاق النار. لكن، في حال تم خرقه من جديد، من جانب الإسرائيليين، لن نقبل أي نقاش هذه المرة.<br><br>قالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - ممتاز، بدأنا نتقدم.. بطبيعة الحال، هذا وقف مؤقت لإطلاق النار، بغية تهيئة أجواء سليمة للتفاوض. وغاية التفاوض الأخيرة هي تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت، وتحويله إلى دائم، من جديد، وفق نقاط جديدة متفق عليها.<br><br>أعلن الطرفان السوري والإسرائيلي موافقتهما على مبدأ الوقف المؤقت لإطلاق النار. وتم فضّ الاجتماع بتعهد من جمال بتنفيذ هذا الوقف المؤقت لإطلاق النار، فوراً، على أن يتم الاجتماع مجدداً صباح اليوم التالي.<br><br>وبالفعل، في أقل من نصف ساعة، أعلن متحدث باسم وزارة الدفاع السورية، في دمشق، وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار. وقال في تصريح صحفي متلفز: "قواتنا أوقفت تقدمها. وهناك مفاوضات تجري لتثبيت وقف دائم لإطلاق النار يراعي الوقائع الميدانية الأخيرة".<br><br>وحالما صدر التصريح الأخير عن وزارة الدفاع السورية، انهال سيل من التعليقات الغاضبة في أوساط السوريين، على وسائل التواصل الاجتماعي. فقال أحدهم: "لماذا توقفتم، القدس على مرمى حجر؟"، فيما علّق آخر: "لا تخضعوا للضغوط، إننا منتصرون والإسرائيليون في حالة انهيار نفسي كامل، إنها الفرصة التاريخية المُنتظرة، لا يجب تفويتها"، فيما تحدث ثالث بغضب: "يبدو أن جمال باع فلسطين، واكتفى بالجولان، يا حيف، على الأقل استعيد القدس".<br><br>فيما كانت شريحة من السوريين تناقش التطور من زاوية أكثر عقلانية، فعلّق أحدهم: "يا جماعة، طولوا بالكم، هل تعتقدون أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتفرج علينا نسرح ونمرح في فلسطين.. جمال يفاوض الآن أقوى دولة في العالم، لا يفاوض الإسرائيليين فقط".<br><br>أما في إسرائيل، كان الارتياح قد عمّ الأجواء، بعد أن كان الرعب يُخيّم على النفوس، والمعنويات في أقصى حالات الانهيار. وعلّق إسرائيليون على وسائل التواصل الاجتماعي، التي رفعت السلطات الحجب عنها بعيد الاجتماع التفاوضي الليلي المُثمر. وقال أحدهم: "جدوا حلاً سريعاً، ستكون كارثة لو انهارت المفاوضات". فيما علّق آخر: "نريد السلام، لا تجرونا إلى أبعد من ذلك في مغامراتكم الغبية".<br><br>بدورهم، علّق بعض الفلسطينيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "إنها عادة الحكام العرب، يتاجرون بقضيتنا، وحالما يلوح في الأفق تطور يخدم تلك القضية، يتخاذلون ويجبنون". كان الاستياء صارخاً في أوساط الكثير من الفلسطينيين، في الداخل، وفي بلدان اللجوء. كانوا يشعرون أن أملاً برّاقاً، لاح لهم بعد عقود من القنوط حيال أي تطور إيجابي في قضيتهم، قد أُطفئ هو الآخر في مهده، قبل أن يُضيء. كما أُطفئت قبله آمال مضيئة كثيرة. قبل أن ينسوا الأمل تماماً في العقود الأخيرة.<br><br>وكان جلياً أن وقف إطلاق النار المؤقت أثار سخطاً نسبياً في الأوساط الشعبية التي كانت مُنتشية بتقدم السوريين المفاجئ. وفيما كان كثير من السوريين، في الساعات الأولى لإعلان الحرب، يشتمون قيادتهم، وينالون من جمال شخصياً، مُتهمينهم بالتهور والعبثية. تحولوا ذاتهم إلى شتّامين لقيادتهم ولـ جمال من جديد، لكن هذه المرة، لأنهم قرروا وقف الحرب، بشكل مؤقت.<br><br>في هذه الأثناء كان جمال يتابع تلك التطورات التي كان يتوقعها. وكان يراها من زاوية مختلفة. كان يجد فيها ورقة قوة تفاوضية. أما قضية إرضاء الرأي العام السوري، بالتحديد، فكان جمال لا يراهن عليها، فالعامة من الناس لا يعرفون خفايا الأمور، ولا يدركون أن الذهاب في المواجهة إلى أبعد من ذلك، يعني جرّ البلاد إلى مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل مباشر، وقدرات سوريا اليوم، لا تؤهلها لتحمل تلك المواجهة. أو أنهم يدركون ذلك، لكنهم لا يقدرون العواقب، التي تعني، فيما تعني، تدمير كل ما بنوه خلال عقدٍ من الزمان.<br><br>***<br><br>في صباح اليوم التالي، فُوجئ المفاوضون والوسطاء، بطلب جمال تأجيل الجلسة إلى ما بعد ظهر اليوم نفسه. كان يوم جمعة. وقبيل الصلاة، نقلت شاشات وسائل الإعلام السورية حشوداً هائلة في ساحة الأمويين بدمشق. وأُعلن عن أن الشيخ أسامة عز الدين، المرجعية الدينية السلفية الكبيرة، سيُلقي خُطبة الجمعة، ويؤم الصلاة، في الساحة، بعشرات آلاف السوريين المحتشدين.<br><br>وبدأ الشيخ أسامة خُطبته، بحمد الله والثناء عليه، وشُكره على النصر المؤزر المُحقق في الأيام الأخيرة، مؤكداً أن الشهداء من الجنود السوريين اليوم، في جنان الخلد، ينعمون بالملذات، ويسألون متى سيلحق بهم رفاقهم الذين تركوهم في الحياة الدنيا. وبعد استطراد مطوّل حول تلك النقاط، علت نبرته، وقال: "حانت اللحظة، مجاهدونا داخل الحبيبة فلسطين، أرض الرباط، تلك التي كرّمها الله، وامتدحها الرسول صلى الله عليه وسلم، إنها اللحظة التاريخية المنتظرة، لا يجب أن نجبن أو نتخاذل.. لذا، أقول للمفاوضين في جنيف، لا تهنوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.. وأذكرهم بقول الله، "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم".. لذا أقول للمفاوضين في جنيف، لن يمسسكم سوء إن اتبعتم رضوان الله، فلا تخشوهم، ولا تهنوا لتهديداتهم، ولا تُضيعوا هذه الفرصة التاريخية، فالقدس..".. وتهاوى صوته، وتهدج.. ثم استطرد: "القدس على مرمى حجر، فيا جمال، شرف عظيم لك أن تكون صلاح الدين الأيوبي في هذا العصر، فلا تجبن أو تضعف".<br><br>وتعالت الهتافات: "الله أكبر، الله أكبر".. وردد أحد المتسلقين على إحدى أعمدة الإنارة، "يا جمال.. يا جمال.. لا تجبن ولا تنهان".. ورددت عشرات آلاف الحناجر ذلك الهتاف. وبعيد صلاة الجمعة، جابت تظاهرة ضمت ما يفوق المئة ألف سوري، شوارع دمشق، تطالب الحكومة وجمال الدمشقي بالثبات في المفاوضات، وبمتابعة القتال حتى القدس.<br><br>ووصلت التقارير إلى المسؤولين الإسرائيليين، والأمريكيين، والأوروبيين، تُفيد بضغوط كبيرة في الشارع، ومن الإسلاميين، تستهدف جمال الدمشقي، وتطالبه بمواصلة القتال، حتى القدس.<br><br>بعيد ذلك، عُقدت الجلسة الثالثة للتفاوض. قال جمال: - أعتقد أنكم تعرفون جميعاً ما يحدث في دمشق.. أنا الآن في موقف لا أحسد عليه.<br><br>دار في أذهان المفاوضين الإسرائيليين، والمسؤولين الأمريكيين والوسطاء الأوروبيين، جميعاً، فكرة واحدة مفادها، أن جمال يبتزهم بالرأي العام في بلده، وبفزاعة الإسلاميين.. لكن هاجساً كان يقلّص حنقهم على جمال، ويعقلنه. ذلك أنه، إن غاب جمال، فالكارثة التي تنتظرهم كبيرة، فالكثير من القيادات الجهادية المخضرمة، تحتل مواقع مسؤولية حساسة في الجيش السوري، الأمر الذي يعني، أن تلك المقدرات مجهولة المدى بالنسبة لهم، ستصبح في قبضة قيادات من النوع الذي تُلهبه خطابات أمثال الشيخ أسامة عز الدين. وحينها، ستكون الكارثة. إنه السلاح النووي، وصواريخ قادرة على حمله.<br><br>&nbsp;قال وزير الدفاع الإسرائيلي محدثاً نفسه: "يا إلهي، إنه يبتزنا ما بين إرضائه وما بين كارثة لا يمكن تصور عواقبها".<br><br>قالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - جمال.. ماذا تقترح؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يجب أن يشمل تفاوضنا موضوع القدس.<br><br>فصرخ وزير الدفاع الإسرائيلي: - ماذا؟<br><br>حدّقت فيه مختلف الشخصيات الأوروبية الوسيطة، إلى جانب المسؤولين الأمريكيين، بما يُفيد، بأن الجميع يؤيد ما طرحه جمال. فقال وزير الدفاع: - لكن.. أنتم جميعاً تعلمون، لا أستطيع التفاوض في قضية القدس، الشارع الإسرائيلي يرفض ذلك.<br><br>قال جمال: - اسمع يا صديقي.. إن كنا نريد حلاً لا ينال من هيبة أي طرف أمام جمهوره، فيجب أن نجد حلولاً وسط.<br><br>قال وزير الدفاع الإسرائيلي، وهو يتوقع الردّ مسبقاً: - ماذا تقترح؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وضع الأبنية المقدسة، الإسلامية والمسيحية، في المدينة القديمة، وكذلك الحرم الإبراهيمي في الخليل، تحت رعاية دولية، تحرص على عدم إجراء أي تغييرات فيه.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لقد اتفقنا في ويلز على ذلك.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنكم لم تلتزموا.. الحفريات ما تزال تتوسع أسفل الحرم القدسي. تصوّر لو انهار. ماذا تتوقعون أنني أستطيع أن أفعل أمام جمهوري الغاضب حينها.. سأتحمل بنفسي مسؤولية تضييع القدس، أمام الجمهور السوري والعربي الغاضب.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لنعدّل اتفاق ويلز بهذا الخصوص، بحيث يتم إنهاء سلطتكم الكاملة على تلك المنشآت، بما فيها الأقصى وقبة الصخرة. وتتولى الأمم المتحدة إدارة تلك المنشآت بالتعاون مع الأوقاف الإسلامية المسؤولة عنها. ويجب ترميم كل الأنفاق أسفل الحرم، ووقف أية حفريات. ويجب أن يصدر ذلك بموجب قرار دولي، مؤزر بالفصل السابع. <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; اسمع يا صديقي.. أنت رجل عقلاني حسبما أعرف.. لقد بحثتم عن أدلة أثرية جازمة، تؤكد وجود هيكل سليمان، في تلك البقعة، لعقود، ولم تجدوا شيئاً.. وبدلاً من أن تحلّوا مشكلة الأثر المفقود الذي جلبتم اليهود بناءً عليه إلى فلسطين، ها أنتم تهددون أثراً إسلامياً قائماً، يعتبر مليار ونصف مسلم حول العالم، أنه إحدى القبلتين بالنسبة لهم.. لنجد حلاً لذلك. يمكن لليهود أن يصلوا أمام حائط البراق بالأقصى، لكن برعاية أممية. على أن تتوقف أية نشاطات بحثية أسفل الحرم القدسي، وأن يتم ترميم كل الأنفاق. يجب أن يبقى الأقصى وبجواره، قبة الصخرة، صامداً، لأنه إن انهار، لن أستطيع ضبط مشاعر السوريين وملايين العرب والمسلمين حينها. ولن أقف في وجه ذلك السيل من الغضب أبداً. سأكون إلى جانبه في حرب وجود حاسمة. لذا، لنتلافى مقدمات تلك اللحظة، ولنجعل التطبيع بيننا، مبنياً على أسس آمنة، يمكن بناءً عليها، أن نخوض مسيرة تفاوض هادئة، قد تفضي إلى سلام نهائي وكامل بيننا.<br><br>ظهر الوجوم جلياً على الشخصيات الإسرائيلية المفاوضة، فيما كانت ملامح الشخصيات الغربية الوسيطة، بما فيها الأمريكيون، تُوحي بتأييدهم لاقتراح جمال. كانت معظم الأطراف الغربية لا تحبذ مواجهة كبرى بين العرب والإسرائيليين. خاصة بعد أن اتضح وجود قدرات نوعية لدى السوريين، ستجعل انخراط الأمريكيين بالحرب، غير مضمون العواقب أيضاً.<br><br>طلب الإسرائيليون عرض سلة متكاملة من الأفكار، للنقاش حولها، ورفضوا مبدأ تقسيم القضايا، والتفاوض على كل منها، على حدى. وافق جمال، وعرض سلة متكاملة من الأفكار، فقال: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تقرّون بالتخلي الكامل والنهائي، عن الجولان، ومزارع شبعا وكفرشوبا. فيما يتم تحويل منطقة الشاطئ الغربي لطبريا إلى منطقة منزوعة السلاح، برقابة دولية، وأجهزة إنذار مبكر، برعاية دولية، يشترك فيها جنود أتراك، لحفظ أمن الحدود، ومنع أي احتمالات للاشتباك بين الطرفين مستقبلاً. من جانبنا، سنطلق جميع المدنيين الإسرائيليين المتواجدين في الجولان، شريطة أن يغادروا تماماً، أراضي الجولان، ويتخلوا عن أي مطالبات بصكوك ملكية أو سواه. أما بالنسبة للأسرى الإسرائيليين من العسكريين، يمكن إطلاقهم، شريطة إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين، الـ 12 ألف، الموجودين في السجون الإسرائيلية. يتم إصدار قرار دولي، مؤيد بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ينص على ما سبق، إلى جانب إقرار فرض رعاية دولية على المباني الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس القديمة، وفي الخليل، مع رفع يد الإسرائيليون عنها، تماماً، على أن تكون الأوقاف الإسلامية، والجهات الدينية المسيحية المعنية، هي المسؤولة عن إدارة المنشآت والمباني المقدسة، وتتولى قوة دولية تأمين تلك المنشآت، وحمايتها من أي عبث، فوق الأرض، أو تحتها. يصدر قرار دولي آخر، يفرض على مختلف الأطراف بدء مفاوضات سلام عاجلة، بناء على القرار الدولي الخاص بتقسيم فلسطين عام 1947، وفق تعهد إسرائيلي بالقبول بدولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جوار دولة إسرائيل، وعلى أرض فلسطين التاريخية. وتوقّع الأطراف، السورية والإسرائيلية، برعاية دولية، علناً، اتفاقاً منشور البنود، ينص على منع الاعتداء المتبادل، بشروط، من بينها، عدم القيام بأي ترانسفير للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أو داخل فلسطين 48، وعدم القيام بأي اعتداء على المنشآت الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس وبيت لحم والخليل، وعدم خرق أمن الحدود المتبادل بين سوريا وإسرائيل، وعدم الاعتداء أو خرق الحدود المتبادل بين إسرائيل ولبنان، وكذلك عدم الاعتداء المتبادل بين إسرائيل وحكومة وسط العراق. ويجب التحديد بصيغة واضحة وجازمة، بأن عدم الاعتداء يشمل كافة أشكال الاعتداء، بما فيها، خرق الأجواء دون إذن، أو خرق المياه الإقليمية، دون اتفاق مُسبق.<br><br>وبعد فاصل زمني، تدارس خلاله المسؤولون الإسرائيليون عرض جمال، وتواصلوا مع زملائهم في القيادة الإسرائيلية بالقدس الغربية.. بدأت جلسة رابعة من المفاوضات، اشترط الإسرائيليون في بدايتها، الكشف عن مصير مقاتلي لواء غولاني الإسرائيلي، قبل متابعة التفاوض.<br><br>فقال جمال: - الحصيلة مؤلمة، وليس من صالحكم الإعلان عنها على الملأ.<br><br>أكد الإسرائيليون أنهم لا يقصدون ذلك، يقصدون إبلاغ المسؤولين الموجودين في جلسة التفاوض الآن، تفاصيل عن مصير مقاتلي اللواء. وتحديد أعداد القتلى والمصابين والأسرى.<br><br>وافق جمال، وأعلن أمام الموجودين أن عدد القتلى من جنود اللواء، يقاربون الـ 10 آلاف قتيل، قُتلوا خلال المعارك، فيما حدد أعداد المصابين والأسرى المتواجدين في قبضة القوات السورية بـ 5123 جندياً إسرائيلياً.<br><br>كانت حصيلة القتلى كارثية في نظر الإسرائيليين. ظهر الغضب عليهم، وخرج مدير الموساد عن طوره، وقال لـ جمال: - لقد استهدفتم قتل كل هذه الأعداد من الجنود. كيف تريدون أن نحصّل سلاماً متبادلاً بعد هذه المجرزة الفظيعة.<br><br>قال جمال: - لنتذكر سوياً.. لم أكن قد ولدت، وأنتم كذلك.. عام 1967، بدأتم حرباً على ثلاث دول عربية، قتلتم خلالها على الأقل 20 ألف جندي في مختلف الجيوش العربية. وكنتم تقتلون الجنود المصريين في سيناء، بدمٍ باردٍ، ويتم تصيدهم على سبيل التسلية من الجنود الإسرائيليين باستخدام الطائرات وهم يفرون في حالة بؤس شديد، داخل صحراء سيناء.<br><br>فانفلت الغضب من عقاله لدى المسؤولين الإسرائيليين، وأطلقوا سيلاً من الاتهامات، رافقها شيء من الإهانة، وحاول الوسطاء الغربيين تهدئة الأجواء، عبثاً، فنهض جمال، وانسحب للمرة الثانية من المفاوضات.<br><br>***<br><br>في جناحهم الخاص، في فندق فخم بقلب جنيف، كان المسؤولون الإسرائيليون الثلاثة يتناقشون بصوتٍ مرتفعٍ. سمع أحد موظفي الفندق، الذي مرّ قرب باب جناحهم، صوت أحدهم يتحدث بنبرة هستيرية مرتفعة للغاية، لكن رجل أمن نهره بنظرة من عينيه كي يبتعد.<br><br>كان مدير الموساد واقفاً وهو يتحدث بغضب، ويحرك يديه يميناً وشمالاً، في حالة واضحة من الهستيريا. قال:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تعلمون أننا ننتظر محاكمة في إسرائيل حالما تهدأ الأمور.. لماذا تريدون الاستسلام لذلك الوغد؟.. لنذهب بالأمور إلى أقصاها..<br><br>قال وزير الدفاع بهدوء: - أعلم أننا ننتظر محاكمة أو إقصاء كامل من الحياة السياسية والمهنية في إسرائيل، في أدنى الحدود، حالما تهدأ الأمور.. لكنها إن لم تهدأ، ربما ننتظر نهاية دولة إسرائيل.<br><br>فاستشاط غضب مدير الموساد أكثر: - هُراء.. لا يستطيع ذلك الوغد الذهاب إلى ذلك الحد.. الأمريكيون لن يسمحوا له، سيتدخلون.. هل سيخاطر بتوجيه ضربة نووية أمريكية له؟.. إنه يراهن على حالة الانهيار في معنوياتنا..<br><br>لم يستطع مدير الموساد الإسرائيلي تحمّل صدمة عدد القتلى الضخم من الجنود الإسرائيليين، إنها كارثة بكل المعايير، كيف سيقف&nbsp; أمام الجمهور الإسرائيلي ليقول له أنه يتحمل، بمشاركة مسؤولين آخرين في الحكومة، مسؤولية سقوط 10 آلاف قتيل. كان مدير الموساد فعلياً، يخاف على حياته السياسية والمهنية. بل أبعد من ذلك، كان يخشى محاكمة، بتهم الإهمال أو سوء الإدارة، تؤدي به إلى السجن. كان يعلم أن النخبة الإسرائيلية ستحاول تهدئة الشارع عبر تقديم عدة رؤوس ككبش فداء، سيكون، دون شك، أحدها.<br><br>أما وزير الدفاع، ورغم أنه يعلم تمام العلم، أن مستقبله السياسي، وربما الحياتي، قد بات في خبر كان، إلا أنه كان يشعر بمسؤولية كبرى حيال مستقبل بلده، برمته. فهو يخشى أن يكون العناد، الذي قادهم في بادئ الأمر إلى مغامرة الاعتداء على سوريا، هو العامل الذي سيقودهم إلى حتف دولتهم، برمتها. <br><br>أما رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، فكان في حالة ارتباك شديد. كان يخشى من الذهاب قدماً في التفاوض مع جمال الدمشقي، وكان يخشى أيضاً من سيناريو الذهاب إلى حرب شاملة مع السوريين، قد تهدد الوجود الإسرائيلي بشكل جدّي، هذه المرة. لذا، لم تكن تعليقاته تُوضح في أي اتجاه يريد الذهاب. كان ذاهلاً، وقدرته على المحاكمة العقلية في أدنى حدودها.<br><br>في جناحٍ آخر، من الفندق ذاته، كان مدير المخابرات المركزية الأمريكية يجتمع مع وزير الخارجية، ومع الشخصية البريطانية المتنفذة، بوجود رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي. وكانت الشخصية البريطانية المُتنفذة قد طلبت هذا اللقاء المنفرد، وبدأت الحديث قائلةً: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أصدقائي.. إسرائيل في خطر حقيقي.. وجمال جُرّ فعلياً إلى مواجهة اضطر معها للكشف عن جانب من مقدراته، وهي مقدرات ليست هينة. لا أعتقد، والسيد رئيس هيئة الأركان الأمريكية، أدرى مني في ذلك، لكنني لا أعتقد أنه من الممكن، في المدى القريب، تقدير مدى قدرة جمال الدمشقي، على الصعيد العسكري، لذا فالانزلاق في مواجهة معه، أمر غير حكيم البتة.<br><br>علّق رئيس أركان الجيش الأمريكي: - أتفق معك بذلك، تماماً.. عجزنا حتى الآن عن رصد أي معلومات استخباراتية تسمح لنا برسم تصور لما يملكه الرجل من مقدرات عسكرية. بل حتى، ليس لدينا تصور واضح لمنظومة صنع القرار داخل المؤسسة العسكرية السورية. <br><br>قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية: - علينا أن نُقرّ بأن جمال خدعنا ببراعة. وأؤيد دون شك عدم الانجرار إلى مواجهة معه في الوقت الراهن. يجب علينا وقف إطلاق النار، وفرض الهدوء بين سوريا وإسرائيل، وضمان الاستقرار، ومن ثم، تجنيد كل&nbsp; مواردنا، للكشف عن مقدار ونوعية القدرات العسكرية للسوريين، ومنظومة صنع القرار داخل مؤسساتهم العسكرية والأمنية.. الذهاب إلى حرب معهم، في ظل العمى الاستخباراتي الذي نواجهه، ضرب من الغباء المُفرط.<br><br>قالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - جميل.. إذاً، جميعنا متفقون على ضرورة وقف إطلاق النار، وتطبيع الوضع بين السوريين والإسرائيليين، ولو مؤقتاً. <br><br>قال وزير الخارجية الأمريكي: - نعم، جميعنا متفقون. لكن المذبحة البشعة التي نفذتها القوات السورية في الجولان بحق الجنود الإسرائيليين، ستجعل من الصعب على القيادة الإسرائيلية قبول اتفاق مع دمشق.<br><br>قالت الشخصية البريطانية المُتنفذة: - وهنا يجب أن نتدخل.. سأكون صريحاً معكم.. أعتقد أن الثلاثي الإسرائيلي المفاوض هنا، غير جدير بحفظ مصالح إسرائيل، لأنه ببساطة، يخشى من المحاسبة حالما يرجع إلى بلده، وتهدأ الأوضاع. لذا، قد يجرون بلدهم إلى حرب مسعورة غير محسوبة العواقب، فقط، كي لا يجدوا أنفسهم موضع مساءلة حول أسباب هذا الفشل العسكري والاستخباراتي الذريع، الذي جرّوه على مواطنيهم.. يجب علينا أن نتدخل عبر أصدقائنا من النخب اليهودية في نيويورك تحديداً، وأيضاً، في تل أبيب، لإزاحة الفريق المفاوض الحالي، ويفضل أيضاً، إزاحة كامل الحكومة الإسرائيلية الحالية، كي يتمكن فريق آخر من المفاوضين الإسرائيليين، من غير المرتبطين بصورة مباشرة بمواقع صنع القرار والمسؤولية في هذه الهزيمة الكبرى، من التفاوض بعقلانية أكبر، مع جمال..<br><br>قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية: - أتفق معك من حيث المبدأ.. لكنني أرى أن هناك طريقة أسهل وأقصر، من إزاحة حكومة وتشكيل أخرى في القدس الغربية. نستطيع ببساطة أن نضع الفريق المفاوض الموجود هنا في صورة مفادها، لن تتدخل واشنطن في مواجهة عسكرية مباشرة مع السوريين، وإن أفشلتم المفاوضات، ستتحملون العواقب، وسنتنصل بدورنا من المسؤولية، باعتبارنا تمكنا عبر تدخلنا من إيصال الطرفين إلى اتفاق، لكن الإسرائيليين أفشلوه.<br><br>قال وزير الخارجية الأمريكي: - هذه مخاطرة كبيرة، قد تثير علينا عش دبابير اليهود في نيويورك.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا أعتقد ذلك.. حالما نضعهم في صورة الواقع.. لن يطلب منا أحد في نيويورك أن نذهب إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع طرف لا نعرف ما هي الأسلحة التي يملكها بالضبط.. هذه الحرب أفادتنا في جانب، لقد كشفت لنا أن مشروع جمال الدمشقي، خطير، وأننا استهنا به، وظننا أنه قائد عربي جديد، يهوى كرسي الحكم، ومستعد لإرضائنا، حفاظاً عليه.. لذا، في المستقبل، سيكون تعاملنا مع هذا الرجل مختلفاً.. سنُكن له كل الاحترام والتقدير في العلن.. أما في الخفاء، سنعمل جاهدين للكشف عن الثغرات في مشروعه، ونقاط الضعف في المؤسسات التي يُديرها، وفي الوقت المناسب، سنوجه ضربتنا القاصمة له.. أعتقد أننا إن أوضحنا كل ذلك لنخبة اليهود في نيويورك، سيتقبلون التضحية بفريق سياسي إسرائيلي محدد، في سبيل حماية وجود دولة إسرائيل.<br><br>اتفق الأربعة بالفعل، على ذلك.. وبدأ العمل.. اجتمع رئيس الأركان ومدير المخابرات الأمريكية، بالمفاوضين الإسرائيليين الثلاثة، وأوضحوا لهم بصريح العبارة، أن المواجهة العسكرية المباشرة مع السوريين، في هذا التوقيت، مرفوضة، ولن تتورط واشنطن فيها، وأن عليهم أن يقبلوا بما يستطيعوا تحصيله من جمال، مهما كان ذلك أليماً. <br><br>في هذه الأثناء، كان وزير الخارجية الأمريكي، والشخصية البريطانية المُـتنفذة، يتواصلان مع نخب يهودية محفلية، حول العالم، وتحديداً، في لندن ونيويورك. تمكنا خلال تلك الاتصالات من تحصيل إجماع نخبوي يهودي، عالمي، مفاده، لتقف الحرب سريعاً، مهما كان الثمن. ليبدأ العمل بعد ذلك للقضاء على جمال الدمشقي، ومشروعه، بروية، وبأساليب خفية.<br><br>وفيما كان مدير الموساد الإسرائيلي يجادل نظيره الأمريكي، كانت نخب يهودية عالمية تتصل بنظيرتها في القدس الغربية وفي تل أبيب، لتقول لها: "انحنوا للعاصفة كي تمر، وإلا، قد يكون الوجود الإسرائيلي برمته، في خطر حقيقي".<br><br>وفي نهاية جلسة النقاش بين المسؤولين الأمريكيين، وبين المفاوضين الإسرائيليين، قال مدير المخابرات الأمريكية بشكل جازم: "لن نقبل أن تجروا إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى حرب نعرف كيف ستبدأ، لكننا لا نعرف كيف ستنتهي".<br><br>في هذه الأثناء، رن هاتف وزير الدفاع الإسرائيلي. كان يعرف الرقم جيداً. انزوى جانباً، وقال: "آلو".. جاءه الصوت من الطرف الآخر: "فاوضوا للتوصل إلى أحسن شروط ممكنة لوقف إطلاق النار مع جمال الدمشقي، وبأي ثمن.. لا تعودوا إلى إسرائيل إلا باتفاق وقف إطلاق نار يؤمّن حدودنا الشمالية.. أو لا تعودوا أبداً".<br><br>فهم وزير الدفاع الرسالة، إن خالفوا التوجيهات، ستتم إقالتهم وهم في الخارج، وستتم ملاحقتهم بتهم عديدة مُعدة مسبقاً. تقدم الوزير باتجاه زميليه الآخرين، فيما كانا يواصلان نقاشاتهما مع المسؤولين الأمريكيين، قال: "لقد قُضي الأمر، يجب أن نحصل على اتفاق وقف إطلاق نار، بأي ثمن".<br><br>***<br><br>حاول المفاوضون الإسرائيليون تحصيل أي تنازل من جمال، لكن الأخير كان متصلباً جداً. طلبوا تعويضات عن الخسائر المادية الكبيرة التي سيتعرض لها المستوطنون الإسرائيليون في الجولان، فهم سيخسرون ملكياتهم التي دفعوا أثمانها، في معظمهم. لكن جمال رفض بشكل غاضب هذا الاقتراح. قال: "لا أذكر أنكم عوضتم النازحين من الجولان، عام 1967 عن خسارة أرضهم وملكياتهم، أو عوضتم السوريين عن الدمار الذي لحق بالقنيطرة التي دمرتموها قبل أن تنسحبوا منها عام 1973، لا أذكر أنكم عوضتم أحداً من الجنسيات العربية التي أفقدتموها وطنها، وفي مقدمتهم الفلسطينيون.. في أي قاموس دولي، يتم الحديث عن تعويض محتل، ينسحب مخذولاً من أرض احتلها لعقود، ليستعيدها أصحابها.. لم أسمع بهذا من قبل".<br><br>حاول المفاوضون الإسرائيليون إقناع جمال بتخفيض عدد المعتقلين الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم، مقابل أكثر من 5 آلاف أسير إسرائيلي. فقال لهم: "سنعطيكم مضافاً إليهم، جثث قرابة 10 آلاف قتيل إسرائيلي، دون مقابل، أعتقد أن هذا كرم جزيل من جانبنا".<br><br>طلب المفاوضون الإسرائيليون أن يتم توقيع معاهدة سلام شاملة، بين سوريا وإسرائيل، مقابل التخلي نهائياً عن الجولان، فرد جمال: "ذلك يمكن أن يحدث فقط، حينما يتم إنشاء دولة فلسطينية، تكون القدس الشرقية، في أدنى الحدود، جزءاً منها، وتكون دولة قابلة للحياة والتواصل الجغرافي بين أقاليمها، وتتمتع باستقلال كامل، وبضمانات أمنية.. حينها يمكن طي ملف العداء التاريخي بين سوريا وإسرائيل، إلى الأبد.. قبل ذلك، لا أستطيع فرض اتفاق سلام على الشارع السوري، فيما الإسلاميون في أوج حماسهم، جراء انتصارنا الساحق عليكم.. يجب أن تجدوا حلاً لقضية فلسطين، كي تُحل كل مشاكلنا، وإلى الأبد".<br><br>طلب المفاوضون الإسرائيليون أن يكون لإسرائيل امتيازات داخل الجولان، فرفض بشدة، وبعصبية بالغة. طلبوا أن تكون المنطقة منزوعة السلاح التي تحوي قوات دولية فاصلة، من الجانب السوري في الجولان، فرفض أيضاً، مصراً على أن انسحاب السوريين من الضفة الغربية لبحيرة طبريا، سيكون لقاء تحويل تلك المنطقة إلى موقع فاصل بين الطرفين، بضمانات دولية، وبمشاركة تركية، تحديداً.<br><br>حاول المفاوضون الإسرائيليون ترحيل ملف المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فرفض جمال، ملمحاً إلى أن ذلك يسبق كل ما سبق، وأكثر أهمية منه، كي يتمكن من مواجهة الشارع السوري، وإقناعه بعدالة الخاتمة التي آلت إليها الحرب.<br><br>وأخيراً، أصرّ المفاوضون الإسرائيليون على التفاوض بخصوص فلسطين، على أساس القرار الدولي الصادر عام 1967، الذي يشير إلى الضفة والقطاع، باعتبارهما أراضٍ محتلة. لكن جمال رفض، وألح على التفاوض على أساس القرار الدولي الخاص بتقسيم فلسطين، بين اليهود والعرب، عام 1947، والذي يمنح أراضٍ أكثر للفلسطينيين، مقارنة بالقرار اللاحق عام 1967.<br><br>وحينما تعنت المفاوضون الإسرائيليون بخصوص المعضلة الأخيرة، طلب مدير المخابرات المركزية الأمريكية، الانفراد بالمفاوضين الإسرائيليين، لبرهة، وقال لهم بغضب واضح: "لماذا تصرون على قضايا تافهة؟.. من قال لكم بأن سلاماً سيحصل بينكم وبين جمال الدمشقي؟، أو بينكم وبين الفلسطينيين؟.. لتبدأ مسيرة مفاوضات، ولتطول، ولتتعثر، كما تعثرت عشرات المسيرات السابقة، بغض النظر عن الأساس المتفق عليه، الذي انطلقت منه.. نريد الآن وقفاً لإطلاق النار، يتعهد فيه جمال بضمان أمن الحدود، كما سبق.. أي شيء آخر، لا يهمنا.. اتركوا المستقبل بخصوص عملية السلام لوقتها.. وقبل أن تؤول أية مفاوضات سلام إلى نتائج حاسمة، سنكون قد امتلكنا تصوراً واضحاً حول قدرات جمال، وسنتعامل معه، حينها، بالطريقة التي يستحقها".<br><br>وبالفعل، خضع المفاوضون الإسرائيليون لكل مطالب جمال. كان استسلاماً أكثر منه تفاوضاً. <br><br>وفي القدس الغربية، وقف رئيس الوزراء أمام الكنيست الإسرائيلي، ليُعلن أن المفاوضات في جنيف تمخضت عن اتفاقٍ مع السوريين، ينص على التخلي الكامل عن هضبة الجولان ومزارع شبعا وكفرشوبا، وتحويل الشاطئ الغربي لبحيرة طبريا إلى منطقة منزوعة السلاح برعاية دولية، مع تفريغها من معظم السكان، لتصبح منطقة فاصلة مزودة بأجهزة إنذار مبكر. وأقرّ بأن حكومته وافقت على أن مستوطني الجولان سيغادرونه دون أية تعويضات، وليس لهم الحق في اصطحاب أي شيء من هناك. وأنه سيُطلق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، لقاء عودة الأسرى الذين فاق تعدادهم الـ 5 آلاف. <br><br>وقال، وهو يزدرد ريقه، "لقد خسرنا قرابة الـ 10 آلاف مقاتل، لقوا حتفهم خلال المعارك".<br><br>وتابع رئيس الوزراء بأنه وافق على التخلي الكامل عن السيطرة الأمنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في الضفة الغربية، وإحالة حمايتها ورعايتها، إلى الأمم المتحدة، التي ستتولى ترميم بعض تلك المباني، وطمر الأنفاق تحت الأقصى، وأن اليهود سيُصلّون أمام حائط البراق، برعاية قوى أمن دولية ستتولى تأمين المسجد، ومنع أي اشتباك بين المُصلّين المسلمين، واليهود، في ساحاته.<br><br>وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي: "نص الاتفاق على بدء التفاوض مع الفلسطينيين على اتفاق سلام يُتيح لهم تأسيس دولة قادرة على الحياة، وذلك بموجب قرار التقسيم الصادر عام 1947".<br><br>ثار سخط هائل في أوساط نواب الإسرائيليين في الكنيست، والذين نالوا من الحكومة، وتقدم أحد النواب نحو رئيس الوزراء، وهو مهتاج، وصفعه أمام الكاميرات وهو يقول: "لقد دمرتم دولة إسرائيل". <br><br>لكن أحداً من النواب هناك، لم يطالب برفض الاتفاق. كان زعماء الكتل السياسية الكبرى قد أُعلموا بقرار دوائر النخب الخفية، داخل إسرائيل، وفي نيويورك ولندن، وعواصم غربية أخرى. <br><br>أما في سوريا. فخرج الرئيس السوري من جديد، ليُعلن تفاصيل الاتفاق مرة أخرى، للسوريين هذه المرة. وقال: "نحن لم نستعد الجولان المحتل منذ أكثر من سبعين سنة، فقط.. لقد تمكنا من نقل السيطرة على الأقصى وقبة الصخرة إلى أيدي الأوقاف الفلسطينية، برعاية أممية.. هذا يعني أن مقدساتنا ستبقى آمنة من العبث الصهيوني".<br><br>وتعاملت غالبية السوريين، مع النتائج، بعقلانية عالية، إذ رأى معظمهم أنها انتصار ساحق، غير مسبوق في تاريخ الأمة الإسلامية، حيال إسرائيل. كانت تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، تنضح بالنشوة، وبعضها ينضح بالشماتة حيال العدد الهائل للخسائر البشرية من الإسرائيليين.<br><br>أيضاً، كان رد فعل غالبية الفلسطينيين إيجابياً. ذلك أن طي ملف الأسرى، بهذه الطريقة، كان تحولاً نوعياً في نظرهم. كما أن وضع المقدسات في قبضة الأوقاف الإسلامية، برعاية دولية، كان يعني، أيضاً، تحولاً نوعياً آخر.<br><br>كانت هناك قلة من السوريين والفلسطينيين، تشكك بأن يتم تنفيذ ذلك الاتفاق. علّق بعضهم: "ما هي إلا برهة، وسيتم طي كل تلك الوعود.. إنه تسكين للناس، كي لا يسألوا، لماذا أوقفوا الحرب عند طبريا، فيما كان يمكن لهم أن يصلوا القدس".<br><br>وكانت قلّة أصغر من السوريين، مستاءة من النتائج، هي تلك الشريحة التي كانت ترى أنها الفرصة التاريخية التي لا تُعوّض للقضاء تماماً على إسرائيل. بعضهم قالها بطريقة مباشرة وصارخة، "جمال خائن". فيما كان بعضهم الآخر أقل وطأة في التوصيف، فعلّق: "لقد جبُن وخاف على الكرسي".<br><br>وفي أقل من يومين، صدر قرار دولي مؤيد بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يفرض عقوبات قسرية على غير الملتزمين به. تضمن القرار كل ما اتفق عليه جمال مع الإسرائيليين.<br><br>وقبل أن يغادر جنيف، وقف جمال لبرهة في منصة قصره، في إطلالته المحببة على بحيرة جنيف. قال في نفسه: "سحقاً لهم، لقد لوثوا هدوء هذا المكان الرائع لأيام". لكنه لن يستطيع قضاء إجازة في ربوع قصره الصغير، في تلك البقعة الجغرافية التي يُحبها. كان عليه أن يعود سريعاً إلى دمشق. <br><br>تنشق الهواء في شهقات مطولة، تلحقها زفرات مطولة أيضاً، فيما كانت عيناه مغمضتان. أراد أن يسترخي قليلاً. لكن، سرعان ما تلاطمت الأفكار في عقله الذي لا يهدأ. لم تكن النشوة تداعب خاطره في تلك اللحظات، أبداً. رغم أنه في نظر الكثيرين، خرج بانتصار ساحق، لم يسبق لقائد عربي، منذ نشأة إسرائيل، أن حققه. لكن، بدلاً من النشوة، كان الهم يعتمل في ذهنه المُتقد. كان يعلم أن القادم سيكون مرهقاً أكثر. عليه الآن أن يخوض مجابهة حادة في دمشق مع رافضي وقف إطلاق النار، سواء داخل المؤسسة العسكرية، أو في أوساط الإسلاميين الذين ظنوا لوهلة، أن القدس باتت في قبضتهم. ومن ثم، عليه أن يجابه مواجهة أطول مع مكائد الغرب، الذي سيسعى بكل الطرق الممكنة، للنيل منه، بعد أن اتضح لهم جلياً، خطره.<br><br>شعر لوهلة برغبة عارمة في العودة إلى دمشق، هناك سيشعر بأمان أكبر. قال في نفسه: "نسمات هواء الربوة منعشة أكثر من هواء بحيرة جنيف". وقفل عائداً إلى دمشق.<br><br>***<br><br>وفي دمشق، كان الأمر كما توقع تماماً. كان هناك خائفون، وممتعضون، وغاضبون. وكانت أولى مواجهاته، مع الشيخ أسامة عز الدين. قال له الأخير وهو في حالة اهتياج: - إن أردتُ حسن النية بك، سأقول بأنك جبان.<br><br>لم يرد جمال. وبقي هادئاً، الأمر الذي استفز الشيخ أكثر، فقال: - يا رجل حرام عليك، كانت القدس على مرمى حجر من قواتنا.<br><br>وحينما بقي جمال هادئاً، انكمش غضب الشيخ أسامة، وبدأ يهدأ رويداً رويداً، ويستعيد رصانته. قال له جمال: - هدأت الآن.<br><br>أجاب بامتعاض واضح: - نعم.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حسناً.. نستطيع أن نتكلم الآن.. أرجو أن تستمع إلي حتى النهاية، ثم يمكن لك أن تُناقش.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تفضل.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حينما بدأنا تعاوننا منذ أكثر من عقد، قلت لك بصريح العبارة، أنني لا أؤمن بأن نصر الله سيكون من نصيبنا في أي مواجهة مع أي عدو، إلا إن كانت المسببات المناسبة موجودة، من رص الصفوف، مروراً بالعُدّة المناسبة، وليس انتهاءً بالصبر. وأعتقد أن تجارب الجهاديين، وأنت في مقدمتهم، كلها تؤكد ذلك. لقد باءت بفشل ذريع. لذا، حينما نريد أن نخوض في أمرٍ جللٍ، بحجم حرب تُنهي إسرائيل، علينا أن نملك العُدّة المناسبة لذلك، وإلا، فذلك انتحار. هل تعتقد أنت من موقعك، أننا نملك العُدّة المناسبة لإنهاء إسرائيل، وهو ما يعني أن علينا أن نواجه دولاً عظمى، بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل مباشر؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنك استطعت التشويش على كل أقمارهم الصناعية، وأسقطت طائراتهم كالذباب، وهي صناعة أمريكية. كان من الواضح أن الأمريكيين يخشون خوض مغامرة معك.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لذلك أحترمهم. أحترمهم جداً. فهم لا يخوضون حرباً لا يملكون تصوراً واضحاً لمسارها. لن أقول لختامها، لأن الحرب، مهما كانت مدروسة العواقب، هي في نهاية المطاف، مغامرة خطرة. لكن على الأقل، حينما تملك تصوراً كافياً لقدرات عدوك، وتملك العُدة المناسبة لتحييد تلك القدرات، حينها يمكن أن تقول أنك تملك تصوراً واضحاً لمسار حربٍ من المرجح أن تكون لصالحك. الأمريكيون لم يخوضوا حرباً معنا، لأنهم لا يملكون، في التوقيت الراهن، تصوراً واضحاً لحجم ونوعية مقدراتنا. نحن من جانبنا، نملك تصوراً واضحاً لحجم ونوعية المقدرات العسكرية الأمريكية، لكننا لا نملك العُدة المناسبة، تحديداً من حيث الحجم، لمواجهة حرب أمريكية شاملة ضدنا. حدود قدراتنا تقف عند تحييد القدرة العسكرية الإسرائيلية، لكن إن أُضيف إليها القدرة العسكرية الأمريكية، فسيكون في ذلك مخاطرة كبيرة، قد نكون جرائها، معرضين للهزيمة. ما دمت أملك تصوراً واضحاً، أنني لا أملك العُدة المناسبة لمواجهة قوة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، هذا إذا افترضنا أن قوى دولية أخرى لن تدخل غمار المعركة إلى جوارها، حينها، سيكون من الغباء المُفرط أن أصرخ "الله أكبر"، وأذهب للقتال، وأنا أظن بأن الله سيُنصرنا لمجرد اللفظ. لقد خلق الله الكون بأكمله وفق قانون السببية. وبموجبه، يُحكم الله قضائه وقدره. لكل أمر سبب. حينما تعلم أنك لا تستطيع مواجهة طرف ما، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، ومن ثم، تنساق لمواجهته بصورة عبثية، حينها، عليك ألا تتوقع نصر الله. هكذا أفكر. وأنت تعلم أنني هكذا أفكر. لم أُخفِ عليك شيئاً، لم أنافق وأقول لك، سأفعل. لم أستخدم يوماً، في مناقشاتنا، "سين التسويف". أنا رجل أعمل على قدر قدراتي، ولا أحاول الرهان على ما هو خارجها.<br><br>بدأ الاسترخاء يجلل وجه الشيخ. قال بعد برهة صمت: - وفق منطقك هذا. لن يكون لنا نصيب، حتى في المستقبل، في مواجهة تنهي إسرائيل.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من قال ذلك. وهل كنت تظن يوماً، قبل عقدٍ من الزمان، أن سوريا ستقف على قدميها، كقوة إقليمية، وكدولة مزدهرة، وككيان نامٍ اقتصادياً بأرقام غير مسبوقة؟.. هل كنت تظن قبل بضع سنوات من الآن فقط، أنه سيكون بمقدورنا خوض حربٍ مع إسرائيل، وتحييد قدراتها تماماً، واسترجاع الجولان المحتل منذ أكثر من سبعين سنة، ووقف نشاطات الصهاينة التنقيبية تحت الأقصى، التي تهدده بالانهيار، وتحويل السلطة عليه إلى الأمم المتحدة بإدارة من الأوقاف الفلسطينية؟.. أو أن تفرغ السجون الإسرائيلية من المعتقلين الفلسطينين؟.. هل ظننت يوماً أننا سنفاوض الإسرائيليين، وسيضطر الغرب للضغط عليهم، وليس علينا نحن، كي لا يتورط في مواجهة عسكرية معنا؟.. هل توقعت ذلك، قبل اليوم.. أريد أن أُذكرك أنني عملت قبل تحرير دمشق، عقداً من الزمن، لتحقيق تلك اللحظة، وأنت ساهمت في ذلك، خلال السنوات الأربع الأخيرة، من عملية التحضير تلك.. وأريد أن أُذكرك، بأنني عملت، عقداً آخر من الزمن، كي تصبح سوريا، كما نراها اليوم.. وخلال ذلك العقد، كان العمل على قدم وساق، كي نمتلك قدرات عسكرية نوعية، لا يعلم الغرب عنها، كي ندافع بها عن أنفسنا لحظة يفكر الإسرائيليون بالاعتداء علينا.. هل كنت تعلم بخصوص تلك النشاطات البحثية والتسليحية، سوى ما كنت تسمعه من إدعاءات إسرائيلية، في وسائل إعلام غربية؟.. لقد كنت أنا، أعمل ليلاً نهاراً لتحقيق ذلك.. فيما تكتفي أنت في لحظة الانتصار، بالوقوف أمام الجماهير، لتحشيدهم بصورة غير عقلانية.. أقول لك يا شيخ أسامة، لقد خيبت أملي فيك، وبعقلانيتك، واعتدال فكرك.. وأقول لك.. كما حققنا ما حققناه اليوم، بالعمل الحثيث، الصامت، لأكثر من عقدين، يمكن لنا أن نصل يوماً للقدرة الكفيلة بقلب موازين القوى بصورة نهائية وأخيرة لصالحنا، ضد العدو الإسرائيلي.. لكن قبل ذلك، لن أنخرط أبداً في فعل، لا أملك تصوراً واضحاً حول عواقبه.. فإن كان تفكيري هذا مخالفاً لشرع الله، حسب تفسيراتك، فستكون صدمتي كبرى بهذه التفسيرات، التي لم تنصرف يوماً، أنت وأمثالك من رجال الدين، عن تفصيلها على قدر أهوائكم، وعلى قدر تصوراتكم الضيقة.<br><br>كان الذهول يحل على الشيخ أسامة. تلك أول مرة يواجه فيها هجوماً بهذه الشراسة من جمال الدمشقي، لكنه استشعر مرارةً في حديث الرجل، واتهام أصاب منه مكاناً في قلبه. اتهام بأنه يبتغي النجومية كرجل دين، ويبتغي المكانة، كمرجعية دينية مؤثرة، أكثر مما يبتغي وجه الله، فيما جمال يعمل بصمت، ويجترح النجاحات لبلده، ومن ثم ينال التقريع والاتهامات.. شعر الشيخ أسامة تماماً بما يشعر به جمال، وأحسّ بأنه تسرع بالفعل.. لماذا يُحمّل الرجل أكثر مما يحتمل، لقد حقق للسوريين ما لم يخطر على بالهم يوماً.. لقد شعر لأول مرة بأن جمال الدمشقي يشعر بالغُبن.<br><br>صمت مطولاً وقد أسدل ناظريه. وبقي جمال كذلك صامتاً، لكنه كان يحدق فيه بحدّة وامتعاض واضح. أخيراً، رفع الشيخ أسامة ناظريه، وقال بهدوء: - أعتذر إن تسرعت، فأسأت لك.. لكن ذلك كان من منطلق "العشم" بك.. والطمع في أن أرى، قبل أن أموت، القدس محررة، وأن أصلي فيها.. <br><br>تهدج صوته.. شعر لوهلة، بأن جمال أصاب كبد الحقيقة فيه.. إنه لا يبغي وجه الله، وإلا، لكان عمل بصمتٍ أكثر من تلك العلنية الهوجاء التي يعتمدها. واستشعر جمال بأن الرجل يشعر بتأنيب الضمير، فقال بعد صمت مطوّل ساد جلستهما: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; اسمع يا شيخي.. أنا أيضاً أعتذر.. ربما ضغوط الأيام القليلة الماضية، قضت على آخر قدراتي على التماسك وضبط النفس.. لم أعني ما قلته حيالك.. ثقتي بك كانت، وما تزال، عالية.. لكن يا أخي ومعلمي وعوني أيضاً.. لقد كنت في جنيف أفاوض نخبة أشرار الأرض، وأقويائها.. والله، لو كنت على ثقة، بأنني لا أغامر، لو استمريت في الحرب، لما توقفت للحظة.. هل تظن أنني لا أطمح، مثلك، أن أرى القدس محررة، وأن أُصلي فيها أيضاً.. لكن يا شيخي.. المسؤولية كبيرة.. والطرف الآخر ليس هيناً، كما يظهر لك.. تصور لو تابعنا الحرب.. وشعر الغرب أن نهاية إسرائيل وشيكة، هل أنت واثق أنهم لن يفكروا بتوجيه ضربة نووية صاروخية لإحدى مدننا، بغية التسبب بصدمة تُقعدنا، وتدفعنا لوقف الحرب؟.. لا نملك اليوم القدرة على ردّ هكذا هجوم، بشكل أكيد.. ولا أستطيع المخاطرة في هكذا سيناريو.. لكنه مطروح.. ما دمنا لا نملك القدرة على تهديدهم، كما يهددونا، لن نستطيع تحييدهم عن مساعينا لإنهاء إسرائيل.. بل على العكس، فبقاء إسرائيل هو ورقة قوة لدينا، فنحن قادرون على تهديد ربيب الغرب العزيز، ولذلك، سيضطر الغرب لمسايرتنا، خوفاً على ذلك الربيب.. أما لو ذهبنا في الحرب إلى أقصاها، وباتت نهاية إسرائيل حتمية، ما الذي سيمنع الغرب من استخدام سلاحه النووي، ما دمنا لا نملك، في هذا التوقيت، القدرة الصاروخية على استهدافه في عمق داره.. علماً أننا لم نذكر شيئاً بخصوص القدرة النووية الإسرائيلية ذاتها، التي لا نملك اليوم القدرة الأكيدة، على تحييدها.. لا يعني ما سبق أن تحييد الغرب من حرب تُنهي إسرائيل، أمر مستحيل، بل على العكس.. المسألة مسألة وقت فقط.. فما دمنا تجاوزنا عتبات معرفية نوعية، كامتلاك السلاح النووي، والقدرة على تصنيع صواريخ بالستية بعيدة المدى، فالمسألة مسألة وقت إلى أن نمتلك القدرة على تصنيع صواريخ عابرة للقارات، قادرة على حمل رؤوس نووية.. حينها فقط، يمكن لنا أن نقول للغرب، ابتعد، وإلا ستكون أنت أيضاً في مرمى صواريخنا.. بطبيعة الحال، حتى ذلك الوقت، سيحاول الغرب استهدافنا، بكل الطرق الممكنة، للقضاء على مشروعنا لتطوير قدراتنا التسليحية والبحثية.. لكنه لن يستخدم الطرق&nbsp; المباشرة في المواجهة، لأنه سيخشى على مصير إسرائيل.. سيعمل الغرب على استهدافنا بطرق غير مباشرة، من أهمها، اختراقنا، اختراق صفوفنا، لفهم تركيبة منظومة القرار والتأثير لدينا، وفهم مكامن قوتنا وضعفنا، كي يوجه لنا الضربة القاصمة في الوقت المناسب.. وذلك يعني، أننا إن تابعنا مسيرتنا في حالة من التماسك، والعمل بصمت، التي عملنا بموجبها خلال السنوات السابقة، فإن احتمال نجاحنا في الوصول إلى العتبة المعرفية والعسكرية الكفيلة بتحييد قدرات الغرب، ليس أمراً مستحيلاً، بل على العكس، هي مسألة وقت.. لذلك.. يجب أن تكون أنت، وثلة العلماء المؤثرين من أمثالك، عوناً لنا.. أنا أعرف أنك لطالما شعرت بالريبة حيال مشاريعي.. لكن أعتقد أننا وصلنا إلى حدٍ من الوضوح، كفيل بتأكيد أنني أعمل بإخلاص في خدمة مشروع مستقبلي يجعل بلادنا قوية ومزدهرة، ويكفل امتلاكنا القدرة على تحرير فلسطين، في المستقبل.. قد لا نرى سوياً ذلك اليوم.. وقد يُيسر الله لنا أن نراه.. في نهاية المطاف، علينا أن نعمل، بصمت، وبإخلاص، إلى أن نُكلل بتوفيق من الله.. <br><br>لم يستطع الشيخ أسامة أن يناقش جمال فيما قاله، لقد أخرسه بالفعل، فالمنطق السليم الذي تكلم بموجبه، كان كفيلاً بإقناعه إلى حدٍ ما، لولا حيزٍ من الريبة حيال أن يكون جمال يستخدم الإسلاميين والقضية الفلسطينية كورقة لتعزيز قوته، وكرسي حكمه لا أكثر.. ولكن.. هو يقدم لهذا البلد، أكثر مما يأخذ منه.. هو لا يحظى بأي فائدة مادية، من حكمه لسوريا. وعملياً، لا تظهر معالم الفائدة المعنوية، كالجاه والسلطة، عليه.. فهو بعيد عن الأضواء في معظم الأحيان، ويعمل بصمت فعلاً، وبأقل قدر ممكن من العلنية.. هذه ليست صفات رجل يهوى كرسي الحكم.. <br><br>لم يكن الشيخ أسامة قادراً على الذهاب بعيداً في التشكيك بالرجل، وفي نفس الوقت، لم يكن قادراً على تحقيق حالة اليقين بإخلاص جمال.. لذا، قرر أن يفعل كما كان يفعل منذ أن التقاه أول مرة.. "لنجرب طريقة أخرى غير الطرق التي سبق وجربناها وفشلت جميعها".<br><br>وهكذا خرج جمال من أولى مواجهاته، وأقساها عليه، وقد حافظ على ولاء أبرز المرجعيات الدينية المؤثرة في البلاد حينها. وضمِن أن يؤدي ذلك إلى استقرار الولاء له في أوساط الإسلاميين، حتى لو على مضض، من بعضهم.<br><br>***<br><br>في اجتماع لقادة المؤسسة العسكرية، وبعضهم من أصحاب الميول الإسلامية، وبعضهم الأقل، من أصحاب التجارب الجهادية السابقة.. أجال جمال بصره بالحاضرين. كان يعلم أن بعضهم يُبطن خلاف ما يُظهر. فهم يعلمون أنهم مراقبون، في اتصالاتهم وربما حتى في بيوتهم، وكل تحركاتهم، مراقبة دقيقة. يعلمون ذلك جيداً، منذ أمد. لذا لن يُقدم أحدهم على فعلٍ يخاطر فيه بحياته، دون قيمة حقيقية.<br><br>قال جمال: - أريدكم أن تصارحوني.. وأنا كلي آذان صاغية.. ولنفتح باب النقاش.. وليكن المنطق العسكري الحكم بيننا.<br><br>جال في أذهان بعضهم، "يريد أن يكتشف من المعارضين له، كي يشدد الرقابة عليهم، وربما يُطيح بهم مستقبلاً".<br><br>قال أحدهم: "سيدي، لا يوجد ما يستحق النقاش، كلنا ثقة في سياساتك، وفي أدائك.. وما حققناه نصر لم نكن نحلم في يومٍ بمثيله".<br><br>لم يكن ذلك القائد العسكري، يُنافق. إذ كان جُلّ القادة راضون عما تحقق، بل كان بعضهم في حالة نشوة، وقد ارتفعت أسهم قيادة جمال لديه. لكن، كان في أوساطهم، أيضاً، الممتعضون، وكان جمال يريد محاورتهم. يريد أن يعصف بأفكارهم وأفكاره، في لُجّة من النقاش المحكوم بالمنطق. لا يريد أن يكون بعض قادته، من المغلوبين على أمرهم. يريدهم متقدين حماساً للعمل خلفه في مشروع تطوير الجيش السوري، صوب مراتب أعلى، يوماً تلو الآخر. مشروعه التطويري يتطلب تفاعلاً عميقاً من جميع أركانه، لا تبعية وولاء من منطلق الغلبة.<br><br>كرر طلبه بإبداء الآراء المعارضة، فلم يظهر أي منها، كان جميع المتحدثين، ممن أشادوا بحكمته، أو أكدوا أن ذلك أكبر الإنجازات الممكنة المتاحة للجيش السوري، في الوقت الراهن.<br><br>وبعد المحاولة الثالثة، قال قائد سرب طيران: - سيدي.. هل كنا عاجزين حقاً عن المتابعة؟</div><div><br>فقال جمال: - من يملك منكم تصوراً كاملاً لكيفية تحييد الغرب عن مواجهة عسكرية قد تقضي على إسرائيل، أو كيفية مواجهة الغرب ذاته، في إطار قدراتنا العسكرية الراهنة، التي يُدركها جُلكم.. فليتفضل بتقديم ذلك التصور.. وإن استطاع إقناع زملائه، قبل إقناعي، أنا مستعد لتمزيق اتفاق وقف إطلاق النار، وتحمل مسؤولية ذلك أمام العالم أجمع، وشن حرب جديدة على الإسرائيليين من الغد.<br><br>ران الصمت على الجميع. دقق جمال نظراته في القائد العسكري الذي أبدى تساؤلاً معارضاً، فقال له: - تفضل أيها القائد.. اشرح لنا تصورك للأمر، كلنا آذان صاغية.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سيدي، كانت مداخلتي استفساراً، وليس طرحاً.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وهل تظن أنني لو استطعت المتابعة، ونيل مجد تحرير القدس، وتسجيل اسمي في سجل الخالدين في تاريخ أمتي، من هذه الزاوية.. لما تابعت؟<br><br>ساد الوجوم على القائد العسكري، وعلى جميع الموجودين. وهنا تدخل رئيس الأركان، وقال:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سيدي.. لا أعتقد أن وجود بعض الآراء الممتعضة من وقف إطلاق النار، بعد عبورنا إلى فلسطين.. تعني التشكيك بسلامة المنهج الذي اعتمدته.. أعتقد أن جميع القادة العسكريين المتواجدين في هذه الغرفة، ممن يملك الإطلاع الكافي على قدراتنا، يعلمون أننا لا نملك اليوم القدرة الكافية على تحييد الغرب من أي مواجهة وجودية مع إسرائيل.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنني أستشعر خيبة أمل في وجوه البعض.. هل كنتم تظنون قبل الحرب أننا قادرون على استعادة كامل هضبة الجولان؟.. لا أعتقد.. قلّة منكم، تلك التي كانت متحمسة للمواجهة، قبل أن تبدأ.. لكن، حالما بدأت، غلب على بعضكم الحماس، حتى كاد ينسى المنطق العسكري الذي يحكم الحروب.<br><br>لم يجب أحد. ورغم أن جمال كان واثقاً من أن بعض قادته، غير راضين عن النتيجة التي آلت إليها الحرب، إلا أنه كان مرتاحاً لحالة الهيبة التي يملكها في أوساطهم. ذلك كفيل ببقاء قبضته مُحكمة على المؤسسة العسكرية. والزمن كفيل بتغيير آراء بعضهم. المهم، ألا تكون هناك أفعال مُضرة بصلابة المؤسسة، وحصانتها من الاختراق. خوفهم من جمال، لعلمهم بقدرته العالية على مراقبة همساتهم، حتى في بيوتهم، كفيل بضمان أمن المعلومات داخل المؤسسة، وذلك أبرز ما يبغيه جمال في هذه المرحلة، فهو على ثقة، بأن الأجهزة الاستخباراتية الغربية، بدأت من لحظة إعلان وقف إطلاق النار، تعمل بكل ما أُوتيت من قوة، كي تخترق المؤسسة العسكرية السورية.<br><br>***<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يا إلهي.. لم أتوقع أن يحل عليك الاكتئاب بعد هذا النصر العظيم.<br><br>قهقه بمرارة بادية، ثم قال: - قولي ذلك لمن ألتقيهم.. منذ ثلاثة أيام، زارتني مادلين صفرا، كانت غاضبة، قالت لي أنها تستشعر حساسية عالية من شركائنا التجاريين والماليين في الغرب، وصرخت بي، "ما هذا الجنون، كيف تجرأت على إسرائيل وأنت تعلم أن العالم بأكمله معها؟".<br><br>علّقت إيمان بسخرية: - أعلم.. أمي قضت ثلاث ساعات تحادثني على الهاتف من بيروت، أول أمس، وتتساءل، "هل جُنّ زوجك.. إنها إسرائيل، أي أمريكا، أي العالم".<br><br>ضحك، وقد استرخت أعصابه حينما ذُكرت حماتُه. قال: - لا أعرف لماذا أحب هذه المرأة رغم كل استفزازاتها.<br><br>قالت والضحكات تنال من نبرة صوتها: - أعلم.. هي كذلك.. تحبك، وفي نفس الوقت، تشعر بالاستفزاز من سلوكياتك.. سبحان الله.. من الحب ما استفز.<br><br>علت ضحكاتهما. قال لها: - المشكلة ليست في أمك، أو في حماتي الأخرى، مادلين صفرا.. المشكلة الأكبر، بأولئك الرجال الذين أثق بهم، والذين يعرفون تماماً، حجم قدراتنا ونوعيتها، ورغم ذلك يصعقونني حينما يقولون لي، "ألم نكن قادرين على المتابعة إلى القدس، على الأقل؟"، وكأنهم مغرّد سوري مُتكئ على أريكة في بيته، ويتولى من هناك تقييم السياسة العامة للدولة، ويحاكم المنطق العسكري للجيش.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من هم الرجال الذين أبدوا امتعاضهم أيضاً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حسن إبراهيم.. قال لي بنبرة كلها امتعاض، "سيدي، لقد نجحنا في التشويش الكامل على كل اتصالاتهم، كنا نستطيع المتابعة، الأمر يتطلب شجاعة فقط". المشكلة أن الرجل قابع في أقبية البحث التقني والعلمي لعقدٍ من الزمن، وتعود على إدارة كل شيء بالأزرار. أشعر أحياناً أن إدراكاته باتت كلها افتراضية، ولم يعد يُحس بالواقع الحقيقي. كيف يطلب مني أن أتشجع في حربٍ لست واثقاً من خاتمتها؟.. أن أضع بلداً وشعباً بأكمله على كف عفريت، وأدعو ذلك، "شجاعة".<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أعرف.. لا تقل لي.. لقد صُمت أذناي من القيل والقال، بهذا الخصوص.. الكل بات على دراية بما كان يجب أن نفعله.. ربما باستثنائك.<br><br>عادت القهقهة لتستولي على أصواتهم. تابعت إيمان: - أتعلم.. ربما الحق عليك فعلاً.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وكيف ذلك؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لقد دلعت العاملين تحت قيادتك.. عليك أن تكون صارماً أكثر.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. ربما.. لكن السيطرة مستتبة في المؤسستين العسكرية والأمنية، وذلك أهم أولوية بالنسبة لي الآن.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; جيد.. ما رأيك لو نزور الحمّة. دعنا نتمتع بمنشآت اليهود السياحية. سمعت أنهم أنشأوا هناك منتجعاً فريداً.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالفعل.. علينا أن نخرج قليلاً من عالمنا الضيق هذا.. أتعلمين؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ماذا؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أفكر أحياناً أن أتنحى جدياً، عن كل مسؤولياتي، وأغادر دمشق.. لنعود مثلاً إلى لندن.. أو لنقبع في جنيف، على ضفاف بحيرتها الفريدة.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يجب أن تأخذ إجازة.. ذلك ضروري. إن لم يكن في الخارج، لأسباب أمنية في الوقت الراهن. ليكن في الداخل. إما في صلنفة، أو في الحمّة بالجولان، مثلاً. أو لنذهب إلى فيلا الجبل في لبنان.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; صدقتي.. يجب أن آخذ إجازة.<br><br>وبالفعل، بعد بضعة أيام، غادرت العائلة بأكملها، إلى ينابيع الحمّة الكبريتية في الجولان. وقضوا بضعة أيام في ربوع مرتفعات الهضبة ومزارعها الغنّاء، وسبحوا في بحيرة طبريا. أحيطت رحلتهم بسرّية كاملة، وحُجبت عن وسائل الإعلام. وكانت أفضل سلوى لـ جمال بعيد الإجهاد الكبير الذي واجهه في الفترة الأخيرة. وعاد بعدها وقد استرد كامل لياقته. وتغلب على مشاعر الهم والغُبن، التي حلّت عليه بعيد وقف إطلاق النار.<br><br>***<br><br>في بداية أول يوم عمل جديد له في دمشق، بعد إجازته في الجولان، استيقظ مبكراً جداً. وحالما أذّن الفجر، انزوى في ركن الصلاة الخاص في القصر، بعد أن أغلق الأبواب عليه. صلّى الفرض، ثم أتبعه بركعتي شكرٍ لله. وبسط كفيه إلى السماء، وأسدل ناظريه، وناجى الحق سبحانه وتعالى. شكره على النصر الذي وفقه إليه، ثم قال له: "أعلم أنه ابتلاء بقدر ما هو نصر، إنه ابتلاء كي تختبرني هل أحسن عملاً.. برحمتك، وفقني للخير، وأنِر بصري وبصيرتي بما يرضيك، وارزقني الإرادة والقدرة على انتهاج ما يُرضيك، واصرفني بالحسنى عما يغضبك، وأحسن ختامي على ما يرضيك.. برحمتك، لا تخذلني بذنوبي وأفعالي.. وبرحمتك، لا تتركني لنفسي طرفة عينٍ أو أقل من ذلك، وخذ بناصيتي إلى الخيرات، وعرّفني على نعمك بدوامها ولا تعرّفني عليها بزوالها.. ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي.. واستر علي ولا تفضحني.. ولا تسلط علي بذنوبي من لا يخافك ولا يرحمني.. وأمتنِي وأنا في أقرب لحظاتي إليك، وقد غفرت لي، ورحمتني، وكتب لي الجنة، وحرّمتني على النار.. أنا ووالدَي وأهلي.. وسائر المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..".<br><br>شعر بطمأنينة رانت على قلبه. خرج إلى التراس الضخم الذي يعشقه، ووقف في تلك الإطلالة البهية التي تتيح له رؤية الأفق الدمشقي الممتد أمامه وإلى جانبيه.<br><br>تنشق عبيق الأزهار من خلفه، وانتصبت قامته الممشوقة، وامتلأ صدره بعبير المدينة التي يعشقها.. مدّ بصره، وحدق رويداً رويداً، في جوانب حديقة تشرين الممتدة بألوانها الزاهية، أمام عينيه، منحدرةً بهيبة، نحو ساحة الأمويين.. استرد ذكريات قصيّة، من زمن جميل، حينما كان يلهو مع أشقائه بين أروقة الحديقة، برفقة أمه.. تلك التي يعشقها أكثر من دمشق ذاتها، وربما يعشق دمشق، لأن ترابها يحتضن جثمان أمه المُتلاشي دون شك، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيلها..<br><br>لم يشعر هذه المرّة بالانقباضة المعتادة، التي كان يشعر بها حينما يلوح وجه والدته البعيد أمام ناظريه. ولم يغصّ حلقه بزفرة. وحتى حينما حلّت ذكرى والده، بجوارها، لم يرغب باجتنابها، بل تأملها. طمأنينة غريبة كانت تسود كيانه. قال في نفسه: "آه يا دمشق.. من هذا العاقّ الذي يستطيع الابتعاد عن رائحة ياسمينك؟".<br><br>***<br></div><div><br></div><div><font>(انتهت)</font></div><div><br></div><div>مواد ذات صلة:<br><br><a>في حجرة الصلاة قبل الحرب.. (الفصل الخامس عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بيروت وبغداد تُحكمان من دمشق.. (الفصل الرابع عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/23263</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//71ecf77541ecefb3e62fc1d9.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//71ecf77541ecefb3e62fc1d9.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[في حجرة الصلاة قبل الحرب.. (الفصل الخامس عشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/23120</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/23120</comments>
						<pubDate>Fri, 14 Dec 2018 20:48:44 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/23120</guid>
						<description><![CDATA[اختلى بنفسه، في إحدى خلواته المحببة، والمؤثرة للغاية في مساره النفسي، والسلوكي. في حجرة الصلاة المخصصة للتعبّد، في قصره، والتي يُحرّم على أحد دخولها، حالما يُغلق جÙ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<div><br>اختلى بنفسه، في إحدى خلواته المحببة، والمؤثرة للغاية في مساره النفسي، والسلوكي. في حجرة الصلاة المخصصة للتعبّد، في قصره، والتي يُحرّم على أحد دخولها، حالما يُغلق جمال الدمشقي أبوابها، على نفسه.. وبعد منتصف ليل الثالث من حزيران عام 2040، نفّذ الرجل الفائض بالعقلانية، طقسه التعبّدي المُعتاد، كلما كان هناك أمرٌ جللٌ، يُقبل عليه.<br><br>كانت قناعات متضاربة تتقاذف نفسه اللوّامة، ولم يكن مطمئناً تماماً لصوابية منهجه في الحياة. فهو بالفعل، مُسرف. هكذا يقول في نفسه أحياناً، ويشعر أنها نقطة ضعفه الدنيوية الكبرى. فهو يملك الإرادة على تجنب الأضواء، ولا تستهويه الشهرة، ولم يكن كرسي الحكم، يوماً، غايته. ومنذ التزامه الزوجي مع إيمان، لم يضعف أمام أي نزوات شهوانية تجاه الجنس الآخر، باستنثاء علاقته المُشبعة له، مع زوجته، والتي يتفنن معها، في تنفيذها، من حين لآخر، ليُخرجانها من الرتابة الزوجية، ويجعلانها مثيرة لهما بالفعل، ومُشبعة.<br><br>كانت نقطة ضعفه الوحيدة، عشقه للمال، وهوسه بالعقارات، وبرفاهية الحياة الرغيدة. ولو خُيّرت نفسه بين حكم بلد، وبين الانزواء في قصر رغيد، في ريف أوروبي يزخر بجمال الطبيعة الآخاذ، وكان هواه هو الحَكَم، لاختار الأمر الثاني. لكن، حينما يُحكم عقله، قبضته، على أهواء نفسه، تخضع الأخيرة لحكم العقل، ومفاده، أن يكون لشخص جمال الدمشقي، مشروع قيّم، يقدّم من خلاله شيئاً، للبشرية عموماً، ولأمته، وبلده، سوريا، خصوصاً. لا يبغي في ذلك تخليد ذكره، بقدر ما يبغي أن يحظى برحمة الله حينما يقف بين يديه، يوم الحساب، ليسأله، ماذا فعلت بالأمانة الثقيلة التي ألقيتها إليك؟، فيقول له، انتشلت بلدي وأمتي من الحضيض، ووضعتهما على سكة النهوض، وجعلتهما منارة لشعوب الأرض الأخرى، يكون الإسلام السراج الوهّاج فيها.<br><br>حينما يكون في حالة من الانتشاء والرضا عن الذات، يجادل نفسه اللوّامة، فيقول لها، إن امتلاك رجلٍ، تُقدّر ثروته بأكثر من ترليون دولار، وأنفق أكثر من ترليون ونصف دولار لخدمة أمته.. امتلاك هكذا رجل لبضعة قصور حول العالم، وحياته الرغيدة فيها، ليس إسرافاً. فالإسراف معياري، يعتمد على الموازنة بين ما يملكه الشخص، وما ينفقه. لكن الحملات الإعلامية التي تضرب على هذا الوتر من حين لآخر، ونصائح بعض الشيوخ ورجال الدين، سرّاً، له، بالحدّ من إسرافه، وهوسه بالعقارات والمزارع، والأثاث الفاخر، والحدائق الغنّاء،.. كل ذلك، يجعله يضعف، ويتعالى صوت نفسه اللوّامة، حتى يكاد يصبح "ولولة"، في بعض الأحيان، تقض مضجعه، وتجعله في خشية من غضب الله عليه.. غضب قد ينال منه في الدنيا، قبل الآخرة، وذلك كابوس آخر يقض مضجعه. <br><br>فقبل صعوده السريع إلى هذه القمة من النجاح والثراء، لم يكن يأبه كثيراً لما يمكن أن يُسلب منه من مكاسب الدنيا. لكن بعد أن عاش عقدين من الزمن، حياة فريدة غير مسبوقة من الثراء، ومسيرة متسارعة نحو النجاح، باتت خسارة كل ذلك، تُؤرقه.<br><br>وفي الأسابيع الأخيرة، وبعد تلقيه التهديدات الإسرائيلية العديدة باستهدافه، وبعد أن كابد بنجاح حالة الرعب التي استولت عليه، في بداية الأمر، وجد جمال أن في هذه التجربة فرصة قد يثبت من خلالها، مرة أخرى، لله عز وجل، أنه جدير بما خصّه به من ثروة ونجاح.<br><br>كان جمال يثق بمقدراته، وحنكته، ومواهبه العديدة التي أهلته لهذا النجاح الأسطوري، لكنه في الوقت نفسه، كان على يقين بأن توفيقاً إلهياً كان له السند والعون في كل نقلة نوعية حققها في العقدين الأخيرين من حياته. لذا، كان جمال يخشى أن يفقد ذلك التوفيق، في لحظة ما، فينتكس على أعقابه.<br><br>لكنه يجادل دوماً نفسه اللوّامة، ويصرخ بها، "لقد ضحيت كثيراً، وخاطرت كثيراً، في سبيل دين الله، وفي سبيل رفعة بلدي وأمتي. لم أكن أنانياً، لم أنزوِ لأكون مجرد رجل أعمال ثري، يتمتع بثرواته، ويرضي ضميره بفتات من المساعدات التي يقدمها للجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء من بلده".. كان أكثر من ذلك، سخّر ثروته وجهده ووقته، في سبيل رفعة بلده، دون مقابل حقيقي، ذي قيمة لديه.. فهو لا يُغريه كرسي الحكم حقيقةً، وما الذي يمكن أن يقدمه له كرسي حكم في بلدٍ مهدم كسوريا حينما تسلمها؟!.. الجاه؟.. هو يملك الجاه بالفعل، قبل ذلك بكثير، من خلال القيمة المعنوية الهائلة التي حصّلها إقليمياً ودولياً، بفعل ثروته وعلاقاته العامة.. وكان دوماً، يُستقبل بحفاوة بالغة، في بلاطات الأمراء والملوك، وفي مكاتب القادة والمسؤولين الكبار، حول العالم.. المال؟.. واقع الأمر أنه يُنفق على سوريا، ولا يستفيد منها بقرش، على العكس.. الشهرة والأضواء؟.. هو يأباها، ويميل للهدوء، ويعشق الحياة بعيداً عن كاميرات الإعلام، ولولا أن مشروعه النهضوي في سوريا تطلب ظهوره أكثر من مرة، على شاشات الإعلام، وفي اللقاءات السياسية والجماهيرية المبثوثة على الهواء مباشرةً، لما فكر يوماً في خوض كل هذا الضجيج، في رأيه.. السلطة والنفوذ؟.. هو يملكها بالفعل، قبل أن يستعيد سوريا من "داعش".. لا شيء يقدمه كرسي الحكم له.. إلا أمراً واحداً فقط، يقدم له فرصة القيام بفعلٍ في سياق مشروع متكامل، يقدمه يوم الحساب لله، كدليل على أنه كان جديراً باستخلاف الله له على الأرض، وأنه أعمرها، قدر استطاعته.. <br><br>بحث جمال مراراً عن أي دليل عقلي جازم، يؤكد له عدم وجود الخالق، عله يفلت من صوت داخلي يذكّره دوماً بالنهاية، وما بعدها.. لكنه عجز.. كلما حكّم عقله الصرف في دليلٍ ما، ثبت له أكثر، أن وجود الخالق أمر صارخ، ينبض بالضياء، حتى ليكاد يُعمي بصر كل صادقٍ ونزيهٍ.<br><br>بعد ذلك، خاض جمال مراراً في صدقية النص القرآني، فخلص إلى ذات النتيجة، التي خلص إليها في القضية الأولى. لقد أصبح على يقين، شبه كلّي، أن لا فكاك من أمر الله. فهناك آخرة، وحساب. وعليه أن يستعد لذلك.<br><br>تستلبه الدنيا، وترون فتنها على قلبه، من حين لآخر.. لكنه لا يتيه كثيراً، إلا ليعود سريعاً إلى بحثه الدائم عن فعل يقدّمه لله، يوم الحساب، بصورة تدلل على أنه جدير برحمته.<br><br>وهكذا، كان جمال الدمشقي على موعدٍ مع طقسه التعبّدي المطوّل، المعتاد عند إقدامه على أي أمر جلل. وبعد منتصف ليل الثالث من حزيران عام 2040. أغلق جمال على نفسه أبواب حجرة الصلاة الخاصة. وانزوى قرب المحراب الموجود في صدرها، وصلّى. أطال السجود في كل ركعة. كان يدعو ويبتهل، والدموع تجلل وجهه. وفي صدره أمل ينتظر إشارة، أن الله فتح أبواب الإجابة له.. بكى بخشوع، وسأل الله ألا يعامله على قدر ضعف نفسه وزلاتها، سأله أن يعامله من جود كرمه، وأن ينظر إليه بعين رحمته.. بكى بخشوع، وسأل الله ألا يخذله بذنوبه وأفعاله، وألا يكتبه من "أخوان الشياطين"، ولا من "المنافقين".. سأله الرحمة بإلحاح.. وسأله التوفيق والنصر، بإلحاح أكبر.. وسأله الهداية، بإلحاحٍ أيضاً.. وسأله أن يعافيه من "الكِبر".. وأن يطهر نفسه من "أمراضها".. وأن ينصره على من عاداه، وأن يُنير بصره وبصيرته بما يرضيه..<br><br>وبعد أكثر من عشرين ركعة، شعر بعيدها براحة وطمأنينة حلّت على نفسه، هي الإشارة التي ينتظرها في كل مرة، والتي يقرأها على أن الله لم يغلق الأبواب في وجهه.. أدى جمال صلاة الاستخارة للمرة الثالثة، منذ أسابيع، وحسم أمره، وتوكل على الله..<br><br>***<br><br>في مساء ذلك اليوم، استُدعي جمال لاجتماع عاجل، رتبه مسؤولو استخبارات، بالتنسيق مع حسن إبراهيم، مدير غرف المراقبة والتجسس والاتصالات، التي يملكها جمال. وبإيجاز، أكد الطرفان، تقاطع معلوماتهما، بأن الإسرائيليين بصدد استهداف منشأة عسكرية تدريبية قرب دمشق، بالطيران، الذي سيخترق الأجواء السورية قادماً من لبنان. <br><br>وقدّر مديرو الاستخبارات أن الهجوم سيتسبب بحوالي 25 ضحية من العسكريين المتدربين في المنشأة، والذين يقضون لياليهم في مهجع مخصص داخل المنشأة. <br><br>قال له حسن: - المعطيات التي استطعت التأكد منها، عبر التجسس على مسؤولي الاستخبارات والدفاع، الإسرائيليين، باستخدام أقمارنا الصناعية، أن الإسرائيليين يريدون خسارة بشرية ضمن جنودنا، كي تشكل استفزازاً كافياً يجرك إلى الرد، كي يُقدّروا حجم مقدراتنا.<br><br>صمت حسن لوهلة، ثم استطرد: - رصدنا ما يؤكد علم المخابرات الأمريكية والبريطانية بالأمر، لكن، يبدو أن الفرنسيين والألمان، وأيضاً الروس، لا يعلمون شيئاً. وكانت هناك إجراءات إسرائيلية مشددة كي لا ترصد الاستخبارات التركية أي شيء عن الأمر.<br><br>طلب جمال تقديرات مسؤولي الاستخبارات ونصائحهم، وبعضهم عسكريون محترفون، فنصحوه بإتاحة الفرصة للإسرائيليين كي يحققوا أهدافهم، ذلك أن وقوع خسائر بشرية بين الجنود، سيكون ذريعة قوية لـ جمال، تبرر له إعلان الحرب. <br><br>لكن جمال رفض ذلك. قال لمسؤولي الاستخبارات أن عليهم تدبر الأمر، بحيث يظهر وكأن هناك خسائر بشرية قد وقعت بالفعل، لكنه لا يريد أن تُزهق أي نفسٍ من الجنود المتواجدين في المنشأة، إطلاقاً.<br><br>دار جدل مستفيض، إذ كان مسؤولو الاستخبارات ميالين إلى ترك الأمور لسياقها، لأنهم يخشون أن يُكشف أي تلاعب بهذا الخصوص، فيُضعف من موقف سوريا التي ستستغل مبرر وقوع قتلى، لإعلان الحرب. لكن جمال أصرّ على موقفه. <br>&nbsp; <br>بعيد ساعات، تم توسيع الاجتماع، وانضم إليه رئيس الجمهورية ونائبه، ووزير الدفاع، وهيئة أركان الجيش، وقادة الأجهزة الأمنية السبعة، وعدد من المستشارين السياسيين والعسكريين المقربين من جمال. باختصار، اجتمع الصف الأول من قيادات سوريا في لقاء مستعجل، حيث وُضعت المعلومات الاستخباراتية المُستجدة بين أيدي الجميع، للنقاش.<br><br>وبعد أخذ وردّ، وطروحات عدّة، حسم جمال الأمر، وطرح التصور المُعتمد لكيفية التعامل مع العدوان الإسرائيلي، وتم تفعيل الخطة الأولى التي كانت قد وُضعت قبل أكثر من عشرة أيام، في الاجتماع السابق للمجموعة ذاتها، أُضيف إليها تطور وحيد، يتعلق بإصرار جمال على عدم ترك أي عسكري داخل المنشأة التي يُتوقع أن تستهدفها الطائرات الإسرائيلية، على أن تتولى أجهزة استخبارات سورية مسؤولية تقديم المشهد، وكأن ضحايا قد سقطوا بالفعل.<br><br>كانت المعطيات الاستخباراتية التي تتوافر لدى الإسرائيليين في معظمها غير دقيق، وتم تمريرها لهم عبر خلايا جاسوسية تعمل داخل الأراضي السورية، اكتشفتها أجهزة مخابرات سورية، لكنها تركتها تعمل، وأحاطتها بعملاء لها، كي تضمن تمرير ما تريد من المعطيات الاستخباراتية المُضللة للإسرائيليين. كان ذلك يُطمئن جمال، ويدفعه إلى عدم التضحية بأي نفسٍ من المقاتلين السوريين، هباءاً، إذ يمكن تمرير معطيات متعلقة بسقوط قتلى بالفعل، للخلايا الجاسوسية الإسرائيلية.<br><br>كان عدد تلك الخلايا، سبع، ولم تكن ترتبط ببعضها البعض مطلقاً، وقد مضى على عمل أقدمها، 3 سنوات على الأقل. وقد اكتشفتها المخابرات السورية منذ أكثر من سنتين، لكن لم يتم القبض عليهم، بل على العكس، تمت مراقبتهم بشدة، وتولى نشطاء للمخابرات السورية مهمة تمرير المعلومات لهم، بصورة تضمن أمن البلاد، وتحقق غايات تضليلية للإسرائيليين.<br><br>&nbsp;***<br><br>في مساء يوم الرابع من حزيران، 2040، أوى جمال إلى سريره مبكراً، ولحقته إيمان سريعاً. تحدثا قليلاً، كان هادئاً، لكنه كان يستشعر بأن الأمر اقترب. نظر إلى الساعة، كانت التاسعة والنصف مساءً. شعر بعجز عن النوم، فاستوى في سريره، وأخذ يقرأ في رواية أمريكية مترجمة، صادرة حديثاً، كان قد وصل إلى الفصل السابع عشر فيها. كانت تلك وسيلته المفضلة لتهدئة أفكاره المضطربة التي لا تتوقف عن التفاعل، خاصة حينما يأوي إلى السرير. <br><br>وبالفعل، داهمه النعاس. وضع الرواية على المنضدة المجاورة للسرير. نظر إلى الساعة التي كان قد تركها على المنضدة أيضاً، كانت تشير إلى العاشرة والنصف مساءً. استلقى في السرير، كانت إيمان قد غطت بالنوم. حملق قليلاً في الفراغ، ثم أغمض عينيه، نطق بالشهادتين، وقرأ بعض السور القرآنية القصيرة، ثم سرح بخياله إلى فيلا الريفيرا، في فرنسا، تلك التي يعشقها، بإطلالتها البهية على البحر، وبحدائقها الغنّاء. لقد عاش في جنانٍ عديدة على الأرض، فهل يحظى بمثلها في السماء؟.. طرد الفكرة من رأسه مباشرةً، وانتقل بخياله إلى قصره الصغير على بحيرة جنيف، حيث الأشجار الوارفة القديمة، وتلك الإطلالة الساحرة، من مرتفع قصره الصغير، على البحيرة، وذلك الممر الضيق المسور بالأشجار الباسقة، الذي يربط القصر بشاطئ البحيرة، حيث هناك مرسى خشبي صغير أُحكم إليه رباط زورق صغير أيضاً.. هل سيعود إلى هناك قريباً؟، لقد شغلته مهام حياته الجديدة منذ تحرير دمشق، فلم يعد يقضي أوقات إجازة في عقاراته المحببة إليه، إلا ما ندر.. يجب أن يذهب إلى هناك، إلى جنيف، حالما تنتهي هذه القصة، إن شاء الله.. ومن ثم، سرح خياله إلى بيته الخشبي الدافئ في جبال الألب النمساوية، حيث للشتاء طعمٌ آخرٌ، وللصيف أيضاً.. فجأة، قفز إلى ذهنه جدل سبق أن حسمه، حول إن كان من الأفضل إرسال عائلته إلى مكانٍ آمن أكثر من قصره بدمشق.. كان قد قرر أن لا داعي لذلك، خاصة أن القصر مزود بمنظومة دفاع جوية، تحت الأرض، موصولة بجهاز ترقب يجعل المنظومة قادرة على إسقاط أي طائرة معادية تقترب من القصر من مسافات بعيدة.. كما أن القصر يحوي ملاجئ آمنة، ويتصل بممرات خارجية تصله، من تحت الأرض، بقصر الشعب، مقر رئاسة الجمهورية، وبهيئة الأركان في ساحة الأمويين، حيث توجد هناك مخارج عديدة للخروج إلى سطح الأرض، وقد يجد المرء نفسه في قلب شوارع العاصمة دمشق، وبالتحديد، قرب سوق الجسر الأبيض، وتحديداً في إحدى محلات السوق، التي تُعتبر تمويهاً يغطي على حقيقة أنه مدخل لممرات سرّية على أعماق كبيرة تحت العاصمة دمشق. ويُدار المحل، الذي يبيع أزياء رجالية، من قبل أجهزة أمنية خاصة بـ جمال.<br><br>من جديد، حاول جاهداً طرد الأفكار المحتدمة في رأسه.. شعر بالتوتر، تقلب في الفراش أكثر من مرة، فاستيقظت إيمان، واستدارت نحوه. حدق فيها متأسفاً، وقال: "لا أستطيع النوم، أنا آسف، سأخرج لأتنشق بعض الهواء في الخارج، فإن بقيت هنا، لن تستطيعين النوم".. فابتسمت، ومدت ذراعها اليسرى لتداعب بها وجهه، وقالت له: "لا تخرج.. دعنا نتحدث قليلاً". شعر بارتياح كبير حالما قالت له ذلك، فالحديث معها يريحه دوماً، ويهدئ توتره.<br><br>تحدثا في مواضيع عديدة، كلها لا علاقة لها بموضوع الحدث الراهن. تحدثا عن هدوء كنان، العائد منذ بضعة أيام من الولايات المتحدة الأمريكية، قالت له إيمان: "أخشى أن يكون على علاقة مع فتاة أمريكية".. طمأنها: "هناك فريق متخصص لمراقبته، طمأنوني أن لا علاقة جدية بينه وبين أي فتاة، رغم أنه يحادث بعضهن، لكن محادثاتهم بريئة، حتى الآن". عقّبت: "لكن يجب أن تتحدث معه، وتحذره من خطورة ذلك".. فضحك، وقال لها: "بدأت غيرة الأم تنضح منك.. لتكوني عاقلة أكثر من ذلك، الشاب في أوج انطلاقته، هل تريدين الحجر عليه، يجب أن يخوض تجاربه بنفسه.. لقد أسسنا وربينا، وبإذن الله، الأسس راسخة، وعند هذه النقطة، انتهى الجزء الأكبر من دورنا، عليه هو بنفسه، أن يستكشف الحياة، وسيرتد، كلما أوغل في طريق خاطئ، مسترشداً بما ربيناه عليه، بإذن الله.. ورغم ذلك، هو يخضع للرقابة الدقيقة، حذراً من أن يمسه سوء بسبب نشاطاتي، وليس للحجر عليه، فأنا لن أتدخل في حياته الشخصية أبداً، لقد بات في العشرين".<br><br>ظهر عليها عدم الارتياح، لكنها فضلت أن تغيّر الموضوع، لم تكن تريد أن تتحدث في أمرٍ قد يزعج زوجها في هذه الظروف، فهي تريد تهدئة توتره، وليس العكس، فقالت على مضض: "حسناً، كما ترى". ومن ثم، خاضت في حديث عن ابنهما الثاني، إياد، قالت له أنها تلمح علائم الشخصية القيادية عليه، لكنها تخشى أنه بدأ يتحول إلى متنمّر، فهو يتدخل بكل صغيرة وكبيرة من شؤون أخوته، ويُؤنب بعضهم بطريقة لم تُرضها، أخبرها أنه سيتحدث إليه، ومن ثم تناقشا في الخجل الذي يغلب على شخصية أغيد، ابنهما الثالث، وكيف يمكن معالجته، ومن ثم تحادثا في الانطلاق البادي في شخصية وسام، ومواهبه التجارية الفطرية، لكن إيمان حذرت جمال من أن ميلاً للخداع يتبدى لديه، وهي تخشى أن يتحول ذلك إلى ميلٍ للـ "النصب" على الناس، حسب وصفها، وبدأا يتناقشان في كيفية معالجة الأمر، وأخيراً، تطرقا لشخصية ابنتهما الصغرى، سهى، وقالت له إيمان إنها ترى شيئاً من الدلع المبالغ فيه في تعامل جمال معها، بصورة جعلتها تتمرد أكثر من مرة على أمها، وهي ما تزال بعد في الثامنة، ووعدها جمال بالتعامل مع الأمر، بحكمة أكبر.. وبعد قرابة الساعة من النقاشات الهادئة، والأحاديث المتعلقة بالأسرة، غلب النعاس جمال، وحينما كانت إيمان تروي له قصصاً عن تجاربها المثيرة للضحك في صالونات اللقاءات النسائية التي تحضرها من حين لآخر، كان جمال قد نام بالفعل، كانت ابتسامة تغطي شفتيه، كانت إيمان تظنها مؤشر سخرية من القصص التافهة التي ترويها عن لقاءات الصالونات النسائية، لكنها بدأت تسمع شخيراً هادئاً يصدر عنه، فعلمت أنه غفا تماماً. فارتاحت. لقد استطاعت تهدئته، يجب أن يستيقظ في اليوم التالي، بكامل لياقته، فالأيام القادمة عسيرة عليه، وهي تعلم ذلك.. كانت إيمان تعرف أن الحديث عن أولاده، هي أكثر المواضيع التي قد تُهدئ توتره، وتريح أعصابه، وتُذهب الهواجس المتلاطمة عن ذهنه. ونجحت في ذلك، وقررت هي أيضاً أن تعود إلى غفوتها الآن، بسلام.<br><br>***<br><br>رنّ هاتف جوال، برنّةٍ مزعجة، ومهيبة، ومرتفعة للغاية. فتح عينيه، وكذلك إيمان، التي استوت في السرير سريعاً، والرعب بادٍ عليها. خلافاً لها، كان هادئاً، استوى في السرير، وتناول الهاتف الموجود بين مجموعة أشياء على المنضدة المجاورة لجانبه من السرير. أشعل كلوب الإضاءة المتواجد على المنضدة أيضاً. كانت إيمان مرعوبة لأنها تعلم أن هذا الهاتف، هو هاتف الحالات الطارئة، الموصول بشبكة اتصالات خاصة آمنة، ولا يتم الاتصال به، إلا في حالات الطوارئ القصوى.<br><br>وفيما كان الهاتف يواصل رنينه المزعج، تناول جمال ساعة يده الموضوعة على المنضدة ذاتها، أيضاً، إنها تشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف فجراً، والتاريخ يشير إلى يوم الخامس من حزيران، عام 2040. كان لديه شعور أن الإسرائيليين سيكررون التاريخ، ويشنون عدوانهم في ذات اليوم، الذي سبق أن شنوا فيه عدوانهم الشهير قبل 73 سنة. <br><br>ضغط بقبول الاتصال، وتحدث: - ألو.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سيدي. الطائرات الإسرائيلية انطلقت، وباتت الآن في الأجواء اللبنانية. طائرتان. أقمارنا التجسسية تؤكد أنهما ستتجهان إلى المنشأة التدريبية المقصودة. خلال سبع إلى عشر دقائق، ستنفذ الطائرتان الضربة، وتعودان أدراجهما.<br><br>شهق بهدوء، وزفر بهدوء أيضاً، ثم قال: - عُلم.<br><br>أغلق الهاتف، والتفت إلى إيمان، كان الرعب الذي حلّ عليها منذ دقيقة، قد تهاوى قليلاً. فهمت ما حدث. ابتسم، وقال لها: "يبدو أنك اليوم لن تستطيعين النوم". قهقهت، واصطنعت المرح، كانت تحاول ضبط أعصابها، كي لا توتره، لكنه كان أهدأ منها بكثير.<br><br>عادةً ما يتصلب جمال في مواجهة الأزمات. قبلها، تجده متوتراً، وخائفاً، ومتردداً حيال كيفية مواجهتها، لكن حالما تقع، تجده هادئاً، منظماً، ومنهجياً، وبعد أن يتجاوز الأزمة، لا يندم على أي قرار اتخذه حيالها، لأنه دائماً يأخذ وقته الكامل من التفكير، ويقلّب الأمر من كل وجوهه، لذا، دائماً يقول في نفسه، لو تكرر الموقف ذاته، لاتخذت حياله ذات القرار الذي اتخذته. واليوم، لا يختلف الوضع عما سبقه، لقد محّص الأمر من كل وجوهه، وقد أراحه أن توقعات مخابراته صائبة، ورصدهم عالي الدقة، وأولى التوقعات المدروسة بعناية، تتحقق الآن.<br><br>غادر الفراش، واتجه إلى الحمام، حيث استحم، وتنشف، وتعطر، وغادر الحمام ليجد إيمان قد حضّرت له كوب النسكافيه الخاص به، والذي يحبذه عند بداية نشاطه اليومي المعتاد، لكنه اليوم مضطر لإطلاق ذلك النشاط في وقتٍ غير معتادٍ.<br><br>مرات قليلة في حياته، التي تطلب منه الأمر أن يعمل ليلاً نهاراً، دون انتظام محدد. إحدى أكثر المرات التي تطلبت استنفاره الكامل، كانت يوم بدء عمليات تحرير دمشق. احتاج أكثر من أسبوع، إلى أن بدأت المؤشرات تؤكد أن الأمور تسير على ما يرام. بعد ذلك استعاد نظام حياته اليومي، المنضبط وفق تسلسل محدد، يتكرر كل أيام الأسبوع، عدا يومي الجمعة والسبت.<br><br>شرب كوب النسكافيه الخاص به، بهدوء، وشاركته إيمان كوب نسكافيه أيضاً. وأكلا بضع حبات من التمر السعودي المحبب لديه. ارتدى ثيابه، وعدّل هندامه أمام المرآة، وغادر إلى غرفة العمليات المركزية في قبو قصره، حيث كان الفنيون هناك، في حالة استنفار قصوى. حالما دلف إلى غرفة العمليات، استقبله مدير الغرفة بوجهٍ ممتقعٍ، قائلاً: - لقد وجهوا ضربتهم، واستمعنا إلى قائدي الطائرتين يؤكدان تحقق الإصابة، وباتا الآن في الأجواء الإسرائيلية.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; جيد.<br><br>جلس وراء لوحة تحكم كبيرة، فيها شاشات عديدة، إحداها مركزية ضخمة، كانت تظهر مسار الطائرات التي هبطت للتو في إحدى المطارات العسكرية في الجليل. نفّذ الإسرائيليون العملية بنجاح، حسب ظنهم. وباتت الكُرةُ في ملعب السوريين.<br><br>سلّمه مدير غرفة العمليات الهاتف. سمع شخصاً من الطرف الآخر، هو ذات الشخص الذي اتصل به قبل ثلاثة أرباع الساعة، ليبلغه بالضربة، قبيل وقوعها. قال له الشخص: - سيدي، تفقدنا مكان الضربة، ولا توجد أية خسائر بشرية، لكننا أوهمنا ثلاثة عملاء من الخلايا التجسسية الإسرائيلية، كانوا متواجدين قرب المكان، بأن هناك عدداً كبيراً من القتلى. لقد دُمرت ثلاثة أبنية في المنشأة تماماً. عميلنا المزدوج في المنشأة أبلغ الجواسيس الإسرائيليين بنجاح العملية.<br><br>كان ثلاثة عملاء إسرائيليين يظنون أنهم تمكنوا من اختراق المنشأة التدريبية المستهدفة عبر تجنيد عميل داخلها. لم يعلموا أنه أحد عملاء المخابرات السورية، وتم دفعه لتزويدهم بمعلومات مضللة.<br><br>وصله تقرير مكتوب من حسن إبراهيم، على شاشة هاتفه الخاص الآمن، الذي يعمل بشبكة اتصالات خاصة. قال له حسن في التقرير الموجز: - الإسرائيليون يعتقدون أنهم نفذوا الضربة بنجاح، عملاؤهم على الأرض أبلغوهم بذلك، وهم ينتظرون ردنا.<br><br>لم يتأخر رد السوريين كثيراً. إذ بثت عدة قنوات فضائية سورية، إحداها مملوكة لـ جمال الدمشقي، وتُعد مقرّبة جداً من السلطات، أخباراً عاجلة عن تعرض منشأة عسكرية سورية، تقع غرب دمشق، قريباً من الحدود اللبنانية، لتفجير هائل.<br><br>وبعد أكثر من ساعة بقليل من تنفيذ الضربة، صدر بيان موجز عن وزارة الدفاع السورية، أعلن تعرض منشأة عسكرية سورية، لعمل عدواني.<br><br>استيقظ النائمون، وتسمّر معظم السوريين أمام شاشات قنواتهم. وكذلك حدث في دول عربية مجاورة، كلبنان والأردن والعراق، وحتى في تركيا ومصر. <br><br>بعد أقل من ساعتين من توقيت وقوع الضربة العسكرية، ظهر متحدث باسم وزارة الدفاع السورية، على شاشات التلفزة، ليُعلن في بيان مسجل أن الطيران الإسرائيلي استهدف منشأة عسكرية سورية تدريبية، غرب دمشق، وأن حصيلة القتلى الأولى، تُقدّر بـ 25 متدرباً عسكرياً، كانوا متواجدين في المنشأة، التي دُمرت فيها ثلاثة أبنية.<br><br>وبدأت الاتصالات تتوالى على جمال. اتصالات من مسؤولين أتراك وعرب، وغربيين وروس، لكنه لم يجب نهائياً. اعتذر سكرتيره الخاص من المتصلين مؤكداً أن جمال سيتواصل معهم حالما يسمح له الظرف بذلك.<br><br>كانت ليلة طويلة، على السوريين، وعلى الكثير من أقرانهم في دول مجاورة. وانشغلت كل&nbsp; محطات التلفزة العربية، وبعض الشبكات الإخبارية العالمية، برصد الخبر. وظهر محللون عسكريون وسياسيون للتداول فيه. وبات الحدث خبر الساعة، وانشغلت به مختلف وسائل الإعلام. وزخرت وسائل التواصل الاجتماعي بالحديث والتداول في الأمر.<br><br>وفي دمشق، بدا الليل وكأنه مُبصراً، من شدة الإنارة. فالجميع مستيقظ، وإنارات البيوت، كلها مُضاءة. كانت ليلة مشهودة في دمشق، وكذلك في المدن الإسرائيلية. في القدس الغربية، وفي تل أبيب، وفي حيفا، كانت هناك مخاوف جدية، ظهرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.<br><br>وفي الصباح، ازدادت حدة الاتصالات من المسؤولين في دول إقليمية وأجنبية. ولم يجب جمال نهائياً، على أي اتصال، فيما كانت ردود رئاسة الجمهورية موجزة، "سنوافيكم بردنا حالما نتخذ قرارنا". <br><br>اتصل الرئيس الأمريكي بالرئيس السوري، لكن الأخير اعتذر عن الإجابة في لحظتها. وتحدثت وسائل إعلام غربية عن أن حكومة دمشق لا تتحدث مع أحد، الأمر الذي يزيد من اللايقين حول ما يحدث، أو ما يمكن أن يحدث. <br><br>وفي الصباح، حوالي الساعة التاسعة والنصف، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي على الهواء مباشرة، مُقراً، في سابقة غير معتادة لدى الحكومات الإسرائيلية، بمسؤولية حكومته عن استهداف المنشأة العسكرية السورية، مشيراً إلى أنها كانت تُدرّب متطرفين، حسب وصفه، من المنتسبين السابقين لتنظيمي القاعدة وداعش.<br><br>وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي: "هذه العملية رسالة إلى دمشق، وإلى حاكمها الفعلي، كي يفهم بأننا لن نبقى متفرجين حيال ما يُعده من تجهيزات عسكرية، وما يجريه من تدريبات لمقاتلين، على مقربة من حدودنا". <br><br>وعقّب: "لكننا لا نريد الحرب.. هي رسالة، نرجو أن يفهمها المسؤول في دمشق. أما إن اختار السوريون الحرب، فنحن مستعدون لذلك".<br><br>بعد أن أنهى رئيس الوزراء الإسرائيلي كلمته، توالت تعليقات عسكريين إسرائيليين، يؤكدون أن أقصى ما يمكن أن يفعله جمال الدمشقي، هو استخدام نفس أسلوب حزب الله اللبناني، قديماً، وهو أن يُطلق زخات من صواريخ الكاتيوشا، والصواريخ قصيرة المدى، على مستوطنات الجولان، وربما أيضاً، على مستوطنات الجليل، عبر قوات حليفة له في لبنان. ونصح المحللون الإسرائيليون سكان تلك المستوطنات بأخذ الحيطة، والنزول إلى الملاجئ بشكل مؤقت، إلى أن يتبين مسار الأحداث.<br><br>وبالفعل، نزل سكان المستوطنات الإسرائيلية في الجولان وفي شمال فلسطين، إلى الملاجئ، في سابقة لم يعهدها سكان مستوطنات الجليل، منذ 34 سنة، هو تاريخ آخر الحروب التي خاضها حزب الله مع إسرائيل. فيما لم يعهدها سكان المستوطنات في الجولان، أبداً.<br><br>أما في دمشق، فداهم الخوف بعض الناس، فيما كلل الحماس بعضهم الآخر، وكان الترقب سيد الموقف. إلا أن قلة قليلة جداً من سكان العاصمة، فكروا بالنزول إلى الأقبية في أبنيتهم. <br><br>&nbsp;أما المحللون السياسيون في الأقنية السورية والعربية، فرجحوا أن تحتفظ حكومة دمشق بحق الرد، في أحسن الأحوال، ولم يتوقع محلل واحد، أن تندفع الحكومة السورية إلى حرب شاملة مع إسرائيل. فيما ذهب قلّة من المحللين السوريين والعرب إلى احتمال أن ترد سوريا بزمان ومكان وطريقة، مختلفة. كان الجميع يعتقد أن جمال الدمشقي لن يتجاوز السقف الذي رسمه حافظ الأسد، تاريخياً، لحدود ما يمكن أن تفعله دمشق حيال إسرائيل. وكانت قناعة غريبة تسود معظم السوريين، أن جمال الدمشقي لن يتجرأ على ربيبة الغرب، ويخاطر بنهضة عمرانية واقتصادية هائلة، أنفق عليها أكثر من ترليون دولار حتى الآن. في أحسن الأحوال، سيرد جمال بطرق الحرب غير المباشرة، عبر وكلاء ربما، لكن من هم، تساءل محللون، فخلافاً لـ حافظ الأسد، تاريخياً، لم يكن جمال يدعم أي تنظيمات مقاومة، لا في لبنان، ولا في فلسطين. لذا كان التساؤل ملحاً، كيف سيرد جمال؟.. البعض توقع أن جمال سيلجأ إلى عقوبات اقتصادية ضد شركات متعاملة مع إسرائيل، مستخدماً حقوق الملكية الفكرية للوقود الحيوي ورقاقات الطاقة الشمسية، التي باتت وقود العصر الراهن. فيما رأى آخرون أن الدمشقي سيبتلع الغصّة، ويسعى إلى تسوية ما، وراء الكواليس، كما سبق وأجرى تسوية مع الإسرائيليين، عبر وسطاء غربيين، بعد أن كادوا يقتلونه في محاولة اغتيال، قضى عمّه، فيها، نحبه.. هذا أقصى ما يمكن أن يفعله الرجل.. هكذا كان معظم الناس، بما فيهم، معظم السوريين، يفكرون.<br><br>في الحادية عشرة والنصف صباحاً، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية أن رئيس الجمهورية سيتحدث للسوريين، على الهواء مباشرةً، بعد نصف ساعة من الآن. فتسمر السوريون، والإسرائيليون، ومعظم سكان الإقليم، أمام شاشات القنوات الإخبارية المتخصصة، ينتظرون إطلالة ناجي الفتيحي، المُرتقبة.<br><br>وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً، بتوقيت دمشق، كانت المفاجأة صاعقة لجميع من كان يشاهد شاشات التلفزة حينها. ظهر الرئيس بهندامٍ عسكري، وبدأ بالبسملة، وبالصلاة على النبي وآله وصحبه، ثم قال: "أيها الشعب السوري العظيم.. يا من ائتمننا على تمثيله.. أتوجه إليكم اليوم بإعلانٍ قد يسوء بعضكم، ممن يبتغي السلام والاستقرار.. لكننا نسألكم الثقة بنا، وسنكون، بإذن الله، عند حسن ظنكم بنا.. ونسألكم الالتزام بتوجهيات السلطات الحكومية، بمختلف أجهزتها.. فالحدث جلل، والموقف عصيب، لكن حكومتكم، التي ائتمنتموها على تمثيلكم، والتي تتحمل مسؤولية حفظ أمنكم، والدفاع عن بلدكم، وعن كرامتكم، تتعهد أمامكم اليوم، بأن قرارها الذي سأُعلنه الآن، قد خضع للتمحيص والدراسة، ولم يكن مرتجلاً، أو ردة فعل.. وأتعهد أمامكم، بشخصي، وبحكم مسؤوليتي وموقعي الذي منحتموني إياه، بثقتكم بي، أنني، والمختصون معي، على دراية كاملة بمخاطر القرار الذي سأعلنه، وقد أعددنا العُدة لمواجهة هذا الموقف منذ سنوات، كي لا تكون بلدنا نهباً لمغامرات خارجية، وكي لا يكون أمننا مُستباحاً من جانب قوى تُثير نهضتنا غيظها، وترغب بوقف قطار تنميتنا المتسارع، بكل السبل.. وكي لا تكون أيضاً، دماء أبنائنا رخيصة، كأولئك الذين سقطوا شهداء، ظلماً وعدواناً، حينما كانوا نياماً آمنين، فقط لأن الإسرائيلي يريد تجريبنا.. أقول لكم ثقوا بنا، وسنتحمل أمامكم، وأمام التاريخ، مسؤولية قرارنا هذا.. ومن ثم، أتوجه للإسرائيلي، وأقول، وصلتنا الرسالة، وفهمناها، وسنرد بأحسن منها.. ومن ثم، أتوجه لرعاة وقف إطلاق النار بيننا وبين الإسرائيليين، الذين ضمنوا ذلك الاتفاق، لنقول لهم، لقد خرق الإسرائيلي الاتفاق، وحسب البنود التي اتفقنا عليها، بإشرافكم، وبضمانات منكم، بات ذلك الاتفاق لاغياً، وبموجب ذلك، أعلن، بصفتي، القائد الأعلى للقوات المسلحة السورية، ورئيس الجمهورية، الحرب على دولة إسرائيل. وأعلن حالة الطوارئ في الداخل السوري.. وأتوجه من جديد للإسرائيلي، فأقول، جررتمونا للحرب، فإن أردتموها حرب شجعان، فنحن لها، لنحيّد المدنيين من الطرفين، لكن إن أردتموها حرب جبناء، واستهدفتم المدنيين في سوريا، بأي وسيلة كانت، فسنرد بالمثل، ونستهدف المدنيين لديكم، وسنرسل الآن، خلال حديثي هذا، رسالة تؤكد قدرتنا على تنفيذ تهديداتنا، ونترك الكرة في ملعبكم.. وأختم حديثي هذا بالتأكيد، على أننا كنا، وما زلنا، دعاة سلام، لكننا لم نكن، ولن نكون يوماً، دعاة استسلام.. الرحمة لشهدائنا، والكرامة لأمتنا.. والسلام على كل من يبغي السلام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".<br><br>كان المشهد مثيراً للذهول، وللصدمة. بقي معظم السوريين محملقين في الشاشة لبضع دقائق بعد انتهاء الخطاب. وكان المحللون في القنوات المختلفة في حالةٍ واضحةٍ من الارتباك. فآخر ما كانوا يتوقعونه أن تعلن دمشق الحرب على إسرائيل. إنها سابقة لم يشهدها السوريون، ولا العرب، منذ 67 سنة. معظم السوريين والعرب، الذين شاهدوا خطاب الرئيس السوري قبل دقائق، لم يعيشوا حرباً مع إسرائيل. كانت صدمة هائلة، جللها الذهول.<br><br>وبعيد دقائق من انتهاء خطاب الرئيس السوري، توالت الأخبار العاجلة على شاشات القنوات الإخبارية.. صفارات الإنذار تنطلق في معظم المدن الإسرائيلية.. الإسرائيليون في هالة هلع، وسكان مستوطنات الجولان والجليل ينزلون إلى الأقبية.. قصف مدفعي مكثف على جانبي الحدود في الجولان.. إجلاء قوات الفصل الدولية في الجولان إلى الأراضي السورية.. قوات سورية تشتبك مع لواء غولاني الإسرائيلي في الجولان.. <br><br>ومن ثم، ساد الصخب وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأت تعليقات السوريين تنهال، بعضهم من القلّة، هلل، وسأل الله الثبات والنصر، فيما غلبت على الكثرة، الاستنكار لقرار حكومة دمشق، التي نالها الكثير من السُباب والشتم، ولم يسلم جمال الدمشقي نفسه من الإهانات. وتساءل سوريون، "كيف يجرّونا إلى حرب مع إسرائيل، المكللة بدعم كل القوى العظمى في العالم، ولم يمض على خروجنا إلى واحة الاستقرار والأمن إلا بضع سنوات".. فيما علق سوريون "لسه ما دفي تحتنا، ليش حابين يولعوها من جديد".. وعلّق آخرون، "على أي أساس يستندون ليعلنوا حرباً على دولة تحظى بدعم العالم كله؟".. وتساءل بعضهم: "هل حدث انقلاب على جمال الدمشقي.. يستحيل أن يكون الرجل وراء هذا القرار المجنون"...<br><br>لم يكن السوريون وحدهم الذين انفلتت تعليقاتهم بالملايين على "فيسبوك"، وتغريداتهم "المولولة" على تويتر. كذلك كان اللبنانيون، فالغالبية منهم استنكرت قرار حكومة دمشق، وندبت حظها على استقرار لم يهنئ اللبنانيون بثماره بعد.<br><br>أما في أوساط القيادة الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية الضيقة، كان الرعب يستولي عليهم. فقد أطلق السوريون صاروخاً بالستياً، عبَرَ الأجواء الإسرائيلية، وتسبب بإطلاق صفارات الإنذار في معظم المدن، ليسقط في موقع صحراوي مهجور، في صحراء النقب، على مسافة قريبة جداً من مفاعل ديمونا النووي.<br><br>&nbsp;وحالما سقط الصاروخ، اتصل مسؤول أمني سوري رفيع بمدير الموساد، وعلى هاتفه الخاص. صُعق الرجل، وخاطبه المسؤول الأمني السوري، فيما كانت المكالمة على السبيكر، ويسمعها معظم المسؤولين الإسرائيلين في غرفة العمليات الخاصة، "أعداؤنا الأعزاء، الصاروخ الذي وقع قرب مفاعل ديمونا، كان رسالة، أرجو أن تفهموها، إن قُتِل مدني سوري واحد، بصواريخكم أو طائراتكم، ستجدون عشرات الصواريخ البالستية تستهدف مدنكم، وتقتل مدنييكم، لذا، دعنا نحصر حربنا بالجولان، وعلى البرّ، ولتكن حرب شجعان.. شلوم".<br><br>استولى الذهول على قادة إسرائيل لوهلة، وحالما استردوا وعيهم، بدأت النقاشات، قال مسؤول عسكري رفيع:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يبدو أنهم اخترقونا بصورة لم نكن نتوقعها، هناك تقصير استخباراتي فظيع.<br><br>&nbsp;فردّ مدير الموساد وقد امتقع وجهه: - أن يحصلوا على رقمي الخاص، ويتصلوا بي، لا يعني بالضرورة أنهم اخترقونا أمنياً.<br><br>&nbsp;فتابع المسؤول العسكري الأول: - إذاً، ماذا تسمي أن يحصل مسؤول أمني سوري رفيع، على رقم هاتفك الشخصي؟<br><br>وفيما كان مدير الموساد يعتزم الرد، وضع وزير الدفاع حدّاً للجدل، وقال بلهجة آمرة: - ليس الآن الوقت المناسب لتبادل الاتهامات، حينما تضع الحرب أوزارها، نتحدث في هذه التفاصيل.. أريد الآن تصوراتكم للوضع، فقد فُوجئنا بأمرين لم يكونا في الحسبان، امتلاكهم لصواريخ بالستية بعيدة المدى، ووجود اختراق أمني لهم في أوساطنا، لم نعرف مداه بعد.. في ظل هذين التطورين ماذا يجب أن نفعل؟<br><br>علّق رئيس هيئة الأركان العامة: - الجبهة الشمالية تتعرض لهجوم شرس، والمعلومات الواردة تواً تفيد بهجوم غير متوقع للقوات السورية، أعتقد أن هذه هي أولويتنا الآن، إن انهار لواء غولاني، قد نخسر الجولان، بكل بساطة.<br><br>كان لواء غولاني، لواء النخبة الإسرائيلية، كما يُوصف لعقود، هو المسؤول عن حماية هضبة الجولان في هذا التوقيت.<br><br>ظهر التوتر جلياً على رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقال وملامح الارتباك تكسو وجهه: - كيف سنتصرف؟<br><br>فعلّق وزير الدفاع بلهجة صارمة: - لا نريد نوبات ذعر في هذه الظروف.. أقترح أن نُعدّل خطتنا الأولية، وبدلاً من أن نُرسل سرب الطائرات الذي كنا نعتزم قصف دمشق بواسطته، دعنا نحول وجهته ليتولى تدمير فرق المشاة والمدفعية السورية قرب خط الاشتباك في الجولان.. بذلك، سنتجنب سقوط مدنيين سوريين، كي نتجنب بدورنا أية مفاجأة تتعلق بامتلاكهم صواريخ بالستية دقيقة يمكن لها أن تستهدف مدننا.. وفي نفس الوقت، نزيل الخطر العاجل المترتب على لواء غولاني في الجولان.<br><br>قال رئيس هيئة الأركان العامة: - أؤيد ذلك.<br><br>وأيّد جميع المسؤولين العسكريين والأمنيين، اقتراح وزير الدفاع، وصدر قرار عاجل بتنفيذه.<br><br>***<br><br>بعيد ساعة واحدة فقط من خطاب الرئيس السوري في دمشق، ظهر رئيس الوزراء اللبناني، إيهاب الصلح، في مؤتمر صحفي على الهواء مباشرة، وقال بإيجاز: - نُدين بأشد العبارات العدوان الإسرائيلي غير المبرر على الشقيقة سوريا، وقد تواصلت مع الأشقاء في دمشق، وسألتهم إن كان بمقدورنا تقديم أية مساعدة في المواجهة التي انخرطت فيها الدولة السورية ضد دولة إسرائيل، وقد وصلتني معلومات مؤكدة عن اشتباكات شرسة في الجولان تجري الآن.. لكن في لبنان، كدولة وحكومة، وبعد التشاور مع الأشقاء في دمشق، نعلن التزامنا باتفاق وقف إطلاق النار مع الإسرائيليين.. وأُوضح بشكل جلّي، أن لبنان لن يكون منخرطاً بأي عمليات عسكرية ضد إسرائيل، وليس بصدد القيام بأي عمل عسكري ضدها.. وسنتولى ضبط حدودنا بشكل صارم.. وفي المقابل، نتوقع من الإسرائيليين عدم القيام بأي عمل عدواني ضد لبنان، وفي حال حصل خلاف ذلك، فإن لبنان، جيشاً وشعباً ومقاومةً، سيكون على أتم الاستعداد للردّ، وبصورة تؤلم العدو، أكثر بكثير، مما يظن.. وأطمئن اللبنانيين، أنني أجريت اتصالات مع وسطاء غربيين أعلمتهم أن الدولة اللبنانية ليست بصدد حربٍ مع إسرائيل، وأنها، رغم دعمها السياسي والمعنوي الحازم، للأشقاء في دمشق، إلا أنها لن تكون منخرطة في أي عمل عسكري مباشر، وهو أمر وافَقَنا عليه الأشقاء في دمشق، الذين أكدوا أنهم لا يحتاجون أي عون أو مساعدة من أي طرفٍ كان، وأنهم استعدوا جيداً، منذ سنوات، لردّ أي عدوان إسرائيلي على أراضيهم..".<br><br>بعيد أقل من نصف ساعة، خرج رئيس الوزراء العراقي، الذي يُدير حكومة وسط العراق، ليؤكد بدوره، دعم دمشق في مواجهة العدوان الإسرائيلي، مع الإشارة إلى أن دولة وسط العراق، غير منخرطة في أي عمل عسكري ضد الإسرائيليين، وأن حكومة دمشق أعلمت بغداد، أن لا داعي لأي تورط عراقي في تلك المواجهة.<br><br>بعيد ذلك، خرج وزير الخارجية السوري، في مؤتمر صحفي على الهواء مباشرة في دمشق، وأكد حياد حكومة وسط العراق، ولبنان، ونصح الإسرائيليين بعدم فتح جبهات جديدة عليهم، وأكد أنه بدأ بالتواصل مع مختلف عواصم القرار الإقليمي والدولي لتوضيح موقف حكومته، مشيراً إلى أن العدوان الإسرائيلي لم يكن من الممكن قبوله، وأن دمشق سبق أن أكدت أمام جهات إقليمية ودولية عدة، وقد وصل ذلك للإسرائيليين، بطرق مختلفة، أن دمشق اليوم، ليست دمشق في عهد حافظ الأسد، وأن استراتيجية "الاحتفاظ بحق الرد"، ليست في قواميسنا الراهنة. لكن الإسرائيليين رفضوا الإنصات.<br><br>الحياد العراقي واللبناني، وتحديداً الحياد اللبناني، أراح الإسرائيليين كثيراً، إذ أنهم فهموا أن ردّ دمشق لا يندرج في سياق حرب شاملة تشكل تهديداً وجودياً للإسرائيليين، فبدأوا يتحركون بأريحيةٍ أكبر.<br><br>***<br><br>وحوالي الساعة الثانية والنصف ظهراً، كانت 56 طائرة حربية إسرائيلية، من أكثر المقاتلات الأمريكية تطوراً، تخترق أجواء بحيرة طبريا باتجاه خط الاشتباك بين السوريين والإسرائيليين. وكان الهدف توجيه عشرات الصواريخ "جو – أرض"، لقصف فرق المشاة والمدفعية السورية، في مسافة محدودة، وراء خط الاشتباك. <br><br>كانت الطائرات الإسرائيلية من أحدث أجيال طائرات بوينغ العسكرية. لم تكن مرئية على الرادارات، وكانت تحمل أحدث طراز من أسلحة "جو – أرض"، وبها العديد من أجهزة الاستشعار والكترونيات الطيران. وتطير بسرعات فوق صوتية، دون استخدام الاحتراق اللاحق المستهلك للوقود. كما تتمتع بقدرات عالية على المناورة ضد أنظمة الصواريخ المضادة للطيران.<br><br>وهنا كانت المفاجأة الثانية، الصادمة للقيادة الإسرائيلية في هذه الحرب. فقبل أن تصل الطائرات الإسرائيلية إلى المدى الجوّي الذي كانت تعتزم إطلاق الصواريخ منه، وداخل أجواء هضبة الجولان المحتلة، وقبل أن تُطلق أياً من صواريخها الموجهة، أخذت تتساقط واحدةً تلو الأخرى. كان الطيارون يصرخون متحدثين لعسكريي غرف المراقبة والتحكم، "صواريخ غريبة وسريعة جداً تلاحقنا"، "لديهم صواريخ مضادة للطيران"، "لا أستطيع الإفلات، لقد أطلقت كل صواريخي المضادة ولم ينفع ذلك"، "أطلقت كل أسلحة التشويش على الصاروخ، ورغم ذلك ما يزال يلاحقني، إنه يقترب مني، سرعته فوق صوتية"، "صواريخ غريبة، لم أستطع تمييزها أهي صواريخ حرارية أم رادارية"، "إنهم يسقطوننا".<br><br>وصدرت أوامر للطائرات الإسرائيلية بالانسحاب، لكن، كان الأوان قد فات. فمن أصل، 56 طائرة كانت متجهة لتدمير قوات المدفعية والمشاة السورية، عادت 7 طائرات فقط، سالمة إلى قواعدها. <br><br>وشاهد سكان المستوطنات الإسرائيلية في الجولان، طائرات تتساقط. وتناقل بعضهم، سريعاً، عبر يوتيوب، فيديوهات مُلتقطة بالموبايل، لطائرات تسقط، ظنوها للوهلة الأولى، طائرات سورية أسقطتها دفاعاتهم الجوية، وكانوا يهللون فرحين. لكن، بالتدريج، بدأ سكان المستوطنات هناك، يكتشفون أن الطائرات التي تتساقط هي إسرائيلية. وعمّ الذعر في أوساط الإسرائيليين في وسائل التواصل الاجتماعي. وبدأ الناس يتداولون سريعاً تسجيلات تؤكد أن الطائرات التي تم إسقاطها إسرائيلية.<br><br>وصدر بيان عاجل عن وزارة الدفاع السورية، قال بإيجاز: "بحمد الله، تمكنت منظوماتنا الصاروخية من إسقاط 49 طائرة إسرائيلية، داخل أجواء الجزء المحتل من الجولان". وبقيت السلطات الإسرائيلية صامتة، وسط ضجيج إعلامي، ومطالب بالكشف عن حقيقة ما يحدث في أوساط الإعلاميين الإسرائيليين، وفي وسائل التواصل الاجتماعي.<br><br>في هذه الأثناء، كانت غرفة قيادة العمليات الإسرائيلية في القدس الغربية في حالة ارتباك شديد، وصدمة. واتصل بهم مسؤول عسكري أمريكي رفيع، قال لهم: "عجزنا حتى الآن عن رصد ما يحدث في الجولان ومحيطها، هناك تشويش غريب على أقمارنا الصناعية، لم نستطع رؤية شيء على الأرض". لاحقاً، وافاهم مسؤول استخباراتي روسي رفيع بذات النتيجة. كان الإسرائيليون يعلمون ذلك، لكنهم كانوا يأملون أن تكون الأقمار الصناعية الأمريكية والروسية أفضل حالاً من أقمارهم الصناعية التي أُصيبت بعمى مفاجئ عمّ مساحة جغرافية واسعة، تشمل هضبة الجولان، وتصل حتى جنوب دمشق.<br><br>وبدأت اقتراحات تتوالى من مسؤولين داخل الغرفة بقصف دمشق، لكن وزير الدفاع، الذي كان أكثر المسؤولين هدوءاً ورزانة، في تلك اللحظة، قال لهم بلهجة صارمة: "هل أنتم واثقون أن دمشق لا تملك صواريخ بالستية عالية الدقة، قادرة على استهداف مدننا؟.. إننا نراهن على أن الصاروخ الذي أسقطوه في أراضينا، والذي اجتاز معظم أجواء مدننا، بما فيها القدس، وسقط في منطقة صحراوية مهجورة في أقصى الجنوب، لم يكن عالي الدقة.. هل أنتم واثقون أنهم لا يملكون القدرة على تنفيذ تهديداتهم؟.. لقد قالوا أنهم أرسلوا هذا الصاروخ كرسالة تؤكد امتلاكهم القدرة على استهداف مدننا بصواريخ عالية الدقة هذه المرة.. هل أنتم واثقون أنها حرب نفسية فقط، وأنهم لا يملكون بالفعل، القدرة على تنفيذ تهديداتهم؟.. لقد صُعقنا جراء امتلاكهم صواريخ مضادة للطيران، عالية التقنية والتطور.. لقد سقطت طائرات أمريكية من أحدث جيل، لم نفهم بعد كيف حدث ذلك.. فهل تريدون الذهاب إلى أبعد من ذلك، وتجريب قدراتهم الأخرى؟!".<br><br>صمت الجميع، وساد الوجوم وجوههم. وأخيراً، نطق مدير الموساد: - أعتقد أن علينا أن نسارع لفتح قنوات تواصل عبر أصدقائنا المشتركين مع دمشق.<br><br>قال وزير الدفاع: - أعتقد أن جمال الدمشقي لن يتوقف قبل أن يسيطر على الجولان، في أقل الحدود.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ولماذا تثق بأن جمال الدمشقي هو من يدير المشهد؟.. إنه مختفٍ منذ ليلة أمس، ولم يُجب على كل الاتصالات التي وردته من مسؤولين غربيين وإقليميين.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إنها عادته، وأنت أكثر من يجب أن يلحظ ذلك.. فهذا الرجل يتحدث قليلاً جداً، ويفعل الكثير.. إنه ليس من طراز الحكام الذين اعتدنا التعامل معهم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنه يتجاوب دوماً مع القنوات السرّية، ويتقبل، ببراغماتية عالية، ترتيب الصفقات والتسويات.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. ودوماً هنك مقابل لكل شيء.. عام 2034، حصل على إقرار دولي وإقليمي، بسيادته على سوريا، ولبنان أيضاً، مقابل تطبيعه لوقف إطلاق النار معنا، وضمان أمن الحدود.. اليوم، بعد أن خرقنا من جانبنا وقف إطلاق النار، هل تعتقد أنه سيقبل إعادة إحيائه، دون مقابل؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أعتقد أن من المبكر الجزم بما يدور في دمشق.. لدي مخاوف من أن يكون المتطرفون في قيادة الجيش والأمن انقلبوا عليه.<br><br>وارتفعت وتيرة النقاشات الحامية بين المسؤولين الإسرائيليين، لكن خطورة الوضع في هضبة الجولان، وتدهوره السريع، اضطرهم إلى حسم نقاشاتهم، وطي ملفات خلافاتهم الشخصية، إلى حين. واتفقوا مبدئياً على حثّ حلفائهم الغربيين، للضغط على جمال الدمشقي، والحكومة في دمشق، بغية وقف عاجلٍ وسريعٍ لإطلاق النار.<br><br>***<br><br>بعد أن تداولت وسائل إعلام عربية وعالمية، الأنباء المترددة في تعليقات لإسرائيليين في هضبة الجولان، حول سقوط طائراتهم، بالتزامن مع صدور بيان من وزارة الدفاع السورية، يؤكد ذلك. تحوّل مزاج كثير من السوريين إلى حالة من الارتياح، وعبّرت تعليقاتهم على فيسبوك وتويتر، عن مشاعر تفاؤل حذرة تسود غالبيتهم. علّق بعضهم: "دمشق هادئة، والطيور بالفعل تزقزق، وكأنه لا توجد حرب". فيما علّق سوريون في قرى حدودية: "هناك اشتباكات شرسة على الحدود، لقد تم إخلاء القرى القريبة جداً من السياج الحدودي، لكن يمكن رصد دخان الاشتباكات والمعارك من مناطق مرتفعة بعيدة". وعلّق آخرون: "الإسرائيليون مرعوبون، والنسخة الإنكليزية من هآرتس العبرية تقول إن اليهود في مستوطنات الجولان في حالة رعب".<br><br>وذهب محللون عسكريون غربيون في وسائل إعلامية عالمية، إلى أن الصور الأولية المتداولة بكاميرات مستوطنين يهود في الجولان، لطائرات سقطت، تؤكد أنها طائرات أمريكية الصنع، ناهيك عن نجمة داوود التي تحملها، والتي تؤكد إسرائيليتها. <br><br>ومع مرور الوقت، ببطء على الجميع. كان بعض مستوطني الجولان قد التقطوا أولى الصور لجثة طيار إسرائيلي قتيل، على مسافة من إحدى الطائرات التي سقطت، وصوّروا هويته العسكرية التي تؤكد أنه طيار إسرائيلي. ومن ثم، تكرر الأمر مع قتيل إسرائيلي آخر. وعمّت التعليقات المرعوبة أوساط الإسرائيليين، وشتم معظمهم القيادات في القدس الغربية، متسائلين، "أين هم؟، لماذا لا يشرحوا ما الذي حدث؟".<br><br>ومع تفاقم البلبلة التي سببتها كاميرات الهواة من المصورين الإسرائيليين في الجولان المحتل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي انتقلت إلى أوساط الإسرائيليين في عموم فلسطين المحتلة، ظهر متحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية، ليُعلن أن 49 طائرة إسرائيلية حربية أُسقطت في أجواء الجولان المحتل، حينما كانت في طريقها لتنفيذ مهمة حربية قرب خطوط "العدو". وناشد المتحدث الشارع الإسرائيلي بالهدوء، مطالباً بوقف عمليات النشر على فيسبوك وتويتر ويوتيوب، محذراً من التسبب بانهيار في المعنويات العامة للشعب الإسرائيلي، ومؤكداً أن الأمر ما يزال تحت السيطرة، رغم تلك الخسارة الفادحة، وأن حلفاء إسرائيل، وفي مقدمتهم، الولايات المتحدة الأمريكية، وعدوا بالتدخل العاجل، إن تطور الأمر بصورة تهدد الأمن القومي لدولة إسرائيل.<br><br>وبعيد كلمة المتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية، حجبت السلطات في إسرائيل، وسائل التواصل الاجتماعي تماماً، وتوالى متحدثون عسكريون على وسائل إعلام إسرائيلية، ليُطمئنوا الشارع بأن الأمور تحت السيطرة، وبأن أقوى دولة في العالم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، ستتدخل في الوقت المناسب، إن بات هناك تهديد جدّي للأمن القومي الإسرائيلي.<br><br>لكن النقاش عبر وسائل الإعلام حرف المتحدثين العسكريين الإسرائيليين عن غايتهم، قسراً، وتحت وطأة أسئلة مقدمي النشرات الإخبارية، أقرّ بعضهم بأن الطائرات التي سقطت هي من مجموعة استلمتها إسرائيل مؤخراً، تنتمي إلى أحدث جيل من الطائرات الحربية المصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي دفع إعلامياً إسرائيلياً إلى إحراج متحدث عسكري، متسائلاً، "إن كانت أحدث الطائرات الحربية الأمريكية تتساقط بهذه الطريقة الغريبة، وغير المفهومة، كيف ستتدخل الولايات المتحدة الأمريكية؟.. إن كان أحدث جيل من طائراتها الحربية سقط بالتجربة في معركة الجو مع العدو؟"..<br><br>وبدلاً من أن يُهدّئ ظهور متحدثين عسكريين إسرائيليين، الشارع المضطرب في مدن فلسطين المحتلة، زاد الطين بلّة، وفاقم الأمر حجب السلطات لوسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أوحى بأن السلطات تريد حجب حقائق مرعبة عن الشارع الإسرائيلي.<br><br>أما اللبنانيون، فكان الارتياح يسود غالبيتهم العظمى، مع شيء من الحماس الذي غالب شريحة منهم، جراء التطورات المشجعة للمعركة في سوريا. أما الارتياح، فكان لموقف رئيس الوزراء اللبناني، شقيق زوجة جمال الدمشقي، والذي حيّد لبنان عن الحرب، الأمر الذي رفع من أسهمه في أوساط الكثير من اللبنانيين. وإن بقيت شريحة منهم، خاصة من الموالين المتناقصين يوماً تلو الآخر، لحزب الله، تبحث عن أي تفسير آخر لما يحدث، غير تفسير أن حرباً مباشرة تجرأت عليها دمشق ضد إسرائيل.. دمشق التي يحكمها جمال الدمشقي، الداعم الرئيس لحكومة الصلح في بيروت.<br><br>&nbsp;وأخذت منصات إعلامية مُحتسبة على حزب الله، تتحدث عن مسرحية تُدار، بغية رفع أسهم جمال الدمشقي، الحليف وطيد الصلة بالغرب، حسب وصف تلك المنصات. لكن تلك التفسيرات لم تحظَ بجمهور مقتنع، خاصة في أوساط شيعة لبنان.. فلماذا يتم إعداد مسرحية بهذه الكلفة، تنال من هيبة الإسرائيلي، بغية رفع أسهم جمال الدمشقي؟.. فـ جمال يسيطر على سوريا ولبنان ووسط العراق، ولا يوجد أي تهديدات تنال من سيطرته المطلقة على هذه البلدان، فما هو مبرر هذه المسرحية بهذا التوقيت؟..<br><br>&nbsp;كان معظم شيعة لبنان قد كسروا منذ أمد تابو الولاء المطلق لمرجعياتهم الدينية. ومنذ التورط الأليم في سوريا، الذي خسر فيه الشيعة اللبنانيون الآلاف من خيرة شبابهم في حرب عبثية، جرّت لاحقاً غزواً داعشياً للبنان،.. منذ ذلك الحين، تحول ولاء معظم شيعة لبنان بعيداً عن حزب الله، الذي أخذ يفقد يوماً تلو الآخر، المزيد من رصيده الشعبي.. وكانت محاولة اغتيال الدمشقي في بيروت، عام 2033، وثبوت تورط حزب الله، وما جرّه ذلك من توتر وخوف، في أوساط شيعة لبنان، من انتقام السُنة المدججين بميليشيا قوية يقودها شقيق زوجة الدمشقي.. كانت تلك، القشة التي قصمت ظهر ولاء مئات آلاف الشيعة لحزب الله، الذي انحصر جمهوره بقلّة، تذهب تقديرات إلى أنها لا تتجاوز الـ 15% من الجمهور الشيعي في ذلك البلد.<br><br>***<br><br>في هذه الأثناء، كانت التطورات تتسارع بحدّة على خط الاشتباك في الجولان. فقيادة لواء غولاني بدأت تنهار. اتصالاتهم يتم التشويش عليها، ويدخل على الخط، في كثير من الأحيان، متحدثون من السوريين، يحدثون قيادات في اللواء، بالعبرية، بضرورة الاستسلام السريع، وإلا فسيكون مصيرهم الموت. ومع تداول أنباء في أوساط المقاتلين الإسرائيليين، مفادها، سقوط الغطاء الجوي الإسرائيلي، كانت المعنويات في طريقها للانهيار.<br><br>وقبل أن يحل الظلام تماماً، مساء يوم الخامس من حزيران، عام 2040، كانت غرفة عمليات قيادة لواء غولاني قد تلقت عدة قذائف صاروخية شديدة التدمير، أتت على كل القادة الذين كانوا هناك. وأصبح اللواء بلا قيادة. وبعيد ذلك بقليل، فُقدت الاتصالات تماماً، لم يعد أي مقاتل قادراً على التواصل مع أحد. هواتفهم باتت صماء خرساء، لا شبكات تغطيها، وقبضات اللاسلكي العسكرية الخاصة بهم، باتت هي الأخرى، قطعاً معدنية لا قيمة لها البتة. لا صوت أبداً من الطرف الآخر. الجنود الإسرائيليون الذين كانوا يتمترسون داخل خنادق، وتحصينات، كانوا في حالة من الرعب والانهيار الكامل للمعنويات. فقد تحول كل تحصين أو خندق، إلى جزيرة منعزلة عن باقي اللواء. <br><br>وبدأت تلك التحصينات تُستهدف واحدة تلو الأخرى بقذائف مدفعية وصاروخية، عالية الدقة، وشديدة التدمير، لتُحيل الجنود داخل تلك التحصينات إلى أشلاء. وتقدمت فرق المشاة السورية، وبدأت تُمشط مساحات تقدمها، بروية عالية. كانت هناك تعليمات صارمة، بألا يتقدموا قبل أن يتأكدوا من تدمير كل التحصينات والخنادق التي تحويها المساحات التي يتقدمون إليها. كانت التعليمات فحواها: "ليس المهم تحصيل مساحات واسعة من الأرض، الأهم، تأمينها، والتأكد أنها خالية من أي تواجد لقوات العدو تماماً".<br><br>في بعض التحصينات التي وصلتها قوات المشاة السورية، رفع جنود إسرائيليون أعلاماً بيضاء، وسلموا أنفسهم، وتوالت الانهيارات، فيما كانت الجولان محجوبة عن سمع وبصر العالم. كانت بقعة خفية عن أعين الأقمار الصناعية حول العالم، وكان الارتباك يسود كل الأوساط المهتمة بالتطورات على الجبهة.<br><br>أما في القدس الغربية، كانت فوضى عارمة تسود غرفة قيادة العمليات. قال أحد قادة الجيش الإسرائيلي لزملائه: - لقد فقدنا الاتصال تماماً مع قيادة لواء غولاني.. لا نعرف ما الذي يحدث هناك.. فقدنا الاتصال حتى مع سكان المستوطنات بالجولان.. لا اتصالات في عموم الجولان، وأقمارنا الصناعية عاجزة عن رؤية أي شيء.<br><br>فقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتقلصات لا إرادية تسود عضلات وجهه: - إنها هرمجدون.<br><br>فصرخ فيه وزير الدفاع ناهراً: - كفى خزعبلات.<br><br>لكن عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلي حلّت على معظم الموجودين في الغرفة كما لو وقع عليهم جدار، إذ بدوا كالصرعى، والفزع يتبدى من نظراتهم، والجمود يكتسي أجسادهم. أجال وزير الدفاع بصره بينهم، فشعر بخشية شديدة، إن القيادة تنهار، لم يعودوا قادرين على تحكيم المنطق، استولت عليهم مخاوف جمعية لاواعية، موروثة بين اليهود المستوطنين في فلسطين، جيلاً بعد جيل، أن يوماً ما سيجتاح المسلمون الأراضي المحتلة، فيُعملوا فيهم، قتلاً وتنكيلاً.<br><br>نهض وزير الدفاع الإسرائيلي من مكانه، ودون أن يناقش أياً من زملائه، اتصل بالخط الساخن مع مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وقال له: "أنجدونا، إننا ننهار".<br><br>كان الأمريكيون يعملون على مدار الساعة، بجهد جهيد، كي يفهموا، ما الذي يحدث في الجولان. فقد انقطعت كل أنواع الاتصالات، سواء مع العسكريين أو المدنيين، في الهضبة. فيما باتت الأقمار الصناعية عمياء تماماً عن تلك البقعة.<br><br>وللمرة الثانية، فشل الرئيس الأمريكي في التحدث مباشرةً إلى جمال الدمشقي، فأغضبه ذلك كثيراً، "كيف يتجاهلني بهذه الطريقة؟". لاحقاً، اتصل به وسام شرف، نائب الرئيس السوري، وأبلغه بأن القيادة في دمشق كلفته بتولي الاتصالات مع مختلف الجهات الإقليمية والدولية، فقال له الرئيس الأمريكي بإيجاز، وبنبرة آمرة: "أريد الحديث إلى جمال". قال له وسام ببرود: "جمال غير متاح الآن".<br><br>كان المشهد بالنسبة للأمريكيين ضبابياً. واختلفت تقييمات مسؤوليهم، بين من ذهب إلى أن المتطرفين في قيادة الجيش والأمن بدمشق، انقلبوا على جمال، وبين من ذهب إلى أن الأخير يدبر مكيدة كبرى للإسرائيليين بعد أن استجرهم بنجاح إلى خرق وقف إطلاق النار، وبين رأي ثالث دعا إلى ضبط النفس، وعدم التهور، على الأقل، إلى أن يتم فهم نوعية الأسلحة المتطورة التي أسقط بها السوريون أحدث الطائرات الحربية الأمريكية.<br><br>لكن الرئيس الأمريكي حسم أمره، وقال بحزم: "سنتدخل إن لم يتحدثوا إلينا، أريد الحديث إلى جمال الدمشقي شخصياً، وإلا فسنتدخل". <br><br>انبرى رئيس هيئة الأركان محذراً: "سيدي الرئيس، من غير المناسب التدخل قبل أن نفهم ماهية ما لديهم من أسلحة، لا نريد أن تتساقط طائراتنا في الأجواء السورية، على مرأى وسمع من العالم بأكمله، سيكون ذلك ضربة كبرى للهيبة الأمريكية".<br><br>أجاب الرئيس: "إذاً، استخدموا صواريخ بالستية بعيدة المدى، أطلقوها من قواعدنا في الخليج وشرق أوروبا، افعلوا شيئاً".<br><br>فتدخل وزير الخارجية وقال: "سيدي، أقترح التالي، لتخرج بتصريح على الهواء مباشرة، تُنذر فيه بالتدخل، ولنرى ردة فعلهم على التهديد، إن تواصلوا معنا، نكون قد حققنا غايتنا".<br><br>شدد الرئيس الأمريكي: "لا أريد أن تتحدث معي حكومة دمشق، أريد أن أتحدث إلى جمال الدمشقي شخصياً".<br><br>وهنا، تدخل مدير المخابرات المركزية الأمريكية: "اهدأ سيدي أرجوك، الأمر يتطلب ضبط النفس، لا نريد مفاجآت، أؤيد اقتراح وزير الخارجية، وأعتقد أن جمال حينها، سيتصل، ربما عن طريق أحد أصدقائنا المشتركين في أوروبا".<br><br>عقّب وزير الخارجية: "في هذه الأثناء سنكثف ضغوطنا وتحذيراتنا عبر حلفاء السوريين، وتحديداً الأتراك. سننقل عن طريقهم رسالة إلى دمشق مفادها، أن لا خطوط حمراء في المواجهة، إن لم يتم فتح قناة تواصل مباشرة مع صاحب الكلمة العليا في دمشق".<br><br>وأجمعت الإدارة الأمريكية على ذلك. وبدأ التحضير لمؤتمر صحفي موجز للرئيس الأمريكي.<br><br>***<br><br>قبل ذلك بساعات، ومنذ ما بعد عصر الخامس من حزيران 2040، كانت أعصاب جمال الدمشقي قد استرخت تماماً، وحلت طمأنينة وثقة عالية في نفسه. "لقد ثبتت جدوى أسلحتنا، وتساقطت طائراتهم كالذباب". كان شعور بالنشوة يغمره، لكنه كابده، "الوقت مبكر جداً للاحتفال بالنصر". <br><br>غادر غرفة العمليات التي قضى فيها أكثر من 12 ساعة متواصلة من المراقبة والتواصل مع مختلف المسؤولين السياسيين والعسكريين السوريين. <br><br>صعد إلى جناحه العائلي في القصر. تلقته إيمان بابتسامة عريضة، وكانت آثار السهر بادية على وجهها. احتضنته، ثم قالت له بنبرة كلها عُذوبة: "حضّرت لك غداءً شهياً، والأولاد يريدون تناوله معك". ابتسم وقال لها: "هذا ليس الوقت المناسب أبداً للإغراء، طبعاً لا أقصد الطعام". قهقهت، وقالت له: "أنت مثير. كلما تُبهرني، أشعر حيالك بالإثارة أكثر". تراخى بين ذراعيها قليلاً، ثم احتضنها بشدة، لكنه تذكر، "يا إلهي، لازلنا في أروقة الجناح العائلي، قد يرانا أحد الأولاد، أو إحدى الخادمات". <br><br>وتناول غداءً شهياً مع العائلة، كان الأولاد في معظمهم متحمسين، قضوا ساعات طويلة يتابعون شاشات الأخبار، ويقلبونها من قناة إلى أخرى، وكانت أنباء إسقاط 49 طائرة إسرائيلية، أمريكية الصنع، خبر الساعة الجلل.<br><br>وأطلق الأولاد سلسلة تعليقات، أبدى كل منهم فيها رأيه، فيما كان التحفظ يسود إياد، ليُطلق من حين لآخر، نظرات ترقب نحو والده، على أمل أن يُحدّثه بأشياء سرية، مما يحدّثه بها من حين لآخر، تعبيراً عن ثقته العالية به.<br><br>كان كنان هو الوحيد، الذي بدا عليه شيء من الوجوم، فيما كان المرح يغلب على البقية، أشار إليه جمال كي يجلس بجواره، وحالما استوى قربه، قال له: - ما بك؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا شيء يا أبي؟.. لا تقلق.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سأقلق أكثر إن لم تصارحني بما يشغل بالك.<br><br>زم شفتيه، ولاح عليه التردد، فرمقه جمال بنظرات مشجعة، فقال: - أشعر بشيء من الانزعاج بسبب حجب الاتصالات عنا.. شاهدت قبل قليل تقريراً في قناة "الشام".. الناس في شوارع دمشق يمرحون، والاتصالات ناشطة، ووسائل التواصل الاجتماعي تعج بالنقاشات بينهم.. شعرت وكأننا محتجزون، فيما الناس يعيشون هذه اللحظة التاريخية بمرحٍ ملحوظٍ.<br><br>ابتسم جمال، ثم قال: - لمكانتنا يا كنان، ضريبتها، وعلينا دفعها.. أعتقد أنك تثق أنني ما كنت لأحجب الاتصالات عنكم، ما لم يكن لذلك دواعٍ أمنية، تخص أمنكم بالدرجة الأولى، وتخص أمن المعلومات التي قد تهم العدو في هذا التوقيت، والذي قد يستفيد من أي معلومة، مهما رأيتها تافهة، بخصوصنا، في هذه المرحلة بالذات.<br><br>والتفت إلى البقية، الذين كانوا يتناقشون بمرح حول ما يحدث، وكأن الحرب لعبة "بلايستيشن" يتابعون التعليقات عليها عن بعد، ولديهم قناعة بأن والدهم، هو اللاعب الفائز فيها. قال جمال محدثاً الجميع: - أقترح عليكم أن تزوروا شوارع دمشق، وأن تقضوا أوقاتاً لطيفة في أسواقها، وتفرحوا مع فرحة الناس هناك.. <br><br>ووجه أنظاره إلى إيمان، التي بدا عليها الاستغراب، فقال لها: - ما رأيك؟<br><br>ارتبكت قليلاً، ومن ثم قالت: - كما تريد.. هل ستأتي معنا؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا.. طبعاً، لا.<br><br>تحمس الأولاد للاقتراح جداً، وأصرت سهى على الذهاب إلى إحدى مولات دمشق الشهيرة، في قلب المدينة، فيما ألح إياد على الذهاب إلى الحميدية، والاختلاط بعموم الناس، "كي نشعر بنبض الشارع"، حسب وصفه.<br><br>فيما نهض جمال، لينزوي بـ إيمان بعيداً عنهم، ويقول: - لا تخافي.. سأبلغ الأجهزة كي تقوم بالاحتياطات الأمنية المناسبة.. أعتقد أنكم بحاجة للخروج في هذه الظروف.. إن استشعرت أي خطر عليكم، سأستجلبكم مباشرةً إلى أقرب موقع آمن..<br><br>لم يبدو على إيمان أنها اقتنعت باقتراحه، لكنها سايرته، ولأنها تعلم أن زوجها عادةً ما يستهدف عدة عصافير بحجر واحد، كانت على قناعة بأن جمال لم يقترح ذلك فقط للتخفيف من وطأة شعور الاحتجاز الذي يعاني منه كنان.<br><br>وبالفعل، كان جمال يريد أمراً آخر، إلى جانب دفع أولاده لقضاء أوقات طبيعية، كأقرانهم، وتجنيبهم ضريبة مكانته، قدر المستطاع. كان جمال يستهدف من اقتراحه ذلك، إيصال رسالة إلى الغرب، بأن جمال غير محتجز، بل على العكس، هو من يدير الأمور، وأين سيجد أفضل من الأطفال ببراءتهم، ليُثبتوا، عبر وسيلة إعلامية تلتقط صورهم يمرحون مع أقرانهم في شوارع دمشق، أن عائلة جمال في أفضل أحوالها.<br><br>كان جمال يعلم تماماً أن بعض مسؤولي الغرب سيتوقعون أنه محتجز، وأن متطرفين في قيادة الجيش والأمن بدمشق، انقلبوا عليه. فذلك الهاجس الغربي لطالما نُوقش في لقاءات عقدها مع شخصيات من نخبهم، وطالما أشارت إليه وسائلهم الإعلامية من حين لآخر.<br><br>كانت قيادة الجيش والأجهزة الأمنية السورية تتضمن قيادات جهادية سابقة، كانت منخرطة فيما سبق، في أوساط تنظيمات جهادية، يراها الغرب متطرفة، لذا، كانت نظرية جمال عن استيعابهم، بدلاً من إقصائهم ودفعهم للمزيد من التطرف، غير مقنعة لدى الغرب، إذ كيف ستستوعب متطرفين، في سياق علاقات طبيعية مع الغرب؟.. بعض من يسيئون النية حيال جمال في الغرب، عادةً، كانوا يرون تلك النظرية، بروباغندا، يضحك بها جمال على الغرب، ليُخفي ميوله المتطرفة، التي تعتمل في وجدانه، حسب قناعاتهم.<br><br>***<br><br><br><font>يتبع في الفصل السادس عشر والأخير..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>بيروت وبغداد تُحكمان من دمشق.. (الفصل الرابع عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/23120</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//acd1b9cf332ea91d2ae738c0.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//acd1b9cf332ea91d2ae738c0.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[بيروت وبغداد تُحكمان من دمشق.. (الفصل الرابع عشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/22999</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/22999</comments>
						<pubDate>Fri, 07 Dec 2018 19:57:31 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/22999</guid>
						<description><![CDATA[سار بخطوات واسعة، مرحباً بالضيوف، والبشاشة تكسو محياه، وهو يقول لأول الواصلين منهم: "أهلاً بك فخامة الرئيس". فقهقه، إيهاب الصلح، وهو يتقدم نحو جمال، قائلاً: "رئيس بوج]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<div><br>سار بخطوات واسعة، مرحباً بالضيوف، والبشاشة تكسو محياه، وهو يقول لأول الواصلين منهم: "أهلاً بك فخامة الرئيس". فقهقه، إيهاب الصلح، وهو يتقدم نحو جمال، قائلاً: "رئيس بوجودك جمال باشا!". واحتضنا بعضهما، وتبادلا التحيات والسلامات، وقبل أن ينتهيا، كانت ناهد ميقاتي بمحاذاتهما، فبادرت بالقول: "خفت يحجبوني على الطريق".<br><br>قهقه جمال بمرح بادٍ، ثم ألقى نظرة متمعنة عليها، وقد جال ببصره، من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، كانت ترتدي تنورة سوداء أقصر من الركبة بقليل، فتتبدى ترهلات ساقيها، وكانت كنزتها البيضاء الحريرية تكشف عن أعلى مفرق ثدييها، وتكشف ترهلات رقبتها، فيما كان شعرها الملفلف القصير، مصبوغاً بلونٍ مائلٍ للصفرة، والمساحيق تكسو وجهها، والكحل يحيط بعينيها الخضراوتين الصغيرتين.<br><br>سلط جمال نظرات متفحصة مصطنعة على حماته، مرفقة بابتسامة ساخرة، فقالت: "مزعوج من صِبايي، وإنت مبين أد زوجي".. والتفتت إلى ابنتها إيمان التي كانت أول المرحبين بها، معقبةً: "الله يعينك، كبران رجالك كتير". فقهقه جمال مرة أخرى بمرحٍ بادٍ، فيما ظهر شيء من الامتعاض على إيمان، حاولت إخفائه بجهدٍ كبيرٍ، واصطناع ابتسامة واهية.<br><br>لم تأبه ناهد لامتعاض ابنتها الذي استشعرته، والتفتت إلى جمال لتتابع وصلة استفزازه التي تعشقها، لتقول: "للأمانة،.. شفت كتير نسوان سبور لما مررنا بطريق الصالحية، شكلكم ما حجبتوا المسيحية لسه". <br><br>فأجابها جمال: "على فكرة، نسوان الصالحية ما ضروري يكونوا مسيحيين.. صلحي معلوماتك".<br><br>قاطع إيهاب وصلة الاستفزاز المتبادل بين الطرفين، وقال: "شو رأيكم نريح، وبعدين بستأنفوا المعركة".<br><br>ضحك الاثنان، وتقدم جمال لاحتضان حماته، وتقبيلها.<br><br>اعتادت ناهد، منذ اقتران جمال الدمشقي بابنتها، والذي تزامن مع صعود متواصل لمكانته المالية والعالمية، أن تستفزه بطريقة تحاول من خلالها تثبيط ثقته المتفاقمة بالنفس. كانت تخشى على ابنتها من تصاعد ثقة الرجل بنفسه. لكن جمال كان يقابل تلك الاستفزازات التي عادةً ما تُجلل بالمزاح، باستفزازات مقابلة مجللة هي الأخرى بالمُزاح. <br><br>كانت علاقتهما في البداية، تسودها ريبة وعدم ارتياح. ناهد تخشى من أن يتكبر الرجل على ابنتها، وأن يُحيل حياتها إلى مأساة تشابه قصصاً كثيرة في الزواج من مُترفين. فيما كان جمال يستشعر تكبراً ملحوظاً لدى ناهد، التي طالما أبدت جلياً ذلك التعالي السائد لدى بعض اللبنانيين، حيال أقرانهم من السوريين. تعالٍ يرده لبنانيون، إلى تفوق حضاري وقِيمي ومعرفي لبناني، مقارنة بالمستوى الحضاري للسوريين، ويظهر جلياً لدى الطبقة المتوسطة العليا، ولدى الأثرياء، من اللبنانيين.<br><br>وفي البدايات، كانت إيمان تساير أمها في إبداء ذلك التعالي، إلى حدٍ ما، كوسيلة لتعزيز ميزاتها في نظر زوجها الثري الصاعد، وتذكيره بها، كلما بدت منه هفوات نابعة عن اختلاطه الدائم بعالم النخبة حول العالم، وما يقابله من نساء جميلات يخطبن ودّه.<br><br>لكن جمال كان يتعامل مع تعالي إيمان، هذا، الذي كان يدرك كنهه ومبرراته، بعاطفة أكبر يمنحها لإيمان، في خلواتهما، وبمودة أشد، يبديها حيالها، كلما غاب عنها لفترة وجيزة في إحدى رحلات عمله التي لا ترافقه فيها. وبإجلال وتكريم كبيرين، يمنحها إياهما في لقاءات الصالونات مع صفوة العالم، التي تحضرها معه، من حين لآخر، حيث يُظهر جمال قدراً كبيراً من التقدير لزوجته.<br><br>وكان جمال، في بداية زواجهما، قد اشترط على إيمان أن تعزّز ثقته بها، بألا تخبر أي أحد، حتى أمها، عن أيٍ من أسرارهما، خاصة تلك التي يُفضي بها لها. وإن ثبت له أن إيمان عند قدر ثقته بها، ستكون مكمن أسراره، حتى منها تلك الخطرة، حيث يمكن له البوح بكل ما يريد، بأمان، وهو واثق بأن الصدر الذي يبوح له، قادر على كتمان السرّ، وتقدير خطورة البوح به لطرف ثالث.<br><br>وكانت إيمان بالفعل عند قدر ثقة جمال بها، وقد اختبر ذلك عدة مرات خلال سنوات زواجهما الأولى، فاكتشف أن إيمان لا تبوح لأمها، أو لأي أحدٍ آخر، بأيٍ من الأسرار الخطرة، السياسية والمالية، التي يبوح بها لها. وهكذا، مع الزمن، تعززت علاقة جمال بإيمان، وتحولت من اختبار متبادل للثقة بينهما، إلى رابط وطيد آمن لكليهما، جعل إيمان تصبح أكثر التصاقاً بـ جمال، وأكثر إحساساً به، ورهافةً حياله. باتت تفهمه من النظرة، وتدرك كنه ما يدور في خلده، من طريقة تصرفاته، فتسعى دوماً لدعمه في مختلف المواقف، مستندة إلى خبراتها المهنية والعلمية واللغوية، وموهبتها الراقية في عالم العلاقات العامة وفنون الاتيكيت والتصرف.<br><br>تحولا، جمال وإيمان، إلى سندٍ، كل منهما للآخر. وكما كانت إيمان داعمة لـ جمال في مختلف المواقف، كان جمال يمنحها ثقته المطلقة، ويستمع لنصائحها، بل ويشركها في كثير من قراراته ومشاريعه وسياساته. <br><br>وبعد بضع سنوات من زواجهما، لم يعد لدى إيمان أي مبرر للتعالي على زوجها من منطلق دفاعي، بل على العكس، أصبحت ليّنة، طيّعة، حسّاسة حيال ما يشعر به ويعانيه من متاعب أو ضغوط، قريبة جداً منه وجدانياً. وكان جمال، مع تقدم سنوات زواجهما، يصبح أكثر التصاقاً بـ إيمان، لا بالمعنى المكاني، بل بالمعنى الوجداني.<br><br>وكانت ناهد، والدة إيمان، قد استشعرت، في سنوات زواج ابنتها الأولى، أن الأخيرة تبتعد عنها، وتصبح أكثر التصاقاً بزوجها، وتتغير الكثير من طباعها، فتصبح أكثر هدوءاً ورزانة، وأكثر حرصاً على سلامة زوجها المعنوية والمادية، وأكثر تحسساً لمشاعره، ورهافةً حياله. فابتعدت عن أمها، إلى حدٍ ما، ولم تعد تفضي لها بأي من مكنونات صدرها، وباتت ناهد تستشعر حذراً من جانب إيمان عندما يدور بينهما أي حديث، فتفهم الأم، أن ابنتها تحرص على عدم الكشف عن أي تفصيل من حياتها مع زوجها، قد يُزعج الأخير، الكشف عنه.<br><br>ولأن ناهد، بطبيعتها، متسلطة، قيادية، ثقتها عالية جداً بالنفس، تعتقد أنه يجب عليها أن تلعب دوراً في توجيه العائلة الصغيرة الوليدة، التي تحمل مسؤوليات كبرى، بموجب الثروة والنفوذ الذي تملكه، لذا كانت ناهد تتدخل كثيراً، وتستفسر بإلحاح، عن كل تفصيل وتطور في حياة الزوجين، الشخصية والمالية والسياسية، الأمر الذي كانت تقابله إيمان، بتحفظٍ واضحٍ، وبإجابات مبتورة موجزة، تؤكد قناعة الأم بأن جمال استطاع سلب لُبّ ابنتها، وتملكها، فـ إيمان ليست المرأة التي يتم تملكها بالقسر والقهر، بالعكس، ذلك قد ينفّرها ويدفعها للثورة، هي امرأة يتم تملُّكها بعاطفة شديدة مُوشَّاة بحكمة عالية، تجعلها تقبل أن تمنح قيادتها لطرف آخر، سوى نفسها.<br><br>وهكذا، زال ذلك الرابط الوجداني الذي كان يربط بين الأم وابنتها، اللتين كانتا سابقاً، بئر أسرار بعضهما، مما أثار غيرة الأم، واستيائها، فتحول تعاليها على جمال، إلى أسلوب استفزازي ملحوظ، تكسوه السخرية، في كل لقاء بالرجل. الأمر الذي كان يثير استياء إيمان، بشكل واضح.<br><br>لكن جمال، الذي أدرك أن شرخاً تسبب به في العلاقة بين الأم وابنتها، بادر لاحقاً إلى تعزيز علاقته بـ حماته، عبر دعم اهتماماتها، ومنحها مزايا شخصية وعائلية، جعلتها لاحقاً، تنقلب من ضفة الاستياء منه، إلى ضفة التقدير له. فاشترى فيلا&nbsp; فخمة في أطراف بيروت، تحمل شهرة تاريخية، وأهداها لـ حماته بمناسبة عيد ميلادها الستين. ومن ثم، دعم زوجها (حماه - والد زوجته)، وفيق الصلح، وابنها، إيهاب، في تشكيل قوة سياسية مؤثرة في لبنان. ودعم إياس وأيمن، ولديها الآخرين، في إدارة شركة استثمارية ضخمة في لبنان، بتمويل منه، وهب ربع أسهمها لحماه، وفيق، وحماته، ناهد، والربع الآخر لولديهما، إياس وأيمن.<br><br>وبذلك، تحقق لـ ناهد جانب كبير مما تعشق وتحب، فتحولت إلى سيدة مجتمع فريدة في بيروت، يتقرّب منها صفوة اللبنانيين، وتُعقد في صالونها لقاءات بسيدات لبنان، اللواتي يستهدفن توطيد صلاتهن بها، بغية التقرّب عبرها، إلى جمال الدمشقي، وامبراطوريته المالية والاستثمارية.<br><br>ولبّى جمال لـ ناهد، عشرات الطلبات والالتماسات. فيما كانت ناهد حذرة من الإثقال عليه، فلم تكن تلجأ إليه، إلا بعد غربلة مئات الطلبات والالتماسات التي كانت تصلها عبر علاقاتها الاجتماعية المتجذرة.<br><br>وهكذا، تخافتت مشاعر الريبة وعدم الارتياح بين جمال وناهد، وتحولت تدريجياً إلى مشاعر ودّ ومعزّة، بعد أن استشعرت ناهد مراراً أن جمال يريد كسب ودّها حقاً. قدّرت ناهد من جمال ذلك، لأنه لم يكن مجبراً عليه، فهو رجل قوي، ذو مكانة عالمية، وابنتها باتت طوع بنانه، مسلوبة اللبّ فيه. لذا أدركت ناهد أن جمال يخطب ودّها، لأجلها هي، لأنه يريد علاقة متينة يسودها التعاضد، مع أهل زوجته. قدّرت ذلك فيه، فبادلته الأمر. <br><br>إلى جانب ذلك، ومع تقدم السنوات في علاقتهما، ونجاحات جمال المتتالية والمتصاعدة على مختلف الصعد، المالية والاستثمارية والسياسية، باتت ناهد تثق بقدرات جمال وحنكته، وتُكن له إجلالاً تجاهد دوماً لإخفائه، لكنه يتبدى في عدم التعليق على سياسات جمال أو مخططاته، وبالاكتفاء بمداخلات طفيفة. بات الرجل في نظر ناهد، عقلية فذّة، لم تعد هي ذاتها، ترى في نفسها، ندّاً له.<br><br>لكن ناهد لم تغيّر من أسلوبها في السخرية المتعالية، حيال جمال، وكأنه بات طقساً يسود علاقتهما، في كل لقاء، إذ يتبادلان المزاح الساخر، فيما بينهما. ودائماً يظهر الاستياء على إيمان، التي كانت تخشى من أي شيء قد يزعج زوجها، فهي تقدّر ما قدّمه لعائلتها، ولم تكن تفهم مبرر ما تقوم به أمها. لكنها لم تفاتحها في ذلك أبداً، فـ جمال لم يُعلمها يوماً بأنه مستاء من أمها. كانت إيمان دائماً تسأل جمال، قبل قدوم أمها لزيارتهم، خشية أن يثير ذلك استيائه، فيُظهر خلاف توقعاتها، ويرحب بشدة.<br><br>في نهاية المطاف، تعوّدت جميع الأطراف الأخرى على عادة جمال وناهد، بالسخرية المتبادلة، المجللة بالمُزاح، في بداية كل لقاء، وخلاله. حتى الأحفاد، كنان وإياد، وخاصة الأخير، كانا يشاركان في وصلة المزاح، حينما كبرا. الوحيدة التي بقيت تستاء من ذلك، هي إيمان. تقديرها لزوجها لم يُتح لها هضم أسلوب أمها. ربما لأن إيمان تعلم من أسرار جمال ما يجعلها تقدّر عقل ذلك الرجل الجبّار، وإبداعه وحنكته، بصورة لم تعد تُتيح لفطنتها، حتى مجرد المُزاح معه، إلا في أجواء من الاحترام. فيما ناهد، لا تعلم عن جمال إلا رأس جبل الجليد، فيما كان الخفي منه، بالنسبة لـ ناهد، عظيم وجليل، في نظر ابنتها إيمان.<br><br>***<br><br>"فنجان أهلاً وسهلاً؟".. بادرهم جمال بالاقتراح، فيما كان الجميع يتخذ مكانه في مجلسٍ بصالون مكشوف في إحدى حدائق القصر، على طريقة البيوت العربية الدمشقية القديمة، تتوسطه نافورة يكسوها الرخام، تحيط بها، وتكللها، قطع من المزروعات، فيما تحجب الشمس عنهم، عريشة متمددة على عواميد بارتفاع مترين منهم، وفي الأفق يتبدى جانب من حدائق القصر الغنّاء.<br><br>"ولا جوعانين؟.. نسرّع بالغداء؟".. عقّب جمال، فقالت ناهد: "لأ.. أكلنا شيء خفيف على الطريق.. خلينا نبلش بقهوة شامية، بهالجلسة الرائعة". فتدخلت إيمان: "تكرمي". وأوعزت لإحدى الخادمات بتحضير القهوة.<br><br>كانت ناهد قد تواصلت مع ابنتها منذ بضعة أيام، تجس النبض، رغبةً في زيارتهم، فبادرت إيمان سريعاً للترحيب بها، ومن ثم، شعرت بأنها تسرعت، إذ خشيت أن يكون جمال، في هذه الظروف الاستثنائية، غير مستعد لاستقبال أمها، وتحمّل استفزازاتها المعتادة. لكن جمال، كالعادة، رحّب بشدة، واستغل قدوم ناهد، فاتصل بـ إيهاب، وطلب منه مرافقة أمه، لزيارتهم، فقدمت عائلته الصغيرة معه.<br><br>سلّم الأحفاد على جدتهم، ناهد، وخالهم، إيهاب، وزوجة خالهم وأولادهما. وانشغلت ناهد مطوّلاً في ممازحة أولاد ابنتها، ومداعبتهم، إذ كانت تُكن لهم حيزاً خاصاً من المحبة، فهم يحملون الكثير من "جيناتها"، حسب وصفها المتكرر. خاصة إياد، الذي يشبهها كثيراً، بشُقرَتِه البادية. وكان أبناء جمال يحبون جدتهم كثيراً، فهم يُقدّرون مرحها الودود معهم، ويستشعرون مَعَزّتهم لديها، ويعشقون رحلاتهم إلى فيلا بيروت، حيث يقضون أوقاتاً ممتعة من اللعب والرحلات مع أولاد أخوالهم، وفي ظل جدتهم، التي تتساهل معهم كثيراً، وتخصّهم بالكثير من العناية والترفيه، وتلحظ اهتمامات كل منهم، فتُهدي كل منهم ما يناسب اهتماماته، في كل زيارة أو لقاء. لذا، كان أولاد جمال يُقدّرون جدتهم كثيراً، ويحبونها بصورة بادية عليهم. وكان ذلك يُشعر جمال بسرورٍ شديدٍ، يتصاعد كلما رأى أولاده يلتفون حول جدتهم، يتهامسون معها، ويقهقهون، ويتبادلون المزحات، في بهجة جليلة لديه. ونفس الشعور كان يتولد لدى إيمان، كلما رأت أولادها يتحلقون حول أمها، فيما الأخيرة تُغدق عليهم من مشاعر المحبة، ما يشكل غذاءً روحياً عالي الأهمية بالنسبة لهم، في تقدير إيمان.<br><br>وفيما كانت الجدّة مشغولة بمحادثة الأحفاد، حيث اجتمع أولاد جمال وأولاد إيهاب حولها، طلب جمال من إيهاب الانفراد في حيزٍ آخر، ولمحتهما ناهد يغادران، فأدركت أن الأمر جللٌ، إذ لم يكن من عادة جمال، الجمع بين اللقاءات العائلية، وبين لقاءات العمل والسياسة. ورغم تبرمها الدائم، إلا أن ناهد تعودت أن جمال لا يطلعها إلا على ما يريد، وكذلك بات ابنها إيهاب أيضاً، لا يُفصح لها، إلا بما يمكن الإفصاح عنه.<br><br>وفي ركنٍ هادئٍ من صالونات القصر، تناول جمال فنجان قهوته، وبعد أن رشف منه رشفتين، بادر إيهاب الذي كان يرشف هو الآخر من فنجان قهوته، قائلاً: "الأخبار عن حرب محتملة بيننا وبين إسرائيل، دقيقة". <br><br>بُهت إيهاب، وأرخى يديه سريعاً، ليضع فنجان القهوة على المنضدة المنخفضة القريبة منه. حدّق في جمال قليلاً، ثم عقّب: "كنت أظنها حرباً إعلامية ونفسية؟".<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هي أكثر من ذلك.. الخيارات أمامنا منحصرة في اتجاهين، إما أن نرضخ لمطالبهم، التي ما إن نرضخ لأحدها، حتى تتالى، ولن نتخلص منها أبداً، أو أن نقبل بالمواجهة معهم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن يا جمال، أنت تعهدت أمام أصدقائنا في الغرب أنك لن تكون البادئ في أي حرب مع إسرائيل.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. وأنا ملتزم بذلك.. هم من سيبدؤون.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل هذه تكهنات؟، أم معلومات؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; معلومات.. أكيدة.. استخباراتنا أكدت، عبر أكثر من قناة، أن إسرائيل تُعدّ العُدّة لتوجيه ضربة عسكرية لإحدى منشآتنا.<br><br>صمت إيهاب قليلاً، ثم عقّب: - تقصد ضربة محدودة.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وأنت سترُدّ؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. حينها، سنُعلن أننا في حِلٍ من التزاماتنا بوقف إطلاق النار، وسندخل حرباً شاملة معهم.<br><br>تبدى القلق على وجه إيهاب، وظهر أنه يتخيّر مفرداته، فهو يدرك أن جمال رجلٌ متسامحٌ على الصعيد العائلي، وربما المالي، لكن على صعيد السياسة، وتحديداً، في سوريا، الأمر مختلف تماماً، فهو متصلب، وسبق أن وضع حدوداً لتدخلات إيهاب، بصورة صارمة، في الكثير من الشؤون المتعلقة بالسياسة السورية. وذلك مقابل منحه هامشاً واسعاً للتحرك بأريحية على الصعيد اللبناني.<br><br>قال إيهاب: - جمال.. أوضح لي ما في ذهنك.. إن أمكن.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تصوراتنا أن الحرب ستكون محدودة بجبهة الجولان، مع احتمال كبير أن تشمل المعركة الجوية والصاروخية المديين السوري والإسرائيلي.<br><br>رشف رشفتين من فنجان قهوته، واستطرد: - وإن أُتيح لنا، سنستعيد الجولان.<br><br>اتسعت حدقا عيني إيهاب، البنيتين، وقال وهو يغالب توتره، ويصطنع الهدوء قدر المستطاع: - لكن.. هل تتوقع أن الغرب سيسمح لك بذلك؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; قبل حتى أن يستوعبوا ما الذي حدث.. سنكون بإذن الله على ضفاف بحيرة طبريا.<br><br>لم يكن إيهاب يعرف شيئاً عن المقدرات العلمية النوعية على صعيدي الاتصالات والتسليح، التي تملكها المؤسسات التي تعمل بإشراف جمال. كان يسمع كثيراً، وسبق أن ناقشه كثيرون، بأن جمال يملك قدرات علمية نوعية غير معلنة، لكنه لم يتجرأ على التساؤل عنها أمامه، وكان يظن دوماً أنها مبالغات تُشيعها نخب محسوبة على الإسرائيليين في الغرب، وتنشرها في وسائل الإعلام، وعبر مؤسسات بحثية غربية. لذلك، كان إيهاب، في هذه اللحظة، غير قادر على تفهم قرار جمال، بخوض غمار حرب مع دولة تحظى برعاية دولية مطلقة.<br><br>استشف جمال حالة الارتباك التي تسود عقل إيهاب، فبادره بالقول: - لا تخف.. درست هذه الخطوة عشرات المرات، قبل اتخاذ القرار بخصوصها.. لدينا ما يضمن لنا، بإذن الله، أنها ستكون خطوة نوعية، وآمنة، على صعيد ردع الإسرائيليين.<br><br>فقال إيهاب وقد تهاوى صوته بشكل واضح: - وماذا عن لبنان؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ستُصدر من جانبك، حال بدء الحرب، إعلاناً بالحياد.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; الحياد؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. لا شأن للبنان بهذه الحرب. وقد اتخذنا احتياطاتنا على الصعيد العسكري والاستخباراتي، لضمان الهدوء على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن.. هل تضمن أن الإسرائيليين لن يجرّوا جبهة لبنان إلى الحرب.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ليس لهم صالح في ذلك.. خاصة حينما يتفاجئون بردّ فعلنا.. ليس من صالحهم توسيع جبهة الحرب، وتعريض جبهتهم الشمالية لزخات من مئات الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.. ستكفيهم جبهة سوريا، وسيحمدون المولى أننا لم نفتح جبهة لبنان أيضاً، وسيفهمون ذلك على أنها رسالة تفيد بأن نوايانا في الحرب محدودة، ولا تدخل في إطار تهديد وجودهم بشكل كلّي، وذلك سيساعد على لفلفة الأمور بسرعة.<br><br>صمت إيهاب لما يقرب الدقيقة، ثم قال: - لكن.. تعتقد أن الإسرائيليين سيقبلون بخسارة الجولان؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; القضية يا صديقي ليست قضية قبول أو رفض، القضية، ما الذي يستطيعون فعله.. حالما يُفاجئون بما لدينا، سيسعون سريعاً لوضع حدّ للمواجهة.<br><br>تهيّب إيهاب قبل أن يقول هذه العبارة، لكنه قالها في نهاية المطاف: - هل تملكون قدرات نوعية غير معلنة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. وذلك الأمر فائق السرّية.. على الأقل في الفترة القليلة القادمة، قبل بدء الحرب.. لأنه بعد ذلك، سيكون الأمر مكشوف للعلن.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم، أتفهم ذلك.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا تخشى شيئاً.. الإسرائيليون لن يفتحوا جبهة لبنان.. وأنت من جانبك ستظهر بمظهر الحريص على أمن لبنان، أمام الجمهور اللبناني، خاصة من المعارضين لنا، وسيقول الإعلام الموالي لك، أن إيهاب عزل نفسه عن شريكه السوري، حرصاً على أمن لبنان، وتفضيلاً لسلامته.. يعني، الأمر سيصب في نهاية المطاف، لصالحك، سياسياً.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. أدرك ذلك.. لكن ما أخشاه ..<br><br>صمت.. كان يخشى التشكيك بصوابية التخطيط لدى جمال. كان جمال دوماً يخطط ويرسم السياسات، ويرسم تكتيكات تنفيذها، حتى على صعيد لبنان، وكانت التعديلات على تلك الخطط والتكتيكات، المبنية على رأي إيهاب، أو رأي والده الراحل، وفيق، طفيفة. في معظم الأحيان، كان وفيق الصلح، وابنه إيهاب، يسيران بدقة وفق المرسوم لهما من جانب جمال. وتعوّد إيهاب، من والده الراحل، مناقشة جمال في خططه، بروية وحذر شديدين، بعد أن التمسوا منه، أكثر من مرة، تصلباً وصرامة في النقاش، في مرحلة إقرار أية خطة، فيما كان جمال مرناً ومتسامحاً في النقاش في المراحل الأولى لرسم معالم الخطة أو السياسة.<br><br>كان جمال يستمع كثيراً، ويُصغي بكُليته، لآراء وخبرة وفيق الصلح، وكذلك، إيهاب. وكان يُتيح لمستشاريه جميعاً، حيزاً كبيراً من البحث والنقاش عند طرح أي مشكلة أو تحدٍ. لكن، حينما يصلون إلى مرحلة إقرار أي السيناريوهات يجب تنفيذها، وكيف، يكون جمال صاحب القرار، وبعد اتخاذ القرار، لا يتقبل جمال أي نقاش أو نقد أو تعريج على ما سبق. كان حازماً بعد اتخاذ القرارات واعتماد سيناريو محدد لحل مشكلة أو مواجهة تحدٍ ما. وقد تعود إيهاب ألا يناقشه في تلك المرحلة، فبعد عقدين من العمل سوياً، بات كل منهما يعرف طِباع الآخر جيداً.<br><br>قال جمال: - اسمع يا إيهاب.. لو كان مُتاحاً لي سيناريو أقل خطورة من الحرب، لما ترددت.. لكن الإسرائيليين حشروني في الزاوية، وهناك قرار غربي استشعرته بجلاء، يُتيح للإسرائيليين جرّنا إلى مواجهة، للكشف عن مقدراتنا.. فالحل الوحيد هنا، أن نردعهم.<br><br>امتقع وجه إيهاب، فقال جمال: - أفضي بما لديك.<br><br>نظر إيهاب في عيني جمال بثبات، ثم قال: - يمكن لك اتباع سياسة حافظ الأسد الشهيرة.. احتفظ بحق الرد، وردّ على الإسرائيليين في مكان وزمان وأسلوب آخر. ما دام العدوان الإسرائيلي سيقتصر على ضربة عسكرية محدودة، لا يوجد داعٍ للمخاطرة بحرب شاملة.<br><br>مال جمال بجسده إلى الأمام، وصوّب نظراته الحادة إلى عيني إيهاب، وقال: - لقد أوضحت لك أننا نملك مقدرات عسكرية نوعية غير معلنة، ونملك منشآت عدة في مواقع مختلفة من سوريا، والإسرائيليون واثقون من ذلك، لكنهم غير متأكدين من طبيعة تلك المقدرات، أو مواقع المنشآت التي يتم العمل فيها. عدم الرد على الإسرائيليين في ضربتهم المحدودة، يعني أننا نُتيح لهم تكرار ذلك، في ضربات أخرى مستقبلاً، كلما استشعروا أنهم يملكون معلومة استخباراتية تُوحي لهم بإمكانية استهداف منشأة عسكرية أو بحثية مرتبطة بتطوير قدراتنا. وهذا الأمر لا يناسب مخططاتنا في تطوير تلك القدرات، مطلقاً.<br><br>بعد أن أنهى جمال جملته الأخيرة، رجع بجسده إلى الوراء، واتخذ وضعيته الهادئة السابقة. لكن إيهاب تجرأ على متابعة النقاش، فالأمر هذه المرة، أخطر من كل مرة سابقة، قال له: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن يا جمال، ردكم يعني الكشف عن امتلاككم مقدرات نوعية، ستدفع الغرب وإسرائيل إلى تكثيف الجهود للقضاء عليها.<br><br>أجابه جمال بهدوء: - بدايةً، لن نكشف إلا حيزاً محدوداً جداً من مقدراتنا، بصورة كفيلة بردع الإسرائيليين. ومن ثم، سنتجاوب مع كل المساعي الغربية لوضع حدّ للمواجهة وتثبيت وقف إطلاق النار من جديد. وما دام هم البادؤون، فلا يوجد أي مبرر يحرجنا أمام أصدقائنا في الغرب، على العكس. وبالتالي، سيبادر أولئك الأصدقاء إلى وضع صيغة اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وسيكون الإسرائيليون قد تعلموا درساً قاسياً، بألا يكرروا اعتداءاتهم.. تذكر يا إيهاب، أنني اشترطت عليهم في محادثات ويلز، وبصورة حازمة، ألا تقوم إسرائيل بأي اعتداء علينا، حتى لو كان محدوداً، لأن ذلك سيكسر هيبتي أمام شعبي، وسيضطرني إلى الرد. وكنت حينها واضحاً معهم، أنني لن أكون أسداً جديداً في سوريا، ولن أتقبل أي اعتداء، مهما كان محدوداً، وأن أي اعتداء سيكون بمثابة فضّ للاتفاق بيننا. لقد كنت واضحاً، بجلاء، بهذا الخصوص. وسألتزم بجانبي من الاتفاق. لذا، لا أعتقد أن هناك أي مبرر لمخاوفك حيال موقف الغرب، ونخبه التي تربطنا بها علاقات وثيقة. في نهاية المطاف، لا يوجد لدى تلك النخب ما يبرر لها تحطيم كل مصالحنا المشتركة، وسيتدخلون لتطويق المغامرة الإسرائيلية المُرتقبة، سريعاً، كي تعود الأمور إلى سابق عهدها.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ولكن..<br><br>قاطعه جمال، فأدرك إيهاب أن هامش النقاش قد أُقفل: - اسمع يا صديقي، لا يوجد لدينا خيارات أفضل، وقد درسنا كل السيناريوهات، واتخذنا كل الاحتياطات، ولدينا من المقدرات ما يسمح لنا بخوض حرب شاملة، ولأشهر، قد تكون مدمرة للإسرائيليين، بصورة غير متوقعة.. ورغم ذلك، لن نقدم على الكشف عن كل مقدراتنا، ولن ننجر إلى حرب شاملة مدمرة للطرفين، وسنتجاوب مع المبادرات التي ستتسارع للفلفة الأمر قبل خروجه عن السيطرة، وفي نفس الوقت، نكون قد أعطينا الإسرائيليين درساً قاسياً، يضمن لنا أمننا، وأمن منشآتنا البحثية والعسكرية، في المستقبل.<br><br>لم يكن إيهاب راضياً تماماً عن هذه الخلاصة، لكن، كان يعلم أن لا جدوى من النقاش أكثر من ذلك، لقد اتخذ جمال قراره، وحيّد لبنان، بصورة لا تبرر لـ إيهاب أي اعتراض. لكن إيهاب كان يخشى في تلك اللحظة ألا تصدق حسابات جمال، فيخسر الجدار المتين الذي يستند إليه، ويصبح نهباً لخصومه اللبنانيين الذين يتحيون الفرصة للنيل منه، والفتك به.<br><br>***<br><br>منذ عام 2034، وإيهاب الصلح رئيساً لوزراء لبنان. في واحدة من أطول الحكومات استمراراً، في بلدٍ شهد عقوداً طويلة من عدم الاستقرار السياسي منذ العام 2005. لكن، بعد تحرير دمشق عام 2031، وسيطرة جمال الدمشقي على كامل التراب السوري، واستتباب الأمر له تماماً هناك. تزايد نفوذه في لبنان، وكان تكتل "لبنان الجديد"، الذي يقوده إيهاب الصلح، الذراع السياسي له، مرفقاً بشبكة دعم اجتماعية ضخمة، ومليشيا مسلحة قوية.<br><br>ومنذ اتفاق ويلز الشهير، الذي أعقب محاولة اغتيال جمال الدمشقي، في بيروت، والكشف عن تورط جهات استخباراتية إيرانية وإسرائيلية في ترتيب تلك المحاولة، بالاعتماد على خلايا تتبع لحزب الله.. بات لبنان، بمباركة دولية وإقليمية، تحت ظلال جمال الدمشقي، وسط عجز إيراني – إسرائيلي، عن فعل أي شيء.<br><br>***<br><br>حينما التقى جمال الدمشقي، بـ إيهاب الصلح، لأول مرة، كان الأخير في السادسة والعشرين من عمره، يعمل في ملاك وزارة الخارجية اللبنانية، بموجب إجازة يحملها في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت، وبموجب علاقات والده مع متنفذين داخل مؤسسات لبنانية.<br><br>لكن إيهاب كان يأمل بمسارٍ آخر لحياته المهنية. إذ كان يتقد حماساً، وإيماناً، بإمكانية اشتقاق سبيل سياسي آخر للبنان، مختلف عن حالة المحاصصة الطائفية التي يعيشها منذ تأسيسه، والتي جرّت عليه عدم استقرار دائم، وتبعية لجهات خارجية، ومناعة ضعيفة في مواجهة الأزمات والمؤثرات المحيطة به.<br><br>ومنذ بداية تعارفهما، يوم خطوبة جمال وإيمان، كان إيهاب متحفظاً حيال جمال، ينهج نهج والدته في إظهار شيء من التعالي حياله، بالاستناد إلى عراقة نسبه، ودراسته في الجامعة الأمريكية، إلى جانب تلك الفوقية التي يشعر بها حيال السوريين عموماً.<br><br>&nbsp;لكن شكل العلاقة سرعان ما تغيّر. وقرر إيهاب انتهاج نهج والده وفيق، الذي رأى في جمال شخصية فريدة، تستحق كل تقدير، وفي المصاهرة معه، مكسباً نوعياً لعائلته الصغيرة خصوصاً، ولآل الصلح، ومن ثم، لبنان، عموماً.<br><br>أدرك وفيق الصلح، منذ أول لقاء له مع جمال، حتى مع ارتباك الأخير، الجليّ حينها، أن جمال شخصية منظمة، منهجية، هادئة، تعرف ما تريد، وتفكر مراراً قبل الإقدام على أي قرار. ومع الثروة التي يمتلكها، والنفوذ الذي التحق بها، باتت قدرة جمال على التأثير هائلة. وكان وفيق يتوقع ذلك مبكراً. لذا قرر وفيق، منذ البداية، توطيد علاقته بـ جمال، واستثمارها بما يخدم صعوده، وصعود أولاده، في عالم السياسة والمال، في لبنان، واستعادة مكانة آل الصلح البائدة منذ عقود، كأسرة سياسية مؤثرة في صنع المشهد اللبناني.<br><br>&nbsp;ولم يخذل جمال حماه (عمّه)، بل على العكس، دعمه في كل توجهاته، وفي نفس الوقت، حاول استثمار خبرة عمّه، وصلاته العائلية والنخبوية، بصورة تخدم مصالحه التي كان على وشك تدشينها، في لبنان، منذ العام 2020.<br><br>أثبت صعود جمال السريع، في عالم صفوة الأثرياء الذي تربع على عرشه منذ العام 2022، أن نظرة وفيق الصلح حياله، دقيقة، فتبناها إيهاب، وحاول التقرّب من جمال، الذي فتح له الباب واسعاً.<br><br>بدأ الأمر بتأسيس شركة استثمارية في لبنان، بتمويل من جمال، استغل وفيق الصلح، من أجلها، صلاته ومعارفه في نخبة اللبنانيين. لكن لاحقاً، تحوّل وفيق إلى بوابة يقصدها رموز تلك النخبة ذاتها، كي يصلوا عبرها إلى جمال. وبهذه المكانة، استطاع وفيق توطيد مصالح الشركة الاستثمارية الوليدة، التي أُوكلت إدارتها لاحقاً، إلى إياس وأيمن، الشقيقين الصغيرين لـ إيمان وإيهاب.<br><br>أما إيهاب، فكانت البداية له بالاستقالة من عمله كموظف في الخارجية اللبنانية، حيث بدأ في تحقيق حلمه، بدعمٍ من جمال. وأسّس تياراً سياسياً، استهدف عند نشأته، طلبة الجامعات اللبنانية، من مختلف الطوائف والانتماءات. وكان شعار ذلك التيار، لبنان من غير طائفية. وهدفه، إعادة تأسيس نظام الحكم اللبناني بصورة تُقصي المحاصصة الطائفية بصورة نهائية، يصبح معها اختيار الحكام والمسؤولين اللبنانيين، عبر صندوق الاقتراع، يتم على أساس أجنداتهم ومشاريعهم وبرامجهم الانتخابية، التي يتعهدون بتنفيذها، وليس على أساس الاصطفافات الطائفية والسياسية المُلحقة بها.<br><br>وتطوّر ذلك التيار. بدأ بطلبة الجامعة الأمريكية في بيروت، وتحوّل لاحقاً ليستهدف طلبة مختلف الجامعات اللبنانية. وفي بداية تأسيس التيار، استهتر به مختلف الأفرقاء اللبنانيين الفاعلين، وقرر بعضهم فتح قنوات تواصل مع جمال الدمشقي، عبر وفيق الصلح، على أساس المصالح الاستثمارية والاقتصادية، وتجاهلِ تيار إيهاب الصلح الجديد. لكن التيار الناشئ، صعد بسرعة، وتحوّل إلى قوة سياسية مُخيفة، قوامها، شباب لبنانيون من مختلف الطوائف، يبغون نهضة لبنان على أسس جديدة مختلفة عن تلك التي نشأ وترعرع عليها.<br><br>كان التحوّل الأبرز، تفاقم تهديد "داعش" لـ لبنان، بعد اجتياحه لكامل سوريا، وسيطرته على وسط العراق. ساعد ذلك التطور، جمال الدمشقي، في تبرير تدعيم شبكته الاجتماعية الخيرية الضخمة في لبنان، التي أُنشئت بغاية رعاية اللاجئين السوريين، بقوة أمنية وعسكرية مُرفقة بها. وقَبِلت كل الأطراف اللبنانية ذلك، على مضض، بضغوط إما من أطراف خارجية، أو وسط الخشية من اجتياح داعشي مرتقب للبنان، والحاجة إلى أي مساعدة من أي طرف، بما فيها، الطرف السوري، ممثلاً بـ جمال الدمشقي، خاصة مع وجود أكثر من 4 ملايين سوري في لبنان.<br><br>في تلك الأيام، شارك إيهاب الصلح شخصياً في قيادة القوة العسكرية والأمنية التي أسسها جمال في لبنان، خلال عمليات التصدّي للاجتياح الداعشي. وحمل السلاح شخصياً. وقاد فرقاً مسلحة من لبنانيين مُلحقين بقوة جمال العسكرية، رغم امتعاض حزب الله الشديد. لكن الأخير لم يجد الوقت مناسباً لوقف ذلك التطور، الذي أدرك مبكراً، خطره على تفرد الحزب بالساحة اللبنانية، كأقوى ميليشيا مسلحة فيه.<br><br>وتم صدّ الاجتياح الداعشي، وردّه ليبقى محصوراً في منطقة عرسال فقط. وتحقق ذلك النجاح عبر قوة كان قوامها الرئيس ثلاثة أقطاب، الجيش اللبناني، ومقاتلي حزب الله، ومقاتلي جمال الدمشقي من السوريين ومن المُلتحقين بهم من اللبنانيين.<br><br>وبات وجود ميليشيا سورية مسلحة، تضم بين صفوفها مقاتلين لبنانيين، سُنة، أمراً واقعاً في لبنان، لم يستطع حزب الله فعل أي شيءٍ حياله. <br><br>وفي السنوات التي تلت صدّ الاجتياح الداعشي، راقب حزب الله تصاعد قدرات القوة العسكرية والأمنية التي أسسها جمال، وتفاقم أعداد المُلتحقين بها، والتي كانت تضم في صفوفها قوة عسكرية لبنانية القوام، سُنية المذهب. وكان جمال يبرر ذلك بالتحضير لتحرير سوريا، وسط مباركة دولية وإقليمية، وعجز إيراني، ولهفة إسرائيلية تراهن على اقتتال أهلي، شيعي – سُني، في لبنان.<br><br>&nbsp;ضبط حزب الله نفسه، واكتفى بحملاته الإعلامية والسياسية. وكانت ركيزته الرئيسية اتهام تيار إيهاب الصلح، بأنه حاد عن المبادئ التي انطلق على أساسها، وهي تأسيس لبنان على أسس غير طائفية. إذ كيف سيؤسس لبناناً غير طائفي، وهو منخرط في مشروع جمال لتأسيس مليشيا سُنية، تضم مقاتلين لبنانيين إلى جانب المقاتلين السوريين؟.. وكان إيهاب يردّ بأن ذلك مؤقت بغاية دعم مشروع جمال في تحرير سوريا من "داعش"، والذي يُمثّل أهمية كبرى للبنان، يقيه أية مخاطر تهدد وجوده.<br><br>كان الإعلام المحسوب على حزب الله، يردد دائماً: "متى يتحقق الوعد؟".. في إشارة ساخرة إلى مشروع تحرير سوريا. لكن، لم يستطع الحزب القيام بأي شيء باستثناء الحملات الإعلامية والسياسية، في وقت، كان تيار إيهاب الصلح يتمدد، ليشكّل قُطباً سُنياً لبنانياً، لا يمكن تجاهله في معادلات الداخل.<br><br>ورغم الصعود السريع لتيار إيهاب، والتمدد الذي حققه كقوة سياسية لبنانية، مدعومة عسكرياً، واقتصادياً، بعد العام 2025.. إلا أن ذلك التيار حاد عن طريقه بالفعل. إذ فرضت عملية التوسع تلك، خاصة الجانب الأمني والعسكري منها، تشكيل دائرة ضيقة للقرار داخل قيادة التيار، كانت سُنية بالكامل. وعجز إيهاب الصلح، لاعتبارات أمنية وعسكرية، فرضها عليه جمال الدمشقي، ودعمها الواقع، عن تشكيل قوة سياسية لبنانية تتجاوز الحواجز الطائفية، حقاً. وكأنه قدرٌ لبناني، أو خاصية مُلتصقة بلبنان، التصاقاً لا فِكاك منه، ألا تتمتن قواه السياسية، إلا، على أسسٍ طائفية.<br><br>لكن ما حدث، لم يُثبط آمال وتطلعات إيهاب الصلح. فبعد أن تحوّل تياره، بدعم جمال، إلى قوة سياسية لبنانية، شريكة في تشكيل معادلات الحكم وتركيبته. بدأ يراهن تدريجياً على تحقيق حلمه الأثير، بلبنان غير طائفي، في المستقبل، حالما يصبح القوة الراجحة بين بقية القوى اللبنانية، وبعد أن يصبح قادراً على رسم مسار لبنان، بشكل متفرد. حينها، يمكن له أن يرسم ذلك المسار بالصورة التي يأملها. هذا ما أقنعه به جمال الدمشقي، الذي لم يكن مستعداً للمخاطرة بالاعتبارات الأمنية الخاصة بقوته العسكرية المتطورة على التراب اللبناني، والتي كانت إحدى فرقها، لبنانية سُنية، الغاية منها، مستقبلاً، حسبما كان يخطط جمال، دون أن يعلن ذلك، موازنة قوة حزب الله الشيعية، بصورة تحفظ لـ جمال، ولأنسبائه من آل الصلح، نفوذاً حاسماً في المشهد اللبناني.<br><br>وكان ذلك مقدمةً للتحول الثاني عام 2031، حينما فاجأ جمال الجميع، حتى إيهاب الصلح نفسه، بتحرير دمشق، بسهولة كبيرة، واستعادة معظم التراب السوري في بضعة أشهر، ولاحقاً، إحكام السيطرة على كامل سوريا، في أقل من سنتين.<br><br>وبذلك، لم يعد جمال الدمشقي، سُورياً يملك نفوذاً في لبنان، عبر ميليشيا مسلحة قوية، وعبر دعم تيار سياسي وقوة اقتصادية كبرى، فقط.. بل أصبح أبعد من ذلك بكثير.. أصبح حاكم دمشق، تلك التي بقيت في عُرف اللبنانيين، المحبوبة المكروهة في آن. فهي لطالما كانت العقبة الأبرز في وجه استقلالهم الكُلّي، وفي نفس الوقت، بقيت العمق الذي لم يستطع اللبنانيون يوماً التخلي عنه، أو الخروج من دائرة التأثر أو التأثير فيه. تلك الدائرة التي حينما أصبحت "داعشية"، عاش لبنان وأهله، عقداً من الزمن، على شفير رعبٍ وهلاك محتملٍ، يلوح لهم من قريب.<br><br>***<br><br>&nbsp;بعيد أشهر من استتاب الأمر لـ جمال الدمشقي، في كافة ربوع سوريا، حدث التحول النوعي الثالث في مسيرته ومسيرة أنسبائه، في لبنان. إذ تعرّض موكبه لتفجير هائل، من متفجرات موضوعة تحت الأرض، في نقطة مرور معتادة ومتوقعة لموكبه.<br><br>كان جمال يومها، يرافق وفيق الصلح، نحو لقاء رتّبه الأخير مع عدد من القيادات السياسية اللبنانية، لتطبيع المشهد السياسي في البلاد.<br><br>كان جمال قد بدأ، منذ استكمال سيطرته على سوريا، في استثمار فوزه الكبير هذا، ومحاولة ترجمته إلى نفوذ أكبر في لبنان. وضغط لإجراء انتخابات نيابية لبنانية جديدة، عبر كتلة إيهاب الصلح في الحكومة.<br><br>وبعد الكثير من المشادات السياسية والإعلامية، نجح وفيق الصلح في ترتيب صفقة بين كتلة ابنه السياسية، التي يدعمها جمال، وبين باقي الأفرقاء اللبنانيين، أوهمه مندوبو حزب الله، بالموافقة عليها. وكان من المقرر عقد لقاءٍ بين قيادات الكتل السياسية اللبنانية، لإقرار اللمسات الأخيرة للاتفاق. واشترط مندبو حزب الله حضور جمال الدمشقي شخصياً، بذريعة الحاجة إلى تدعيم الاتفاق بوجود القادة الرئيسيين، الحقيقيين لكل التيارات.<br><br>ظن جمال الدمشقي أن حزب الله يريد عبر هذه الحركة، إحراج تيار إيهاب الصلح، وتقديم القائد الحقيقي لذلك التيار على الملأ من الجمهور اللبناني، عبر المطالبة بحضوره شخصياً للقاء المُزمع. فالقائد الحقيقي لتيار إيهاب الصلح، الذي كان يحمل اسم "لبنان الجديد"، كان سورياً. وكان الجميع يعرف ذلك. وكان حزب الله، حسب ظن جمال حينها، يريد إحراج التيار عبر الإصرار على حضور قائده السوري، لمراسم الاتفاق.<br><br>&nbsp;لم يكن جمال مزعوجاً من ذلك، بل على العكس، كان يريد استثمار ذلك الإحراج، وعكسِه، ليكون تعبيراً صارخاً عن نفوذه الشخصي الحاسم في المشهد اللبناني. فيما كان إيهاب متحرجاً من تلك الخطوة، لكنه لم يستطع معارضتها، بعد أن أظهر والده حماسةً كبرى لحضور جمال.<br><br>كان وفيق يعتقد أن حضور جمال لذلك الاجتماع، بقدر ما سيعزز القناعة بأن القائد الحقيقي لتيار آل الصلح السياسي، هو جمال الدمشقي، بقدر ما سيعزز من قوة آل الصلح، بحكم أنهم مدعومون بشكل مباشر، وكُلّي، من أثرى رجل في التاريخ، ومن الحاكم الفعلي لـ دمشق. وكان وفيق الصلح يعتقد أن حضور جمال الدمشقي سيُوصل رسالة عميقة للبنانيين، مفادها، أن اتفاقاً يرتب المشهد السياسي في بلدهم، تطلب حضور حاكم دمشق، الذي يغيب كثيراً عن الأضواء، حتى في عاصمته الأثيرة، دمشق.<br><br>بكل الأحوال، غلب على ظن جمال وعمّه وفيق، وكذلك إيهاب، ومعظم المراقبين، أن حزب الله يسعى لإحراج كتلة الصلح السياسية، التي يقودها إيهاب، في البرلمان، وعبر حصته من الوزراء في الحكومة. ولم يكن أياً منهم يظن، ولو لوهلة، أن خلايا تابعة لحزب الله، على صلة مع الدائرة الضيقة في أعلى هرم الحزب، بتكليف من مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبتنسيق مع المخابرات الإيرانية، وعبر تعاون تقني مع الموساد الإسرائيلي، يحضرون لعملية اغتيال ضخمة، تكرر قصة اغتيال رفيق الحريري عام 2005.<br><br>كانت إسرائيل تريد أن تعود الفوضى إلى سوريا. لم تكن راضية عن صعود قائد جديد للبلاد، يتمكن من توحيدها وإعادة إحياء مؤسسات دولتها. خاصة أنه قائد سُني، ويقود مؤسسة عسكرية محترفة، يغلب عليها السُنة، وقد استطاع احتواء قيادات جهادية سابقة، وإلحاقها بمؤسسته العسكرية. وبما يملكه من ثروة خرافية، يملك القدرة على تحويل سوريا إلى دولة تهدد الأمن الإسرائيلي، بصورة جدية هذه المرة. <br><br>كان الإسرائيليون، في بداية عهد جمال الدمشقي، يخشون من الترحم على زمن "داعش"، التي استطاعوا تطبيع الوضع الحدودي معها بسهولة كبيرة، رغم بقاء حالة عدم اليقين حيال العلاقة مع قياداتها، قائمة. وكذلك، كان يخشون من الترحم على زمن حافظ الأسد، الذي كان ملتزماً، ومن بعده ابنه، بقواعد لعبة، لا تشكل أي خطر على الوجود الإسرائيلي، ما دام كرسي الحكم في دمشق، آمناً.<br><br>لذا، كانت إسرائيل ترى في التخلص من جمال الدمشقي خطوة مناسبة لإعادة حالة الفوضى إلى الكيان السوري، بصورة تُلهي مكوناته، ببعضها، لأمد طويل آخر.<br><br>أما إيران، فلم تكن قادرة على هضم فكرة نهوض السُنة في سوريا من جديد، وما يشكله ذلك من تهديد بدأت نُذره تلوح، حيال ربيبها الأثير في لبنان، حزب الله. وكانت إيران ترى في جمال الدمشقي تحدياً خطيراً، كونه يشكل حليفاً سُنياً، حضارياً، للغرب في المنطقة، يحفظ مصالح الغرب، ويُلغي حاجة الأخير لاستيعاب إيران. كانت إيران تخشى من أن يتوجه الغرب بكُليته، من جديد، نحو حصارها والعمل على إضعافها، ما دام، لا حاجة حقيقية للتعاون معها.<br><br>بكل الأحوال، اجتمعت مصالح الإيرانيين والإسرائيليين، وفيما بينهما، حزب الله، على التخلص من جمال الدمشقي. فكانت محاولة اغتياله تحولاً نوعياً، جاء بنتائج عكسية على الأطراف التي دبرته.<br><br>وفيما تولت خلايا حزب الله، إعداد الساحة الميدانية، تولى الموساد وضع أجهزة تشويش قادرة على إبطال عمل الرادارات المرافقة لموكب جمال الدمشقي، والمتخصصة بكشف المتفجرات عن بعد.<br><br>وحصل التفجير الهائل، في قلب العاصمة اللبنانية بيروت. ونجا جمال الدمشقي بأعجوبة، بإصابات طفيفة، فيما قضى عمّه، وفيق الصلح، نحبه.<br><br>شكّل الحادث صدمة. واستجر إدانات واسعة. وأغضب جهات إقليمية ودولية عديدة، في مقدمتهم الأتراك والخليجيين، والفرنسيين والألمان، وشريحة واسعة من النخبة الأمريكية. <br><br>خلال أسابيع، تمكن فريق تقصي للحقائق، مزوّد بأجهزة متطورة، من كشف أدلة جازمة تثبت تورط حزب الله، وعملاء للموساد الإسرائيلي. وقبيل رأس السنة، عام 2034، كادت مخابرات الجيش اللبناني تُلقي القبض على خلية الموساد الإسرائيلي، المتورطة في الحادث، والتي تمكنت من الفرار في اللحظة الأخيرة، عبر الشريط الحدودي، في جنوب لبنان. وثبت دور حزب الله في تيسير عملية هروبهم. وتم تصوير أعضاء الخلية في مواضع مختلفة قبل فرارهم. وزادت القناعة بتورط إسرائيل وحزب الله، سوياً، في محاولة الاغتيال.<br><br>وفي مطلع العام 2034، حصلت صدمة مدوية في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ فرّ ثلاثة عملاء للمخابرات الأمريكية، سي آي إي، إلى استانبول، ومن هناك عرضوا في مؤتمر صحفي وثائق تثبت بشكل دامغ أن إسرائيل أعلمت قيادة المخابرات الأمريكية بنيتها اغتيال جمال الدمشقي، في عملية تم ترتيبها مع الإيرانيين، باستخدام خلايا لحزب الله، في بيروت. وأن قيادة المخابرات الأمريكية حاولت الضغط على الإسرائيليين، كي لا يقوموا بهذا الفعل، لكنها لم تُعلم قيادتها السياسية في البيت الأبيض، بالأمر.<br><br>شكّل ذلك الحدث، هزة كبرى للمجتمع السياسي والمؤسساتي في الولايات المتحدة الأمريكية. واستقال مدير المخابرات المركزية الأمريكية، ومن ثم أحيل إلى التحقيق، واعترف على الملأ بصحة تلك الوثائق المُسربة. ورغم أن جهات أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية كشفت عن أن مؤسسة "الدمشقي" القابضة، دفعت مبالغ طائلة للعملاء المنشقين عن جهاز المخابرات الأمريكية، لقاء الكشف عن تلك الوثائق، إلا أن ذلك لم يحرف النظر عن كارثية ما قامت به المخابرات الأمريكية، حينما أخفت معلومة بهذه الخطورة عن القيادة السياسية المُنتخبة في البيت الأبيض.<br><br>وقررت روسيا، التي باتت على صلة شراكة معمقة مع جمال الدمشقي، في ذلك التاريخ، استغلال الموقف لإحراج خصمها الأمريكي التاريخي، وإحراج الغرب عموماً، وطرحت مشروع قرار في مجلس الأمن، يقترح فرض عقوبات على إيران، ووضع حزب الله على لائحة الإرهاب. لكن المشروع تجاهل الدور الإسرائيلي تماماً.<br><br>وتم التصويت على القرار بالإجماع. وعاد زمن العقوبات الدولية على إيران، فيما بات حزب الله منظمة إرهابية، حسب قاموس الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. <br><br>لكن جمال الدمشقي لم يقبل تمرير العقاب على إيران وحزب الله، وتحييده عن إسرائيل. وعبر اتصالات سرّية، أعلم أصدقائه من النخب الغربية، أنه بصدد رفع الرقابة عن الحدود مع إسرائيل، في سوريا، وفتحها للجهاديين، ودعوة كل الراغبين لقتال إسرائيل، إلى القدوم لسوريا، وافتتاح أول جبهة ضد هذا الكيان، منذ عقود.<br><br>كما ألمح جمال إلى أنه قد يصبح في حلٍ من كل الاتفاقيات الاقتصادية التي يُعتبر طرفاً فيها، في مقدمتها، اتفاقيات استثمار الوقود الحيوي المرفق برقاقات الطاقة الشمسية، مع الولايات المتحدة الأمريكية، تحديداً.<br><br>ورصدت إسرائيل، وأجهزة استخباراتية غربية، نشاطات ميدانية، ومالية، تُدلل على أن جمال الدمشقي قد يكون جاداً في تهديداته.<br><br>وتفاقمت حملات الإدانة في أو*ساط الإعلام الغربي، لما فعلته إسرائيل، ولم تعد الأخيرة تلقى تعاطفاً من أي طرف.<br><br>وفي ظل تلك الأجواء، تدخل البريطانيون، وأقنعوا جمال الدمشقي، والإسرائيليين، بالجلوس على طاولة حوار، وتطبيع الأوضاع بينهم. قال البريطانيون لـ جمال يومها، "تعلم أن الإدانة غير كافية مع إسرائيل، وأن إطلاق الجهاديين من القمقم مرة أخرى، سيضر بإسرائيل، مثلما سيضر بك، وسيقضي على مشروعك لإعادة إعمار سوريا، وسيحولك من أيقونة سورية، يرغب الغرب في التعاون معها، إلى إرهابي مُطارد، يعيد تكرار سيرة أسامة بن لادن، لا أكثر".<br><br>كان جمال يعلم أن البريطانيين محقون، فاستياء العالم اليوم من إسرائيل، سينقلب إلى استياء منه، حالما يرفع راية الجهاد ضدها، ويهدد وجودها. وبالفعل، قد يتحول إلى نسخة من بن لادن، في نهاية المطاف. مُطارد، إرهابي في قاموس الغرب، وعبثي في استراتيجياته التي لن تجر إلا الويل والثبور لأمته.<br><br>وبعد بضعة أشهر من حادث الاغتيال، زالت الغشاوة عن عيني جمال، وأعلم البريطانيين باستعداده للحوار مع إسرائيل، بوساطة منهم، لكن بشكل سرّي.<br><br>وعُقدت مفاوضات سرّية في مزرعة لأحد الأثرياء البريطانيين، من أصدقاء جمال، وممن تربطهم صلات صداقة وطيدة بالإسرائيليين. كانت المزرعة تلك في ويلز. وبدأت المفاوضات السرّية على مستوى مندوبين عن الأطراف، تحولت في نهاية المطاف، إلى لقاء ضم جمال الدمشقي وأبرز معاونيه من جهة، ووزير الدفاع الإسرائيلي ومدير الموساد وأبرز الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة إلى جوارهما، من جهة أخرى.<br><br>لم يقبل جمال أن يتحول اللقاء إلى تطبيع سياسي. وأصرّ على أنه إعادة إحياء لوقف إطلاق النار. وطرح ثُلة من الشروط، من أبرزها، إطلاق مفاوضات سورية – إسرائيلية، لاستعادة الجولان، تتعهد إسرائيل في بدايتها، بقبول مناقشة إعادة كامل الهضبة للسوريين. ومناقشة وضع المسجد الأقصى تحت رعاية دولية، بوصفه موقعاً للتراث العالمي، لا يجوز إجراء أي تغييرات فيه، أو عليه. وتعهد إسرائيل وسوريا، على نفس المستوى وبنفس الدرجة، بعدم الاعتداء المتبادل. وتعهد الإسرائيليين بعدم تنفيذ أي عملية تهجير قسرية للفلسطينيين من الأراضي الفلسطيينة المحتلة سواء كانت الضفة والقطاع، أو فلسطين 48. وتعهد إسرائيل باستعدادها التخلي عن مزارع شبعا وكفرشوبا، للبنانيين. وقبول النفوذ السوري في لبنان، كأمر واقع، وعدم التدخل فيه، مع تعهد جمال بالعمل على ضمان أمن الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وعدم القيام بأي نشاط من شأنه تهديد الأمن الإسرائيلي انطلاقاً من تلك الحدود.<br><br>وبعد ثلاثة لقاءات، شديدة المراس، كادت المفاوضات أن تنهار، إذ رفض الإسرائيليون معظم طلبات جمال، باستثناء وقف إطلاق النار المتبادل في سوريا ولبنان، وقبول الوجود السوري في لبنان كأمر واقع وعدم التدخل في الشؤون السورية واللبنانية. <br><br>وتدخل الأمريكيون عبر فريق مندوبين من الخارجية والمخابرات، يحمل تفويضاً واسع الصلاحيات من الرئيس الأمريكي، عرض على جمال إقرار الأمريكيين بلبنان وسوريا، له، مقابل ضمان أمن الحدود المتبادل على الجبهتين السورية واللبنانية.<br><br>فوافق جمال بشروط، أبرزها، عدم قيام إسرائيل بأي اعتداء، مهما كان محدوداً، وإلا فإن الاتفاق سيكون لاغياً. كذلك، أن تتعهد واشنطن بعدم قيام إسرائيل بأي عمل من شأنه تهديد المسجد الأقصى، أو تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة، وإلا فإن الاتفاق سيكون لاغياً.<br><br>مقابل ذلك، يتعهد جمال بعدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهتين السورية واللبنانية، مطلقاً.<br><br>وبعد ثلاث جولات جديدة من المفاوضات، وافق الإسرائيليون على القبول بشروط جمال، برعاية أمريكية – بريطانية، نالت لاحقاً مباركة فرنسية وألمانية. وتم عقد الاتفاق السرّي، الذي سرعان ما تسربت بنوده إلى وسائل الإعلام الغربية، قبل أن يظهر جمال على شاشات وسيلة إعلام دمشقية مملوكة له، ويصارح السوريين بتفاصيل ما حصل في ويلز البريطانية.<br><br>لم يُبدِ كثير من السوريين اعتراضهم. لم يكن غالبية السوريين يحبذون فتح جبهة قتال في الجولان. كانت غالبيتهم العظمى سعيدة بعودة الاستقرار إلى بلادهم، وانطلاق عجلة إعادة الإعمار.<br><br>أما في لبنان، فقد أثارت المعطيات المُسربة غضباً في بعض الأوساط، وسعادة بالغة في أوساط أخرى. لكن ما حدث لاحقاً حسم الموقف لصالح جمال. فإسرائيل عرضت عليه المساعدة في القضاء على حزب الله، عبر عمل عسكري. وكان الغرب يسارع في إجراءات الضغط على الحزب، بموجب قرار دولي اعتبر الحزب منظمة إرهابية. وبدأ الحديث عن عمل عسكري غربي يستهدف الحزب، بالتنسيق مع إسرائيل، وبموافقة ضمنية من جمال الدمشقي.<br><br>لم يكن الأخير يفكر جدياً في القضاء على حزب الله، بهذه الطريقة، إلا إن اضطر للأمر. وكان يعلم أن الإسرائيليين يراهنون على قتال سُني – شيعي في لبنان. وفتح جمال قناة تفاوض مع حزب الله، عبر وسطاء. ولاحقاً، التقى إيهاب الصلح ذاته، شخصيات من قيادة الحزب. كان حزب الله يُدرك أن الدائرة تضيق عليه، وكان يخشى من سيناريو الخوض في حرب، تكون فيها كل الأطراف عدوة له، دون أي عمق استراتيجي أو لوجستي يستند إليه، بعد أن أصبحت سوريا في قبضة الدمشقي. ستكون حرباً مدمرة، وسيتمكن الحزب من إيلام خصومه، خاصة من اللبنانيين، وقد يدمر لبنان. لكنه في نهاية المطاف سيُهزم، وستدفع حاضنته الشعبية المستاءة أصلاً من سياساته منذ أكثر من عقد، أثماناً فادحة.<br><br>قدّم جمال الدمشقي سلماً لقيادة الحزب كي تنزل من الشجرة التي علقت عليها. عرض عليهم حلّ الذراع العسكري للحزب، وإلحاق عناصره بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، وفق آلية تضمن عدم تكتلهم داخل المؤسسة، مع تسريح من لا يمكن الثقة به، من قيادات الذراع العسكري للحزب، ونزع السلاح من المقاتلين غير المحترفين المُلتحقين به.<br><br>وبعد لأيٍ، وحينما لاحظت قيادة الحزب أن إسرائيل تسارع الخطى لإطلاق عمل عسكري ضده، برعاية غربية مباشرة، قبل أن تنجح مفاوضات الحزب مع جمال الدمشقي.. وافقت قيادة حزب الله، بإيماءة إيرانية، على عرض جمال. وتم حلّ الذراع العسكري للحزب، وتسريح معظم مقاتليه، ونزع أسلحته، وتسليم مقاره، وإلحاق جزء من مقاتليه المحترفين بالمؤسسة العسكرية اللبنانية. وبقيت ميليشيا "لبنان الجديد"، السُنية، التي يقود إيهاب الصلح، تكتلها السياسي، ظاهراً على الأقل، هي الميليشيا الوحيدة المتبقية في لبنان، خارج الجيش.<br><br>وتم الإعداد على عجل لانتخابات نيابية جديدة. وأطلق تكتل الصلح حملة دعائية ضخمة، تضاعف زخمها بصورة هائلة، حينما أعلن جمال الدمشقي عن تكفله بدفع كامل الدين العام على لبنان، الذي بلغ حينها أكثر من 80 مليار دولار أمريكي، ومنح تكتل الصلح السياسي، إن فاز بالغالبية المناسبة لتشكيل حكومة، 80 مليار دولار أخرى، لإنعاش الاقتصاد اللبناني.<br><br>كان إعلان الدمشقي كفيل في أن تتغير مواقف الكثير من اللبنانيين، حتى من غير السُنة. بدأ كثير من اللبنانيين، خاصةً من الوسطين الشيعي والمسيحي، يفكرون بجدية في مقدار العبثية التي تسود استراتيجيات قادتهم، والتي تقود لبنان، من سيء إلى أسوأ.. وأن الحاجة باتت ملحة للركون إلى قيادة موحدة، خاصة إن كانت تلك القيادة قادرة على وضع الاقتصاد اللبناني على سكة التعافي والنمو، من جديد، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الركود.<br><br>واستطاع التكتل الذي يقوده إيهاب الصلح، من حصد غالبية كبرى في الأوساط السُنية. وإن كانت تلك النتيجة متوقعة، فإن المفاجأة كانت أن يحصد ذلك التكتل ما يفوق الـ 50% من أصوات الشيعة والمسيحيين والدروز. كان تحولاً تاريخياً، أن تصوت شرائح كبرى من اللبنانيين لتكتل سياسي لا يمثل طائفتهم. <br><br><br>وفي البرلمان اللبناني الجديد، عقد إيهاب الصلح تحالفاً مع تكتل المستقبل وحركة أمل وأبرز القوى المسيحية القائمة حينها. كان التحالف يقوم على أساس قيادته، باعتبار أن تكتله يشكل الأغلبية. وبذلك، تم تشكيل حكومة، حظيت بدعم أغلبية نيابية فاقت الـ 75% في البرلمان اللبناني، في واحدة من المفارقات غير المعتادة في التاريخ اللبناني.<br><br>وبعد تشكيل حكومة إيهاب الصلح، التي احتل فيها منصب رئيس الوزراء. حظيت الحكومة بتمويل تجاوز الـ 160 مليار دولار، من جانب جمال الدمشقي، أوفت بموجبها، 80 مليار دولار من ديونها، ليصبح لبنان، لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، بلا دين خارجي.<br><br>ولأن الغالبية النيابية كانت في صف إيهاب الصلح، أحكم الأخير سيطرته على المناصب الوزارية المهمة، ومنح المتحالفين معه وزارات هامشية، قبلوها على مضض، مضطرين للتحالف معه، كي لا يخرجوا تماماً من التركيبة الحكومية، ويخسروا كُليةً أية مكاسب مرتقبة من منحة جمال الضخمة للبلاد.<br><br>&nbsp;وانطلقت حركة إحياء اقتصادية غير مسبوقة للبنان، جعلت الأخير ينبض سريعاً بالنجاحات، التي ذكّرت لبنانيين بالماضي التليد لهذا البلد، الذي كان قبل سبعينات القرن العشرين، يوصف بـ "سويسرا الشرق".<br><br>ولأن عملية إعادة الإعمار في سوريا، كانت جبّارة، استجلبت سيولة مالية هائلة، ونشاطات اقتصادية غير مسبوقة، نشط الاقتصاد اللبناني، على وقع نشاط جاره السوري، ونشطت المصارف اللبنانية التي لعبت دوراً فريداً في ترتيب النشاطات المالية المتعلقة بعملية إعادة إعمار سوريا. ونشط القطاع السياحي اللبناني سريعاً. وموّلت حكومة الصلح عمليات استصلاح زراعي ودعم حكومي للجنوب اللبناني، جعلت شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين، يتعالون على انتمائهم الطائفي.<br><br>وذبُل وهج حزب الله، الذي بقي تأثيره مقصوراً على حملات إعلامية هدفها تشويه سمعة حكومة الصلح، والنيل من أي هفوة من هفواتها. فيما انخرطت معظم القوى المسيحية في علاقات شراكة وطيدة مع قيادة الصلح، في رضوخ لافت لنفوذ جمال الدمشقي، الذي أفادوا منه اقتصادياً، فأثرى الكثير من الاقتصاديين والمصرفيين اللبنانيين، وبات الاقتصاد والمصلحة لغة التحالفات بدلاً من الطائفة.<br><br>كان إيهاب الصلح يرى حلمه يتحقق رويداً رويداً، ربما ليس بالطريقة التي كان يبغي بواسطتها، تحقيقه، إذ بقيت الدائرة الضيقة لإدارة لبنان، سُنية، وربما أضيق من ذلك، فهي كانت عائلية، في قبضة جمال الدمشقي وأنسبائه من آل الصلح. لكن رغم ذلك، فإن تلك النخبة التي تحمل طابعاً عائلياً طائفياً، نسجت شراكات نوعية مع مختلف مكونات النسيج اللبناني، ولعبت دوراً فريداً في توزيع المنافع بين تللك المكونات، بصورة جعلت كل اللبنانيين يستشعرون قيمة الاستقرار في ظل الحكم الجديد.<br><br>لذا دامت حكومة الصلح ست سنوات في استقرار فريد، في تاريخ لبنان القريب. وكانت المؤشرات كلها تُوحي بأن لبنان دخل حقبة "الدمشقي – الصلح"، بجدارة. وأن لا شيء قادر على التشويش على تلك الحقبة، بصورة نوعية، باستثناء أصوات منفردة تعزف سيمفونية أقرب إلى النشاز في وسط إجماع لبناني غير مسبوق، على أن يكون الدمشقي، راعي الشقيقين، سوريا ولبنان.<br><br>لذا، كان إيهاب الصلح يشعر، يوم استدعاه جمال لإبلاغه بالحرب المرتقبة مع إسرائيل، بوطأة مخاوف كبرى. إذ لاحت في مخيلته، هواجس انهيار حقبته الذهبية في لبنان، التي دشنها بدعم جمال الدمشقي، والتي ما كان لها أن تستمر، وتُثمر، كل تلك الفترة، لولا أنها حظيت بتوافق إقليمي – دولي، يقرّ بها، ويتفاعل معها.<br><br>***<br><br>وصل كنان، الابن البكر لـ جمال وإيمان. والتمت العائلة، بوجود الجدة، ناهد، والخال، إيهاب، وزوجته وأولاده، على مائدة عشاء، وسط أجواء من المرح، التي سادت أيضاً ملامح إيهاب وجمال، اللذين بديا، وكأنهما لم يُجريا نقاشاً حامياً، قبل قليل، حول قضية مصيرية للطرفين.<br><br>كانت إيمان أكثر الناس مرحاً، فقد ارتاح صدرها، بعد أن ضمت ابنها الأكبر إليها. ورغم عقلانيتها العالية، كانت غرائز الأم تقض مضجعها. فابنها الذي يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، سيكون بعيداً عنها في ظروف مواجهة عسكرية، لا يستطيع أحد الجزم بطبيعة خاتمتها. لذا، كانت ليلتها في أوج الارتياح، أن بات ابنها الأكبر في بيته، آمناً سالماً، من أي تهديدٍ قد يطاله، جراء سياسات والده.<br><br>وكان جمال أيضاً مرتاحاً لذلك. وكان مرحاً. وكان يشعر بهدوء نفسي كبير بعد أن غالب قبل أسبوعين مخاوفه من المواجهة مع إسرائيل. "لماذا الخوف ما دام كل شيء مدروس حتى أدق التفاصيل؟.. لا يجب أن نكون جبناء.. أدينا ما علينا، وأعددنا العدة الملائمة.. وسنتكل على الله".. هكذا كان جمال يحدث نفسه، وكان قد تجاوز حالة الرهبة التي حلت به، حينما كان يتلقى تهديدات الإسرائيليين، وكان يفكر في كيفية الرد المناسبة.<br><br>وبدأ الأولاد يتبادلون النكات، والمزحات، تشاركهم ناهد، التي عادةً ما تكون مايسترو تلك الوصلات من المرح العائلي. وحينما أخذ وسام، ذو الـ 11 ربيعاً، يسأل كنان عن مغامراته في أمريكا، مع الفتيات الأمريكية الفاتنات، والمتحررات، حسب وصفه.. انهالت تعليقات الأولاد والمراهقين، والتفت إياد إلى جدته، ليقول لها:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالمناسبة، ألم تجدي تنورة أقصر من هذه؟.. نحن في دولة إسلامية.<br><br>كان يستهدف استفزازها، ليستجر ردودها المثيرة للمرح بالنسبة له، فبادرت ناهد للرد عليه: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يبدو أن والدك أحسن تربيتك.. فعلاً "فرخ البط عوام".<br><br>والتفتت نحو ابنتها، لتتابع: - طبعاً، والدتك "شوي وبتتحجب".<br><br>لم تعلّق إيمان، وردت بابتسامة هادئة. كانت إيمان، التي تربت ونضجت في أجواء متحررة، في بيروت، ما تزال تسود بيت أمها وعائلات أشقائها، حتى اليوم، قد أصبحت بعد عقدين من زواجها، بـ جمال، أقرب لعقليته.<br><br>ورغم أنه لم يفرض شيئاً عليها، إلا أن إيمان أصبحت أكثر حشمة في لباسها. وكانت قد ناقشت مع جمال، أكثر من مرة، فكرة ارتدائها للحجاب، وأجابها جمال في كل مرة، أن ذلك قرارها وحدها، وأنه لا يريدها أن تُقدم على ذلك لأسباب، لا تمت إلى قناعاتها الشخصية، بصلة.<br><br>كان جمال يخشى أن تستجيب إيمان لبعض الحملات الفيسبوكية التي كانت تُشن عليها، وعليه أيضاً، من جانب متشددين إسلاميين في سوريا، يتساءلون، كيف أن زوجة الحاكم الفعلي للبلاد، سافرة.<br><br>لكن، ولأن القانون المفروض بموجب الأغلبية النيابية حينها، كان قد فرض قيوداً على لباس النساء، تضمن الحشمة، لكنه لم يفرض الحجاب بصورة قسرية.. لم يكن هناك أي خرق قانوني في أزياء إيمان، التي كانت بعيدة جداً عن الأضواء، وعن الحياة العامة، إلا ما ندر.<br><br>ورغم أن الجميع كان يعلم أن لإيمان نفوذاً كبيراً، خاصة من خلال التأثير في آراء زوجها، إلا أنها لم تكن تظهر على مسرح الأحداث، بصورة مطلقة. <br><br>ولم يكن جمال يرى ضرورة في ارتداء إيمان للحجاب، إن لم يكن ذلك نابعاً عن قناعتها الشخصية به. فـ جمال وإيمان، خاضا منذ بداية علاقتهما، وحتى قبل الزواج، نقاشات حامية الوطيس، حول قضايا وجود الله، وصدقِية النص القرآني. وانتهت نقاشاتهما التي امتدت طوال سنوات، بشكل متقطع، إلى توافق بالقناعات، يعزز إيمانهما بالإسلام. وكان التزامهما الديني يتطور مع تقدم السنوات، ليصبح أكثر جدية مما سبق، دون أي إجراء قسري من جانب أي منهما، حيال الآخر.<br><br>وفيما التزم جمال مبكراً بالصلاة بصورة دائمة، ومستقرة، إلا ما ندر من تقصير. تأخرت إيمان في تحقيق ذلك الالتزام، لكن وتيرة التزامها تسارعت لاحقاً، حينما بدأ أولادها يكبرون، وبدأت تشعر بمسؤولية عالية، توجب عليها أن تكون القدوة الأفضل لهم.<br><br>وفي عام 2027، أديا معاً، جمال وإيمان، فريضة الحج. ومنذ ذلك الحين، التزمت إيمان بألبسة محتشمة جداً، رغم متابعتها الدائمة لآخر صيحات الموضة العالمية.<br><br>وحتى العام 2040، وحتى هذه الجلسة العائلية الدائرة الآن، كانت شخصية إيمان قد أصبحت أكثر التزاماً، بالصلاة، وبالحشمة في اللباس. لكنها لم تستطع، حتى اللحظة، تقبّل الحجاب، فهي ابنة بيئة يتغلغل التحرر في وجدانها و"لاوعيها"، بصورة يصعب الفكاك منه.<br><br>ولم يكن جمال مستاءاً من ذلك، فهو حينما اختار إيمان، كان يدرك من أي بيئة هي، وكانت خطوطه الحمراء، التي لا يمكن له القبول بسواها، هي التزام إيمان الأخلاقي بصورة ترسخ ثقته بها. إلى جانب قبولها بالجدل المنطقي حول مختلف القضايا، من بينها القضايا الإيمانية، والقبول بنتائج ذلك الجدل، والالتزام بها، بشكل طوعي.<br><br>عدم التعصب، لا للتدين، ولا لنقيضه، كان شرط جمال على إيمان. وليكن الحكم بينهما المنطق العقلي الصرف. وهو ما قبلته إيمان، والتزمت به، وتطورت علاقتهما بموجبه.<br><br>لذا حينما علّق إياد على هندام جدته، المتحرر في نظره، كان ردّ ناهد الموجّه إلى ابنتها، يُعبّر عن استياء ضمني لدى ناهد، بسبب تحول شخصية ابنتها، التي أصبحت أقرب للعقلية الدمشقية، المحافظة. وهو تحوّل تجلى في شخصيات الأولاد أيضاً، وعبّر عنه إياد بشكل جلّي. وكانت إيمان تدرك استياء أمها، وتتفهمه. لكنها لم تكن مستعدة لتغيير مسار حياتها الذي اشتقته مع زوجها، والذي باتت تؤمن بصوابيته، بصورة تفوق إيمانها السابق بصوابية نهج عائلتها التي ربّتها.<br><br>***<br><br>بعد تعليق إياد على هندام جدته، وردّها عليه، تبادل الجميع التعليقات، وقهقه جمال بانشراح بادٍ، والتفت إيهاب إليه ليقول: - يبدو أن إياد المرشح الأوفر حظاً لخلافة جمال باشا الدمشقي.<br><br>فقال جمال: - لا أعتقد ذلك.. إياد يفكر بالانتساب للمؤسسة العسكرية.<br><br>ووجّه نظراته إلى ولده، مع ابتسامة رضا بادية على مُحياه، وعقّب: - لديه ميول واضحة بهذا الاتجاه.<br><br>فانبرى وسام ساخراً: - عسكري أشقر، وبذقن حليقة.. لم أفهم وفق أي مدرسة عسكرية سينتظم في الجيش السوري.<br><br>قالت ناهد: - ما شاء الله.. وعي سياسي مبكر عند وسام.. لك إذا عمرك 11 سنة، وفهمان بهيك شغلات.. <br><br>والتفتت إلى إيمان، وتابعت: - لك أولادك شكلهم مؤهلين تماماً لقيادة المسيرة، شكلك عبتجهزيهم بجدارة.<br><br>ضحكت إيمان، وعقّبت في محاولة منها لإرضاء غرور أمها وسكب الماء على رماد استيائها الملحوظ: - يبدو أنها جينات أمي، وزوجي.<br><br>فانفردت أسارير وجه ناهد، وأطلقت ضحتكها المميزة بصوتها الرنان.<br><br>كانت ليلة عائلية دافئة، تستجلب التفاؤل. لكن جمال سرعان ما اضطر للانسحاب منها، حينما أعلمه أحد مساعديه بأن الضيف الذي ينتظره، قد وصل.<br><br>***<br><br>كان ضيف جمال الدمشقي، المُنتظر، هو شخصية أمنية وعسكرية، عراقية، فريدة. تتحدر من عائلة بغدادية عريقة، هي آل الكيلاني. انخرط منذ شبابه المُبكر في مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق. وكانت له صولات وجولات عديدة في أوساط جهادية وعشائرية وسياسية، في وسط العراق. ولاحقاً، في سوريا. <br><br>صافحه بحرارة. وبعد أن جلسا، طلب جمال من الخدم جلب القهوة المُرّة، التي يعشقها الضيف الفريد. ومن ثم، حدّق فيه بانشراحٍ بادٍ، وقال: - لولا ورعك، لقلت أنك صدام حسين جديد.<br><br>قهقه فايز الكيلاني. لم يكن هذا التوصيف الذي كرره جمال أكثر من مرة على مسامعه، يزعجه، فهو يُقدّر صدام حسين، ويعتقد أن الرجل المثير للجدل، كان شخصية فريدة، ظلمها التاريخ. وذلك لم يكن رأي جمال، في بعض النواحي، فـ جمال كان ينفُر من القسوة المبالغ بها، ومن استسهال القتل والتعذيب، بذريعة فرض الاستقرار.<br><br>لكن تشبيه جمال لـ فايز الكيلاني بـ صدام حسين، لم يكن يرتبط بتشابهٍ في بعض نواحي الشخصية، فقط، بل كان يتعلق بشبهٍ كبيرٍ جداً على صعيد الهيئة. فـ فايز الكيلاني يشبه صدام حسين، شكلاً، بصورة كبيرة جداً. إلى جانب الشبه الكبير بينهما، في بعض الصفات والسلوكيات.<br><br>إلا أن الأمر الوحيد الذي يُميز فايز الكيلاني، بشكل حاد، عن صدام حسين، هو خشية الأول الشديدة، من التورط فيما يغضب الله. كان توصيف جمال له، بـ "الورِع"، في مكانه. فذلك الوَرَع حدّ بصورة كبيرة من ميله للقسوة، وأساليبه الحدّية الحازمة في حل المشكلات.<br><br>***<br><br>بعد سلسلة من المجاملات، والتساؤلات المعتادة عن الأحوال، واستفسار جمال عن آخر التطورات على صعيد إدارة وسط العراق، بدأ جمال يخوض في لبّ الموضوع، الذي من أجله، استدعى فايز الكيلاني إلى دمشق، بشكل عاجل.<br><br>قال له: - يبدو أننا على أهبة مواجهة عسكرية مُرتقبة مع الإسرائيليين.<br><br>برقت عينا فايز السوداوتين، وظهرت ابتسامة طفيفة على شفتيه. لكنه بقي صامتاً، ينتظر من جمال المزيد من الإفصاح.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا أريد أن تتورطوا نهائياً بذلك. لا لبنان، ولا العراق، سيتورطان في تلك المواجهة. لكن أريدك أن تضع قواتك في حالة الاستعداد القصوى، خشية أي حركة غدر من إيران.<br><br>بعد وهلة صمت وتأمل، نطق فايز أخيراً، ليقول: - يمكن لنا أن نشكل سنداً عسكرياً نوعياً لكم في هذه المواجهة.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ستكون مواجهة موجزة ومحدودة. أنت تعلم رأيي في هذا الأمر. سبق أن تناقشنا كثيراً فيه. المواجهة الشاملة والنهائية مع إسرائيل، ما تزال مبكرة جداً. ما سيحدث مجرد ردّ عسكري قاسٍ، بغاية الردع المستقبلي، إلى أن نصبح جاهزين للحظة المُنتظرة.<br><br>صمت جمال برهلة، ثم عقّب: - المطلوب منكم فقط تأمين أنفسكم من أي خطوة إيرانية محتملة أثناء المواجهة مع إسرائيل، رغم أنني أستبعد ذلك تماماً.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. فهمت عليك. نحن جاهزون تماماً لذلك. بكل الأحوال، نحن في حالة حذر وتيقظ دائم حيال أي حركة غدر إيرانية، تأتي من الحدود معهم شرقاً، أو من الجنوب، من جانب أتباعهم. أنت تعلم، لا مأمن لهم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. لكن أعتقد أنهم أذكى بكثير من أن يزامنوا أي تحرك لهم، مع مواجهة إسرائيلية معنا. إلى جانب أن اتفاق النسيج شكّل تثبيطاً كبيراً لقدرات المتطرفين منهم على التأثير في صنع القرار بطهران.. لكن، دون شك، يجب أن تكونوا متيقظين.. أمن بغداد، من أمن دمشق.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا تخشى شيئاً.. الأمور ستكون على أفضل ما يرام، بإذن الله.<br><br>***<br><br>عام 2004، كان فايز الكيلاني في السابعة عشر من عمره فقط، حينما انخرط مع مجموعة مقاومة عراقية استهدفت الجنود الأمريكيين، في أطراف العاصمة بغداد.<br><br>ترك المدرسة، رغم تفوقه الدراسي الملحوظ، خاصة على صعيد اللغة. إذ كان يحفظ الشعر ويتقن إلقاءه، بصورة فريدة، وكان يتمتع بذاكرة حديدية. لكنه كان حينها شاباً ينبض حيوية، ويتمتع بقوة جسدية ملحوظة، يحرص على تنميتها عبر التدريبات الرياضية الشاقة. وكان صدام حسين، بالنسبة له، مثلاً أعلى، مأخذه الوحيد عليه، أن سمح للمال الفاسد أن يتغلغل في أوساط نخبته.<br><br>كان فايز، المتدين السُني، يشعر بأن الاحتلال الأمريكي يتوافق مع الهوى الإيراني – العراقي الشيعي، الذي يستهدف قصم ظهر سُنة العراق. ومع تفاقم حوادث استهداف الميليشيات الشيعية لسُنة بغداد، سيطر الفكر المتطرف على عقلية فايز، وتحوّلت قناعاته نحو أولوية طرد الاحتلال الأمريكي، ومقاتلة الميليشيات الشيعية، التي تستهدف تنفيذ أجندات إيرانية في العراق.<br><br>في البداية، انخرط مع مجموعات المقاومة العراقية التي استهدفت الاحتلال الأمريكي تحديداً. وتدريجياً، سيطر الخط الجهادي على بعض تلك المجموعات، وانجر فايز نحو هذا الخط، فانضم إلى تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين". لكن توسع ذلك التنظيم في سفك الدماء، واستسهال استخدامه لفقه "التترس"، جعل فايز يدخل في مراجعات داخلية عديدة.<br><br>خلال انخراطه في نشاطاته القتالية مع المجموعة الجهادية المذكورة، حرص فايز على تثقيف نفسه دينياً. وبنى على ثقافته الواسعة التي امتلكها في المرحلة الثانوية، قبل تركه للدراسة، والتي كان خلالها يقرأ بنهم، كل ما يقع بين يديه من كتب في اللغة أو في الدين.<br><br>وتدريجياً، تفاقمت شكوك فايز في عبثية استراتيجية فرع القاعدة في العراق، الذي حمل لاحقاً اسم "دولة العراق الإسلامية". وعلى وقع تأجج الخلافات بين فصائل المقاومة العراقية، بين شقها القاعدي ممثلاً بـ "دولة العراق الإسلامية" من جهة، وبين شقها الآخر من الفصائل الإسلامية الأخرى، كالأخوان المسلمين، والعشائرية، كعشائر الأنبار، من جهة أخرى.. مال فايز للفريق الأخير، وانشق عن "دولة العراق الإسلامية"، والتحق بإحدى الفصائل الأخوانية المسلحة. <br><br>لكن بعد أن انخرط جزء كبير من تلك الفصائل في مشروع الصحوات، الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، انفك فايز عن الفصيل المُنتمي إليه، ورفض الانخراط في حرب ضد "دولة العراق الإسلامية"، بدلاً من استهداف الأمريكيين. وعاد مُتخفياً إلى بغداد، حيث أقنعه والده بمغادرة البلاد، إلى تركيا. واستطاع الأب تدبير طريق لتهريب ابنه إلى تركيا، حيث عمل هناك مع أحد معارف والده من المستثمرين العراقيين الذين هاجروا منذ مطلع التسعينات.<br><br>في تركيا، عمل فايز بجد، لكن وجدانه بقي متعلقاً بالعراق، وألم حاد يعتصر قلبه على ما آلت إليه مسيرة "الجهاد" في بلده، والتي انقلبت إلى حرب بين الفصائل المقاومة للاحتلال الأمريكي، قضت على مسيرة "الجهاد" تماماً، وأفنتها.<br><br>وحينما اندلعت الثورة في سوريا، وظهر تنظيم "جبهة النصرة" إلى الواجهة، كفرع للقاعدة هناك، سرعان ما التحق فايز به، تاركاً كل ما أنجزه من نجاحات مهنية في تركيا. عاد فايز إلى الساحة التي يعشقها، والتي كان يأمل أن يلقى حتفه فيها، يوماً ما. لكن ذلك لم يحدث. وتكررت سيرة "الجهاد" في العراق، مرة أخرى في سوريا، مع رتوش مختلفة قليلاً. الأمر الذي أدخل فايز في مخاضٍ نفسي أليم، هز قناعاته حتى بجذور الإيمان الذي يملأ قلبه. وبدأ يراجع مدى صدقية النص القرآني ذاته، بعد أن ران على قلبه الشك.<br><br>&nbsp;بعيد سيطرة "داعش" على دمشق، ومعظم التراب السوري، كان فايز الكيلاني أحد المُلتحقين بثُلة من قادة المعارضة السورية، من الذين احتُجزوا في معسكر مخصص لهم أنشأته تركيا. وهناك، خاص فايز مراجعات ذاتية معمّقة، انخرط خلالها في نقاشات دقيقة، مع الشيخ أسامة عز الدين، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز منظري التيار السلفي، بعد مراجعات أجراها هو الآخر في ذات المعسكر، حيث اجتمعا.<br><br>كان فايز يعرف أسامة جيداً، فهما زملاء بندقية في صفوف "النُصرة"، ولاحقاً، "فتح الشام". ولأنه كان يعرفه جيداً، كان يثق بتقواه، إلى حدٍ كبير، فلجأ فايز إلى أسامة كي يُنجده من شكوكه المتفاقمة، التي طالت أسس الشريعة التي قاتل تحت رايتها أكثر من عقدٍ ونصف من الزمان، وإن بشكل متقطع.<br><br>وفي نقاشاتهما، التي احترف فيها فايز البحث المنهجي في النص القرآني، ومن ثم في الموروث الفقهي المتعلق به، أفضى الرجل إلى راحة نفسية كبيرة، واستقرار وجداني، يوافقه قناعة عقلية مُطلقة، بصدقِية النص القرآني، باعتباره، كلام الخالق.<br><br>لكن فايز، افترق عن أسامة في خلاصة خطيرة، خلص إليها الأول، بعد سنوات من البحث المنهجي، وهي أن الموروث الفقهي المتعلق بتفسير القرآن، والمُعتمد بشكل شبه كلي على الأحاديث النبوية والسيرة، يتطلب مراجعة شاملة.<br><br>بدأ فايز يشكك بصوابية الأحاديث النبوية، وخلص في نهاية المطاف، إلى اتباع منهج قريب من القرآنيين، إذ اعتمد القرآن كمصدر وحيد للتشريع، ورفض اعتماد روايات الأحاديث الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في أي شأن تشريعي، بصورة مطلقة. وهي خلاصة عجز الشيخ أسامة عز الدين، عن حرف فايز عنها. إذ لم يستطع أسامة، المتفقه العتيد حينها، إقناع فايز بأن مشكلات "الجهاد" وتجاربه الفاشلة العديدة، تتعلق بإشكاليات التطبيق، ونفاذ حبّ السلطة والأمارة إلى نفوس الكثير من المجاهدين. <br><br>كان فايز يعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فهو يتعلق بجانب واسع منه، بالبنية الفكرية التي يقوم عليها مصطلح "الجهاد" المعاصر. وهي بنية تتطلب مراجعة شاملة، لأن مصادرها المرتبطة بالحديث النبوي، لا تتمتع بالقطعية اللازمة في صدقيتها.<br><br>بكل الأحوال. لم يذهب فايز بعيداً في الترويج لقناعاته، وحصرها بذاته، وبمن يناقشه بصددها، لا أكثر. كان يخشى أن يتورط في ابتداع "بدعة"، يثبت ضلالها، فيحمل ذنب من يتبعها. لذا، انزوى فايز الكيلاني بعيداً عن عالم الجدل والنقاش في أوساط الجهاديين، الذي توسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في موجة مراجعات هي الأكبر في تاريخ السلفية الجهادية المعاصرة، حتى ذلك الوقت.<br><br>&nbsp;كان فايز يشعر بتأنيب ضمير كبير، ويُحمّل نفسه، وأقرانه من الجهاديين، مسؤولية الفشل الذريع الذي حل في العراق وسوريا، وقبلهما، في أفغانستان.<br><br>لذا، وجد فايز سلواه في الابتعاد عن كل ما يتعلق بذلك الحيز المؤلم من حياته. لكن، حينما عرض جمال الدمشقي على الشيخ أسامة عز الدين قيادة المراجعات المتعلقة بالسلفية الجهادية، بصورة ممنهجة، مدعومة منه، بما يتيح ترجمتها على أرض الواقع، عبر دحر "داعش"، واستعادة سوريا منها.. وبعد أن تطور ذلك المشروع، وباتت له جوانب ميدانية وقتالية معقدة.. استدعى الشيخ أسامة، فايز الكيلاني، وقال له: "أختلف معك تماماً في قناعاتك الراهنة، لكنني أثق بتقواك وورعك، لذا أريدك معنا في مشروع لإعادة الضياء للجهاد، من جديد".<br><br>في البداية، رفض فايز بشدة، وقال للشيخ أسامة: "ألم تكتفوا.. لقد حولتم دولاً إلى رماد، في العراق وسوريا، وبدلاً من أن تنصروا المظلومين فيها، نكلتم بهم، ومهدتم الطريق لتدمير ما تبقى من عالمهم المتهاوي".<br><br>كانت ردة فعله عنيفة في البداية. لكن محاولات الشيخ أسامة لم تتوقف. كان فايز الكيلاني قد اكتسب خلال أكثر من عقدٍ ونصف، من تجاربه القتالية مع القاعدة، في سوريا والعراق، خبرات ميدانية وتنظيمية عالية، كان مشهوداً لها لدى مختلف الفاعلين في تلك الأوساط. فإلى جانب، استبساله القتالي، كان فايز يملك عقلية عسكرية وتنظيمية ميدانية، فذّة، بدت للجميع، وكأنها فطرية. موهبة إلهية خُصصت له. فكان مسؤولاً عن عدد كبير من نجاحات الجهاديين، خاصة في مرحلة انخراطه معهم، في سوريا.<br><br>عاد الشيخ أسامة للتواصل مع فايز، وأوضح له أن مشروعه هذه المرة، مختلف عن كل مرة، فهو سيقوم على شراكة مع شخصية أقرب للعلمانية، حسب وصف الشيخ أسامة، وفهمه، لشخصية جمال الدمشقي. <br><br>قال له الشيخ أسامة: "لن ندّعي هذه المرة، امتلاك الحق المطلق، ولن نسعى لإنشاء خلافة أو إمارة إسلامية، قروسطية، تجلب العداء الدولي والبلاء على المسلمين. بل سنشارك في مشروع لشخصية حضارية، يغلب عليها الطابع العلماني، فسنكون القاعدة التحتية له، وهو الواجهة لنا، أمام العالم، فنحقق حلم السابقين منا، بدولة إسلامية، لكن بغطاء حضاري، يتم تقبلها على المستوى الدولي، وفي نفس الوقت، يمكن لنا عبر غطاء هذه الدولة، تأسيس قوة، وإعداد عُدة مناسبة لحرب حاسمة، ونهائية، مع الكيان الصهيوني، والغرب الداعم له".<br><br>كان ذلك تصور الشيخ أسامة لجانبه من التحالف مع جمال الدمشقي، حينها. وقد تقبّل فايز ذلك التصور سريعاً، ليس لقناعةٍ بالتصور ذاته، بل لقناعة بشخصية القائد له، وهو جمال الدمشقي، الذي كان يحظى بإعجاب كبير لدى فايز. فهو ليس ثرياً، محنكاً في عالم الأعمال فقط. بل هو أكثر من ذلك. هو مشروع قائد عروبي فذّ، حسب قراءة فايز حينها.<br><br>وانخرط فايز في مشروع جمال. وقابله لأول مرة عام 2028. توافق الرجلان، وكلفه جمال بقيادة الجانب الميداني التنظيمي لعملية اختراق "داعش"، وصولاً إلى قلب الكفة على قيادته، واستعادة سوريا، على أقل تقدير.<br><br>وفي معركة تحرير دمشق، كان فايز الكيلاني في طليعة المقاتلين الذين اقتحموا المدينة. يومها كان الأمل يملؤه من جديد، بعد عقدٍ من القنوط. وكانت عيناه على بغداد، التي لم ينتظر طويلاً كي يطأ أرضها من جديد، مُحرّراً هذه المرّة، لا مقاوماً متخفياً.<br><br>***<br><br>بعيد اتفاق ويلز الشهير، ونجاح جمال الدمشقي في تجنب مواجهة مع حزب الله، كان الغرب والإسرائيليون يحرّضون عليها بشدة.. وبعد أن بسط سيطرته شبه المطلقة، على لبنان، عبر التكتل السياسي الذي يقوده شقيق زوجته، إيهاب الصلح. طلب الأمريكيون، وأطراف أوروبية أيضاً، من جمال، أن يتحرك للقضاء على فلول "داعش"، في الأردن والعراق.<br><br>بعد اندحار الدواعش من سوريا، بقيت سيطرتهم قائمة في شمال الأردن، وفي وسط العراق. وكان مقاتلو جيش جمال قد توقفوا عن ملاحقة مقاتلي "داعش"، عند حدود سوريا المعروفة، وفق اتفاق سايكس بيكو، الشهير.<br><br>وافق جمال من حيث المبدأ، لكنه طلب المقابل. وبدأت سلسلة مفاوضات سرّية حول ثمن مشاركة جمال في دحر الدواعش من شمال الأردن تحديداً. وكُللت تلك المفاوضات باتفاق سرّي قضى بموافقة الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين، على تسليح الجيش السوري الوليد، الذي هو بالأساس، جيش جمال من المقاتلين الذين جمعهم ودربهم ونظمهم في لبنان.<br><br>التسليح كان يشمل الأسلحة الثقيلة تحديداً. الدبابات والمركبات والسفن العسكرية، والطائرات المتطورة، وفق عقود شراء ميسّرة. ورغم اعتراضات إسرائيل على ذلك القرار الغربي، إلا أن النخب الغربية لم تتوان عن تنفيذه. ذلك أنها كانت على قناعة مطلقة بأن جمال لا يستطيع الاستفادة من تلك المقدرات العسكرية كثيراً، في مواجهة مع إسرائيل. ذلك أن الأخيرة تمتلك أجيالاً أحدث من الأسلحة التي حصل عليها جمال. أجيالاً لم تُتح في أسواق المتاجرة بالسلاح، قبل ذلك.<br><br>كانت نخبة الغرب سعيدة جداً باتفاقها مع جمال، فهو أفاد شركات السلاح لديها، وفي نفس الوقت، لم تكن تستشعر أي خطرٍ جراءه. لم يكن الغرب يعلم أن جمال امتلك مخطوطات بخصوص تركيب وعمل تلك الآليات، وآليات أخرى أكثر تطوراً منها، اشتراها بمبالغ طائلة، عبر اختراقاته المتعددة لأجهزة مخابرات وشركات تسليح غربية. ولم تكن تلك النخب مقتنعة بما كان الإسرائيليون يؤكدونه، مراراً، بأن جمال يدير مشروع تصنيع عسكري متقدم للغاية، وأن نسخ السلاح المقدمة له، ستخدم مشروعه ذاك، بصورة غير مسبوقة.<br><br>ولأن نخب الغرب كانت مطمئنة، وافقت على طلب جمال بابتعاث مقاتلين من جيشه، للتدرب على أحدث أنواع الأسلحة في دول غربية، بينها الولايات المتحدة الأمريكية. رأت نخب الغرب في ذلك، خطوة مناسبة لاختراق المؤسسة العسكرية التي أنشأها جمال، عبر تجنيد، أو استمالة، قيادات عسكرية فيها، من المتدربين لديهم. لم يكن الغرب يعلم أن هناك جهازاً أمنياً محترفاً، يتابع حتى تنفسات تلك القيادات، في الغرب، عبر أجهزة اتصالات متطورة، متفوقة على تلك المتواجدة لدى الغرب حينها.<br><br>وبذلك، حقق جمال نقلة نوعية في مشروعه التسليحي، بشقيه، البحثي والتصنيعي، وكذلك، في شقه التدريبي، عبر إيفاد مقاتلين وقيادات، يثق بهم، ومراقبين بدقة، للتدرب في المنشآت العسكرية الغربية. وكانت إسرائيل على حق في تخوفاتها.<br><br>ونفّذ جمال، الشق الخاص به من الاتفاق. وعبر تنسيق عالي المستوى، مع الجيش الأردني، وبغطاء جوي أمريكي، شارك فيه البريطانيون، تمكن مقاتلو جيش جمال من دحر "داعش" في أقل من ثلاثة أشهر، من شمال الأردن، وتركوا لمقاتلي التنظيم ممراً برياً عبر الصحراء، إلى العراق. وبدأ الغرب يفاوض جمال للإجهاز على ما تبقى من "داعش"، في وسط العراق، هذه المرة.<br><br>كانت خشية ورغبة، تحث النخب الغربية على إقناع جمال بخوض غمار المعركة الأخيرة مع "داعش"، في العراق. أما الخشية، فكانت من أن "داعش"، الذي خسر معظم أراضيه، وانتكس ليُحشر في وسط العراق فقط، قد يعاود استراتيجيته القديمة، القائمة على استهداف العمق الغربي، بعمليات إرهابية، كوسيلة لتعويض حالة الانتكاس التي وصل إليها. لذلك كان الغرب يريد القضاء على "داعش"، سريعاً، وبشكل نهائي.<br><br>أما الرغبة، فكانت أن يخوض جمال حرب استنزاف قاسية في وسط العراق، حيث سيكون "داعش"، أكثر شراسة من أي مرة سابقة، لأنه لم يعد لديه مهرب آخر، وهزيمته أمام مقاتلي جمال هذه المرة، ستعني الفناء. وفي حال فوز جمال في معركة القضاء على "داعش"، كان الغرب يراهن على أن يخوض الرجل حرب استنزاف مع الإيرانيين، هذه المرة، الذين لن يقبلوا بسيطرة رجل قوي على مناطق متاخمة لأراضيهم. <br><br>كانت تلك الرغبة تدعمها إسرائيل، التي كانت تترقب اللحظة التي سيتم فيها استنزاف جمال. كانت تتوق كي ترى مشروع الرجل، الذي تعده خطيراً، يتهاوى على وقع مغامرات واندفاعات، خاطئة، حسب تقدير الإسرائيليين.<br><br>وكان جمال يدرك ما يفكر به الغرب والإسرائيليون جيداً، لكنه كان يراهن على اختراقه عالي المستوى لـ "داعش"، الذي لم يكن الغرب يفهم سرّه بعد. إذ لم يكونوا يعلمون شيئاً عن القدرات العلمية النوعية التي يملكها جمال على صعيد الاتصالات والأقمار الصناعية الصغيرة التي تبث له معطيات ميدانية، وتتجسس لصالحه على تحركات واتصالات كل الأشخاص والقيادات الذين يستهدفهم، في أوساط نخبة "داعش".<br><br>وكان جمال أيضاً يراهن على أمرٍ آخر، وهو بضعة آلاف من المقاتلين العراقيين الأشداء، الذين كان فايز الكيلاني، في ذلك الحين، يستكمل المراحل الأخيرة من تدريبهم وإعدادهم لمعركة السيطرة على وسط العراق.<br><br>واشترط جمال على الغرب الإقرار له بوسط العراق، الذي سينتزعه من "داعش". وأن يدعمه جوياً في أي مواجهة مع الإيرانيين. فوافق الغرب، مقرّاً بالأولى، ومبطناً نية الغدر في الثانية.<br><br>***<br><br>في مطلع صيف العام 2035، كان مئات آلاف العراقيين الفارين من وسط العراق، يعيشون في مناطق من شمال سوريا، وشرقها. عشرات الآلاف منهم، مقاتلون وقيادات في صفوف "داعش"، انشقوا عن الأخير، بعد انتكاساته في سوريا والأردن. كانت تلك المجموعة البشرية هي الأساس الذي سيبني عليه، فايز الكيلاني، بتمويل ودعم وتوجيه جمال الدمشقي، قوة عسكرية عراقية محترفة، تتولى عملية تحرير وسط العراق من ربقة تنظيم "داعش".<br><br>وبحسّه الأمني العالي، كان فايز الكيلاني يُدرك أن مئات من أولئك المنشقين عن "داعش"، هم بالحقيقة عملاء لقيادة التنظيم، ابتعثهم الأخير بغاية اختراق جيش جمال العراقي، المُزمع إنشاؤه، وإجهاض تجربته، في اللحظة المناسبة.<br><br>وحالما أعلن فايز الكيلاني، بدعم من جمال، فتح باب التطوع لأي عراقي يريد الالتحاق بالقوة العسكرية المزمع إنشاؤها، انتسب إليها الآلاف. وبدأ فايز الكيلاني عملية "غربلة" للتخلص من عملاء "داعش" المُحتملين.<br><br>بدايةً، أعلن فايز لجميع المنتسبين أن كل من تثبت صلاته بقيادة "داعش"، وعمالته له، سيكون مصيره الإعدام. ومن ثم، أعلن فتحه الحدود مع العراق أمام أي منتسب يريد التراجع والعودة إلى أحضان "داعش"، قبل أن تبدأ عملية التحقيق في خلفيات كل منتسب وفي غاياته وصلاته.<br><br>لم ينسحب أحد إلى العراق. كان من بين المنتسبين للتنظيم العسكري الذي أنشأه فايز، مئات من قادة "داعش" الميدانيين، الذين أكدوا بأن صبرهم قد نفذ من عبثية القيادة العليا لـ "داعش"، وأن قناعتهم بإخلاص تلك القيادة قد تحولت إلى النقيض، وأنهم وصلوا إلى قناعة بأن قيادة "داعش"، مجرد رجال متحجري القلب، يرومون الجاه والحكم، ويتذرعون بستار الدين، وأن التخلص منهم، واجب كل من يريد تبرئة الإسلام من أخطر تهمة أُلصقت به في التاريخ المعاصر.<br><br>لكن فايز الكيلاني لم يكن يبني مواقفه على إدعاءات أحد. تظاهر بالاقتناع، وفي الخفاء، عمل جهاز أمني محترف على دسّ أجهزة تنصت في أوساط القيادات المشكوك بها. وبعد ثلاثة أشهر فقط، أعلن فايز الكيلاني مرة أخرى عن فتح الباب أمام من يريد العودة إلى حضن "داعش"، مؤكداً هذه المرة، أن لديه قائمة بأسماء مئات الأشخاص المرتبطين بقيادة التنظيم سرّاً، والذين يعملون لصالحه، بغاية اختراق الجيش العراقي الجديد.<br><br>وتعهد فايز بالأمن والأمان لكل من يكشف عن غايته الحقيقية، وبأنه سيتيح له مغادرة سوريا إلى العراق، وقال لهم واضعاً يده على شاربيه: "لكم مني وعد بشرفي". فتردد عشرات، وكشفوا عن تورطهم في نشاطات "داعش" الهادفة لاختراق الفرقة العسكرية المزمع تأسيسها، بالفعل. وأتاح لهم فايز، بالفعل، أيضاً، مغادرة سوريا، عائدين إلى العراق. ودعا من جديد، من ما يزال يظن أنه في مأمن، وأنه لم يُكشف، من العملاء للتنظيم، بأن تلك هي فرصته الأخيرة، لمغادرة سوريا. وهذه المرة، خرج بضعة أشخاص فقط. وبعد أن غادروا. ألقى الجهاز الأمني الخاص بالفرقة العسكرية، القبض على عشرات القيادات والمقاتلين، ودامت المحاكمات العلنية عدة أيام، أُذيعت خلالها تسجيلات، وكُشفت وثائق، تثبت عمالتهم للتنظيم، وأُعدموا، في نهاية المطاف، ميدانياً، على مرأى من آلاف المنتسبين للفرقة العسكرية.<br><br>وبعيد ذلك، فتح فايز الباب، للمرة الأخيرة، أمام من يريد المغادرة، مؤكداً أن كل من يثبت تعامله مع تنظيم "داعش"، مستقبلاً، سيتم إعدامه بنفس الطريقة. وغادر بضع عشرات آخرين.<br><br>وبعد تلك الخضة الأمنية الشديدة، اطمئن فايز إلى أن ثلة المقاتلين الذين بين يديه، ليسوا عملاء لـ "داعش"، وأنه يستطيع الآن بدء العمل الحقيقي، في تدريبهم وتنظيمهم، استعداداً للحظة الموعودة. لكن عمليات المراقبة والتنصت لم تتوقف، في حق كل من تواردت الشكوك فيه، في أوساط الجهاز الأمني. ولاحقاً، أسس فايز، من مقاتلين يتمتعون بخبرات أمنية سابقة، جهازاً أمنياً آخر، سرياً، كانت مهمته التنصت ومراقبة الجهاز الأمني الأول، العلني. <br><br>وخلال سنة من تدريب 20 ألف مقاتل عراقي، معظمهم من المنشقين عن "داعش"، كُشف عن العشرات من العملاء للتنظيم، وأُعدموا في محاكمات ميدانية، على مرأى من باقي المقاتلين. وأحكم فايز الكيلاني قبضته الأمنية على مؤسسته العسكرية، التي أصبحت مطلع صيف العام 2036، جاهزة للقيام بمهمتها المنتظرة.<br><br>وكانت المفاجأة كبيرة، إذ سرعان ما اندحر التنظيم أمام مقاتلي الجيش العراقي الذي أسسه فايز الكيلاني. واجتاح ذلك الجيش، سريعاً، معظم مساحات، الأنبار ونينوى، واقترب من بغداد. وانحصر من لم يفرّ أو ينشق من مقاتلي التنظيم، في بقع جغرافية معزولة، خاض الجيش العراقي المتقدم، ضدها، حروباً شرسة، أفنت أبرز قيادات التنظيم، وأشرس مقاتليه. وسلّمت قيادات أخرى، نفسها للجيش المتقدم. وحالما شعرت قيادة التنظيم في بغداد أنها في طريقها للاندحار الكامل، تواصلت سريعاً مع الإيرانيين، وعرضت عليهم تسليمهم بغداد، مقابل تأمين ملجأ آمن لتلك القيادة. ووافق الإيرانيون على تلك الصفقة، على أن يتولى تنفيذها مقاتلو الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، والذين كانوا يومها يحتشدون شمال النجف وكربلاء، باستعداد إعلان ساعة الصفر، للتقدم صوب بغداد.<br><br>لكن الخطة كانت مكشوفة بشكل مبكر من جانب استخبارات الجيش العراقي الذي يقوده فايز الكيلاني. وتقدمت فرق من ذلك الجيش، لتطويق بغداد من الجنوب، وقطع طريق الدخول على تلك الميليشيات. كما تقدمت فرق أخرى لتطويق بغداد من الشمال ومن الشرق، وتركت منفذاً صغيراً لما بقي من قيادات داعش للفرار باتجاه إيران، كي لا يقاوموا داخل المدينة، بشراسة أكبر.<br><br>وبالفعل، دخل فايز الكيلاني منتصراً مؤزراً بفرحة أهالي المدينة، ووطأت أقدامه مسقط رأسه، بعد أن أكثر من&nbsp; ثلاثة عقود من الفراق. وفيما كان الكيلاني يجوب شوارع بغداد، وقواته تمشط أحيائها بحثاً عن خلايا متبقية لـ "داعش"، كانت قوات من الحرس الثوري الإيراني تجتاز الحدود وتتقدم نحو العاصمة العراقية، من الشرق.<br><br>طلب جمال الدمشقي، مؤازرة الطيران الأمريكي، الذي تدخل بالفعل، ووجه ضربات للمقاتلين الإيرانيين المتقدمين، لكنها كانت ضربات محدودة، وغير نوعية، أوضحت بجلاء أن الأمريكيين سعداء بتلك المواجهة المنتظرة بين الإيرانيين ومقاتلي جمال. وكان جمال يتوقع ذلك، وكان فايز الكيلاني على استعداد لتلك المواجهة الشرسة.<br><br>وبالفعل، خاض مقاتلو الجيش العراقي، بقيادة فايز الكيلاني، حرباً شعواء، مع المقاتلين الإيرانيين، الذين كانوا، بالفعل، أشداء، واستبسلوا في القتال، لكن قدرة جيش الكيلاني على اختراق اتصالاتهم، والتشويش عليها، بل، واستخدام موجاتها لإيقاع بعض المقاتلين الإيرانيين، ببعضهم الآخر، وجرّ بعضهم إلى كمائن معدة مسبقاً.. أدت في نهاية المطاف إلى مقتلة كبرى لطليعة القوات الإيرانية التي دخلت الأراضي العراقية.<br><br>ودامت المواجهات الدامية مع الإيرانيين حتى مطلع صيف العام 2037. وكانت الأشد. كانت أكبر التحديات التي واجهت جمال. ذلك أن الجهد وعدد المقاتلين الذين بُذلوا في استعادة كامل سوريا، وكذلك، شمال الأردن، ووسط العراق، من "داعش"، كان لا يتجاوز عُشر ما بُذل من جهود ومقاتلين، سقطوا على تراب العراق، دفاعاً عنه ضد الغزوة الإيرانية الشرسة.<br><br>لكن، كانت الكفة تميل بشكل واضح لصالح مقاتلي الجيش العراقي، بقيادة فايز الكيلاني، والذي دُعّم بآلاف المقاتلين السوريين، الذين أرسلهم جمال، وبتمويلٍ بالذخيرة والسلاح والمعدات المطلوبة، لم يهدأ، عبر العمق اللوجستي في سوريا.<br><br>وقبيل خريف العام 2037، انهارت معظم الجبهات الإيرانية، المقابلة لوسط العراق، واجتاح المقاتلون العراقيون، وأقرانهم السوريون، الأراضي الإيرانية، وسيطروا على شريط حدودي داخل الأراضي الإيرانية، بعمق يتجاوز الـ 200 كلم، وبطول يتجاوز الـ 300 كلم. كان الإيرانيون يندحرون بصورة متسارعة. انهارت معنوياتهم. وتعرضت طائراتهم للتشويش من رادارات خاصة ألحقها جمال بقوات الجيش العراقي، بصورة جعلت جدواها صفراً. وخاض العراقيون حرب شوارع في مدن وبلدات حدودية إيرانية. وفي مطلع تشرين الأول، بدأت المؤشرات كلها تدلل على أن الجيش الإيراني، والميليشيات النظامية المُلحقة به، تكاد تنهار كليةً. وأعلمت قيادات تلك القوات، مرشد الجمهورية الإيرانية، أن الانهيار بات قاب قوسين أو أدنى، وأن ذلك قد يعني فتح الطريق أمام المقاتلين العراقيين والسوريين، باتجاه العاصمة الإيرانية طهران.<br><br>وفي محاولة أخيرة، تمكن الإيرانيون من إرغام حلفائهم من شيعة العراق، جنوب البلاد، على القيام بعمل عسكري يشغل الجيش العراقي الذي يقوده فايز الكيلاني، بعد أن تلكأ حلفاء إيران كثيراً، خشية التعرض لمقتلة كبرى، بعد أن رأوا اندحار الإيرانيين المُريع أمام مقاتلي الكيلاني والدمشقي.<br><br>وبالفعل، تقدمت ميليشيات شيعية عراقية، قُدرت بالآلاف، صوب بغداد. وتحقق ما كانت تخشاه قيادات تلك الميليشيات، إذ تعرضت لمقتلة كبرى، في كمائن كانت قد أُعدت خصيصاً لهم، جنوب العاصمة العراقية.<br><br>وبعد تلك الانتكاسة الأخيرة، توسلت طهران وسطاء خليجيين، كي يفتحوا للإيرانيين قنوات تواصل مع جمال الدمشقي. واستجاب الأخير. وبدأت سلسلة مفاوضات، تلكأ فيها جمال كثيراً، فيما كان مقاتلو الجيش العراقي، يتقدمون بثبات، في العمق الإيراني.<br><br>بدأت جولة المحادثات الأولى في عُمان. ومن ثم، أتبعتها جولة أخرى في دبي. لتكون الأخيرة في اسطنبول، برعاية تركية. حيث اتفق جمال، أخيراً، مع الإيرانيين، على جملة بنود، أبرزها، إقرار إيران بوسط العراق، له، وعدم التعدي عليه، مطلقاً، لا بصورة مباشرة، ولا عبر وكلاء. مقابل انسحاب مقاتليه العراقيين والسوريين من إيران، وضمان أمن الحدود المتبادل.<br><br>اشترط الإيرانيون عدم التعدي على الكانتون الشيعي، جنوب العراق، فوافق جمال، على مضض، إذ لم يكن يرى الوقت مناسباً الآن لخوض غمار معركة شرسة أخرى في الجنوب العراقي. كان جمال متلهفاً لوقف الحرب، سريعاً. وكان يترقب اللحظة التي يستطيع من خلالها تأمين وسط العراق، والبدء بإعماره، تاركاً ملف جنوب العراق، للمستقبل، ومراهناً على الحنق الشعبي، في أوساط الشيعة، من قياداتهم الموالية لإيران، والذين أرهقوا الناس فساداً، أورثهم فقراً مُدقعاً، رغم الثروات النفطية الهائلة القابعة في مناطقهم.<br><br>وطوال هذه المعمعة، وقف أكراد الإقليم العراقي على الحياد، يترقبون بقلق مجريات المعارك. وحينما وضعت الحرب أوزارها، أعلم جمال قيادة أكراد العراق، في أربيل، برغبته في التعاون معهم، مشيراً إلى أنه لا ينوي، مطلقاً، التقدم نحو مناطقهم، وأنه يريد البحث عن القواسم المصلحية المشتركة. الأمر الذي استجابت له قيادة الأكراد في العراق، بارتياح كبير.<br><br>وهكذا، خضع وسط العراق لسيطرة جمال الدمشقي، الذي أوكل إدارته لـ فايز الكيلاني، ودعمه بكل الإمكانيات المالية واللوجستية والأمنية والعسكرية، المطلوبة. وبدوره، أدار فايز الكيلاني عملية سياسية، بقي خلالها وراء الكواليس، على غرار ما قام به جمال الدمشقي، في دمشق. وصدّر الكيلاني قيادات سياسية وتكنوقراط، عراقيين كفوئين، ليكونوا على واجهة المسرح السياسي والمؤسساتي العراقي. وبدأت عملية إعادة إعمار لوسط العراق، وإعادة بناء لمؤسسات دولته المندثرة، بتمويل ودعم سخي من جمال الدمشقي.<br><br>وبعد انتهاء الحرب مع إيران، بسنتين، أتم جمال الدمشقي اتفاق النسيج العالمي، الذي أشرك فيه الإيرانيين، في مفاجأة أثارت استغراب معظم المراقبين، واستياء بعض أتباعه. كان جمال يريد اتقاء حقد الإيرانيين، عبر شراكة اقتصادية، تُفيد في تطوير اقتصاد بلادهم. كان جمال يريد تحييد أية مخاطر آنية، كي يتفرغ لمشروعه، الذي كان رهانه الرئيس فيه، هو تحقيق نهضة اقتصادية وعمرانية وعلمية كبرى في الحواضر التي يحكمها. بالتزامن مع إنجاز مشروعه التسليحي المأمول، الذي ينتظر جمال ثماره على أحرّ من الجمر، فهو سيكون العُدة المأمولة لمواجهة الإسرائيلي، الذي كان جمال يثق، ثقة مطلقة، بأن الصراع معه، صراع وجود، لا صراع حدود.<br><br>وبالفعل، انخرطت إيران في اتفاق النسيج العالمي، وأفادت منه بإيرادات تجاوزت الـ 100 مليار دولار، واتجهت بحماس نحو تطبيع العلاقات مع جمال الدمشقي، بعد أن اقتنع قادتها، بأن لا بديل عن تقبّل وجود كيان عربي سُني قوي، بجوار بلدهم، وأن الأمثل، تطبيع العلاقات مع ذلك الكيان، بدلاً من الصراع معه، بصورة تؤدي إلى استنزاف الطرفين، عبثاً.<br><br>وبقيت الحدود قائمة بين العراق وسوريا، كما بقيت بين لبنان وسوريا. لكن، كان الجميع يعلم بأن المساحة الجغرافية الممتدة، من بغداد، عبر دمشق، وصولاً إلى بيروت، هي وحدة سياسية واحدة، في العمق، وإن تعددت حكوماتها، في العواصم الثلاثة. وحدة سياسية واحدة، تخضع لسيطرة جمال الدمشقي، ووكلائه، حصراً.<br><br>حقيقة أقرّ بها الإيرانيون على مضض شديد، كما أقر بها حزب الله في لبنان، بعد أن فقد معظم حاضنته الشعبية، وذراعه العسكري. كما أقرت بها، الدول الإقليمية الفاعلة، التي كانت في معظمها، ترى في جمال الدمشقي، حليفاً استراتيجياً، وفي مقدمتها تركيا، ومعظم الدول الخليجية.<br><br>كما أقرّ الغرب بتلك الحقيقة، ونظر إلى جمال نظرة إعجاب، لمقدراته، وحنكته، ولبراغماتيته العالية، واستعداده للتواصل والمساومة، وانفتاحه على الغرب، وحتى على الشرق.<br><br>كان المشهد، من بغداد إلى دمشق، وصولاً إلى بيروت، يعكس تطوراً يرسم معالمه جمال الدمشقي، وتنفذه قيادات كفوءة، ونخب منخرطة في مشروع نهضة عمرانية واقتصادية وعلمية، غير مسبوقة، في العواصم الثلاثة.<br><br>كانت إسرائيل الوحيدة، التي كانت ترقب ما يحدث بقلق شديد، وتبحث عن السبيل الأمثل لإقناع الغرب بضرورة إجهاض مشروع جمال الدمشقي، الإعماري والتطويري، قبل فوات الأوان.<br><br>وقد تمكن الإسرائيليون أخيراً من إقناع نخب الغرب، بأن لا ضير من تجريب قدرات جمال في عمل عسكري محدود، يُتيح الفرصة للكشف عن حقيقة تلك القدرات المُريبة. وافقت نخب الغرب التي يتغلغل اليهود في أوساطها، بصورة نوعية، على ذلك. شريطة ألا تتم الإطاحة بـ جمال، لأن الغرب كان يخشى غياب البديل، وانفلات المقدرات الكامنة بين يدي جمال، لتصبح في أيدي قيادات مجهولة بالنسبة له، وغير مضبوطة.<br><br>***<br><br><br><font>يتبع في الفصل الخامس عشر..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/22999</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//7e46baf36621796abeeaeedf.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//7e46baf36621796abeeaeedf.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/22045</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/22045</comments>
						<pubDate>Wed, 10 Oct 2018 03:57:32 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/22045</guid>
						<description><![CDATA[على مائدة عشاء ضخمة، التم شمل العائلة الكبيرة، آل الدمشقي. أولاد أعمام جمال، بما فيهم أولاد عمه رشاد، وحتى أولاد أعمام والده، حضروا الوليمة مع عائلاتهم. كما حضر شقيق]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br><div>على مائدة عشاء ضخمة، التم شمل العائلة الكبيرة، آل الدمشقي. أولاد أعمام جمال، بما فيهم أولاد عمه رشاد، وحتى أولاد أعمام والده، حضروا الوليمة مع عائلاتهم. كما حضر شقيقا جمال، جهاد وطارق، مع عائلتهما.<br><br>كانت وليمة مشهودة، وكان لقاءً مثيراً للشجون والذكريات، لكن معظم حضوره، تشغلهم المصلحة والغاية منه، بما فيهم جمال نفسه. إذ كان الأخير يريد إعلام كبار رجالات عائلته، الذين يمسكون بزمام جزء كبير من امبراطوريته الاستثمارية العالمية، أنهم قد يكونون مقبلين على حالة طوارئ، تتطلب ترتيبات خاصة.<br><br>وبعد أن تناول الجميع ما استطاع من أصناف الطعام المتنوعة، انفرد جمال في زاوية خاصة هادئة، برجالات العائلة، بعيداً عن ضجيج النساء والأولاد، الذين عقدوا اجتماعاتهم الخاصة في مكانٍ آخر.<br><br>قال جمال لأكبر أولاد عمه رشاد، الذي يتولى العديد من مصالحه في لبنان وفي الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نريد اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة، فنحن على أهبة صراع عسكري محتمل مع إسرائيل.<br><br>بُهت الحضور، وظهرت الرهبة في نظرات غالبيتهم، فتدخل طارق، شقيق جمال الأصغر:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يا إلهي، هل نحن مقبلين على حرب؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لماذا؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ألم تكن تتابع الأخبار في وسائل الإعلام مؤخراً، كلها تتحدث عن بوادر صراع عسكري بيننا وبين إسرائيل؟<br><br>لم يكن أحد من الحضور يعتقد أن ما تتحدث عنه وسائل إعلام عربية وغربية، أمر حقيقي، ظنوه ضجة إعلامية لا أكثر.<br><br>قال أكبر أولاد العم رشاد: - جمال.. ألم تستطع تلافي الأمر؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ولماذا علينا تلافيه؟<br><br>كان رده بنبرة جافة، أعلمت الجميع أن عليهم فقط اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأن ليس من حقهم التدخل في التفاصيل أو السياسات التي يديرها ابن عمهم جمال.<br><br>عاد طارق ليتدخل: - هل علينا اتخاذ تدابير أمنية تتعلق بحمايتنا وحماية عائلاتنا؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. يفضّل ذلك. وإن كنت أستبعد أن يلجأ الإسرائيليون لهذا الأسلوب.. لكن على سبيل الاحتياط، يفضّل اتخاذ الإجراءات اللازمة.<br><br><br>كانت لهجته جافة، وكان جاداً جداً، ولوهلة، خطر في ذهنه عمه الراحل رشاد، كبير العائلة سابقاً، وأحد أثريائها البارزين. تذكر جديته وصرامته في الحديث، يبدو أنه يستنسخ، باللاوعي، نموذجاً من الشخصيات، التي لطالما كان معجباً بها، وهو اقتفى أثرها في كثير من الأمور، لكنه افترق عن مبادئ عمه في أمور كثيرة أخرى.<br><br>كان يتقصد البرود والصرامة في لهجته، إذ لم يكن يريد أن يطمع أحد من العائلة، بموجب قرابته به، فيناقش سياسات الدولة السورية وتوجهاتها، التي يعتبرها جمال شأناً غير عائلي، شأناً لا يعني العائلة، وليس من حقوقها عليه أن تناقشه فيه، إلا من منطلق المشورة والنصح ربما، وإن طَلبَها هو بنفسه حصراً، لكن، ليس من منطلق الحق في ذلك.<br><br>رغم أن جمال أعاد إحياء سُنة عمه الراحل رشاد، بتشغيل أقاربه وأهله، معه، بعد صعوده السريع في عالم الثراء والأعمال، إلا أنه أبقاهم خارج دائرة القرار في الشأن السياسي. ولم يكن أحد من عائلة جمال يشغل أي منصب رسمي في الدولة السورية الجديدة. بل لم يكن لأحد منهم أي تأثير فعلي على آلية صنع القرار في هذه الدولة. ولم يسبق أن ناقش جمال سياسات الدولة السورية، التي يُعتبر أبرز صانعيها، مع أحد من أفراد عائلته من آل الدمشقي.<br><br>ربما، منذ افتراق شقيقيه، طارق وجهاد عنه، في الغردقة بمصر، يوم اشتق كل منهما سبيله، وتركاه وحيداً، ليعيش واحدة من أشد محنه النفسية ألماً، غلب العقل على العاطفة في طريقة تعامل جمال مع علاقاته العائلية. لكن ذلك لم يمنعه من أن يمدّ لهم جميعاً يدّ العون، ويرفعهم معه إلى مصافي الثراء. كان جمال يقتفي في ذلك، إلى حدٍ ما، آثار عمه الراحل رشاد، الذي كان جمال في شبابه ينتقده كثيراً، على الأقل، داخل نفسه، ويرى الكثير من السلبيات في منهجه بالتعامل مع الأهل والأقارب، كان أبرزها، الجفاء والصرامة في الحديث والتعامل مع الأهل. لكنه لاحقاً، حينما صعد سريعاً في عالم الثراء، ليتقرّب منه الأهل والأقارب، حتى أولئك الذين سبق أن أساؤوا له بصورة مباشرة، كأولاد عمه رشاد، لاحظ جمال أن التعامل الودّي المُرهف مع الأهل، يزيد الكثير منهم طمعاً، فيطلب المزيد، ويعتبر أن ذلك حقٌ له، وليس حسن خلق من جمال ذاته.<br><br>أدرك جمال أن خبرة عمه رشاد علمته تلك الحقيقة قبل سنوات، لذا، في شبابه، لم يكن جمال يدرك لماذا يتصرف عمه بجفاء وصرامة مع معظم الأهل، كان جمال يفسر ذلك حينها، على أنه ترفّعٌ وكِبَر، لكنه اكتشف لاحقاً أن هذه الصرامة تحدّ من طمع بعض الأهل في رحابة صدر جمال، وتلزمهم بالحدود التي وضعها لهم. <br><br>إحدى القضايا التي طالما كان جمال ينتقدها في عمّه الراحل رشاد، بُخله على محيطه، حتى أولئك الذين يعملون معه بكدّ. كان العم الراحل يُقتّر المخصصات على أقاربه، فيعيشون في معظمهم معيشة جيدة، لكنها تبقى بعيدة جداً عن مستوى حياة العم وعائلته. وكان جمال يعتبر ذلك شكلاً من أشكال الرغبة في البقاء أعلى شأناً من الجميع، من جانب عمه الراحل، ولم يكن جمال يرى تبريراً لذلك. ويذكر جمال كم من مرة ضاقت عليهم المعيشة في صغرهم، ورفض العم رشاد التدخل إلا بعد لأيّ. كان ذلك يشعرهم بالإذلال، إلى حدٍ ما.<br><br>لذا تجنب جمال ذلك في تعاملاته مع الأهل والأقارب، فاعتمد معهم مبدأ النسبة المئوية من كل الأرباح التي يتسببون بها له، فأثرى بعضهم ببراعة جهده، فيما كانت إمكانيات الآخرين متواضعة، فأغدق عليهم جمال مرتباً شهرياً ضخماً، يجعلهم يعيشون عيشة الأثرياء، بحق.<br><br>لكن في نهاية المطاف، استنسخ جمال سيرة عمه الراحل رشاد، وتحول إلى كبير العائلة، وذلك الذي يجمعها حوله، في العمل، ويقيل أفرادها من عثراتهم، المعيشية دوماً، والاجتماعية أيضاً، من حين لآخر.<br><br>وحتى أولاد عمّه رشاد، الذين حالما توفي والدهم، عزلوه عن مشاريع العم رشاد، وأقالوه من كل وظائفه، وأبعدوه عن حياتهم، فتسببوا بنكسة معيشية لم يسبق له أن عاشها سابقاً، هو وأشقاؤه، حينما كان فقط في الثالثة والعشرين من عمره، وأشقاؤه مراهقون صغار.. حتى هؤلاء، أكرمهم جمال، وتعامل معهم وكأن لم يكن شرخ مؤلم، قد حدث بينهم سابقاً.<br><br>كان ابن عمّه الأكبر، أول المتصلين به بعيد تداول وسائل الإعلام الأنباء عن ثروته الهائلة التي حاز عليها، في مطلع العام 2020، حينما أصبح جمال يمتلك 70 مليار دولار على الأقل.<br><br>يومها، فُوجئ جمال باتصال ابن عمه، وتعامل معه برسمية إلى حدٍ ما. لكن لاحقاً، وفي الاتصالات التي تكررت من جانب ابن العم، ذاب جليد العلاقة بينهما. وعقد جمال لقاءً مع أقاربه في بيروت، قبيل زواجه من إيمان، حيث طلب منهم المشاركة في جاهة عائلية كبيرة، حسب طلب أهل زوجته، يومها.<br><br>وبعيد ذلك، اجتمع جمال مراراً مع أولاد عمه رشاد، الثلاثة، واكتشف أنهم تعرضوا لنكسات مالية كبرى بعيد إبعادهم للأقارب والأهل الذين كانوا يمسكون بزمام نشاطات أبيهم الاستثمارية، داخل سوريا، وخارجها. فدخل معهم جمال في استثمارات مشتركة، وأقالهم من عثراتهم المالية، ومن ثم، أعاد التواصل مع أقارب له، من أولاد عم أبيه، الذين كانوا يعملون مع العمّ رشاد، وشغلهم معه. وكان قبل ذلك قد تواصل مع شقيقيه، ورتب لهما أدواراً وظيفية محترمة في امبراطوريته المالية، وأغدق عليهما المال.<br><br>خصص لـ طارق، فيلا فخمة في الغردقة المصرية، حيث أدار طارق من هناك نشاطات جمال الاستثمارية في قطاع السياحة المصري على البحر الأحمر. كما خصص لشقيقه جهاد، فيلا فخمة أيضاً في الشيخ زايد قرب القاهرة، حيث أدار الأخير من هناك نشاطات استثمارية أخرى لـ جمال في قطاع المطاعم السورية الناشطة في مصر، وفي قطاع العقارات أيضاً، ولاحقاً في قطاع الصناعات الغذائية والنسيجية، بالتعاون مع رجال أعمال سوريين ناشطين في مصر.<br><br>كانت تلك البداية. ومع تضخم امبراطورية جمال المالية والاستثمارية، ترقى شقيقاه، وكذلك أولاد عمه، وباقي الأقارب، في الأدوار الوظيفية. وتحسنت أوضاعهم المعيشية، إذ باتوا مُحتسبين عملياً على عالم الثراء.<br><br>كذلك فعل جمال مع أقاربه من جانب أمه، فتواصل مع أولاد أخواله الراحلين، ومع أولاد خالاته أيضاً. حتى بعض أقارب جمال من درجات قرابة أبعد من أولاد العم والخال، ممن تواصلوا معه طالبين العون لظروفهم المعيشية المتدنية، أقالهم جمال من عثراتهم، وخصص لبعضهم وظائف مُجزية مالياً في مشاريعه واستثماراته حول العالم.<br><br>لكن، في خضم كل ذلك الإحسان للأهل، غلبت مع الزمن، سمتا الصرامة والجفاء في سلوك جمال معهم. وكان جمال يلاحظ استياء بعضهم من ذلك، لكنه لم يكن يفهم هو ذاته، لماذا يغلب عليه هذا السلوك، إذ لم يكن نابعاً دوماً عن وعي عقلاني كامل ومقصود. ربما، لأنه في وقت ما، كان فيه بأشد الحاجة للجميع، لم يجد أحداً منهم بجواره. أو ربما، هي مورثات العائلة، التي انسلت من العم رشاد إليه، فهو الراعي الصارم والجاف، للجميع.<br><br>انفض جمع العائلة، بعد أن أفهم جمال رموزها ورجالاتها، كيف عليهم أن يتصرفوا في الأيام القادمة. قبّل أولاد شقيقيه، وأطفال أولاد عمه، وأقاربه، وسلّم عليهم واحداً تلو الآخر. في تلك الحظات كانت سرائره منفردة، وكان بشوشاً للغاية مع الأطفال. دائماً يترك لديهم انطباعاً مُحبباً. فقط مع الأطفال. أما مع الكِبار، تسود الصرامة والجفاء ملامح وجهه ونبرته، رغم محاولاته الدائمة لتلطيفها.<br><br>***<br><br>توالت نجاحات جمال الدمشقي، الاستثمارية والمالية، بعيد العام 2020، ليصعد سريعاً في عالم الثراء والنجاح، بصورة سلبت الألباب، وحولته إلى أيقونة فريدة من النجاح في عالم المال والأعمال.<br><br>بدأ جمال باستثمار الكوتا الخاصة به من السياح المنخرطين في صفقة البنك السويسري البريطاني، التي صممها. ذلك الاستثمار الذي درّ عليه سيولة مالية قدرها 25 مليار دولار، سرعان ما حولها إلى استثمارات سياحية، بدأت في مصر وتركيا، لتنتقل سريعاً إلى دبي ولبنان والأردن وتونس، ومن ثم، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>أدار تلك الاستثمارات المبنية على ثروة قدرها 25 مليار دولار، بكفاءة عالية. وخلال عام، استقرت تلك الاستثمارات، بصورة تُدر عليه دخلاً شهرياً لا يقل عن 200 مليون دولار.<br><br>في العام التالي مباشرةً، طوّر جمال فكرة مشروعه السياحي – الرياضي، بالتعاون مع البنك السويسري البريطاني، فتضاعف أعداد المتفاعلين معه، وبات دخله السنوي يُقدّر بـ 140 مليار دولار، 90 مليار دولار منها، نصيبه من أرباح مشروع البنك السويسري البريطاني، السنوية، التي وصلت إلى ترليون دولار، كل سنة تقريباً، في أضخم صفقة سياحية في التاريخ، درت إيرادات بلغت 10 ترليون دولار في السنة.<br><br>&nbsp;و50 مليار دولار كان دخل جمال من شراء شركات سياحية عالمية لحصته من السياح المتفاعلين مع مشروعه، كل سنة.<br><br>أي أن ثروة جمال الدمشقي أخذت تتزايد سنوياً بمقدار 140 مليار دولار.<br><br>ومنذ العام 2022، تربع جمال الدمشقي على عرش الثراء العالمي، ليصبح أثرى رجل في العالم، وربما أثرى رجل في التاريخ المسجل، بثروة تتجاوز الـ 200 مليار دولار، وبإيرادات سنوية تتجاوز الـ 140 مليار دولار. وكان من المتوقع لـ جمال أن يصبح أول "ترليونير" في التاريخ قبل نهاية عشرينات القرن الحادي والعشرين. لكن ذلك لم يحدث، فـ جمال أقام شبكات اجتماعية خيرية، وأخرى بغايات سياسية، في لبنان ومصر وتركيا والأردن، كلفته مبالغ خرافية ذهبت تقديرات إلى أنها تفوق الـ 500 مليار دولار.<br><br>كانت النقلة النوعية الثانية له، على صعيد الثراء، هي ذلك السبق العلمي الذي أنجزه خبير سوري، متعاقد مع مجموعة "الدمشقي" القابضة، والذي استطاع من خلاله تفعيل استخدام الوقود الحيوي مرفقاً برقاقة طاقة شمسية، بصورة تتيح تشغيل محركات السيارات، ولاحقاً، محركات صناعية عملاقة، بسرعات تساوي تلك التي يحققها الوقود النفطي أو الغاز.<br><br>تحققت تلك النقلة النوعية عام 2025، واحتاج جمال إلى ثلاث سنوات كي يثبت للعالم، بما لا يدع مجالاً للشك، أن ذلك السبق العلمي، يتمتع بالجدوى الاقتصادية الكفيلة بإزاحة النفط والغاز بصورة كلية من عالم احتياجات البشر.<br><br>ومنذ العام 2030، تتالت عروض الشركات العالمية الكبرى للتعاون مع مجموعة "الدمشقي" القابضة، في مجال إنتاج ذلك الوقود الحيوي المرفق برقاقة الطاقة الشمسية. وحافظ جمال على الملكية الفكرية لذلك الاستثمار، ومنح الخبير السوري الذي حققه، 20%، من كل الأرباح المتحصلة عنه، والتي باتت تقدر بـ 150 مليار دولار سنوياً.<br><br>وما بين هاتين النقلتين النوعيتين، نقلة استثمار فكرته السياحية – الرياضية بالتعاون مع الـبنك السويسري البريطاني، ونقلة استثمار فكرة الوقود الحيوي المرفق برقاقة طاقة شمسية، حقق جمال نقلات أقل نوعية، لكنها ولدت له إيرادات مالية سنوية، وقيمة معنوية عالية لدى دوائر صنع القرار الإقليمية والعالمية.<br><br>من أبرز تلك النقلات، الصفقة الأولى التي صممها لاستثمار مساحات زراعية هائلة في مصر، بمشاركة صناديق سيادية عالمية، وشبكات مصرفية دولية، باستثمار قدره ترليون دولار، تحصل بموجبه دول خليجية، وأوروبية، على حصيلة من المزروعات، يُستخدم بعضها للاستهلاك البشري المباشر، وبعضها الآخر في الصناعات الغذائية، وبعضها الثالث، بات يُستخدم لاحقاً، في تصنيع الوقود الحيوي المزمع استخدامه كطاقة بديلة عن النفط والغاز.<br><br>انتعشت مصر بصورة غير مسبوقة بموجب ذلك الاستثمار، وتحصّل جمال بموجبه على صافي أرباح سنوية تقدر بـ 10 مليارات دولار. ولاحقاً، كرر جمال ذات المشروع في جنوب تركيا، ولاحقاً أيضاً في روسيا.<br><br>قبل ذلك، وفي عام 2024، هندّس جمال صفقة تاريخية غير مسبوقة، لنقل ملايين الرؤوس من الأبقار والماعز من الصين والهند ودول آسيوية أخرى، إلى أوروبا والأمريكيتين، لذبحها وفق معايير صحية عالية، وبيعها بأسعار أقل بكثير من أسعار اللحوم المحلية، بصورة خدمت الطبقة المتوسطة في الدول الغربية، وجزءاً كبيراً من دول أمريكا اللاتينية. وقد حصّل جمال بموجب هذه الصفقة التي تكررت، أكثر من مرة لاحقاً، مرابح تجاوزت الـ 100 مليار دولار، في كل مرة.<br><br>وبموجب مسابقات الأفكار العلمية ذات الاستثمارات الاقتصادية، التي أطلقتها مجموعة "الدمشقي" القابضة، لأول مرة، عام 2025، حقق جمال سلسلة من الاستثمارات المُثمرة، حصد من خلالها أرباحاً طائلة.<br><br>وفي مطلع العام 2031، جزمت مجلة فوربس العالمية، أن الدخل السنوي لـ جمال الدمشقي هو في أقل الحدود، 300 مليار دولار أمريكي.<br><br>وفي عام 2033، تعهد جمال في خطاب شهير أمام "المؤتمر السوري التأسيسي"، بالتكفل بكل تكاليف إعادة إعمار سوريا، والتي قُدرت بحوالي 1 ترليون دولار، في خطة ستستغرق 5 سنوات. يومها شكك الكثير من المراقبين بصدق جمال، لكن الأخير التزم بتمويل حكومة دمشق بـ 200 مليار دولار سنوياً، حتى العام 2038.<br><br>***<br><br>انتعشت سوريا، وعادت الحياة إلى الكثير من أركانها المهجورة والمهدمة، وعاد ما قُدّر بـ 60% من المهجّرين خارجها، إليها، خلال السنوات الخمس التي شهدت عملية إعادة إعمار تاريخية، تحولت معها سوريا إلى ورشة عملٍ لا تهدأ.<br><br>خلال السنة الأولى من عملية إعادة الإعمار، تم طبع عملة جديدة، حملت نفس الاسم، "الليرة السورية"، لكن بتصميم جديد، ضم لوحات تُوحي بالتمجيد للثورة السورية، وبتغطية من احتياطي نقد أجنبي، احتفظ به البنك المركزي بدمشق، بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار. وحينما طُرحت الليرة الجديدة في الأسواق، فُرض على شركات إعادة الإعمار الخليجية والتركية والروسية والأوروبية والأمريكية، أن تتعامل داخل السوق السورية، بالليرة السورية. فارتفع الطلب عليها. وخلال بضعة أشهر منذ مطلع العام 2034، الذي شهد إصدار الليرة الجديدة، ارتفعت قيمتها الشرائية. وفي مطلع صيف 2034، قُدّر الدولار بـ 50 ليرة سورية جديدة، لا غير. وبذلك نفّذت حكومة دمشق أول وعودها، وهي إعادة الاعتبار للعملة السورية التي كانت قد اندثرت من الأسواق تقريباً، قبل عقدٍ من ذلك التاريخ.<br><br>كانت عملية إعادة الإعمار تسير وفق منهجية معدة مسبقاً، تقوم على أساس اعتبار جميع المناطق المهدمة، مُلكاً للدولة، على أن تعوّض الأخيرة سكانها الأصليين، من المتواجدين في الداخل، أو اللاجئين في الخارج، إما بسيولة مالية تقابل قيمة العقارات التي كانوا يملكونها في تلك المناطق، أو بحصة من العقارات الجديدة التي ستُبنى هناك، تساوي قيمة عقاراتهم المهدمة.<br><br>قدّم ملايين السوريين صكوكاً تثبت ملكياتهم، إما في الداخل السوري، أو عبر مكاتب افتُتحت خصيصاً لهذه الغاية، في مختلف مدن العالم التي تتواجد فيها جاليات مُعتبرة من السوريين. ومن لم يستطع إثبات ذلك بالصكوك، قُبلت لصالحه شهادات عيان من سكان المنطقة ذاتها. ولاحقاً، تم تعويض حتى أولئك الذين لم يستطيعوا أن يُثبتوا ملكياتهم، ولا بأي طريقة. وتم الحديث في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، عن حالات نصب وكذب من سوريين ادعوا ملكيات لا تعود لهم، وتحصلوا على تعويض بالفعل. لكن حكومة دمشق اشترطت على من يريد الحصول على التعويض، العودة إلى البلاد، الأمر الذي حصر شريحة من حصل على التعويض بأولئك الذين كانوا مستعدين لترك حياتهم التي أسسوها لسنوات في بلدان مختلفة، والعودة إلى بلدهم الأم. وبالفعل، عاد أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري، فيما بقي حوالي 4 ملايين في الخارج، ولم يحصلوا على تعويضات في ذلك الحين.<br><br>&nbsp;وخُصّص الحيز الأكبر من تلك التعويضات لمهجري المناطق الأكثر تضرراً في سوريا. ورغم كل ما أُشيع عن تزوير وكذب بخصوص المُلكيات العقارية المهدمة، نال معظم من تقدم بطلبات تعويض، على تعويضات مالية مُجزية، ساهمت في إنعاش الاقتصاد السوري، لأنها أُنفقت داخل سوريا. فبات في سوريا سيولة مالية ضخمة، شكلت دفعاً هائلاً لمختلف المشاريع المهنية والاستثمارية التي افتتحها سوريون عائدون إلى بلدهم الأم.<br><br>في عام 2035، قالت صحيفة الاندبندنت البريطانية، إن جمال الدمشقي أعاد إحياء سوريا، التي تحولت، ربما، إلى أكبر ورشة عمل شهدها التاريخ المعاصر. وكانت السوق السورية تستوعب سريعاً، طالبي فرص العمل، والراغبين بالاستثمار. وارتفع الطلب على أصحاب المهن المختلفة خاصة أولئك المرتبطين بقطاع الإعمار والبناء.<br><br>تعاقدت شركات عالمية عديدة مع حكومة دمشق، في عملية إعادة الإعمار، غلبت عليها الجنسيات الخليجية والتركية والروسية والأوروبية والأمريكية، وبدرجة أقل، الصينية. لم تتبع حكومة دمشق أي معيار سياسي في قبول أو رفض الشركات الراغبة بدخول السوق السورية، ما دامت مستعدة للالتزام بالضوابط الخاصة لعملية إعادة الإعمار.<br><br>ولأن حكومة دمشق لم تفرض أية ضرائب على الشركات العاملة في سوريا، خلال السنوات الخمس الأولى من عملها، تحولت سوريا إلى قُبلةٍ للاستثمار، وسارعت كبرى الشركات العالمية للحصول على عقود عمل فيها. لكن حكومة دمشق فرضت، بموجب تعليمات من جمال الدمشقي، شروطاً على الشركات الراغبة في العمل بسوريا، مقابل الإعفاء الضريبي الكامل خلال السنوات الخمس الأولى، أبرزها، الالتزام الصارم بالمعايير البيئية، وتشغيل عمالة سورية بصورة حصرية، وفرضت حداً أدنى للرواتب التي يجب على تلك الشركات أن تمنحها لموظفيها والعاملين فيها، وهي 700 دولار أمريكي.<br><br>سارعت الشركات الراغبة في العمل بسوريا، إلى البحث عن عمالة سورية كفوءة وماهرة، إما في الداخل السوري، أو في بلدان الجوار، أو في أوروبا والغرب، وبرواتب مجزية تشجع السوريين على قبول العمل في تلك الشركات، والعودة إلى الداخل السوري.<br><br>كان جمال الدمشقي يريد حضّ السوريين على العودة بأي طريقة، وفي نفس الوقت، توفير ظروف مشجعة لتلك العودة. وبالفعل، وخلال 5 سنوات فقط، تمكنت سوريا من استعادة 60% من أبنائها المُهجّرين خارجها. <br><br>***<br><br>خلال السنة الأولى من عملية إعادة الإعمار، تم إتمام هدم وإزالة كل آثار الدمار في المناطق المهدمة في سوريا، وإعادة تسوية الأراضي، ومن ثم تجهيز البنية التحتية، بأعلى التقنيات العالمية، من خطوط للصرف الصحي والمياه والكهرباء والانترنيت.<br><br>وفي السنة الثانية، بدأت عملية الإعمار الجديدة. وتم تأسيس المباني السكنية على أساس نظام توليد الطاقة بالاعتماد على الشمس، وبدعم من الوقود الحيوي، بصورة تسمح لكل بناء، بصورة منفردة، بتوليد الكهرباء الخاصة به.<br><br>وخلال تلك الفترة، تم إعادة إعمار مؤسسات الدولة المهدمة، والشركات والمصانع المدمرة، العامة منها والخاصة.<br><br>وفي السنة الثالثة من إعادة الإعمار، تم التركيز على مد شبكة متطورة من طرقات النقل بين المحافظات السورية، وداخل المدن. وتم تشجير مساحات واسعة من التراب السوري. <br><br>واعتمدت عملية إعادة الإعمار على نظام الأبراج السكنية. لكن تلك الأبراج كانت متباعدة، وتفصلها مساحات خضراء. <br><br>كان جمال قد أوعز لحكومة دمشق، مشدداً على تشجير أكبر مساحة ممكنة من التراب السوري. وإعادة استصلاح الأراضي الزراعية التي تعرضت للتلف والتدمير والإهمال في السنوات العشرين السابقة.<br><br>في السنة الرابعة من إعادة الإعمار، باتت سوريا في حلّة بهية، فغابت كل معالم الدمار، وكأنها لم تكن، وخلال أربع سنوات فقط، مُحيت مشاهد عقدين من الدمار والهلاك، الذي ساد التراب السوري.<br><br>خلال السنة الخامسة والأخيرة، تم تطوير المؤسسات التعليمية، والتركيز على تجميل المدن، وساحاتها الرئيسية، ومباني المؤسسات الحكومية، كي تليق بدولة مُهابة. وتم إعادة افتتاح مطار دمشق الدولي بعد توسيعه وتطوير بناه، ليضاهي مطارات إقليمية كبرى.<br><br>وفي مطلع صيف العام 2038، تم الإعلان عن انتهاء المرحلة الأخيرة من عملية إعادة الإعمار في سوريا. وأقرّ سوريون يومها، من أولئك الذين يتذكرون سوريا قبل العام 2011، بأن سوريا اليوم أبهى بكثير، وأكثر مهابةً وألقاً.<br><br>***<br><br>في مطلع صيف العام 2038، كلّف "المؤتمر السوري التأسيسي" حكومة جديدة في دمشق، مهمتها الإشراف على استفتاء وسلسلة انتخابات. وأُعلن عن افتتاح فصل جديد من تاريخ سوريا، حيث سيتم خلال سنة، الاستفتاء على دستور البلاد المُعتمد، وانتخاب مجالس محلية، ومن ثم، سلطة تشريعية بمجلسين، شورى ونواب، وأخيراً، انتخابات رئاسية.<br><br>وفي خطاب مشهود، في ساحة الأمويين بدمشق، أعلن جمال الدمشقي أمام حشد هائل من الجماهير، تأسيس "حزب الوسط السوري"، بقيادته. حزب يعتمد تطبيق المُتفق عليه من الشريعة، ويُقرّ بمرجعية الإسلام الرئيسية، ويُقدّر الانتماءات المذهبية والدينية الأخرى، ويمنحها حيزاً خاصاً بها. <br><br>تمكن جمال من جمع الإسلاميين المتشددين مع نظرائهم المعتدلين، ومع قوى سياسية أقرب إلى العلمانية، في توليفة غير مسبوقة، اتفق فيها الجميع، بعد جهود حثيثة، على تطبيق المُتفق عليه في الشريعة، كقوانين، وترك الخلافيات جانباً.<br><br>فتم الاتفاق على حكم الإعدام للقاتل، وتجريم الزنى العلني والأفعال الموازية له، وتنفيذ أحكام الجلد فيها شريطة توافر أربعة شهود، وتطبيق حد قطع اليد في حالة السرقة المؤكدة المُثبتة، مع توافر الحيثيات الأخرى التي تبرر تطبيق الحد، وتخفيفه في حال عدم توافر الحيثيات الكافية، إلى السجن. وتم الاتفاق على تطبيق حكم مصادرة الأموال والنفي في بعض الحالات، للمسؤولين الذين يثبت تورطهم في حالات رشوة أو فساد مالي. وتم الاتفاق على حد أدنى للباس المُحتشم، للنساء والرجال، فعلى المرأة ألا تلبس ثوباً أقصر من الركبة، أو لباساً يكشف ثدييها بشكل فاضح، مع تكليف شرطة خاصة بمهمة تلطيخ النسوة اللواتي يلبسن ألبسة مخالفة للحشمة المقررة حسب المذكور، بدهان ملون، كشكل من أشكال التعزير المخفف. وتم الاتفاق على جواز الغناء وحفلات الموسيقى والمسرح والسينما، شريطة ألا يسودها حالات اختلاط منافية للآداب العامة، وألا تتضمن الأغاني أي إيحاءات جنسية.<br><br>كان جمال توفيقياً، وقد اتهمه البعض بأنه "تلفيقي"، لكنه رغم ذلك نجح حينها في إقرار مسودة دستور تحقق لمختلف الأطراف السورية الحد الأدنى الذي لا يمكن أن تقبل تلك الأطراف بما هو دونه.<br><br>في حالة المسيحيين، وباستثناء فرض حالة من الحشمة وفق المذكور أعلاه، فرضت مسودة الدستور المقترح من حزب الوسط الذي يقوده جمال، إقرار حقوقهم الدينية، وممارستها علناً، دون أي قيد أو شرط. والسماح ببيع الخمور ولحم الخنزير في محلات مخصصة تقع حصراً داخل أحياء وبلدات ذات غالبية مسيحية.<br><br>وفي حالة الدروز والعلويين والاسماعيليين، تم إقرار ما أُقر على المسلمين، عليهم أيضاً، مع الإشارة إلى احتكامهم لقانون خاص بهم في حالات الأحوال الشخصية.<br><br>ولم يتم فرض أي فعل قسري يحض على الصلاة أو العبادات، فقد رفض جمال ذلك رفضاً مطلقاً، رغم ضغوط فئة من الإسلاميين، مذكراً إياهم بشواهد من عهود الصحابة تؤكد عدم جدوى فرض العبادات قسراً على الناس.<br><br>مسودة الدستور التي اقترحها حزب الوسط بزعامة جمال، أعلنت "الجمهورية السورية"، اسماً للدولة، وعلم الثورة، علم سوريا ما قبل البعث، علماً لها، وذكر أن سوريا تضم خليطاً من المكونات العرقية والدينية والمذهبية، منوهاً إلى أن اللغة الكردية هي ثاني لغة معترف بها بعد اللغة العربية، وإقرارها كلغة ثانية في المعاملات الرسمية في مؤسسات الدولة، في مناطق الغالبية الكردية، شمال البلاد وشمالها الشرقي.<br><br>وأقر الدستور المقترح حالة من الحكم الذاتي محدود الصلاحيات للأكراد والدروز، ولم يقرها للعلويين.<br><br>وخلال صيف العام 2038، تعهد جمال في سلسلة لقاءات وأحاديث صحفية متلفزة، بدعم عملية تطوير الاقتصاد السوري، حتى لو لم يفز حزبه في الانتخابات المزمعة لاحقاً. لكن الحملة الإعلامية المكثفة، التي أدارها فريق متخصص، ضم إعلاميين وخبراء ومثقفين وفنانيين، حصلوا على تمويل مُجزٍ من جمال، جعلت الكفة مرجحة لحزب الوسط، بصورة لا تقبل الشك.<br><br>وتحدث معارضون سوريون لـ جمال، عن عدم عدالة المشهد الانتخابي المرتقب، وسط الآلة الإعلامية المدعومة من جمال، والتمويل الهائل الذي ناله سياسيون وإعلاميون تولوا عملية إقناع الشارع السوري بمشروع جمال، وجدواه، لمستقبل السوريين.<br><br>إلا أن الجميع كان يقر، سراً أو علناً، بأن لا مشروع بديل عن مشروع جمال، يحمل معالم القوة والجدارة التي يملكها، كي يقود مستقبل البلاد نحو الأفضل، خاصة بعد النجاح الهائل الذي حققته حكومة دمشق المحسوبة على جمال، في عملية إعادة إعمار البلاد. لم تكن حكومة دمشق التي قادت عملية إعادة الإعمار تُجاهر بأنها تتلقى الأوامر من جمال الدمشقي، لكن عامة السوريين كانوا على قناعة بذلك.<br><br>كانت غالبية السوريين راضين عن قيادة جمال لبلادهم، فأين سيجدون من يُغدق مئات المليارات من الدولارات على بلدهم، دون مقابل حقيقي. فعادةً، النخب الحاكمة تتسابق على كرسي الحكم، كي تحقق معادلة الثروة والجاه. لكن جمال يملك فعلياً، الثروة والجاه، وهو يقدم ذلك، بشكل أو بآخر للسوريين. كان جزء كبير منهم يقرّ بأن المعادلة بين الحاكم والمحكوم في حالة جمال والسوريين، مقلوبة، مقارنة بما هو معتاد، فـ جمال لا ينهب السوريين ثرواتهم ومواردهم كي يُثري على حسابهم هو ونخبته، العكس هو الصحيح، هو يُغدق الأموال على هذا البلد، كي يصبح أفضل، وربما المقابل الوحيد الذي يريده، أن يصبح حاكمه الأوحد، فأين المشكلة في ذلك؟، أين سنجد حاكماً مثله، يدفع بدلاً من أن يأخذ؟.. تلك كانت قناعة غالبية السوريين حينها.<br><br>لكن ذلك لم ينفي وجود معارضين لـ جمال، كانوا يخافون من أن سوريا الجديدة ستصبح "سوريا الدمشقي"، بعد أن خسر السوريون أكثر من مليون قتيل، كي يُسقطوا "سوريا الأسد". كان بعض السوريين يخشون من ديكتاتور جديد، يُحكم قبضته على هذا البلد، هو وعائلته والمقربين منه. واليوم، هو يُغدق الأموال لإعمارها وإطلاق مسيرة نهوضها، لكنه لاحقاً، سيحصد ثمار ذلك النهوض، بعد أن يصبح صاحب الكلمة العليا في كل شؤونها.<br><br>لم تكن أصوات هؤلاء المعارضين، الذين كانت بعض القنوات الإعلامية المحسوبة على جمال ذاته، تستضيفهم، وتسمح لهم بأن يقولوا آرائهم بكل فجاجة، لم تكن تلك الأصوات قادرة على إقناع غالبية الشارع السوري، الذي كان يسأل دائماً، ما البديل؟، إن لم نصوت لحزب جمال اليوم، ما هو المشروع البديل عنه؟، ومن هي النخبة القادرة على قيادة البلاد، ودفع 200 مليار دولار سنوياً، لها؟<br><br>كان عقداً اجتماعياً غير معلنٍ، بين غالبية السوريين، وبين جمال الدمشقي، لك حكم البلاد، ولنا 200 مليار دولار سنوياً، مرفقة بحرية رأي عالية المستوى. لم يكن أحد يُعتقل بسبب رأيه، في عهد حكم جمال، غير المُعلن. كان انتقاد جمال متاحاً حتى على وسائل إعلامه، ذاتها. <br><br>وخلال سنة، صوّت غالبية السوريين لنص الدستور الذي اقترحه حزب الوسط السوري، بزعامة جمال. وأُقر ذلك الدستور. ومن ثم، حصد حزب الوسط غالبية تتجاوز الـ 67%، في مقاعد المجالس المحلية. ومن ثم، حصد الحزب غالبية تتجاوز الـ 77% في مجلسي الشورى والنواب. <br><br>وفي مطلع صيف العام 2039، كانت دمشق على أُهبة الاستعداد لأول انتخابات رئاسية بعد أكثر من عقدين. وقبل شهرين من الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر آب من ذلك الصيف، فُوجئ السوريون بحزب الوسط، الذي يقوده جمال، يُرشّح، ناجي الفتيحي، رئيساً للجمهورية، ووسام شرف، نائباً له.<br><br>قبل ذلك الإعلان الصادم بأسابيع، نجح معارضو جمال القلّة، من التكتل في حزب سياسي أعلنوه باسم "التجمع الوطني الديمقراطي"، ضم قوى سياسية يسارية وقومية وأخرى محسوبة بشكل غير معلن على حزب العمال الكردستاني، الفرع السوري، وأخرى ذات عمق مذهبي مرتبط بالعلويين تحديداً، إلى جانب بعض الدروز والمسيحيين. ذلك التكتل السياسي كان يحظى بنسبة 20% في مجلسي الشورى والنواب، فيما يحظى حزب الوسط بقيادة جمال، بنسبة 77% في المجلسين، والـ 3% الباقية كانت لمستقلين لم يندرجوا في أي من التكتلين.<br><br>لم يكن أحد يتوقع للتكتل المعارض النجاح. ورشّح "التجمع الوطني الديمقراطي" لمنصب رئاسة الجمهورية، شخصية يسارية شهيرة، من صفوف المعارضة المبكرة لنظام الأسد، منذ العام 2000، والتي عاشت في المنفى منذ بدايات ثورة العام 2011. وتم اختيار شخصية كردية وسطية، نائباً له.<br><br>لكن المؤشرات واستطلاعات الرأي كانت تؤكد أن الغالبية العظمى من السوريين لن يصوتوا لمرشح المعارضة. فهو سبعيني، مُنظّر، لا قوة ميدانية فاعلة له على الأرض، ولا يحظى بدعم من قوى اجتماعية سورية فاعلة، ربما باستثناء ثلة من الأكراد والعلويين، وثلة أقل من الدروز والمسيحيين. ذلك أن جمال الدمشقي استطاع اجتذاب أبرز قيادات الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين، ليكونوا جزءاً من تكتله السياسي، وبقيت قيادات وشخصيات من أبناء الأقليات، متطرفة إلى حدٍ ما في مطالبها، ترفض الانصياع للمعادلة التي رسّخها جمال للبلاد، هي التي التحقت بالتكتل المعارض، ولعبت دوراً بارزاً في دفعه إلى الواجهة، بعد أن كان يقتصر على عجائز من قيادات المعارضة التقليدية القديمة، التي تعود إلى بدايات القرن الحالي، والتي انفصلت عن واقع السوريين منذ أواخر العام 2011، والتحقت بمنافٍ ودول عديدة في الخارج.<br><br>لكن ترشيح حزب الوسط، لـ ناجي الفتيحي، ووسام شرف، شكل صدمة للشارع السوري، إذ كان الجميع يعتقدون أن جمال الدمشقي سيكون رئيسهم المقبل. كان الفتيحي وشرف، شخصيتين معروفتين للنخب وللشارع السوري، فقد لعبا دوراً فاعلاً في تأسيس حزب الوسط، وفي التشبيك بين قوى سياسية ونخب سورية عدة، خارج البلاد، وداخلها، حتى قبل معركة تحرير دمشق عام 2031.<br><br>وكان ناجي الفتيحي ووسام شرف، دائما الظهور في اللقاءات الجماهيرية، وعلى شاشات القنوات الإخبارية. لذا، كانا معروفين لدى الشارع السوري، ويعرف معظم المتابعين، أنهما من الصف الأول من القيادات المقرّبة من جمال الدمشقي. لكن، لم يتوقع أحد أن يتم تقديم ذلك الصف من القيادات إلى الواجهة، بدلا ًمن جمال نفسه.<br><br>حدثت بلبلة كبرى في أوساط السوريين، تبدت جلياً عبر وسائل الإعلام، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن سبب ذلك القرار الذي امتنع فيه جمال عن احتلال مقعد الرئاسة في بلدٍ أعاد إحيائه بنفسه، وعبر ماله وثروته.<br><br>وبعيد أسابيع من القيل والقال، وأحاديث الإعلام وجدالات الفيسبوكيين، ظهر جمال على شاشة قناة "الشام" الدولية، وهي قناة منوّعة، تعود ملكيتها له، أُطلقت عام 2032، من دمشق. وفي حديثٍ مطوّل مع شخصية إعلامية سورية شهيرة تقدم برنامجاً حوارياً أسبوعياً على تلك القناة، قال جمال: "لا أعتقد أنني مؤهل للعمل التكنوقراطي والإداري الذي يتطلبه منصب رئاسة الجمهورية". وأضاف: "وضعنا الأسس العامة والركائز الأساسية لسياسات الدولة السورية، سوياً، في حزب الوسط، ونالت تلك الركائز والسياسات تأييد الشارع السوري في استفتاء الدستور والانتخابات البلدية والنيابية، والآن، على كفاءات الحزب، إن أصبحت قيادةً للدولة السورية، بموجب الانتخابات الرئاسية، أن تُنفّذ تلك السياسات".<br><br>جادله الإعلامي المخضرم، مذكراً إياه بأنه "كاريزما" سورية عتيدة، في نظر الكثير من السوريين، وأنهم كانوا يراهنون على قيادته. فأجاب: "لن أبتعد عن الشأن العام، على العكس، سأتابع مهامي في دعم الدولة السورية، وتقديم النصح والمشورة والدعم العملي لقيادتها، كلما تطلب ذلك، وسيبقى مقر إقامتي الرئيسي في دمشق، قريباً من رأس الدولة السورية، وفي أتم الاستعداد لخدمتها، متى احتاج الأمر. أما العمل التكنوقراطي الإداري الذي يتطلبه موقع رئاسة الجمهورية، فهو لا يناسبني، فأنا شخص أعاف الروتين، وغير مؤهل للعمل الإداري اليومي.. ومن ثم، علينا ألا ننسى أن مُرشَحَي الحزب، ناجي الفتيحي، ووسام شرف، شخصيتان سياسيتان، من الطراز الرفيع، خبرا على أرض الواقع، عالم السياسة، داخلياً، وفي العلاقات الدولية.. لذا أنا، وقيادة حزب الوسط، نثق بهما ثقة مطلقة، وآمل أن يثق بهما الشعب السوري أيضاً".<br><br>سأله الإعلامي المخضرم، بخبث: "هل من أسباب أخرى، أعمق، دفعتك للابتعاد عن أي منصب رسمي في الدولة السورية؟"، أجابه جمال: "نعم.. لا أريد لسوريا أن تكون سوريا الدمشقي.. أريدها أن تكون سوريا المؤسسات، التي تتعلم فيها الكفاءات كيف تصعد، والنخب كيف تساوم وتتفق، والتكنوقراط كيف يديرون بوحي من المصلحة العامة.. وعلى العبد الفقير لله، القابع أمامك، مهمة ترسيخ دعائم هذه الدولة، علها تسير دون دفة قيادة فردية، بعد حين من الزمان، فتصبح كدول العالم المتقدم، المستقرة، تسودها عادات سياسية وانتخابية عريقة، تحكم الخلافات بين نخبها والتيارات السياسية المتصارعة في أوساط شعبها، ليكون صندوق الاقتراع الترجمة لموازين قوى تلك النخب والتيارات في أوساط السوريين، لا القوة والقهر والإكراه.. مهمة العبد الفقير لله، القابع أمامك هنا الآن، العمل على دفع دفة تلك الدولة في الفترة الأولى فقط، إلى أن تصبح قادرة على السير بمفردها، دون الحاجة لقيادة من أية شخصية كانت. دولة تصبح قيادتها مرتبطة بنخب وكفاءات، حصلت على تأييد الشارع. دولة نخب ومؤسسات، لا دولة قائد كاريزمي فرد".<br><br>فسأل الإعلامي المخضرم، بخبث، من جديد: "هل يعني ذلك أنك مستعد للتخلي عن نفوذك المستقبلي في هذه الدولة التي تعمل على دفع دفتها اليوم؟". أجابه: "نعم، بدون شك.. سأتخلى عن أي نفوذ قسري قهري لي على هذه الدولة، ذلك النفوذ الضروري في الفترات الأولى، والذي يجب التخلي عنه في الفترات المتقدمة من تطور الدولة.. لكن ذلك لا يعني أنني لن أسعى لحفظ نفوذ لي، ولعائلتي، من خلال الإقناع للشارع السوري، ومن خلال تقديم مشاريع تُرضي هذا الشارع، أكسب من خلالها تأييده، دون أي إكراه أو قسر".<br><br>كان قراراً حازماً بعدم اعتلاء أي منصب رسمي في الدولة السورية. اكتفى جمال باحتلال موقع رئيس حزب الوسط، وهو منصب توجيهي يتولى صاحبه رسم السياسات والتوجهات الرئيسية العامة للحزب، فيما يتولى المكتب التنفيذي في الحزب، عملية التنفيذ.<br><br>وهكذا كان جمال بالنسبة لكثير من السوريين، شخصية قيادية فريدة في عُرفهم. فهم اعتادوا على قيادات تستأسد كي تتصدر المشهد، وقد تُنحّي جانباً كل مبادئها في سبيل احتلال أعلى المناصب. كان معظم السوريين يعرفون القائد بأنه ذلك الذي يظهر لهم في كل وقت وحين، وصوره تحتل صدر مؤسسات الدولة، وتماثيله تنتشر في الساحات العامة، والحديث عنه لا يغيب في وسائل الإعلام والتواصل. كان جمال قائداً استثنائياً، فهو يريد العمل وراء الكواليس، الأمر الذي قسم السوريين حياله، إلى فريقين، أحدهما لم يتقبل هذه النوعية من القيادات، ونظر إليها بعين الريبة، متسائلاً عن غاياتها النهائية، ولم يبد قناعة بالتبرير الذي ساقه جمال عبر حواره الشهير قبيل الانتخابات. وفريق آخر، زاد احترامه لهذه القيادة، وإعجابه بأدائها، وتقديره لحنكتها. كان الفريق الآخر من السوريين واسعاً جداً، كان يرى في جمال أيقونة فريدة، خصّها الله لهم، كي ينتشل بلدهم، وينتشلهم معها، من حضيضٍ وصلت إليه، لتصبح في مكانة مرموقة، بعد أن باتت لأكثر من عقد، بقعة قروسطية، تُنسج الأساطير حول ما يحدث فيها، حول العالم، فيما يعيش سكانها حياة لم يعشها معظم سكان الأرض منذ قرن فائت، وكأنهم دخلوا آلة الزمان، وارتدوا عقوداً إلى الوراء.<br><br>وبكل الأحوال، ومع اختلاف مواقف السوريين حيال تبربر جمال لاعتزال المناصب الرسمية في الدولة، لم يكن أحد يتوقع للتكتل المعارض الفوز. فالعقد الاجتماعي غير المعلن، بين السوريين، وبين جمال، القائم على حكمه لهم، حتى لو من وراء الستار، مقابل إغداق 200 مليار دولار سنوياً لدفع مسيرة الدولة السورية، كان قد تأصل في أذهان السوريين، وتورط فيه جمال بصورة لم تسمح له، لاحقاً، بالفكاك، أبداً، حتى مراحل متأخرة من حياته.<br><br>وفاز ناجي الفتيحي بمنصب رئاسة الجمهورية، بنسبة 82% من أصوات السوريين الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية، والتي بلغت نسبة 75% ممن يحق لهم التصويت. وأصبح وسام شرف، أوتوماتيكياً، نائباً لرئيس الجمهورية. <br><br>أدى ناجي الفتيحي القسم الدستوري أمام مجلسي النواب والشورى، في مقر البرلمان السوري العتيد، قرب طريق الصالحية، في قلب العاصمة دمشق، في مشهد دفع بعض السوريين إلى ذرف الدموع، بعد أن استذكروا مشاهد مماثلة في التاريخ السوري القريب، حتى لو كانت لبشار أو حافظ، لكنها كانت تعبر عن وجود دولة، لها في وجدان كبار السن من السوريين الكثير من المعزة والاشتياق.<br><br>واستُقبل ناجي الفتيحي في عرض عسكري، أجراه الحرس الجمهوري، الذي بات فرقة صغيرة مخصصة فقط لحراسة قصر الشعب القابع في نقطة جبلية مرتفعة مطلة على دمشق، قرب المزة، والذي أُعيد تأهيله مرة أخرى، ليكون من جديد، مقراً لمؤسسة رئاسة الجمهورية، بما فيها، مقر إقامة الرئيس ذاته، ومكتبه، ومكاتب موظفيه، ومستشاريه، والأجنحة الخاصة باستقبال زعماء الدول الأخرى، إلى جانب غرف عمليات وتحكم في الطوابق الموجودة تحت الأرض.<br><br>أما نائب رئيس الجمهورية، الذي احتل وسام شرف، موقعه، فاستعاد مكتبه القديم المتواضع، في منطقة أبو رمانة، بقلب العاصمة دمشق، وأُلحق بمبناه القديم، الذي أعيد تأهيله، ثلاثة مبانٍ أخرى، لتوفير المساحة الكافية للموظفين والمستشارين المُلحقين بنائب رئيس الجمهورية.<br><br>وبعد بضعة أسابيع، كلّف ناجي الفتيحي، رجل أعمال حلبيّ شهير، بتشكيل الحكومة الجديدة، وسط جدل وإدانات من بعض الرافضين لسياسة تصدر رجال الأعمال لمشهد الحياة السياسية في البلاد. لكن تشكيلة الحكومة الجديدة مرت بسهولة في تصويت مجلسي الشورى والنواب، حيث يسيطر حزب الوسط على غالبية المقاعد.<br><br>كان الدستور المُعتمد للبلاد قد حدد ولاية رئيس الجمهورية، بخمس سنوات، وحدد لكل رئيس، ولايتين فقط، كحد أقصى.<br><br>&nbsp;وأعلن ناجي الفتيحي، بعيد تكليف الحكومة الجديدة، ونيلها تأييد السلطة التشريعية، أنه سيخصص السنوات الخمس التالية لتنفيذ خطة سبق أن أعلن جمال عن استعداده لتمويلها، وهي استثمار البادية السورية، مترامية الأطراف، زراعياً، عبر مشروع طموح يعتمد على اتفاق مموّل مع تركيا، تسمح بموجبه الأخيرة بحفر آبار ارتوازية على أعماق كبيرة، على طول الحدود السورية – التركية، يمكن بموجبها تأمين كميات هائلة من المياه الجوفية المُنحدرة من أعماق الجنوب التركي إلى شمال سوريا، قُدرت بأنها تفوق تلك التي يوفرها نهر الفرات بمرات.<br><br>كانت الخطة تتطلب تمويلاً بقدر بـ ترليون دولار، تعهد جمال بدفعه، بمقدار 200 مليار دولار سنوياً، على أن يتم استصلاح كافة الأراضي في البادية السورية، وبين المحافظات، وتحويلها إلى بقع زراعية مثمرة، تُزرع فيها محاصيل استراتيجية، كالقمح والقطن والزيتون، وأخرى اقتصادية، كالخضروات والفواكه، وأخرى تخصص كمراعٍ لتوسيع وتطوير الثروة الحيوانية، على أن يُخصص الجزء الأكبر من تلك المساحات، لزراعة المحاصيل المستخدمة كوقود حيوي.<br><br>كان جمال قد قرر تكرار تجارب مصر وتركيا وروسيا، التي حولت تلك البلدان إلى مُصدّر رئيس لمحاصيل الوقود الحيوي، المرفق برقاقات الطاقة الشمسية المُصنعة في مصانع مخصصة تتبع لشركات جمال الدمشقي، وفق صفقات محددة مع حكومات تلك الدول. <br><br>تلك التجربة، كانت في طريقها للاستنساخ في سوريا، بعد أن أصبح الوقود الحيوي، البديل عن 60% من استخدامات النفط والغاز في العالم، حتى الآن، مما يعني أنه بترول المستقبل، وذهبه الأسود.<br><br>وكانت خطة الاستصلاح تلك تتضمن أهدافاً أخرى، منها، تأسيس تجمعات سكنية بين الأراضي الزراعية الواسعة، في عمق البادية المُستصلحة، بصور نموذجية، تشابه طرق العمارة الأمريكية للمساكن في أطراف المدن، على أن تحظى تلك التجمعات بكل المستلزمات من بنية تحتية، وخدمات لوجستية وتعليمية وصحية وثقافية وترفيهية. وكان الهدف في نهاية المطاف، جذب شريحة واسعة من السوريين للسكن في تلك التجمعات السكنية الجديدة، لتحقيق غايتين، الأولى، إخراج السوريين من التجمعات المدنية الكبرى، بغية التخلص من حالة الازدحام السكاني الكبير في المدن، وما يتبعها من تلوث ومشكلات خدمية وبيئية، والغاية الثانية، العمل على الجمع بين ألوان الطيف السوري المختلفة، في تجمعات سكنية تربطهم فيها مصالح معيشية مشتركة، بصورة تخفف من حالة الاستقطاب الديمغرافي في سوريا على أسس طائفية وعِرقية. <br><br>سيكون سكان تلك التجمعات من أولئك المُلتحقين بمشروع الاستصلاح الهائل، الذي ستشهده أراضي البادية السورية الواسعة. وسينالون بموجب التحاقهم ذاك، عقار تمليك في التجمعات السكنية الجديدة، وحصة من أرباح الأراضي التي يتولون استصلاحها، بتمويل ودعم كامل من ممولي الخطة ومنفذييها.<br><br>ذهبت تقديرات إلى أن مشروع الاستصلاح الهائل المزمع، يتطلب أكثر من مليون يد عاملة، وبالتالي، فهو سينقل ما يتراوح بين 2 إلى 3 مليون نسمة (عائلات الأيدي العاملة)، إلى عمق البادية السورية، التي من المُفترض أن تتحول إلى أراضٍ زراعية غنّاء.<br><br>كان مشروعاً واعداً، أثار شهية الكثير من السوريين، ممن رغب في هذا النوع من الحياة، بعيداً عن ضجيج المدن، في تجمعات سكنية راقية، بموجب قطعة أرض يستصلحها، تُدر عليه دخلاً شهرياً مناسباً لحياة معيشية ممتازة. كان الكثير من المتحدرين من بيئات زراعية، ممن لا يملكون حيازات زراعية في مناطقهم، أو يملكون حيازات صغيرة لا تتمتع بجدوى استثمارها، متحمسين لذلك المشروع. كذلك، انضم إليهم فئة من أهالي المدن، الذين ينشدون الحياة الريفية الهادئة، بهوائها العليل، وهدوء مجتمعاتها الصغيرة، حيث يعرف الجميع بعضهم، وتسود علاقات اجتماعية عميقة بين الجيران في بقعة جغرافية محدودة.<br><br>كما أثارت تلك الخطة شهية الكثير من المستثمرين السوريين، الذين راهنوا على افتتاح أنشطة خدمية وتعليمية وترفيهية في التجمعات السكنية الجديدة. <br><br>وبموجب تلك الخطة، تم حل إشكال تاريخي، يعود إلى ستينات وسبعينات القرن العشرين. إذ تم منح الأكراد مساحات واسعة من الأراضي، التي سيتم استصلاحها، كتعويض لهم عن تلك الأراضي التي سُلبت منهم، في عهد العمل على إنشاء سد الفرات، والذي اعتُبر حينها، في نظر الأكراد، عملية تعريب ممنهجة لمناطق تمركزهم الديمغرافي.<br><br>كذلك، تم تعويض مئات آلاف العرب، الذين يتحدرون من سلالة "عرب الغمر"، الذين كانوا قد خسروا أراضيهم يوم إنشاء سد الفرات في السبعينات، وتم تعويضهم بأراضٍ صُودرت من الأكراد في ذلك التاريخ، ليتم طردهم من تلك الأراضي لاحقاً، عشية إنشاء الكيان الكردي، شمال شرق البلاد، في منتصف العقد الثاني من القرن الحالي.<br><br>حُلَّ إشكال تاريخي، وكان الجميع راضياً. لكن أمراً لم يعترض عليه الكثيرون، كان جمال يمرره بهدوء من خلال تلك الخطة، وهو الجمع بين العرب والأكراد، ومكونات عرقية سورية أخرى، في التجمعات السكنية الجديدة، بحيث لا يكون أي منها بلون عرقي أو مذهبي واحد. كان هدف جمال الخلط قدر المستطاع بين السوريين، بمختلف ألوان طيفهم، علهم يخرجون، بعد حين، من بوتقة انتماءاتهم الضيقة، إلى رحابة الانتماء الوطني الجامع بينهم، بموجب الوطن، والمصلحة المشتركة أيضاً.<br><br>وهكذا، أطلق المشروع الذي أعلنت عنه حكومة دمشق الجديدة، المُنتخبة، نشاطات اقتصادية جديدة، ضخمة، وعزز السيولة داخل سوريا، وقلّص نسب البطالة إلى أقل من 2.5%، الأمر الذي جعلها تقترب من النسب العالمية في دول الغرب.<br><br>***<br><br>في بداية خريف العام 2039، أكدت مجلة "فوربس" الاقتصادية العالمية، أن ثروة جمال الدمشقي باتت، دون شك، تفوق الـ ترليون دولار (1000 مليار دولار). وقالت المجلة حينها، إن جمال الدمشقي أنفق ما يتجاوز الـ 1.5 ترليون دولار على مشاريع خيرية، وأخرى سياسية، من بينها ما أنفقه على عمليات إعادة إعمار سوريا.<br><br>كانت المجلة دقيقة. إذ بات مجموع القيمة التقديرية لاستثمارات جمال، وعقاراته، إلى جانب السيولات المالية التي يملكها، حول العالم، يتجاوز الـ ترليون دولار.<br><br>ونُحت لقب "الترليونير" خصيصاً لـ جمال الدمشقي، الذي بات أول "ترليونير" معروف في التاريخ.<br><br>لم يكن وزن جمال مالياً فقط، إذ أن امتلاك مجموعته القابضة، "الدمشقي"، لحقوق الملكية الفكرية والاستثمارية، لعدد من الأفكار العلمية الرائدة، مصدر قوة معنوية هائلة. لذلك، قالت يومها، صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، بأن جمال بات قوة إقليمية كبرى، فهو يملك مصادر قوة ناعمة عديدة، تتمثل في المال والاستثمارات والصفقات التي يُديرها مع الحكومات. كما أنه يملك جيشاً يتبع لسيطرته غير المعلنة، في سوريا، ويملك نفوذاً هائلاً، في سوريا، وكذلك في لبنان، ووسط العراق المحرر أخيراً من "داعش".<br><br>ويملك جمال علاقات مصالح وطيدة ومتبادلة، تقترب إلى حد التحالف الهيكلي العميق، مع نخب حاكمة في دول، كتركيا، وبعض الدول الخليجية.<br><br>وأقرت "الاندبندنت" بأن جمال يُخفي الكثير من المفاجآت، من بينها ما يتم التهامس بخصوصه، في أوساط استخباراتية، عن امتلاكه مقدرات علمية في مجال الاتصالات والتجسس، غير مُعلنة، قد تكون متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.<br><br>ذلك الحديث عن نفوذ جمال وتأثيره الدولي، ومصادر قوته، المعروفة، وتلك الخفية، تزامن مع توقيع صفقة اقتصادية دولية، مثّلت النقلة النوعية الكبرى، الثالثة، لـ جمال، في عالم الاستثمار. إذ نجح جمال، بعد سنوات من التخطيط، والتفاوض، وجمع الخيوط، وتشبيكها، في عقد صفقة بين كبرى شركات النسيج العالمية، بمباركة صينية تحديداً، مقابل منح الصين ميزة معرفية على صعيد استثمار الوقود الحيوي ورقاقات الطاقة الشمسية، وتصنيعها على أراضيها.<br><br>الاتفاق ضم كل شركات النسيج العالمية الكبرى، وأيضاً، تلك متوسطة الحجم، وحتى الصغيرة. وشاركت فيه الغالبية العظمى من دول العالم. وبموجب ذلك الاتفاق، تم تقسيم سوق النسيج العالمي، بين تلك الشركات، بصورة تحقق مكاسب نوعية لمختلف الأطراف، على أن تُستحدث، خمس مواقع عالمية، لتصنيع النسيج، تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع السوق العالمية للنسيج، بالاتفاق بين مختلف الأطراف الدولية. كانت تلك المواقع، في تركيا ومصر وسوريا وإيران والصين. واستحوذ جمال على الاستثمارات الخاصة بالمواقع في سوريا ومصر وتركيا وإيران، وترك الموقع الصيني للمستثمرين الصينيين.<br><br>وبموجب ذلك الاتفاق، سيتم تقسيم سوق النسيج، بنسبة تفوق الـ 75%، بين منسوجات صينية مخصصة للطبقات الوسطى الدنيا، والفقيرة، وبين منسوجات مصرية وتركية وسورية وإيرانية، مخصصة للطبقات الوسطى الوسطى، والوسطى العليا، والطبقات الثرية.<br><br>وأمام ذلك التكتل النسيجي العالمي، الذي أنشأه جمال، اضطرت كل الشركات في العالم، للالتحاق به، أو الخروج من السوق فعلياً، فاحتكر بذلك سوق النسيج العالمي بصورة شبه كاملة، بالتنسيق مع الصين، والدول الإقليمية المشاركة في الاتفاق، وبموافقة غربية، بعد أن أُدرجت أبرز الشركات الغربية في الاتفاق، بموجب حصة خاصة بها.<br><br>وقُدرت إيرادات الاتفاق الشهير، الذي وُقّع في جنيف، في خريف العام 2039، بـ 1.5 ترليون دولار سنوياً، 10% منها ستكون لصالح مجموعة "الدمشقي" القابضة، التي ارتفعت إيراداتها السنوية لتصبح بحدود 500 مليار دولار سنوياً.<br><br>وقبل نهاية العام 2039، قالت "فوربس"، إن جمال الدمشقي سيحصد سنوياً، مرابح صافية، تتجاوز نصف ترليون دولار (500 مليار دولار)، مما سيجعله قوة اقتصادية واستثمارية ومالية أسطورية، كفرد. <br><br>كان جمال قد قرر تخصيص 60% من إيراداته السنوية لصالح سوريا وشبكات إعمار ودعم مالي في دول إقليمية أخرى، منها لبنان، وحكومة وسط العراق الوليدة، المدعومة من جانبه. وكان ذلك يعني أن ثروة جمال الدمشقي، الخاصة، ستزيد، سنوياً، بمقدار، 200 مليار دولار، فيما سيزيد نفوذه سنوياً، بمقدار 300 مليار دولار، سيستثمرها في سوريا ولبنان والعراق، وبلدان أخرى، حول العالم.<br><br>كانت إسرائيل تراقب صعود جمال الدمشقي، السريع والمُقلق، بالنسبة لها. وكانت منذ بداية العام 2040، تفكر جدياً في تقليم أظافره سريعاً، قبل فوات الأوان. وكانت تجربتها السابقة، في محاولة اغتياله، عام 2033، قد لقيت إدانة قاسية من أوساط غربية واسعة، وكادت تُطيح بكل ما بقي من تعاطف ومقومات تحالف، بين أوساط النخب الغربية، بما فيها الأمريكية، وبين الكيان الإسرائيلي.<br><br>لذلك، كانت إسرائيل تفكر بطريقة أخرى. إذ أنها فهمت منذ نهاية العام 2033، أن تصفية جمال الدمشقي، خط أحمر غربياً، لأن ما نُسج من مصالح مشتركة نوعية، بين النخب الغربية، وبين جمال، تجعل الأولى تفكر ألف مرة، قبل تغييبه القسري. كانت تلك النخب ترى في جمال شريكاً مفيداً للغاية، وشريكاً مطمئناً، إلى حدٍ ما، في آن. فهو استطاع، عبر أفكاره الاستثمارية الخلّاقة، إنعاش الاقتصاد العالمي بصفقات ونشاطات اقتصادية، قُدّرت قيمتها بأكثر من 10 ترليون دولار. أفاد منها الغرب كثيراً، فانتعشت اقتصادياته الراكدة لعقود. <br><br>إلى جانب ذلك، كانت تلك النخب الغربية، تخشى أن يؤدي غياب جمال الدمشقي، بصورة قسرية ومفاجئة، إلى انفلات مقدرات علمية وعسكرية غير معلنة، يملكها الرجل، وتلك النخب تثق بوجودها لديه، وتخشى أن تصبح تلك المقدرات المجهولة المدى، حتى الآن، في أيدي شخصيات مُنفلتة، غير معروفة بالنسبة للغرب، يصعب ضبطها، أو التفاهم معها.<br><br>كانت نخب الغرب على ثقة بأن جمال يطوّر قدرات علمية غير معلنة. لكن تلك النخب كانت على ثقة، أنها قادرة على ضبطه. كما أن أسلوب جمال في البحث الدائم عن تسويات ومساومات وصفقات وحلول وسط، مع مختلف الأطراف، حتى تلك التي تكن له العداء، جعل نخب الغرب ترى فيه شريكاً مطمئناً إلى حدٍ ما.<br><br>فهو نسج في بداية صعوده علاقات وطيدة مع صفوة أثرياء الغرب ومستثمريه، وكذلك، مع نخبه السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية، وكذلك، مع نخب من التكنوقراط الغربي. ومن ثم، نسج شراكات معمقة مع النخبة التركية، باتجاهيها، الإسلامي والقومي العلماني. وكذلك، نسج شراكات وطيدة مع نخب الدول الخليجية. ولاحقاً، عزز شراكته مع النخبة الحاكمة في مصر. ومن ثم، استطاع استمالة روسيا، لتصبح واحدة من أقرب شركائه وحلفائه، بعد أن كانت تنظر إليه نظرة ارتياب حادة، بحكم مواقفه المعلنة المعارضة لتدخلها السافر في بلاده. ومن ثم، استمال الصين. وها هو، عام 2039، يستميل ألد أعدائه في المنطقة، إيران، حتى بعدما ثبت تورط إيران في محاولة اغتياله عام 2033، بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، وبعد أن حاربت المقاتلين العراقيين المحسوبين عليه، الذين كانوا يتقدمون للقضاء على دويلة "داعش" وسط العراق.<br><br>إيران، التي واجهت جيش جمال، في العراق، بالقوة العسكرية المباشرة، وفشلت، رغم رهان بعض نخب الغرب، وكذلك إسرائيل، على حرب طويلة بين السُنة والشيعة في العراق، يرعاها جمال من جانب وإيران من الجانب الآخر.. فُوجئت، أي إيران، بـ جمال، يقبل بفتح قناة تواصل معها، سرية في البداية، وعلنية، لاحقاً.. لتُتوج، سلسلة مطولة من المحادثات، في مسقط بعُمان، ومن ثم، في دبي بالإمارات، وأخيراً، في استانبول بتركيا، باتفاق إيراني، مع جمال الدمشقي، يحدد الحدود، ويقرّ لـ جمال، بوسط العراق، بما فيها بغداد، ويقرّ لإيران بجنوب العراق بدءاً من كربلاء والنجف. ومقابل ذلك، تم خرط إيران في مساعي تأسيس التكتل النسيجي العالمي، الذي جعل منها واحدة من أكبر خمسة مواقع عالمية لصناعة النسيج، مما عزز اقتصادها بصورة غير مسبوقة.<br><br>باختصار، كانت نخبة الغرب معجبة بـ جمال، وتراهن على براغماتيته، وترى أن مصالحة كاملة بينه وبين إسرائيل، ليست أمراً مستحيلاً، خاصة أنه هو ذاته، أسرّ لأصدقاء له، من تلك النخب، أكثر من مرة، باستعداده للتصالح التام مع إسرائيل، بشرط استعادة القدس الشرقية، والسماح بإقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، تملك مقومات البقاء والاستمرار، إلى جانب إرجاع الجولان لسوريا، ومزارع شبعا وكفرشوبا للبنان.<br><br>لكن ذلك، لم يمنع النخب الغربية، المقربة من دوائر صنع القرار الخفي، في عواصم الغرب، من الموافقة على اقتراح إسرائيلي سرّي، مفاده، القيام بعمل عسكري ضد سوريا، للكشف عن القدرات التي يملكها جمال الدمشقي، على أن يكون ذلك العمل العسكري، بغطاء غربي غير معلن، وعلى أن يعمل الغرب على ضبطه، كي لا يتحول إلى حرب شاملة تهدد الوجود الإسرائيلي.<br><br>وافقت نخب الغرب، الخفية، على ذلك الاقتراح. ومنذ مطلع العام 2040، كانت إسرائيل، ودوائر استخباراتية غربية، تُعد العدّة لعمل عسكري ضد سوريا. لكن إسرائيل، جربت بدايةً، الضغط على جمال، علّه يخضع دون عمل عسكري، ويقبل الكشف عن طبيعة التحصينات العسكرية التي يتم تعزيزها جنوب سوريا، قرب الجولان. وإن قَبِل بذلك، كانت إسرائيل تعتزم تطوير مطالبها، لتصل إلى حد المطالبة بزيارات لمفتشين دوليين إلى مقرات ومنشآت عسكرية وبحثية داخل الأراضي السورية.<br><br>كانت إسرائيل تريد، بأي شكل كان، الكشف عن حقيقة القدرات العسكرية والعلمية، التي يملكها جمال، وتلك التي يطورها سراً، وإلى أي مدى وصلت. ولم يرفض الغرب مطلب إسرائيل هذه المرة، شريطة ألا تخرج الأمور عن السيطرة. فالقضاء الكامل على جمال الدمشقي، مرفوض، غربياً.<br><br>***<br><br><br><font>يتبع في الفصل الرابع عشر..</font><br><br><div><font>روابط الفصول السابقة:</font></div><div><br><a>بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br></div><div><br></div><div><br></div><br><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/22045</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//8c13792098573a4444f31c6e.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//8c13792098573a4444f31c6e.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/21752</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/21752</comments>
						<pubDate>Fri, 21 Sep 2018 20:42:38 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/21752</guid>
						<description><![CDATA[في مطلع صيف العام 2031، كان تعداد جيش جمال من المتطوعين السوريين في لبنان، يتجاوز الـ 20 ألفاً، مسلحين بأحدث الأسلحة المناسبة لحرب العصابات، وبأحدث التقنيات المناسبة،]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>في مطلع صيف العام 2031، كان تعداد جيش جمال من المتطوعين السوريين في لبنان، يتجاوز الـ 20 ألفاً، مسلحين بأحدث الأسلحة المناسبة لحرب العصابات، وبأحدث التقنيات المناسبة، بتمويل من جمال، وتقبّل غربي، أتاح استيراد كل المعدات اللازمة، بل ودعم عمليات ابتعاث متخصصين عسكريين لبعض المعاهد والجامعات العسكرية الغربية للدراسة والتدريب هناك.<br><br>وكان يرافق جيش جمال من المقاتلين، جيش مماثل، يقترب منه في التعداد، يتكون من أمنيين ومسؤولي تنظيم وإدارة وسيطرة، تم تدريبهم على أعلى مستوى عبر الخبرة النظرية، والتجربة العملية، من خلال العمل على إدارة حياة اللاجئين السوريين في لبنان الذين فاقوا الـ 4 ملايين نسمة، وإدارة شؤونهم، وضبط حياتهم، في البعدين الأمني والتنظيمي، على مدى السنوات التي تلت العام 2022، أي على مدى تسع سنوات من التجربة والخبرة.<br><br>لكن تعداد جيش المقاتلين، كان في نظر المراقبين العسكريين الغربيين، وكذلك العرب واللبنانيين، صغير جداً، أمام جيش يُعد بمئات الآلاف من الدواعش، يسيطرون على كامل التراب السوري، وأجزاء كبرى من التراب العراقي، وصولاً إلى المحافظات الشمالية من الأردن.<br><br>كان المراقبون الأجانب والعرب، لا يدركون أن جمال يراهن على قوة أخرى، ليست عسكرية، إنها قوة الاختراق الذي حققه في أوساط قيادات التنظيم وقواعده، داخل المناطق التي يعتزم استهدافها. وكان جمال يعلم جيداً بنية الهيكلية القيادية للتنظيم، ومكامن قوته وضعفه. <br><br>وفي مطلع ذلك الصيف، انطلقت طلائع جيش جمال لتتقدم نحو الأراضي السورية، مستهدفةً بدايةً، تحصينات "داعش" في الريف الغربي لدمشق، وخلال أقل من أسبوع، كان التنظيم فيه يتهاوى سريعاً، كان مقاتلو جيش جمال يقتحمون دمشق من بوابتها الغربية، ويخوضون معركة سريعة وخاطفة داخل أحياء دمشق العتيدة.<br><br>كان لدى مقاتلي جيش جمال خارطة مفصلة بمواقع قيادات "داعش" الفاعلة، وحواجزهم، وتجمعاتهم العسكرية الحيوية، ومخازن أسلحتهم. كذلك كان جيش جمال قد اخترق شبكات تواصل قادة "داعش"، وشيفرات ذلك التواصل، فكانوا على إطلاع بمعظم محادثات قادة التنظيم فيما بينهم، أثناء المعركة. لذا كانت معركتهم واضحة الأهداف، سريعة وخاطفة. <br><br>وحالما أدركت قيادة "داعش" في دمشق أن معركتها خاسرة، أمرت مقاتليها بالانسحاب الكيفي، وقُتل المئات من مقاتلي "داعش"، فيما سلّم المئات الآخرون أنفسهم، وفرّ بضعة آلاف خارج دمشق، في مسعى لإعادة تنظيم صفوفهم، لمعاودة الهجوم، لكن جيش جمال لم يمهلهم، ولاحقهم، شمالاً حتى حمص، وجنوباً حتى درعا، وشرقاً حتى عمق البادية السورية.<br><br>خلال أقل من شهر، كان جيش جمال قد حرر دمشق وريفها كاملاً، وكان على أبواب حمص ودرعا، بعد أن سيطر على الأرياف المؤدية إليهما.<br><br>كان نصراً سريعاً ومؤزراً. وفي آب 2031، سار جمال الدمشقي في أروقة دمشق، لأول مرة، بعد غياب 18 سنة. كان حوله جنوده، ومرافقوه، يهتفون بحياته، ويهللون للنصر المؤزر، فيما كان هو يهيم بدمشق، وحالما خطا خطواته الأولى في سوق الحميدية المسقوف، أجهش بالبكاء، وتهاوى على الأرض، وقبّل البلاط الحجري القديم عليها. وسار بخطوات وئيدة يتشرّب كل ما حوله. لم يتغير الكثير في هذه البقعة، إنها دمشق، يتعاقب عليها الغزاة والطغاة، وتبقى هي هي. دخل الجامع الأموي، حيث أجهش بالبكاء مجدداً، وتهاوى على سجاده قرب ضريح النبي يحيى، وصلّى لله، صلّى أكثر من عشرين ركعة، غاب عن محيطه، حيث عقد مرافقوه حلقة كبيرة حوله، لحراسته وحمايته، فيما غاب هو في عالم آخر، أطال السجود، وبكى، وسأل الله أن يُجيره الفتنة، فتنة الجاه والمال، والنصر، وأن يغفر له ما سبق من ذنبه، وأن يثبت نصره، ويسدد خطاه، وأن يُحسن خاتمته.<br><br>كانت اللقطات الأولى التي بُثت لـ جمال الدمشقي يخترق أحياء دمشق وسط موكب من جنوده المهللين، والتي تناقلتها وسائل الإعلام العربية والعالمية بكثافة، قد رفعت جمال بسرعة إلى مرتبة الرمز السوريّ الأول. كان الأمل المُنتظر، الذي ملّ معظم السوريين انتظاره، فمات منهم من مات، وشاب من شاب، ونسي من نسي، وقنط من قنط. فكانت إطلالته تلك، ولادة جديدة لنفوسهم الملتاعة، في بلدان اللجوء والمهجر، وفي الداخل السوري.<br><br>خلال ثلاثة أشهر فقط، تهاوت خطوط دفاع التنظيم، واكتشفوا أنهم مخترقون للعظم، وأن معظم قياداتهم عميلة لـ جمال، فتصدع جدار الثقة بين القيادات، وحدثت عمليات اغتيال عديدة، وإعدامات، وفرار. وهكذا استطاع مقاتلو جيش جمال، تحرير حمص ودرعا وحماه وحلب والسويداء، فاستعادوا معظم التراب السوري، باستثناء الساحل، ومناطق سيطرة "الوحدات الكردية" (الجزيرة السورية)، ووقف المقاتلون على أبواب العراق، لكنهم لم يعبروا الحدود المُزالة عملياً بين البلدين، كما أنهم لم يتقدموا لطرد "داعش" من المحافظات الشمالية بالأردن.<br><br>دعا جمال جميع القيادات السياسية والنشطاء من السوريين، الذين ما يزالون فاعلين حتى اليوم، للعودة إلى دمشق، لترتيب البيت السوري من جديد. لكن العائدين الأوائل، كانوا هم تحديداً من حظوا بتنسيق مسبق مع تكتل جمال السياسي والإداري، قبل تحرير دمشق، عبر علاقاتهم بالمقربين من جمال في بلدان اللجوء والمهجر. بمعنى آخر، كان العائدون الأوائل إلى دمشق، من الفاعلين السياسيين، هم فقط، المُحتسبين على تجمع النخب الداعم والموالي لـ جمال، بحكم المصلحة، أو القناعة، أو انتفاء البديل.<br><br>ومن دمشق، قاد جمال غرفة عمليات أُعدت على عجل، وشكّل حكومة تكنوقراط، ضمت كفاءات سياسية وإدارية وتنظيمية، بعضها يرجع إلى عهد ما قبل الثورة، وبعضها من الداخل السوري، كان يعمل تحت عباءة "داعش"، كأمرٍ واقعٍ، وينسق في الخفاء مع تكتل جمال السياسي في الخارج، فيما كان بعض شخصيات تلك الحكومة من قيادات إدارية مقربة من جمال نفسه.<br><br>كانت خطط الإدارة وتنظيم اليوم الذي يتلو تحرير دمشق، جاهزة لدى جمال، فعقد اجتماعات مكثفة مع القيادة الإدارية والتنظيمية الجديدة، ووزع الأدوار، ووضح الاستراتيجية الجديدة، التي كان أبرز جوانبها، السماح بعودة اللاجئين السوريين من لبنان فقط، كخطوة أولى، ومن ثم، بعد تمهيد الوضع الداخلي، وإعادة إعمار أكبر قدر ممكن من البنية التحتية، يمكن إعادة دفعات أخرى من اللاجئين السوريين في تركيا والأردن.<br><br>كان جمال لا يريد أن تتعرض جهود إدارته الوليدة في دمشق، لضغط عودة أكثر من 12 مليون لاجئ سوري في تركيا والأردن ولبنان، دفعةً واحدةً، حيث معظم المدن السورية بناها متهالكة، والكثير من أحيائها مدمر، إذ أن حقبة "داعش"، التي امتدت عشر سنوات، لم تشهد نشاطات إعمار جدّية.<br><br>وكان جمال يراهن على اتفاق مسبق مع الحكومة التركية، بهذا الخصوص، بألا يتم فتح الحدود أمام عودة اللاجئين السوريين في تركيا، مباشرةً. أما في الأردن، فكانت مناطق سيطرة "داعش"، في شماله، تشكل حاجزاً بين اللاجئين السوريين الذين نزحوا، يوم اجتاحت "داعش" الشمال الأردني، إلى العاصمة، ومناطق الوسط والجنوب والغرب الأردني.. وبين الأراضي السورية.<br><br>وبعد أربعة أشهر فقط من بدء العمليات العسكرية الأولى لتحرير دمشق وسوريا، من سيطرة "داعش"، أُعلن عن بدء أعمال الحكومة المؤقتة في دمشق. اعترضت بعض التشكيلات المعارضة السورية في المهجر، لإقصائها عن المشهد، كما علّق بعض النشطاء الإعلاميين والسياسيين، السوريين، بالنقد، لانفراد جمال بترتيب البيت السوري، وحده، بعيداً عن أي إجماع سوريّ. لكن لم يكن لأحد القدرة على عرقلة مسار جمال، إذ كانت تلك التشكيلات المعارضة، واهية، لم تعد تحظى بدعم من أي طرف إقليمي أو دولي، بعد أن تهالك جدوى الاستثمار في الأزمة السورية، لدى مختلف الأطراف الخارجية. ولم يكن لتلك التشكيلات أي وجود ميداني فاعل على الأرض في الداخل السوري.<br><br>أما، النشطاء، الذين كان الـ "فيسبوك"، ساحتهم، فتعرضوا لحرب دعائية وإعلامية مكثفة، من إعلاميين آخرين، محسوبين على جمال، يعملون وفق مخطط دعائي تم ترتيبه قبل سنة من بدء عمليات تحرير دمشق. وتمكنوا من استمالة بعض المعترضين الذين يهتم جمال لأمرهم، فيما تم اغتيال الباقي منهم معنوياً، في رفض جازم من جانب جمال لظاهرة "الارتزق" على حساب المأساة السورية، التي عمت شرائح واسعة من النشطاء السوريين، حسب قناعة جمال، يومها.<br><br>***<br><br>بعيد العام 2025، وانتكاسة آخر غزوات "داعش" التوسعية في لبنان، وبعد اتفاق التنظيم على وقف المعارك مع إيران وتركيا، شعر قادة "داعش" بخطورة توقف جميع النشاطات العسكرية التي تحمل اسم "الجهاد"، على مصير التعبئة المعنوية لدى أنصار التنظيم.<br><br>أما الغرب، الذي عقد اتفاقيات غير معلنة مع "داعش"، لوقف ضربها جوياً، مقابل ضمان أمن الحدود الإسرائيلية والأردنية، لم يستجب لطلبات قادة "داعش"، الذين كانوا يرسلون رسائل عبر وسطاء، يطلبون فيها الانفتاح على العالم، والاعتراف بدولتهم، مقابل الاستعداد للالتزام بالضوابط السائدة للعلاقات في المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي.<br><br>كان قادة "داعش" يرومون الاستقرار لدولتهم، والترسيخ لوجودهم، عبر انتزاع اعتراف دولي علني بهم، يترجم الاتفاقات السرّية، إلى انفتاح كلي.<br><br>وكان قادة "داعش"، يغلب عليهم العنصر العراقي، الذي ما يزال يضم قيادات مخابراتية قديمة ترجع إلى عهد صدام حسين، تملك تأثيراً حاسماً في صنع القرار لدى قيادة التنظيم، رغم تقدمهم في السن.<br><br>وكان هؤلاء ينصحون القيادات الشابة، بضرورة تطبيع العلاقة مع الغرب، والمحيط الإقليمي، كي يُكتب لدولتهم الاستقرار بعيد الأمد. ناصحين إياهم، بأن دولتهم المنبوذة، غير المعترف بها، ستبقى مستهدفة، بصورة غير مباشرة، من قبل الغرب، إلى أن يجد الأخير الفرصة الملائمة للانقضاض عليها، ما دامت ترفع راية جهادية إسلامية. ولا يستطيع قادة "داعش" التخلي عن تلك الراية، لأنها المصدر الرئيس لتعبئة المناصرين والمقاتلين الأشداء، الذين يأتون من مختلف أصقاع الأرض للقتال في صفوف "الدولة"، ظناً منهم أنهم "يجاهدون" تحت راية الشريعة.<br><br>ورغم أن الآراء كانت منقسمة في أوساط الصف الأول من قيادات "داعش"، إذ كان فريق من تلك القيادات يرى أن تطبيع العلاقة مع الغرب سيكون كارثة على التنظيم، إذ أنه سيسقط شعاره الأثير، في مجاهدة "الكفار"، وتكون النتيجة، انهيار الدافع المعنوي لدى أنصار التنظيم.. لكن رأي القيادات الأكبر في السن، التي يتحدر معظمها من صفوف المخابرات العراقية في عهد صدام حسين، كان الأكثر قبولاً وتأثيراً في صفوف نخبة قيادات "داعش"، إذ كان يقوم على مبدأ الغلبة، وفرض الحكم بالسطوة المُدعمة بالدم. فعلى طريقة صدام حسين، أي ملمح للتمرد ضد سياسات التنظيم، يجب أن يواجه بصرامة قاسية، تصل إلى حد البتر لأي عضو أو مجموعة تظهر الامتعاض من قرارات القيادة العليا.<br><br>&nbsp;وبعد أن يضمن التنظيم السيطرة المطلقة على أتباعه، وعلى سكان المناطق الخاضعة لسيطرته، يمكن بعدها، إن تم له تطبيع الوضع مع الغرب، أن يبدأ بتقديم الإغراءات لأولئك الأتباع، والسكان، بحيث تصبح الحياة تحت راية "الدولة الإسلامية"، مُغرية بالمعنى المادي.<br><br>كان هذا الفريق من قيادات التنظيم، المتحدر من مؤسسة دولة، وإن كانت أمنية، يريد أن يؤسس دولة، بالمعنى المعاصر للكلمة، وأن تكون التبعية لها على أساس الولاء مقابل المال أو المصلحة.<br><br>وحصلت اتصالات بين "داعش" والغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، عبر ثلاث أقنية، تركية، وإيرانية، وخليجية. وكانت الأطراف الإقليمية الثلاثة تفضل إحدى حالتين، التطبيع الكامل للعلاقة مع "داعش"، بما يضمن أمن حدودها المتاخمة لهذه الدولة "الناشز". أو، شن حرب غربية شعواء عليها، للقضاء عليها بأسرع وقت ممكن. أما ما بين الحالتين، اللاحرب واللاسلم، لم يكن خياراً مناسباً لتلك الأطراف الثلاثة، التي لم تكن تشعر بالأمان حيال وجود كيان دولة، إلى جوارها، لا يتمتع بأي اتفاقيات دولية أو إقليمية رسمية، تحدد حدوده، وتوقف أي مسعى لديه للتوسع.<br><br>وبعد سنة من المفاوضات عبر ثلاث أقنية مختلفة، وصلت قيادات "داعش" إلى قناعة بضرورة إشعار الغرب بأن التفاهم معهم ملح، فمماطلة الغرب في المفاوضات، أوحت لتلك القيادات، أن الغرب غير جاد بالوصول إلى تفاهم معهم.<br><br>فيما كان الغرب، يستصعب تطبيع العلاقة مع دولة سبق أن وصف مؤسسيها بالإرهاب، واستهدفت بعمليات إرهابية، عمق المجتمعات الغربية، أكثر من مرة، وقامت سياسات غربية كاملة، على أساس مواجهة هذا التنظيم، والحرب عليه، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة.<br><br>لذا، كان الغرب يقدم طلبات قاسية للتنظيم، من قبيل الاعتذار عن كل الجرائم التي ارتُكبت بحق مواطنين غربيين، سواء أولئك الذين ذُبحوا داخل سوريا والعراق في فيديوهات مصورة، من جانب التنظيم، أو أولئك الذين سقطوا ضحايا عمليات إرهابية، رتب لها التنظيم داخل أراضي الغرب.<br><br>وطلب الغرب تقديم تعويضات أيضاً لأولئك الضحايا الغربيين. فوجدت قيادات "داعش"، أن تنفيذ الأمر، بهذه العلنية المطلوبة من الغرب، سيشكل ضربة قاسية للأساس الآيدلوجي الذي يقوم عليه التنظيم، وسيهز قناعات أنصاره ومواليه، بصورة صادمة، قد تهدد استقرار دولته.<br><br>فقرر التنظيم أن يضغط على الغرب. فبدأ هجوماً مفاجئاً على الأردن، رغم وجود اتفاق مسبق مغ الغرب، بتحييد الأردن، كما إسرائيل، عن أي عمليات عسكرية للتنظيم. وخلال بضعة أسابيع، تهاوت خطوط الدفاع الأردنية، الأولى، سريعاً، واجتاح التنظيم، المحافظات الأردنية الشمالية، وبات على مقربة من العاصمة الأردنية عمان، فتدخلت الطائرات الأمريكية، بمشاركة بريطانية، لقصف قوافل مقاتلي التنظيم، على الطريق إلى العاصمة، عمان.<br><br>وتوقفت عمليات "داعش"، باحتلال شمال الأردن، حيث نزح معظم سكانه، برفقة ملايين السوريين اللاجئين هناك، إلى عمان، ومناطق أردنية أخرى. وأنّت الدولة الأردنية تحت عبء الضغط السكاني المفاجئ، المتجمع في مناطق لم تكن مجهزة بخدماتها، لتخديم هذا الكم الهائل من السكان الجدد.<br><br>وتدخل الغرب والخليج، بإعانات مالية مستعجلة، لإنقاذ الدولة الأردنية من الانهيار، وبقيت الأردن تعيش على حافة الانهيار الاقتصادي والمالي، لتنقذها دفعات إغاثة مالية غربية وخليجية، تقيها الانهيار، لكنها لا تكفي لإقالتها تماماً من عثرتها، وذلك طوال سنوات قادمة.<br><br>لكن تلك الحادثة، بدلاً من أن تُفضي إلى تحسين موقع "داعش" التفاوضي مع الغرب، سببت للأخير الإحراج الشديد من الاستمرار في التفاوض مع التنظيم، بعد تتالي التسريبات عن المفاوضات. وماطل الغرب مجدداً في مفاوضاته مع "داعش"، مراهناً على قدرته في تأمين عمق الأردن وعاصمته من أي هجمة جديدة. ووجّه الغرب، عبر أقنية التفاوض، تحذيراً شديد اللهجة، بأن حرباً غير مسبوقة سيشهدها التنظيم، إن تعرض أمن إسرائيل لأي اعتداء، وكان التنظيم يسيطر على جزء من الجولان، متاخم للجزء المحتل إسرائيلياً، من الهضبة، بما يجعل "داعش" على تماس مع إسرائيل، لكن التنظيم لم يجرؤ على خرق تعهده بحفظ أمن الحدود الإسرائيلية، وكان ذلك من أبرز الأسباب التي رفعت من سوية الامتعاض في أوساط المؤمنين بالتنظيم سابقاً، والمتحمسين له، والذي تحول تدريجياً، إلى استياء، انتهى إلى ازدراء، أتاح الفرصة المواتية لتنفيذ عمليات الاختراق الواسعة التي نفذها جمال الدمشقي، عبر جهازه الأمني ووسائل الاتصال الخاصة التي يملكها، وعبر شبكة من الأجهزة المخصصة لتنفيذ ذلك.<br><br>وخلال السنوات التي تلت العام 2027، عاش الغرب مراراً على حافة انهيار التفاهمات مع "داعش"، وكان يستخدم دعمه العلني لـ جمال الدمشقي، السوريّ الذي لعب دوراً حاسماً في صدّ "داعش" عن لبنان عام 2024، كوسيلة لابتزاز "داعش" في المفاوضات السرّية معه. لكن التنظيم كان يستخف بقدرة جمال على تحقيق أي اختراق نوعي لعمق المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.<br><br>في هذه الأثناء، كانت قيادات "داعش" في الصف الأول، تنعم بالكثير من الرغد والرفاهية، وتميل أكثر فأكثر إلى تجنب الصدام مع الغرب، كي لا تعود مرة أخرى إلى حياة الجحور والأقبية والملاحقات، والخوف من الموت بالاستهداف من طائرات بلا طيار.<br><br>في الوقت نفسه، كانت الصفوف الثانية والثالثة من قيادات "داعش"، ومن قاعدة الهرم فيه، تنقسم إلى حالات، أولى، استطابت مكاسبها بوصفها من الكوادر القيادية في التنظيم، فغرقت في فساد ورشى أتاحه لها موقعها القيادي، وحالات أخرى، كان أفرادها ما يزال يحتفظ بإخلاصه للهدف الأول الذي دفعه للالتحاق بالتنظيم، وهو "الجهاد" تحت راية الإسلام، الأمر الذي عزز نقمته على التنظيم، وقناعته بأنه تعرض لخديعة كبرى، لكنه لم يكن قادراً على فعل شيء، فقيادات التنظيم أتقنت سيطرتها الأمنية والسياسية في أوساط الأتباع. فيما تعددت حالات ثالثة، من تلك الانتهازية التي تركب الموجة الأعلى.<br><br>الحالة الثانية، من أولئك الناقمين على قيادات التنظيم، من داخل صفوفه، كانت الساحة الأمثل لتمدد اختراقات فريق جمال الدمشقي، إلى جانب دور سكان المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم، الناقمين في معظمهم، هم أيضاً، عليه، لأنه كان نسخة جديدة للاستبداد، لكن بستار ديني، يزيد الاستبداد مقتاً، خاصة إن كلّله الفساد والرشاوي والمحسوبية، ثم تفتقت أفواه قياداته بالموعظة الدينية.<br><br>كان "داعش" جاهزاً للانهيار، وكان ينتظر فقط من يُجهز عليه، وكان الغرب في معظمه يأمل ذلك، كي يخلص من ورطة التفاهم مع كيان مشوه، عبأ جمهوره ضده، بحيث عجز سياسيوه عن إقناع الرأي العام لديهم، بإمكانية تأهيل ذلك الكيان الذي استهدفهم داخل مدنهم وحاناتهم واحتفالاتهم، يوماً من الأيام.<br><br>وكانت تركيا تحديداً، الدولة التي رأت في جمال الدمشقي البديل الأمثل لها، عن "داعش"، فهو وعد بحفظ مصالحها التي يحققها لها التنظيم، وفي نفس الوقت، يخلصها من الخوف الدائم الذي تعيشه من انقلاب التنظيم عليها، بعد أن أثبت الأخير أكثر من مرة، أنه لا يمكن الركون إليه طويلاً.<br><br>أما دول الخليج، فكانت من أبرز الراغبين بالقضاء على دولة التنظيم تلك، لأنها كانت تؤجج، إعلامياً ودينياً، الكثير من أبناء مجتمعاتها. ومع استمرار أسعار النفط بوتيرتها المنخفضة، وتردي موازنات تلك الدول، خاصة السعودية، كانت الخشية كبيرة من أن ينتشر التطرف في صفوف أبنائها، كالنار في الهشيم. <br><br>كان جمال الدمشقي، أمل معظم المحيط الإقليمي، والدولي، إلا إسرائيل وإيران، فالاثنتان تشعران بالأمن حيال التنظيم، والراحة حيال مشهد العمق السني في سوريا والعراق، مدمراً ومتهالكاً، دون أن تقوم له قائمة أبداً.<br><br>إيران، كانت قد تجاوزت عقدة الصراع مع التنظيم، منذ أن تخلت له عن وسط العراق، بما فيه بغداد، واستقرت العلاقة التطبيعية غير المعلنة، بينهما لسنوات، بعد العام 2024.<br><br>أما إسرائيل، فكانت تعلم أن التنظيم يبتغي رضا الغرب، وأن إسرائيل الخط الأحمر، الذي إن اختُرق، يعلم التنظيم أنه سيكون في مهب غضبة شعواء للغرب، عليه. لذا كانت إسرائيل مرتاحة لاستمرار سلطة التنظيم في سوريا والعراق.<br><br>***<br><br>خلال حقبة "داعش"، التي سادت معظم سوريا، كانت حياة الدروز بائسة، لكنها لم تكن الأكثر بؤساً. ففي حين، فرّ معظم المسيحيين من سوريا، مع اجتياح التنظيم لها، إلى لبنان، ليهاجر معظمهم لاحقاً إلى دول غربية، وتبقى تجمعات مسيحية محدودة للغاية.. خضع معظم الدروز لسيطرة "داعش". ويوم اقتحم التنظيم جبلهم، "جبل العرب"، جنوب سوريا، أعلنت قيادة دينية للطائفة الدرزية في سوريا، اعتناق عموم الدروز للمذهب السُنّي، ومبايعة "الخليفة".<br><br>لكن الدروز لم يسلموا من التنكيل، وإن كانت وتيرته أقل وطأة مما كان متوقعاً، مع إعلان الزعامات الدينية الدرزية، اعتناق المذهب السُني لعموم الدروز في سوريا، وتأييد العامة منهم، لذلك القرار. وفي حقيقة ما حدث، تعرض الكثير من السُنة لتنكيل يفوق بمرات ما تعرض له الدروز، أو حتى المسيحيون، الذين اقتصر الجانب الأسود في حياتهم تحت ظل "داعش"، على إخفاء حقيقة عقيدتهم الدينية، في حالة الدروز، وعلى إقامة الشعائر الدينية بصورة غير علنية، في حالة المسيحيين. أما في حالة السُنة، فكانت حواضن التنظيمات والفصائل الجهادية التي قاتلت التنظيم، موضع تنكيل كبير، ذكّر بحقبة الأسد الأب.<br><br>ففي ريف دمشق، حيث كانت تنشط فصائل، مثل "جيش الإسلام"، الذي شنّ حرباً شعواء على تنظيم "الدولة الإسلامية" خلال السنوات التي تلت إعلانه للـ "الخلافة" عام 2014، تعرّض السكان لحملة اعتقالات وتحقيقات، واختفاء قسري، بمجرد ورود أي تهمة تتعلق بالعلاقة مع ذلك الفصيل. وكرر التاريخ، من جديد، مشهد كيدية سكان المنطقة الواحدة ببعضهم، إذ كان أي حانق على جار له أو حتى قريب، يكتب فيه تقريراً، يقدمه للجهات الأمنية للتنظيم، يعرض من خلاله أدلة على صلة هذا الجار أو القريب بفصيل "جيش الإسلام"، فيتم اعتقال من قُدّم بحقه التقرير، ويتعرض للتحقيق المرفق بالتعذيب، وفي معظم الأحيان، إن ثبتت صلة الفاعلة بالفصيل المذكور، يتعرض للاختفاء القسري، الذي ثبت لاحقاً أنه يعني، الإعدام، في إحدى أقبية سجون التنظيم.<br><br>ذلك المشهد عاشه سكان مناطق عديدة في ريف دمشق، وكذلك في ريف حمص الشمالي، وفي درعا، وفي شمال حماه، وفي إدلب وريفها. كانت السنوات الثلاث الأولى من سيطرة "داعش"، عنوانها الترهيب المكثف للسكان، كي يخضعوا خضوعاً كاملاً للسيطرة.<br><br>أما بالنسبة للدروز، فهم أعلنوا "سُنيتهم"، وأضمروا "درزيتهم"، فوقاهم ذلك الكثير من مشاهد الضغط الأمني من جانب التنظيم، الذي ربما تعامل معهم برأفة أكبر، مقارنة بتعامله مع من يراهم أعدائه من السُنة تحديداً.<br><br>لكن ذلك لم يمنع إحساس المرارة من التفاقم في أوساط الدروز، الذين رغم مرور عشر سنوات تحت سيطرة "داعش"، لم ينسوا أنهم مضطرون لإخفاء معتقدهم، خوفاً من القتل أو الاعتقال والتعذيب.<br><br>وفي الأردن، كانت قيادات درزية سورية، من القلّة التي فرّت يوم اجتياح "داعش" للسويداء، تعمل ليل نهار، لكن دون إعلان، لحماية الوجود الدرزي، بالمعنى المذهبي، من الاندثار في سوريا. ومن هناك، سافر أحد أعيان الدروز الفاعلين، وهو سليل آل الأطرش، العائلة الجليلة في أوساط الدروز، إلى اسطنبول، عام 2027، ليلتقي بـ جمال الدمشقي.<br><br>رفيق الأطرش، الذي كان من القيادات التقليدية المؤثرة في الجبل، قبل اقتحام "داعش" لمنطقتهم، والذي حاول جاهداً وضع الدروز في وضعية حياد بين النظام والمعارضة، رغم محاولات الأول الكثيفة، لخرطهم في عملية دعمه القتالية، عمل بعد فراره إلى الأردن على التواصل السرّي مع قيادات الجبل، الدينية والتقليدية، لترتيب الأوضاع معهم، في ظل سيطرة "داعش".<br><br>التقى رفيق الأطرش، جمال الدمشقي، في اسطنبول، عام 2027، وتحدثا مطولاً عن دور الدروز في سوريا المستقبل، التي أخبره جمال أنه يعمل على تحقيقها. ورغم أن لا مؤشرات لنجاح جمال في تحقيق ذلك الحلم، كانت بادية حينها، إلا أن رفيق الأطرش قال له، "حصلت على عهدٍ من قيادات الجبل أن نكون معكم، شريطة حقنا في إعلان معتقدنا الديني". فقال له جمال: "لكم ذلك".<br><br>وبالفعل، شارك الكثير من الدروز في ترتيب عمليات اختراق لقوى التنظيم المتواجدة في جبل العرب، خلال العامين الأخيرين الذين سبقا تحرير دمشق. وعرّض بعضهم نفسه للخطر في سبيل ذلك الهدف. لكن عمليات الاختراق كانت مُتقنة، وعالية الجدوى. ولم يتم كشف أي منها. كان التنظيم يستخف تماماً بمساعي جمال المعلنة، فيما كان يجهل تماماً أي شيء عن مساعيه الخفية التي كانت تجري على قدم وساق.<br><br>ويوم تقدمت قوات جمال الدمشقي إلى جبل العرب، تعرض قيادات التنظيم في الجبل لعمليات اغتيال عديدة، واستولت تشكيلات من دروز الجبل على مخازن أسلحة، وقتلت العشرات من مقاتلي التنظيم، الذين سرعان ما فرّوا من الجبل، حالما استشعروا حالة الفوضى والانهيار في صفوف القيادات، التي اختفى معظمها، أو قُتل بشكل غامض.<br><br>لم تدخل قوات جمال الدمشقي إلى جبل العرب، واكتفت بالسيطرة على الشريط الحدودي الذي يربط محافظة السويداء بالأردن، حيث كان "داعش" يسيطر على الطرف الأردني من الحدود، حينها. وكان الاتفاق بين جمال الدمشقي ورفيق الأطرش ينص على ترك الإدارة في الجبل ذاتية لأهله، شريطة أن تكون الحدود تحت سيطرة قوات جمال، التي ستصبح جزءاً من القوات الرسمية للدولة السورية.<br><br>وبعيد استقرار الأوضاع في دمشق، قام جمال الدمشقي بزيارة إلى السويداء، حيث استُقبل بحفاوة كبيرة، وذبحت الذبائح على طريقه، الذي ساره مترجلاً، في شوارع السويداء، برفقة قياداتها الدينية والتقليدية، التي كان في مقدمتها، رفيق الأطرش.<br><br>كان جمال يريد أن يرسل رسالة لأبناء الأقليات في سوريا، أن سوريا الجديدة ستستعيد ملمحها الذي كان سائداً قبل العام 2011، من التسامح والحرية الدينية. <br><br>وحضر جمال أول اجتماع لقيادات الجبل الدينية، بعد إعلان عودة المذهب الدرزي، إلى الوجود العلني، في سوريا.<br><br>قبيل ذلك، كان جمال قد زار كنائس دمشق العتيدة، والتقى قيادات دينية مسيحية، من القلة المتبقية، داعياً المسيحيين السوريين الموجودين في لبنان، حتى الآن، إلى العودة لسوريا.<br><br>***<br><br>بعيد غزو "داعش"، لـ دمشق، والسقوط الكامل للدولة السورية، بات الوضع في مناطق سيطرة "الوحدات الكردية"، شمال شرق سوريا، وضع استقلال عملي. وكان "داعش" قد تعلّم من الحملة العسكرية الشعواء التي شنها الغرب عليه في عين العرب، عام 2014، ألا يتوجه صوب مناطق سيطرة الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي كان يحظى بعلاقات مميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، وكذلك روسيا.<br><br>وحينما سقطت دمشق في قبضة "داعش"، كان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المحسوب على حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، يسيطر على مدن الجزيرة وأريافها جميعها تقريباً، باستثناء دير الزور، التي تقدم إليها سريعاً، عقب انهيار نظام الأسد، ليسيطر عليها، ويتوسع في ريفها الجنوبي.<br><br>وبخلاف المتوقع، تحالفت العشائر العربية، التي كانت تشكل غالبية ديمغرافية في تلك المنطقة، مع الحكم الكردي المدعوم أمريكياً. فتجربة تلك العشائر كانت مريرة مع فترة حكم "داعش" بين 2014 و2017، لذا، فضلت الغالبية ألا تكررها. وقد حاول الحكم الكردي استمالة تلك العشائر، والوصول إلى علاقات تحالف وطيدة في مناطق تمركزها، بدفعٍ من نصائح الأمريكييين والأوروبيين، بضرورة استمالة المكون العربي في ذلك الكيان الوليد، بفعل الأمر الواقع، في شمال شرق البلاد.<br><br>"داعش"، الذي نأى بنفسه تماماً عن مناطق سيطرة الأكراد، بعد أن عجز عن تحقيق اختراقات مُعتبرة في صفوف العشائر العربية، في تلك المنطقة، شن بدلاً من ذلك، حرب عصابات مكثفة ضد تركيا على مدار سنتين، في حزامها الأمني داخل الأراضي السورية. ومع انهيار معظم فصائل المعارضة السورية منذ العام 2021، بقي الجهد الرئيس لحماية منطقة السيطرة التركية في شمال حلب وإدلب وريف اللاذقية، على كاهل الجيش التركي، الذي أُرهق، فكان الاتفاق السرّي، شبه المكشوف، بين تركيا و"داعش"، الذي نص على انسحاب تركيا من تلك المنطقة لصالح "داعش"، شريطة أن تتكفل الأخيرة بأمن الحدود، وتتعهد بعدم تهديد الأمن التركي. ووافقت تركيا في هذا السياق على فتح الحدود أمام تجارة السلع والنفط بين الطرفين.<br><br>ومع توقف الجهود الغربية للحرب على "داعش"، تماماً، مع تعهد الأخير، غير العلني، بعدم تدبير أي هجمات إرهابية داخل عمق الأراضي الغربية، أو تهديد أمن الدول الحليفة للغرب في المنطقة، عجز الأكراد عن القيام بأي عمل عسكري فعّال لاستعادة الجغرافيا التي فقدوها في ريف حلب الغربي (عفرين). واستتب الوضع على ما هو عليه، فلا الأكراد حاولوا تغييره لأنهم لم يحصلوا على دعم غربي لتنفيذ ذلك، ولا الدواعش حاولوا التعدي على مناطق سيطرة الأكراد، في رغبة منهم لحفظ استقرار حدودهم الشمالية في الوقت الذي كانت فيه حربهم الشعواء مع إيران، في العراق، وداخل الأراضي الإيرانية، مستعرة، في ذلك الوقت.<br><br>لم يعلن أكراد سوريا الاستقلال العلني، وفق اتفاق مع تركيا، كان ناجي الفتيحي، الذي أصبح عام 2039، رئيساً لسوريا، أحد أبرز مهندسيه، قبل أكثر من عقد ونصف من ذلك التاريخ. ونص ذلك الاتفاق على أن تمرر تركيا النفط المُصدّر من مناطق سيطرة الأكراد شمال سوريا، عبر أنابيب مُدت بهذا الغرض، مقابل نسبة منه، كما سمحت لهم بتصدير منتجات الأراضي الخاصعة لسيطرتهم من القمح والقطن، وكذلك من الغاز وثروات باطنية أخرى، عبرها. وسمحت تركيا وفق الاتفاق على فتح الحدود أمام تجارة صادراتها إلى أراضي السيطرة الكردية في الشمال السوري. وكان ناجي الفتيحي أحد أبرز متعهدي هذه التجارة، التي أثرى منها كثيراً، وفي نفس الوقت، حقق من خلالها مكانة مؤثرة لدى مختلف الأطراف، بما فيهم، الطرفين الكردي والتركي، وكذلك لدى قيادات "داعش"، التي هندس لصالحها اتفاقاً مشابهاً إلى حد ما، مع تركيا.<br><br>لكن الأكراد كانوا مستقلين عملياً في شمال شرق سوريا. وكانوا هم الحكام الفعليين لتلك المنطقة، رغم غلبة الكفة الديمغرافية للعرب. وشكل الأكراد حكومة زينوها ببعض الوزراء العرب والآشوريين، لكن الحلقة الضيقة لصنع القرار وتنفيذه، كانت في قبضة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. حتى الأحزاب والقوى الكردية الأخرى، تم تهميشها عن دائرة صنع القرار، ومن قَبِل منها بمقعد وزاري هامشي، حصد مكانة في التحالف مع الحزب الحاكم فعلياً في تلك المنطقة، ومن رفض، تعرض قادته وأتباعه للتنكيل والاعتقال والاختفاء القسري.<br><br>فرض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي حكماً قسرياً على عموم سكان المنطقة الخاضعة لسيطرتهم، والتي كان العرب والآشوريون يشكلون نسبة لا تقل عن 65% منهم، لكنهم كانوا الطرف الأضعف في تركيبة النظام السياسي الذي أدار المنطقة. ولأن العرب والآشوريين هناك خضعوا سريعاً، مدركين مبكراً أن لا قدرة لهم على أي تمرد أو اعتراض، وأن عليهم أن يقبلوا بأي شيء يمنحهم إياه الحاكمون الفعليون من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، مفضلين ذلك على التعاون مع "داعش"، وعودته إلى ديارهم.. لذا، لم يتعرض العرب والآشوريون للكثير من الإساءات، ربما باستثناء، تكريد المناهج والثقافة وحتى أسماء المحلات التجارية وعناوين اللافتات. لكن العرب احتفظوا ببعض المدارس الخاصة بهم، وتمكنوا من إنشاء مؤسسات تعليمية خاصة تعلم أبنائهم العربية. وتعاملت السلطات الكردية بتسامح مع تلك المؤسسات. كما عقدت تحالفات مع قيادات عشائرية عربية، منحت بموجبها إدارة شبه ذاتية لبعض المناطق التي تخلو من الأكراد بصورة شبه كلية.<br><br>بالمقابل، لقي الأكراد المناوئون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الكثير من التنكيل، خاصة أولئك المحسوبون على قوى مقربة من زعامة كردستان العراق، الإقليم الكردي الآخر، الذي لم يعلن استقلاله بصورة رسمية، لكنه حظي قبل نظيره في سوريا، بترتيبات تطبيع مع تركيا. ومع سقوط بغداد في قبضة "داعش"، بات إقليم كردستان العراق، مستقلاً عملياً بصورة كاملة. لكن النخبة الكردية الحاكمة في شمال العراق بقيت على عدائها القديم مع النخبة الكردية الحاكمة في شمال سوريا. وحتى المعبر الضيق الذي يربط بين مناطقهما، شمال العراق وشمال سوريا، كان يتعرض للإغلاق مراراً. وكان متنفس الطرفين الرئيس، هو تركيا، التي أصبحت الرئة التي يتنفس من خلالها الكيانان المذكوران.<br><br>وفي الفترة التي تلت العام 2023 تحديداً، بعد أن هدأت جميع الجبهات تماماً بالنسبة لأكراد سوريا، واستقر وضعهم تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكري "قوات الحماية الكردية"، بدأت ظواهر الفساد في أوساط السلطات الحاكمة، تتفشى، وكثرت الضرائب على السكان. ورغم وفرة الموارد مقارنة بتعداد السكان الصغير، إلا أن ذلك لم ينعكس على حياة السكان، إذ بقيت معدلات التعليم متدنية، ومستويات المعيشة منخفصة جداً. وكان أحد أسباب ذلك، إلى جانب حالات فساد عالية الوتيرة، التمويل الكبير الذي كانت تقدمه قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لحزب العمال الكردستاني الناشط في تركيا، والذي خفتت وتيرة نشاطه العسكري والأمني، مع تلقيه ضربات قاصمة من الجيش التركي قبل العام 2021، ليعزز نشاطه السياسي والدعائي، بعد ذلك التاريخ.<br><br>وقد اكتشف أكراد سوريا، متأخرين، أن زمام أمورهم ليست في أيديهم حقيقةً، بل هي في أيدي قيادات كردية تركية، بعضها يقيم في القامشلي وعامودا وعين العرب، وبعضها، يوجه الأوامر من جنوب تركيا، وبعضها الآخر يوجه الأوامر من جبال قنديل بشمال العراق، الذي بقي معقلاً رئيسياً لحزب العمال الكردستاني، يخضع لإدارة ذاتية من جانب هذا الحزب.<br><br>&nbsp;كان النشاط السياسي والدعائي لحزب العمال الكردستاني داخل الأراضي التركية، يتطلب تمويلاً كبيراً، عبر شبكة اجتماعية ضخمة أنشأها الحزب لاستمالة الجمهور الكردي في تركيا. وكان الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، يدفع بسخاء، وبطاعة مطلقة، في تعبير عملي عن حقيقة أن القوام الرئيس لقيادة الجهاز الأمني والعسكري للحزب، هي تركية في الأصل، وليست سورية.<br><br>واتخذ حزب العمال الكردستاني واجهات دعائية وسياسية له، كان حزب الشعوب الديمقراطي أبرزها. وساعد قرار حزب العمال الكردستاني على وقف العمليات القتالية مع الدولة التركية، من جديد، على ارتفاع أسهم حزب الشعوب مرة أخرى، في أوساط الأكراد الأتراك، وفي أوساط فئات تركية أخرى.<br><br>في هذه الأثناء، كان أكراد سوريا يستشعرون أكثر فأكثر، أن ثرواتهم ومواردهم ليست لهم، وأنهم تعرضوا لخديعة كبرى، جعلتهم مجرد كونيدور خلفي، اقتصادي وسياسي وأمني، يخدم مصالح نخبة كردية تركية فاعلة، تقود مناطقهم من وراء الستار، لتُصدّر للواجهة قيادات كردية سورية، ليس في يدها شيء، إلا الموافقة والتبرير لقرارات القيادة التركية غير المعلنة.<br><br>وفي أوساط المؤسسة العسكرية والأمنية المتضخمة في الكيان الكردي السوري، استشعر أكراد سوريا أكثر فأكثر، أنهم مواطنون درجة ثانية، إذ كان أكراد أتراك يحتلون المناصب الأكثر حساسية، ويترقون بسرعة إلى مواقع أكثر حيوية، ليصبح معظم الضباط والقيادات من صفوفهم، وتصبح معظم الرتب الدنيا من صفوف أكراد سوريا، وبعض الملتحقين بهم من العرب والآشوريين.<br><br>وبعيد سنوات من العام 2023، وتحديداً منذ العام 2026، بدأت تتكاثر مجموعات "فيسبوكية"، تعبّر عن استياء أكراد سوريا من سيطرة الأكراد الأتراك على زمام الأمور في منطقتهم، واستغلال مواردهم لصالح قضية أكراد تركيا، بصورة جعلت معيشة أكراد سوريا ضنكة، فهم لا يشعرون بأي فرق عن ذلك الزمن الذي كانوا فيه يعيشون في ظلال سيطرة العرب، ربما باستثناء، إعلاء الثقافة والهوية الكردية، وقدرتهم على التعالي على أقرانهم من العرب المقهورين في مناطقهم. أما في في الجزء العميق من الواقع، كان أكراد سوريا مواطنين درجة ثانية، بعد أكراد تركيا، الذين أصبح تعدادهم يتجاوز المليون في شمال سوريا، وباتوا يمسكون بزمام كل شيء. فيما بات العرب والآشوريون، مواطنون درجة ثالثة، لكنهم كانوا الطرف الأكثر قبولاً بالأمر الواقع، والانصياع له.<br><br>ومنذ العام 2027، بدأت حركات تمرد احتجاجية على الأرض، تحصل في مناطق الكيان الكردي السوري، وتستهدف تحديداً، أكراد أتراك. وبدأت النخبة الكردية الحاكمة، بشقيها، التركي المهيمن، والسوري التابع، تدرك أن الأمور تسير نحو مسارٍ غير مطمئن. لكنهم قرروا انتهاج العنف والقسر أداة لفرض السيطرة. فكثرت الاعتقالات، وتفاقمت حالات الاختفاء القسري، والاقتحامات للبيوت في أوقات متأخرة من الليل، بحثاً عن مطلوبين. وبدأت ملامح مواجهة مريرة تتبدى في الأفق بين الأكراد أنفسهم، بين أولئك السوريين منهم، الرافضين للخنوع للأمر الواقع، وبين أولئك الأتراك والسوريين الملتحقين بهم، من الممسكين بزمام الأمور، والرافضين لأي خسارة لمصالحهم ومكاسبهم، التي يعتقدون أنهم حصّلوها بالدم، لذا هي حقهم الطبيعي.<br><br>***<br><br>ومنذ العام 2028، حصل متغير نوعي، إذ أدار جمال الدمشقي، صفقة لاستثمار ترليون دولار، من صناديق سيادية ومجموعات استثمارية وبنكية عالمية، في مناطق واسعة من جنوب تركيا، وجنوبها الشرقي، وشرقها. وهي المناطق الأقل تنمية فيها. ونصت الصفقة على استثمار ترليون دولار في مجال الاستثمار الزراعي في تلك المنطقة.<br><br>صفقة الدمشقي تلك، كانت نسخة عن صفقة نفذها في مصر، وحققت نجاحاً تاريخياً لافتاً. كانت واحدة من سلسلة نجاحاته في تصميم استثمارات دولية بأرقام فلكية، حركت الاقتصاد الدولي، وأنعشت اقتصاديات بعض الدول النامية بصورة هائلة.<br><br>صفقة جمال الدمشقي تلك كانت تراهن على رفع الجدوى الاقتصادية من الاستثمار الزراعي، لتكون بمصافي الاستثمارات الخدمية والصناعية، بل وأكثر، وذلك عبر استخدام المنتجات الزراعية في استخدامات صناعية، غذائية، وأخرى، متعلقة بإنتاج الطاقة البديلة. وتلك الأخيرة، كانت جزءاً من سبق علمي واقتصادي هائل، استطاع جمال الدمشقي تحقيقه.<br><br>إذ عظّم ذلك السبق العلمي من جدوى استخدام الوقود الحيوي المستخرج من بعض المزروعات، ومن فضلات الحيوانات، مرفقاً برقاقة لاستقبال الطاقة الشمسية وتخزينها، بحيث تتفاعل مع الوقود الحيوي النباتي والحيواني، فتتعزز جدواها، وتصبح قادرة على تسيير المحركات بسرعة تضاهي تلك التي تحركها بها المنتجات البترولية.<br><br>عظّم ذلك السبق من أرباح جمال الدمشقي، ومن مكانته الدولية. وعبره، بات التحول إلى الطاقة البديلة، بشكل شبه كامل، أقرب من أي وقت مضى. وبات المصدر الزراعي والحيواني للوقود الحيوي، موضع أهمية استراتيجية ونوعية. وعلى أساسه، عقد جمال الدمشقي صفقة أولى، بترليون دولار، لاستثمار مساحات هائلة في مصر، لاستخدام أكثر من نصف منتجاتها، في مصانع للوقود الحيوي. وكرر جمال الصفقة في تركيا. فتحولت مناطق التمركز الكردي في جنوب شرق تركيا إلى مناطق استثمار عالية الجدوى، بعد أن كانت من أقل المناطق التركية جذباً للاستثمارات والتنمية. وبفعل ذلك، تعاظم رغبة عموم أكراد تركيا بالبقاء في ظلال تركيا الموحدة، ما دام الاتفاق المعقود، تم بين الحكومة الرسمية في أنقرة، وبين كلٍ من البنك السويسري - البريطاني وجمال الدمشقي، الذين أدارا الصفقة.<br><br>وتعظمت قيمة الهدوء والاستقرار لدى عموم أكراد تركيا، فاضطرت النخبة الكردية المحسوبة على حزب العمال الكردستاني إلى مراعاة الرأي العام الغالب، والذهاب بعيداً باتجاه علاقات أكثر استقراراً وتفاهماً مع الحكومة المركزية في أنقرة.<br><br>ومع تقدم عمليات الاستثمار جنوب شرق البلاد، وارتفاع مستويات معيشة السكان، قّلت الحاجة لموارد تمويل كبيرة لإدارة النشاطات الدعائية والسياسية لحزب العمال الكردستاني، الذي كان يراهن على تمويل شبكات اجتماعية كبيرة لجذب الأكراد لصالحه. فتراجع تأثير تلك الشبكات، وتردت جدواها، وخفّض العمال الكردستاني التمويل لها، فقلّت النسبة المقتطعة من ميزانية الكيان الكردي السوري، لصالح حزب العمال الكردستاني في تركيا.<br><br>في هذه الأثناء، تراجعت القيمة الاستراتيجية للنفط والغاز، لدى تركيا، التي تلقت مصادر الطاقة بكميات كبيرة، وبأسعار رخيصة، من كل حدب وصوب. فمرت عبرها معظم أنابيب تصدير النفط والغاز الروسي، وحصلت من ذلك على نسب عالية. كما باتت تحصّل نسبة كبيرة من حاجتها للطاقة من الطاقة البديلة، بموجب الاستثمار الزراعي والصناعي الملحق به، المتأتي في جنوبها وشرقها.<br><br>بمعنى آخر، لم تعد تركيا تراهن كثيراً على النفط والغاز القادم من مناطق سيطرة الأكراد في شمال العراق وسوريا، وباتت حاجة الأكراد هناك، لتركيا، أكبر من حاجة تركيا لنفطهم. ومع بقاء تركيا الرئة الوحيدة لتنفس هذين الإقليمين الكرديين، وسط محيط معادٍ لهم جنوباً، تحت سيطرة "داعش"، وشرقاً، حيث إيران. لم يكن لدى الكيانين الكرديين، شمال العراق وسوريا، إلا رضا تركيا، وسيلة للبقاء والاستمرار بالمعنى الاقتصادي اللوجستي.<br><br>لذا، حينما اقتحمت قوات جمال الدمشقي دمشق، وحررتها من ربقة "داعش"، لتسيطر لاحقاً على معظم التراب السوري، باستثناء مناطق سيطرة الأكراد والعلويين. تعرّض الكيان الكردي شمال سوريا لهزة كبرى، إذ أغلقت تركيا الحدود معه، وطلبت منه التفاهم مع جمال الدمشقي، نحو مستقبل موحد لكامل التراب السوري.<br><br>لم تكن تركيا مستعدة للتخلي عن علاقاتها المميزة جداً مع جمال الدمشقي، والتي درت عليها استثمارات ونشاطات اقتصادية تتجاوز قيمتها المالية الـ 2 ترليون دولار حتى ذلك الحين، مقابل رهان متهالك على النفط والغاز القادم من شمال سوريا. <br><br>ومع عجز حزب العمال الكردستاني، جنوب تركيا، عن القيام بأي نشاط عسكري أو أمني، يقض مضجع الدولة التركية، كوسيلة ضغط، لإنقاذ حلفائه المقربين، شمال سوريا، لأن ذلك يعني انفضاض الجمهور الكردي نفسه عنه، والذي بات غير مستعد لأي تنغيص للاستقرار الذي تنعم به منطقته في جنوب تركيا، بعد ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي فيها إلى مستويات غير مسبوقة.. باتت النخبة الكردية في شمال سوريا، محشورة في زاوية ضيقة، وتفاقمت الضغوط عليها، وبدل من أن تتلقى الدعم من الأب التقليدي لها، الذي تتحدر منه فعلياً، وهو حزب العمال الكردستاني، عرض عليها الأخير الوساطة بينها وبين جمال الدمشقي، فيما قال الأخير كلمته، سوريا ستعود موحدة، والظلم الذي حاق بالعرب في مناطق السيطرة الكردية، سينتهي، والحواجز الفاصلة بين مناطق السوريين، جميعها، ستزول، إن لم يكن بالإقناع والمصلحة المشتركة، فسيكون ذلك بالقوة.<br><br>لكن الإقناع والمصلحة المشتركة كانت فعّالة جداً. فالنخبة الكردية في شمال سوريا، التي تعودت على رفاهية العيش بعد أن أصبحت تحكم كياناً غنياً بالموارد، قليلاً بالسكان، لم تكن مستعدة للعودة إلى عهود الحرب والقتال، والفرار للاحتماء بالجبال في شمال العراق، والتعرض لقصف الطائرات التركية، أو الحملات العسكرية للعرب بقيادة جمال الدمشقي، الذين استطاعوا في ثلاثة أشهر، إنهاء أسطورة "داعش" في عموم سوريا. ومع عرض جمال الدمشقي، أن تكون تلك النخبة جزءاً من قيادة سوريا الموحدة، شريطة أن تكون تحت قيادته، وأن تتولى إدارة مناطق الأكراد، بتوجيهاته، ومع نصيحة حزب العمال الكردستاني لحلفائه بالقبول، لأن الخيارات الأخرى مريرة.. تم الاتفاق. وخلال بضعة أشهر، أزيلت الحواجز، ودخل جمال الدمشقي في موكب مهيب إلى مناطق سيطرة الأكراد، ليزور عين العرب والقامشلي وعامودا والحسكة، حيث استُقبل بحفاوة، تُخفي مراراة المستقبلين، فيما كان عموم العرب في الشارع أكبر المبتهجين، حيث أزالوا اليافطات الكردية عن محلاتهم، ليعلقوا يافطات عربية، ورفعوا رؤوسهم عالياً، وهتفوا بنشوة كبرى، وهم يرون زعيماً عربياً يعيد لهم شيئاً من كرامتهم المهدورة قرابة عقدين من الزمان.<br><br>كانت الترتيبات مع النخبة الكردية سريعة، وكانت استجابتهم دقيقة، إذ تم إعادة المنهاج العربي للمدارس، مع وضع منهاج بالكردية للطلبة الأكراد. وتم وضع يافطات عربية إلى جوار الكردية في الدوائر الرسمية، التي باتت تستخدم اللغتين في تعاملاتها. وحصل جمال على وعود من النخبة الكردية، بأن التعامل مع العرب تحديداً، في تلك المنطقة، سيصبح على قدم المساواة، مع الأكراد. في المقابل، وعدهم جمال، إن التزموا بوعودهم، أن يكونوا جزءاً من قيادة مستقبل سوريا، الذي سيشهد نهوضاً اقتصادياً ومعيشياً، هائلاً، خلال بضع سنوات من الآن.<br><br>وبذلك، عاد شمال سوريا إلى حضن القيادة المركزية بدمشق، مع إدارة ذاتية محدودة الصلاحيات. كذلك، كانت السويداء، تحظى بإدارة ذاتية محدودة الصلاحيات، مع الإقرار بالتبعية المطلقة، للقيادة المركزية في دمشق.<br><br>***<br><br>كانت لدى العامة من العلويين في سوريا، يوم اندلاع ثورة العام 2011، قناعة أنهم إن انحنوا لهذه الثورة، فإنهم سيفقدون كل المكاسب التي كسبوها، بغير حق، في عهد الأسدين، الأب والابن.<br><br>لاحقاً، ومع تفاقم دور العلويين في التنكيل بالغالبية السُنية، أثناء الحرب، تفاقمت قناعتهم بأن الثورة إن انتصرت، فإن السُنة سيُنكلون بهم، وسينتقمون لكل الجرائم التي ارتُكبت بحقهم، خلال الثمانينات، وبعيد ثورة العام 2011.<br><br>لذلك، رغم طول سنوات الاقتتال بعد العام 2011، وتفاقم أعداد القتلى من شباب العلويين، لم يفكر معظم أبناء الطائفة بالانفكاك عن نظام الأسد، بصورة جدّية. كما لم يفكروا بأي محاولة لمد خيوط المصالحة مع السُنة، على حساب ولائهم للنخبة العلوية التي كانت تديرهم، وعلى رأسها، آل الأسد والعائلات القليلة المتحالفة معه.<br><br>وبعيد سقوط دمشق في قبضة "داعش"، واجتياح التنظيم لمدينة حمص وجزء من ريفها الغربي، فرّ أكثر من 400 ألف علوي إلى لبنان، قادمين من دمشق وحمص، فيما فرّ مئات الآلاف الآخرين منهم، إلى مناطق التمركز العلوي في جبال الساحل.<br><br>وبعيد انهيار نظام الأسد، ومقتل أو اختفاء معظم قيادات الصف الأول في الجيش والأجهزة الأمنية، في دمشق. فقدَ العلويون قيادتهم، واكتشفوا خلال السنوات التالية لذلك التاريخ، أن الخطر الأكبر عليهم، يكمن في أوساطهم ذاتها. <br><br>حاول عدد من قيادات العلويين، الذين كانوا مقربين من رأس السلطة في عهد الأسدين، القبض على زمام السيطرة على الطائفة. منهم مقربون من سهيل الحسن المعروف بالنمر، أحد أشرس قادة الأسد في الحرب التي تلت العام 2011. كذلك حاول آل جابر، الذي قاد بعضهم ميليشيا صقور الصحراء، قبل العام 2021. كذلك حاول أولاد أعمام بشار الأسد، سواء أولاد رفعت، أو أولاد جميل الأسد، أو أولاد عم حافظ الأسد، التحرك لانتزاع سدة الزعامة في الطائفة. ودخل السباق آخرون أيضاً، منهم زعامات دينية، وعائلات تقليدية وازنة في الجبل، منهم آل الخيّر.<br><br>ولأن "داعش" توقف عند حدود التمركز العلوي في جبال الساحل، وغرب حماه وحمص، ولم يتقدم إلى تلك المناطق لاحقاً. انتفى التهديد الخارجي للعلويين، فانكشف الغطاء عن تناقضاتهم، وتفاقمت صراعاتهم، وتحولت إلى اقتتال داخلي.<br><br>لم يكن تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش"، مستعداً للخوض في حرب شعواء، في بيئة اجتماعية غير سُنية، بصورة تثير رعب العالم على مصير الأقليات. كان الدواعش يدركون أن تمددهم في المناطق ذات الغالبية السُنية، لن يثير غضب العالم الغربي، بقدر تمددهم في مناطق ذات غالبية من أبناء الأقليات، بما فيها العلويون.<br><br>ولأن الروس أرادوا الحفاظ على موطئ قدم لهم، على الساحل السوري، في المياه الدافئة، وقرب منابع محتملة للغاز في البحر، تصارع قادة العلويين المتنازعين على خطب ودّهم، في ظل تواجدهم الميداني في قاعدة برية وجوية في حميميم قرب اللاذقية، وأخرى بحرية في طرطوس.<br><br>وحاول الروس التوسط بين القيادات العلوية لوقف الصراع بينهم، لكن رغم ذلك، خلال السنوات التي تلت العام 2022 تحديداً، شهدت مدن اللاذقية وطرطوس، وكذلك، بلدات الجبل، صراعاً دموياً شرساً بين مختلف القوى العلوية المتنازعة.<br><br>وغاب أي تأثير للإيرانيين على العلويين، بعيد سقوط دمشق. فالعلويون كانوا واثقين، في جُلّهم، أن إيران هي من فتحت الباب لـ "داعش"، كي يدخل دمشق، ويفتك بالصف الأول من قياداتهم، العسكرية والأمنية. لذا، اتخذ العلويون موقفاً سلبياً من الإيرانيين. ولم يكن الإيرانيون بدورهم، راغبين في لعب أي دور، في كانتون الساحل العلوي، الذي رأوا فيه عبئاً أكثر مما فيه فائدة لهم. إذ لم تكن هناك مقومات اقتصادية تؤمن لذلك الكانتون الاستقرار ومقومات الازدهار، ناهيك عن أن الإيرانيين، بعد مقتل نخبة العلويين في دمشق، ضحوا فعلياً بالجهة التي كانت تشكل رأس الهرم في تحالفهم مع العلويين. وكانت الطائفة العلوية، بقياداتها الجديدة، وبعامتها، أميل للتحالف والتعاون مع الروس، من التعاون مع الإيرانيين. فالروس أقرب للمزاج العلوي المتحرر من أي قيود وضوابط دينية، مقارنة بالتزمت الديني الذي تتسم به الثقافة الشيعية الإيرانية، وفق منظور عموم العلويين. <br><br>ومع غياب أي قوة قادرة على ضبط الساحل والجبل، تفتقت النزاعات بين العلويين، على أسس مذهبية، بين المرشدية وبقية العلويين، وعلى أسس مناطقية، بين سكان السهل، وسكان الجبل، وعلى أسس عشائرية، وكذلك، على أسس عائلية تقليدية.<br><br>وفي المرحلة الأولى من الاقتتال الشرس بين العلويين، حصل تحالف عريض بين قوى مختلفة منهم، تجمعت حول هدف القضاء على من بقي من آل الأسد. وكشف الكثير من العلويين عن حنق كبير على آل الأسد، لأسباب عديدة، منها، تجاوزاتهم وتعدياتهم الكثيرة على أقرانهم من العلويين، في حقبة الأسدين، بفعل قرابتهم من رأس السلطة، ومنها أيضاً، تحميل كثير من العلويين آل الأسد، مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم من خسارة بشرية جسيمة، ومن خسارة لعموم الدولة السورية، والانحسار في شريط ساحلي، ومرتفعات جبلية، وسهل غير آمن مطل على الداخل السوري، حيث فقدوا كل نفوذهم.<br><br>بعيد انهيار نظام الأسد بسنة واحدة فقط، بدأت نقاشات العلويين، من الطبقة المثقفة، تتبدى على وسائل التواصل الاجتماعي، وتناقش ما آل إليه واقع العلويين. وبدأ الكثير منهم يكسر التابو التاريخي، لوحدة الصف خلف آل الأسد، ليعلنوا ندمهم، محملين هذه العائلة مسؤولية جرّ الطائفة العلوية إلى أكبر مقتلة في تاريخها، وأكبر قطيعة قد تحدث لها، مع عمقها السُني.<br><br>كانت الأرقام تشير حينها إلى مقتل أكثر من 250 ألف علوي، أي 10% من العلويين حينها. وكانت تلك الخسارة البشرية من شريحة الشباب، مما كان يعني أن 40% من الشباب في الطائفة العلوية، قُتلوا. <br><br>وبعيد انهيار النظام في دمشق، وقف العلويون بذهول أمام تلك الحقيقة. حقيقة أن آل الأسد جروهم إلى أكبر مقتلة لهم في تاريخهم الحديث. وأقرّ بعض مثقفيهم، أن خسارة العلويين بسبب انجرارهم خلف آل الأسد، كانت أكبر من تلك التي مُني بها أجدادهم في أعقاب الفتوى الشهيرة المنسوبة لابن تيمية، بتكفيرهم، قبل سبعة قرون، حسب المرويات الشعبية في أوساطهم.<br><br>لكن الوقوف على تلك الخسائر البشرية الهائلة، لم يجعل العلويين يهدأون، على العكس من ذلك، اقتتل العلويون من أجل التنازع على السيطرة، وكانت قيادات الميليشيات والنخب، المقربين سابقاً من آل الأسد، عماد ذلك الاقتتال. ومن العوامل التي غذت ذلك الاقتتال، الرغبة في الانتقام من آل الأسد، والعائلات المتحالفة معهم، لأنهم جروا العلويين إلى ما انجروا إليه.<br><br>وخلال العام 2023، تهاوى آل الأسد في الساحل، وتعرضوا لمقتلة عظيمة في أطراف القرداحة. كان من بين من ذُبح على أيدي العلويين أنفسهم، أولاد رفعت الأسد، الذين عادوا إلى الساحل، بعيد انهيار النظام في دمشق، في رهان منهم على السيطرة. فانخرطوا في الصراع، وكانت نهايتهم كارثية.<br><br>&nbsp;وبعيد ذلك بأشهر قليلة أخرى، حصلت سلسلة تفجيرات واغتيالات غامضة، فتكت بجميع قادة الميليشيات المتحدرين من عهد نظام الأسد، واحداً، تلو الآخر. فازدادت الطين بلّة، ولم تبق رؤوس قادرة على ضبط المشهد العلوي، واختلط الحابل بالنابل، وكثُر القتل، ويأس الروس من وقفه.<br><br>وبعد ثلاث سنوات من الاقتتال الأهلي، العلوي – العلوي، توقف القتال، بعد أن ترسخت مناطق سيطرة ميليشيات مختلفة، لم يكن أي منها من ذلك العصر، عصر "آل الأسد" البائد. إذ ظهرت قيادات جديدة، وعائلات أخرى تصدرت المشهد، وبقي لبعض العائلات التقليدية مكانتها، من بينهم آل الخيّر في القرداحة. لكن عموم العلويين كانوا حينها في حالة مأساوية، كانوا يفتقدون للمحروقات التي انقطعت عنهم تماماً، ولم تعد هناك أي مؤسسة رسمية، تتبع للدولة، تعمل لديهم، فكان المشهد المعيشي، متردٍ للغاية، وشاع بين العلويين، لعن الأسد، حتى بات سُنة بينهم.<br><br>وقد تكبد العلويون خسائر بشرية جسيمة جراء الاقتتال الداخلي فيما بينهم، خلال ثلاث سنوات، قاربت تلك التي تكبدوها خلال عشر سنوات من القتال ضد الغالبية السُنية، قبل العام 2021. استيقظ العلويون، عام 2026، على واقع مهول، فغلب عليهم النسوة والكهول، وسادت ندرة الشباب، حتى بات كل شاب يقابل 4 نساء على الأقل.<br><br>***<br>&nbsp;<br>كان الروس قد اكتشفوا أن الاحتياطيات من النفط والغاز، المُتاح استخراجها من البحر، قرب الشواطئ السورية، لا تتمتع بالجدوى الاقتصادية، بسبب استمرار تدني سعر المنتجات البترولية، وبسبب تزايد حالات الاعتماد على الطاقة البديلة، وتقدم سبلها. وفي عام 2026، مع ثبوت جدوى السبق العلمي الذي أعلنته شركة تتبع لمجموعة "الدمشقي" القابضة، في استخدام الوقود الحيوي المرفق برقاقة طاقة شمسية، في تحريك المحركات بسرعات ممتازة، أعلن الروس وقف كل نشاطات البحث واستخراج النفط والغاز من البحر قرب الشواطئ السورية، وغادرت شركاتهم المنطقة.<br><br>وفي قطاع السياحة، عجز الروس عن استثمار الساحل السوري، رغم اعتدال طقسه، وشمسه الممتازة في الصيف، التي يمكن أن تجذب السياح الروس إليها، بدلاً من الذهاب إلى تركيا ومصر. لكن اقتتال العلويين، والأوضاع الأمنية غير المستقرة، جعلت من المستحيل تحقيق جذب ذي جدوى اقتصادية، للسياح الروس، إلى شواطئ الساحل السوري. فغادرت آخر الشركات السياحية الروسية المنطقة، منذ العام 2025.<br><br>وتعرّض التجار السُنة من الحلبيين، ومن باقي مناطق الداخل السوري، الذين استوطنوا في الساحل السوري خلال الحرب التي تلت العام 2011، للكثير من الابتزاز والسلب شبه العلني، من الميليشيات العلوية المتعددة، حيث شاعت الفوضى في مدن وبلدات الساحل، وغادر الكثير من السُنة، باتجاه تركيا، أو إلى مصر، أو بلدان أخرى. وبقي الأقل حظاً منهم يشاركون أقرانهم من عامة العلويين، ظروفاً معيشية سيئة للغاية.<br><br>***<br><br>في مطلع العام 2032، وبعيد سيطرة جمال الدمشقي على معظم التراب السوري، والاتفاق الشهير الذي عقده مع النخبة الكردية في شمال شرق سوريا. أرسل جمال، ناجي الفتيحي إلى موسكو، للتفاوض مع الروس بخصوص استعادة الساحل السوري.<br><br>لم يكن الروس معارضين من حيث المبدأ، لكنهم كانوا يريدون الثمن، فلفت لهم جمال، عبر قناة ناجي الفتيحي، أن سيكون لهم نصيب من استثمارات إعادة إعمار سوريا، شريطة أن تُوكل السيادة العسكرية والسياسية الكاملة في الساحل، لحكومة دمشق. <br><br>لم يكتفِ الروس، فعرض عليهم جمال أن يرتب لصفقة كبرى لاستثمار مساحات زراعية واسعة في مناطق من روسيا، لصالح مشروع لصناعة الطاقة البديلة، بتمويل من صناديق سيادية دولية وإقليمية، كالمشروعين الذين أدارهما في مصر وتركيا. لكنه اشترط في المقابل إخلاء القاعدتين الروسيتين، البرية والبحرية، في الساحل.<br><br>رحب الروس، لكنهم اشترطوا الإبقاء على قاعدة طرطوس البحرية، مع التعهد بعدم استخدامها إلا في عمليات صيانة وتزويد السفن الروسية بالوقود، فقَبِل جمال. <br><br>وباشر الروس في تنفيذ الجانب المطلوب منهم، فضغطوا على قيادات الميليشيات المتعددة في الساحل، وأعلموهم أنهم قد يشاركون جوياً في أي حملة عسكرية لـ جمال الدمشقي ضدهم.<br><br>وبدأ جمال يتواصل مع القيادات الدينية والتقليدية للعلويين، عبر وسطاء من علويي تركيا، الذين نصحوا أقرانهم في الساحل بضرورة الانخراط في دولة سوريا الجديدة. <br><br>اشترط قيادات الميليشيات العلوية أن يحظوا بإدارة ذاتية لكيان علوي في الساحل، في صيغة مماثلة لتلك التي حصل عليها الأكراد والدروز. لكن جمال الدمشقي رفض ذلك، وأصر على حل جميع الميليشيات، مقابل الإبقاء على ثروات زعاماتها، وإلحاق عناصرها بمشاريع استثمارية في الساحل، تؤمن لهم فرص عمل، تقيهم الحاجة. رفض جمال الدمشقي بشكل مُطلق أي انخراط للعلويين في تكوين الجيش والجهاز الأمني، للدولة السورية، كما رفض أي مظهر من مظاهر الحكم الذاتي للعلويين في الساحل. لكنه تعهد بعدم فرض أي قوانين ذات طابع إسلامي، بصورة قسرية، على الساحل السوري. سوى ذلك، لم يكن جمال مستعداً لتقديم أي تنازلات. فرفضت قيادات الميليشيات العلوية الانصياع.<br><br>وفي مطلع صيف العام 2032، شنت قوات جمال الدمشقي حملة عسكرية، تمت مؤازرتها بالطيران الروسي، في صفقة تعهد فيها جمال بدفع تكاليف كل العمليات العسكرية، مضافاً إليها حيز من الأرباح، إضافة إلى تحمله تكاليف ترحيل قاعدة حميميم البرية – الجوية، الروسية، بعد انتهاء العمليات العسكرية فيها.<br><br>ودخلت قوات جمال الدمشقي الساحل، من بوابتي إدلب، وغرب حمص. وفي الشمال، اجتاحت قوات جمال بسهولة وسرعة عالية مناطق السيطرة العلوية وصولاً إلى الساحل قرب كسب، ومن ثم تقدمت لتسيطر على جبلي الأكراد والتركمان، وتصل إلى تخوم جبلة، على الساحل، وإلى تخوم صلنفة والقرداحة، في الجبل. <br><br>أما غرب حمص، فاجتاحت قوات جمال سريعاً، المنطقة، وسيطرت على منطقة تلكلخ، وتوغلت غربها باتجاه مدينة طرطوس.<br><br>تم كل ذلك، بمؤازرة من الطيران الروسي، فتقهقرت ميليشيات العلويين سريعاً.<br><br>وخلال شهر فقط، دخلت قوات جمال مدن، جبلة واللاذقية وبانياس وطرطوس، ومن ثم تقدمت نحو الجبل لتقتحم بلداته، بلدة تلو أخرى. وخلال أقل من ثلاثة أشهر، كان الساحل بأكمله مديناً لسيطرة قوات جمال، واستسلم معظم قادة الميليشيات العلوية، فيما فر القليل منهم إلى شمال لبنان، ليلتجئ لدى أقرانهم في طرابلس.<br><br>عاش عامة العلويين رعباً مهولاً، حينما كانت قوات جمال الدمشقي تتقدم لتدخل بلدة تلو الأخرى، في جبلهم. كانوا يتوقعون مذابح وإعدامات جماعية، لكنهم فُوجئوا بتعاملٍ تسوده الرحمة والمودة، من جانب مقاتلي جيش جمال. كان جمال قد درب عدة ألوية عسكرية خلال الأشهر السابقة لعملية اقتحام الساحل، لتنفيذ تلك العملية. وكانت التعليمات صارمة بعدم التورط بأي أعمال منافية لأخلاق الإسلام في الحرب. التقى جمال بجمهور الألوية المخصصة لمعركة الساحل، قبل بدئها بعدة أيام، في ساحة بلدةٍ شمال غرب حمص، وتوجه إليهم بخطابٍ حاسم، قال لهم فيه: "أنتم الأمل في أن نُحيي لُحمة السوريين من جديد، وأنتم الأمل في أن نمحي تلك القناعات عن رغبة السُنة بالانتقام والذبح، أنتم الأمل الذي إن تحقق، تحقق للسوريين وحدة التراب، من جديد.. أنتم الأمل في كل ذلك، ووقفٌ عليكم مصير هذا البلد، والعلاقة بين أبنائه".<br><br>وتوالى على المنبر خطباء، من علماء الدين الإسلامي، يحذّرون المقاتلين، "لا تقتلوا طفلاً، لا تقتلوا شيخاً، لا تقتلوا امرأة، لا تقتلوا من يُلقي السلاح، لا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بيتاً.. أنتم من سيُعرّف الإسلام الحقيقي إلى أولئك الذين يتوقعون الأهوال في الساحل. وعلى كواهلكم يقع عبء تقديم هذا الدين بصورته الصحيحة".<br><br>بعد اقتحام عدة بلدات في الجبل، وتوالي الأنباء عن التعامل السمح للمقاتلين، فتحت بلدات عديدة أبوابها للمقاتلين بلا قتال، ورمت النسوة في بلدات علوية عدة، الورود والأرز على مواكب المقاتلين أثناء دخول بلداتهم. كان مشهداً مفاجئاً للكثيرين، إذ اندحر رافضو الاندماج بدولة سوريا الجديدة، سريعاً، وتصدر المشهد قيادات وزعامات أعلنت ولائها لعلم الثورة، والتبرؤ مما سبق، والرغبة في الالتحاق بالركب السوري الذي انطلق من جديد.<br><br>واجتمع جمال، قرب اللاذقية، بقيادات الجبل، الدينية والتقليدية، وتناقشوا في مصير الجبل، وحسم جمال الأمر، بأن لا إدارة ذاتية للجبل، وأن عليهم الخضوع للحكم المباشر من دمشق، مع مراعاة خصوصية المجتمع العلوي. فوافقوا مُجبرين، وفي دواخلهم يتردد صدى مقولة شاعت بينهم حينما انتهى الأمر، "الحمدلله اللي خلصت عند هون".<br><br>وفي مطلع العام 2033، عادت سوريا موحدة من جديد، وأتم الروس انسحابهم من ساحلها، باستثناء القاعدة البحرية في طرطوس. وارتفع علم الثورة، علم سوريا قبل حكم البعث، عالياً في كامل التراب السوري.<br><br>***<br><br>في ربيع العام 2033، التم شمل ما أُطلق عليه حينها بـ "المؤتمر السوري التأسيسي"، الذي ضم قيادات ونخب سورية، معظمها مقرّب من جمال الدمشقي، إلى جانب نخب قليلة أخرى، معارضة له، مضافاً إليها، نخب كردية وعلوية ودرزية ومسيحية.<br><br>واتفق المؤتمرون، بعد سبعة أيام من النقاشات، التي سبقتها الكثير من المفاوضات السرّية، والضغوط والإغراءات، من جانب التكتل السياسي لـ جمال الدمشقي، على وثيقة دستورية مؤقتة، تقرّ وحدة التراب السوري، وتوافق على علم الثورة، علم سوريا قبل البعث، كعلم للبلاد، وتقرّ الإدارة الذاتية في مناطق الأكراد والدروز، بصلاحيات محدودة. <br><br>واتفق المجتمعون على انتخاب رئيس مؤقت للجمهورية، وحكومة مؤقتة من التكنوقراط، تدير فترة انتقالية، تستهدف إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وإعادة إعمار البلاد، خلال خمس سنوات، حتى العام 2038، حيث سيتم الاستفتاء على دستور جديد للبلاد، وانتخاب سلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية، في انتخابات حرة ونزيهة، وفق المعايير العالمية.<br><br>وحسب الوثيقة الدستورية المؤقتة، التي ستُنظّم الحكم في سوريا خلال السنوات الخمس التالية، كان النظام نيابياً، حيث كانت الصلاحيات التنفيذية الرئيسية في قبضة الحكومة، التي كان يغلب عليها كفاءات محسوبة على تكتل جمال السياسي. فيما كان رئيس الجمهورية المُتفق عليه، صاحب صلاحيات محدودة أقرب إلى الرمزية. واختير الرئيس من الشخصيات المحايدة التي تحظى بقبول مختلف القوى السياسية السورية الفاعلة حينها.<br><br>وكُلّف "المؤتمر السوري التأسيسي" بالاتفاق خلال ثلاث سنوات، على قانون للأحزاب، وآخر للانتخاب، وثالث للإعلام، تمهيداً لإطلاق الحياة السياسية الحرة الديمقراطية في البلاد، بعد أربع سنوات من العام 2033.<br><br>يومها، قدّر مجموعة من الخبراء التكنوقراط، تكاليف إعادة إعمار سوريا، بما لا يقل عن ترليون دولار، تعهد جمال بدفعها كاملة، بمعدل 200 مليار دولار سنوياً، دون أي مقابل، حسب ما أعلن حينها.<br><br>ومنذ اللحظات الأولى لبدء عمل حكومة دمشق الجديدة، في نيسان عام 2033، نشطت الحياة في سوريا، وبدأت رويداً رويداً، تستعيد ملامحها السابقة على العام 2011. <br><br>***<br><br><font>يتبع في الفصل الثالث عشر..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")</a><br><div><br></div><div><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a></div><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/21752</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//6ab492777ebfbedcc42d6b47.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//6ab492777ebfbedcc42d6b47.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/21231</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/21231</comments>
						<pubDate>Fri, 24 Aug 2018 20:26:57 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/21231</guid>
						<description><![CDATA[وصل موكبه في رحلة دامت أقل من ساعتين. كانت سيارات رادار خاصة ترافق الموكب مهمتها التشويش على أي رقابة لأقمار صناعية مُسلطة على قصره في الربوة بدمشق، حيث خرج الموكب.تØ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<div><br>وصل موكبه في رحلة دامت أقل من ساعتين. كانت سيارات رادار خاصة ترافق الموكب مهمتها التشويش على أي رقابة لأقمار صناعية مُسلطة على قصره في الربوة بدمشق، حيث خرج الموكب.<br><br>ترجل من سيارته المرسيدس المصفّحة، وخطا خطوات وئيدة يتشرّب كل ما حوله بشبق ونشوة خفيّة. كان الموكب قد دخل منشأة صناعية نفطية، لكنها لم تكن منشأة نفطية بالفعل، كانت منشأة للتمويه. دخل إحدى عنابر المنشأة، وفي إحدى جوانب العنبر الأسطواني، المغطى، ووراء عدد من الخزانات حيث تدخل حيزاً من الفراغ من مدخل ضيق لا يتسع لمرور أكثر من شخص واحد، تجد فتحة في الأرض، كان غطاؤها مفتوحاً، وتؤدي إلى درج حديدي مائل، في عمق الأرض، ساعده أحد مرافقيه على هبوطه، ليصبح أخيراً داخل منشأته الأثيرة.<br><br>وبعد مسيرة دامت ربع ساعة في نفق جدرانه من الصلب، وتغطي فوانيسٌ جانبيه حيث لا معالم تميز الغاية منه، لمن لا يعرفها، يصل جمال ومرافقوه إلى جدار سدّ، يفتح أحد مرافقيه المقربين لوحة حديدية في الجدار، لتكشف عن عدد من الأزرار، يُدخل جمال كلمات سرّ، ويضغط بإبهامه على زر آخر، ليرتفع الجدار بعرض 5 أمتار وارتفاع مترين، كاشفاً عن مصعد ضخم، دخلوا فيه، فهبط بهم على الأقل 5 طوابق تحت الأرض. فُتح باب المصعد، بعد أن وصل وجهته، ليُبصر جمال ثلاثة رجال يبتسمون مرحبين، تقدم إليهم، وتبادلوا التحيات، كان الثلاثة على الترتيب، المسؤول الأمني عن المنشأة، ومسؤول التصنيع العسكري فيها، وأخيراً، مسؤول البحث والتطوير العلمي.<br><br>تجول جمال في تلك المنشأة المخفية على عمق 20 متراً تحت الأرض. يفصل بينها وبين سطح الأرض، مكونات تفجيرية عالية الحساسية مهمتها التفاعل مع أي صاروخ يمكن أن يحاول اختراق السقف، لتفجيره قبل الوصول إلى المنشأة. تتضمن المكونات التفجيرية تلك، مواد مُفجِّرة، وأخرى مُثبطة للتفجير، بحيث أن الأولى تفجّر الصاروخ حالما يخترق السطح الأول للمنشأة، الذي يلامس سطح الأرض، فيما تعمل المواد المثبطة للتفجير، على تدارك التفجير والحد منه قدر المستطاع. وبذلك، يمكن ضمان عدم وصول أي صاروخ قادر على اختراق الأعماق، إلى السطح الثاني للمنشأة، الذي يقع تحت طبقات الحماية التي تفصلها عن سطح الأرض.<br><br>على امتداد 10 كيلومترات، أنشأ جمال بسرّية فائقة، منشأة مهمتها تطوير أبحاث التصنيع العسكري. جمع من أجلها جُلّ العلماء السوريين، وبعض العلماء العرب، وقلّة من العلماء الأجانب الذين تم شراء بعضهم بالمال، وضمان ولائهم وفق إجراءات أمنية مشددة للغاية.<br><br>كان جميع العاملين في المنشأة يعلمون أنهم يخضعون لمراقبة دائمة، لكنهم لا يعرفون كيفيتها. سبق أن أعلم المسؤول الأمني للمنشأة بعضهم بمعلومات عن حياتهم الشخصية مع أسرهم، علمها عبر أجهزة مراقبة ترصد حياتهم، لكنهم لا يعرفون أين وضعت تلك الأجهزة، ولا آلية عملها. كان أي عالم يتم اجتذابه للعمل في المنشأة، يتم إعلامه بأن الكشف عن أي معلومة تخصها، مهما كانت ضئيلة، معناه الموت، وبالفعل، سبق أن لقي عدد من العلماء حتفهم في ظروف غامضة، أثارت الكثير من الجدل الإعلامي حينها، فيما كانت أجهزة المخابرات الغربية، والإسرائيلية، تتابع بشغف أي خيط يصلها بحالات الوفاة الغامضة تلك، فيما كان الجهاز الأمني المسؤول عن المنشأة يستكمل عملية الردع النفسي لثلة من العلماء النُجباء، الذين يعملون فيها، كي يدركوا أن الكشف عن أي معلومة لها صلة بتلك المنشأة، ولو هفواً، سيكلف الشخص حياته. مقابل ذلك، كان أولئك العلماء يحيون حياة مترفة للغاية، وعائلاتهم تحظى برعاية فائقة جداً، لكنها عناية مرفقة بسيطرة وتحكم كبير من قبل الجهاز الأمني المكلف بمراقبة أولئك العلماء.<br><br>جمع جمال عبر فريق متخصص، علماء مميزين للغاية، جذب غالبيتهم من السوريين بإغراء العمل في مشروع يخدم بلادهم، وجلّهم من الدراسين والعاملين في منشآت بحثية وعلمية غربية.<br><br>بعضهم اجتذبه فريق جمال بإغراء المال، وكان الإغراء يصبح أعلى كلما كان العالم أكثر تميزاً.<br><br>وكان الغطاء لتلك العملية دوماً، هو نشاط جمال الاستثماري في مجال بحوث علمية ذات استخدامات اقتصادية مُربحة. لكن ذلك لم يكن ليُريح دوائر استخباراتية غربية وإسرائيلية وإقليمية، إلا أن أياً منها لم يستطع تقديم أدلة جازمة لقياداته تثبت وجود نشاط بحثي مريب يقوده جمال الدمشقي في سوريا.<br><br>تقع تلك المنشأة في نقطة ما بين تدمر وحمص، قرب مواقع نفطية جفّ معظمها، وكان ذلك هو الغطاء لتأسيس منشأة نفطية للبحث والتطوير في ذلك المكان، فيما كانت الحقيقة مختلفة تماماً.<br><br>بدأ العمل على تلك المنشأة منذ صيف العام 2032، وعلى مدار ثمان سنوات، تطورت بسرعة هائلة، وصرف جمال أكثر من 300 مليار دولار لترسيخ عمليات الإنشاء والبنية التحتية فيها، وكذلك، عمليات التجهيز بأحدث المعدات التي تم جلبها بطرق عدة ملتوية ومختلفة، وصولاً إلى تكاليف البحث اليومية الباهظة. وتقدر الميزانية الشهرية للمنشأة تلك، بأكثر من 300 مليون دولار.<br><br>كان جمال يهيم في عالم هذه المنشأة كلما زارها، كل ثلاثة أشهر، للإطلاع على آخر التطورات فيها. كان التقدم ملحوظاً، وكان الفريق الأمني، وكذلك الإداري المكلف فيها، قد تمكن من تجاوز مرحلة الردع والإرهاب للعاملين في المنشأة، لضمان تكتمهم على نشاطاتهم فيها، ليصلوا إلى مرحلة خلق مجتمع متكامل، يشعر معه العامل في المنشأة بالانتماء، إذ أن أي مشكلة شخصية يواجهها العامل في تلك المنشأة، تتم معالجتها مباشرة، مهما كانت مكلفة، حتى المشكلات الشخصية، بل حتى الخلافات الزوجية، يحاول فريق من الدعم النفسي للعاملين التدخل بطرق ناعمة، لحلها، ومساعدة العامل على تحقيق أكبر قدر من الاستقرار النفسي في حياته. وكانت الغاية الأخيرة، ضمان أكبر سرية ممكنة للعمل في المنشأة، بالتزامن مع ضمان أكبر قدر من الإنتاجية فيها.<br><br>يحظى العاملون في المنشأة، خاصة من السوريين والعرب، الذين يشكلون الأغلبية الكبرى، تحفيزاً وتعبئة معنوية عالية، تزيد من همتهم، فيما يتم استهداف العناصر الأجنبية العاملة في المنشأة، بمحاولات تجنيد عقائدي وفكري، حسب توجهات وميول كل شخص منهم، في معالجات منفردة، كل منها على حدى.<br><br>أثناء جولته، وصل جمال إلى حيزٍ يعملون فيه بجدٍ كبيرٍ على تصنيع أول طائرة نفاثة عسكرية، تضاهي أحدث التصاميم الأمريكية. كانت نسخ من تصاميم لطائرات عسكرية أمريكية قد تم شراؤها في عمليات اختراق تطلبت سنوات من العمل، ويتم الآن، بالاستعانة، بخبير أمريكي، حانق على حكومته، العمل على استنساخها في محاولات جادة للغاية.<br><br>وفي حيزٍ آخر، كانت الجهود اقتربت من أن تُكلل بتصنيع أول دبابة على طراز أحدث الدبابات الروسية، بمساعدة خبراء روس، بعضهم اعتنق الإسلام، وبعضهم جُذب بإغراء المال.<br><br>أما في أحب حيزٍ إلى نفسه، تطلب الأمر لباساً خاصاً مرفقاً بخوذة واقية وقفازات وجزمة خاصة، كي يدخل جمال إلى المفاعل النووي الذي يجري العمل عليه سريعاً، بعد أن قطع مراحل متقدمة منذ أربع سنوات وحتى الآن، همس مدير المفاعل في أذنه، بعد أن خرجوا، "أصبح جاهزاً لتحقيق الغاية منه".<br><br>برقت عينا جمال، لكنه يريد دراسة الخطوة بتأنٍ عالٍ جداً، فدخول النادي النووي، بقدر ما يمنح حصانات ردعية للدول، بقدر ما يسبب لها، في معظم الأحيان، متاعب جمّة. لكن ذلك لم يمنعه من الجزم بضرورة امتلاك تلك التقنية، وذلك السلاح، إلا أن الإعلان عنه يجب أن يكون في التوقيت المناسب تماماً.<br><br>في نهاية جولة مطوّلة، وصل جمال إلى الحيز الذي وصل فيه العمل إلى أكثر المراحل تطوراً، بحيث باتت الغاية منه مكتملة، إنه الحيز الذي تُصنع فيه أصناف خمسة من الصواريخ، الأولى، هي مضادات الطيران، بأنواعها، والثانية، هي مضادات الدروع، أيضاً بأنواعها، والثالثة، هي صواريخ (أرض، بحر)، والرابعة، هي الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى بأنواعها، والخامسة، هي الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، القادرة على حمل رؤوس غير تقليدية، والتي تغطي المدى الإسرائيلي بأكمله، حسب ما أكد له الخبراء المسؤولون.<br><br>تمت تجربة أصناف أربعة من تلك الصواريخ في عمليات تدريبية تم التمويه عليها بصعوبة بالغة. أما الصنف الخامس، فكان جمال بصدد حضور عملية تجريبه، وكانت الخشية عالية في ألا تنجح عمليات التشويش على التجربة، في إخفائها عن الأقمار الصناعية العديدة المخصصة لرصد الأجواء والتراب السوري، بما فيها القمر الصناعي الإسرائيلي الذي أُطلق خصيصاً لهذه الغاية منذ ثلاث سنوات.<br><br>كان الإسرائيليون واثقون أن جمال يملك مشروعاً يتجاوز كرسي الحكم الذي لم يجلس عليه رسمياً. ابتعاده عن المناصب العلنية، جعلت الإسرائيليين على قناعة بأن هذا الرجل لا يطمح لأن يكون رئيساً أو ملكاً متوجاً، فهو يمتلك القدرة على تحقيق ذلك، لكنه لم يفعل، وفضّل البقاء وراء الكواليس. وفيما يعرف العالم أجمع بأن الحاكم الفعلي لسوريا اليوم، هو جمال الدمشقي، يقبع الأخير بعيداً عن الظهور العلني، إلا ما ندر، فيما تتولى سلطة تنفيذية، فيها رئيس، ونائب رئيس، وحكومة، مسؤولية إدارة البلاد، أمام الواجهة.<br><br>لكن المخاوف الإسرائيلية لم تكن لتجد تقبّلاً كافياً لدى الدوائر الغربية، التي لم تكن تثق الثقة المطلقة بـ جمال، لكنها كانت تراه بمنظار آخر، كما أنها كانت قد لُدعت من جحر التعنت الإسرائيلي أكثر من مرة. إذ تحمّل دوائر النخب الغربية، إسرائيل، وداعميها في بلدانهم، مسؤولية الضغط على الغرب لفترة طويلة، من أجل الإبقاء على بشار الأسد لأطول فترة ممكنة، لضمان أكبر قدر ممكن من الاهتراء في سوريا، وأكبر قدر ممكن من الاستنزاف للإيرانيين والشيعة، والجهاديين، فيها. كانت إسرائيل تضغط باستمرار على دوائر صنع القرار في الغرب لضمان استمرار الحرب الأهلية في سوريا لأكبر قدر ممكن من الزمن، وكلما كانت التطورات في سوريا تدفع دوائر صنع القرار الغربية إلى التفكير بحل جدّي ينهي تلك الدوامة من العنف لتجنب تداعياتها المنعكسة على بلدان الغرب ذاته، كانت إسرائيل تتدخل للضغط عبر عملائها في بلدان الغرب، لضمان عدم إزاحة الأسد، أو إنهاء الحرب الدائرة هناك.. إلى أن فلتت الأمور من زمام سيطرة الجميع، وانسحبت إيران، لتترك سوريا لـ "داعش"، التي تحول جزء كبير من قياداتها، من أتباع لأجهزة مخابرات عديدة، إلى متمردين على تلك الأجهزة، وكان "المارد" الذي أخرجه الأسد ونظراؤه في العراق، من "القمقم"، قد أفلت تماماً عن السيطرة، ونال من نظام الأسد ذاته، ومن نظرائه في العراق، في بداية الأمر، قبل أن ينال من إيران ذاتها لاحقاً، ويهدد الغرب والدول الإقليمية الحليفة له في المنطقة، بصورة وجودية مباشرة، أصبحت معه إسرائيل ذاتها في مرمى حجر ذلك التهديد.<br><br>لذلك، حينما ظهر جمال الدمشقي، وتدرج سريعاً في سلم النفوذ والقدرة على التأثير والتحكم، قبل أن يستعيد دمشق من الدواعش، كانت دوائر النخب الغربية قد وجدت فيه حليفاً يستحق كل دعم وتقدير، لإعادة الاستقرار إلى سوريا والعراق، وإزالة التهديد عن كل حلفاء الغرب في المنطقة، بل وإزالة التهديد عن الغرب ذاته، الذي استهدفه "داعش" في عقر داره أكثر من مرة، واستهدف مصالحه.<br><br>كانت دوائر النخب الغربية على قناعة بإمكانية الوصول إلى تسويات مع جمال الدمشقي، تضمن الأمن والسلام لإسرائيل، فيما كانت الأخيرة مرتاعة من وجود شخص يعمل ليلاً نهاراً على تأسيس دولة ذات أسس راسخة عسكرياً وعلمياً واقتصادياً، ومجتمعياً وسياسياً.. يعيد لها ألقها، بل ويضاعفه مرات، مقارنة بما كانت عليه قبل العام 2011.<br><br>لكن المخاوف الإسرائيلية لم تكن تلقى أي تقبّل لدى صانعي القرار الغربي، الذين طلبوا أدلة مادية جازمة تماماً، بوجود مشاريع مريبة وخطرة على أمن إسرائيل، في جعبة جمال الدمشقي.. وبغير ذلك، لن تقبل تلك الدوائر اتخاذ أي إجراء مع رجل، تشابكت مصالحهم معه، مادياً وسياسياً وأمنياً، بصورة لم تعد قابلة للفكاك.<br><br>ولم تستطع المخابرات الإسرائيلية، ولا دوائر مخابراتية غربية مقربة منها، من الوصول، حتى الآن، إلى أي دليل مادي جازم، بوجود مشروع يهدد أمن إسرائيل، يديره جمال الدمشقي في سوريا، أو خارجها.<br><br>في هذه الأثناء، كان جمال يتابع تطوير مشروعه الفريد، واليوم يشهد تجربة لصاروخ بالستي يستهدف إصابة بقرة في أقصى نقطة قرب مثلث الحدود السورية – العراقية – التركية، في أقصى الشمال الشرقي، لاختبار المدى الذي يمكن للصاروخ أن يغطيه، ومقدار دقته. <br><br>جلس جمال أمام لوحة تحكم معقدة، فيما كان قمر صناعي من مجموعة الرصد الفضائية التابعة له، يستعد لنقل رحلة الصاروخ على الهواء مباشرة. وضغط المسؤول على الزر المعني، وانطلق الصاروخ البالستي، وتابع جمال في بث مباشر رحلته، وخلال عشر دقائق، هوى الصاروخ على البقرة المسكينة بدقة عالية مسبباً تفجيراً هائلاً في مساحة جرداء، كانت قد أحيطت بإجراءات أمنية مشددة، كي لا يشهد أحد ما حدث.<br><br>في اليوم التالي، قال موقع الكتروني إسرائيلي، يُحتسب على أجهزة المخابرات، أن شهود عيان من الجانب الآخر من الحدود التركية، لمحوا آثار تفجير ضخم، علت نيرانه ودخانه إلى ارتفاعات عالية في السماء، داخل الأراضي السورية. قبل ذلك بساعات، كانت صحيفة مقربة من جمال الدمشقي قد كشفت ما وُصف بأنه تسريب، عن تفجير ضخم وقع في منشأة نفطية قرب الحدود التركية - العراقية، وسط تكتم من السلطات لإخفاء حقيقة الخسائر البشرية والمادية. وطالبت الصحيفة بمحاسبة الحكومة التي تمتنع عن الكشف بشفافية عن الحقائق المثيرة للجدل، والأخطاء الجسيمة، حال وقوعها.<br><br>وفي اليوم التالي، أعلن مجلس الشعب بدمشق عن جلسة لمناقشة ما سُرّب من معلومات بخصوص التفجير في المنشأة النفطية، مطالباً الحكومة بالكشف عن الحقائق بشفافية، فيما طالب نواب في المجلس بضرورة الإسراع للاستغناء الكامل عن الحاجة للنفط، بعد أن باتت الطاقة البديلة بأنواعها، قادرة على تأمين متطلبات الحياة المعيشية والاقتصادية والصناعية في البلاد. <br><br>وكانت الشركة الوحيدة التي تقدم متطلبات الطاقة البديلة، بجدوى اقتصادية عالية، من زيوت مستخرجة من نباتات معينة، وطاقة شمسية مخزنة في بطاريات، ومكثفة بصورة عالية، كانت الشركة الوحيدة التي تقدمها في البلاد، تعود ملكيتها إلى مجموعة الدمشقي القابضة. وبدأ النقاش جدياً في أوساط النخبة السياسية والتشريعية السورية، بضرورة وقف كل المشاريع النفطية في البلاد، للحفاظ على البيئة، وقطع الشوط الأخير المتبقي من الاعتماد الكلي على الطاقة البديلة، بعد أن وصلت سوريا إلى اعتماد جزئي بنسبة تتجاوز الـ 60%، على تلك الطاقة.<br><br>تلقت دوائر استخباراتية وبحثية غربية تقارير إسرائيلية مستعجلة تتحدث عن تجربة صاروخ بالستي، تمت في سوريا، لكنها لم تحصل على رصد خاص بها لتلك التجربة، وقد وصلتها تقارير عديدة من سفاراتها في دمشق، تتحدث عن الضجة الإعلامية والسياسية التي أعقبت الكشف عن تفجير في منشأة نفطية، تكتمت الحكومة على خسائره، فأهملت الدوائر الغربية التقارير الإسرائيلية، وأرجعتها إلى حالة المبالغة الدائمة لدى الإسرائيليين، لأي شيء يتعلق بـ جمال الدمشقي.<br><br>***<br><br>في اليوم التالي للتجربة الصاروخية الناجحة، عقد جمال لقاءً سرياً مع الصف الأول من القيادات الأمنية والعسكرية في البلاد، في قبو على عمق سبعة طوابق تحت مبنى هيئة الأركان السورية، في ساحة الأمويين بدمشق.<br><br>حضر الاجتماع، رئيس الجمهورية، ونائب رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان، وهيئة أركان الجيش، وقادة الألوية الرئيسية، إلى جانب قادة الأجهزة الأمنية السبعة المتواجدة في البلاد، بحضور مستشار سياسي مقرّب من جمال مسؤول عن تنسيق العلاقة بين أعضاء هذه الخلية الضيقة المسؤولة عن قيادة البلاد، سياسياً وأمنياً وعسكرياً.<br><br>كان كل شخص في تلك الخلية يعلم أن جمال هو الحاكم الفعلي للبلاد، وكان رئيس الجمهورية ونائبه، يدينان بالولاء لـ جمال، فهما من قيادات حزبه، "حزب الوسط"، الذي نال الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية في العام 2039، قبل أن يتربعا على سدّة الرئاسة، في انتخابات رئاسية أُجريت في نفس العام.<br><br>كان عدد من القيادات الجهادية ذات الخلفية العسكرية، في صفوف تلك الدائرة الضيقة في رأس هرم القيادة الأمنية والعسكرية للبلاد. كما تضم تلك الدائرة قيادات عسكرية مخضرمة، كثير منها ابتُعث للدراسة المتخصصة في جامعات عسكرية غربية، بتمويل من جمال، منذ أكثر من عقد ونصف، حينما كان جمال يطوّر جيشه الصغير تدريجياً في لبنان، تحت عنوان مكافحة غزو "داعش"، والتجهيز لاستعادة دمشق.<br><br>ورغم أهمية تلك الدائرة الضيقة في قيادة البلاد، إلا أن جمال كان قد أعدّ دائرتين أخريتين، أولى تضم قيادات الصف الثاني في الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية ووزارة الداخلية وقيادات سياسية من حزب الوسط الذي يقوده جمال، وثانية تضم قيادات الصف الثالث في تلك المؤسسات أيضاً. وكانت إدارة الدائرتين الثانية والثالثة، موكلة لمستشارين عسكريين وأمنيين موضع ثقة عالية من جانب جمال.<br><br>كان جمال الدمشقي يُحكم قبضته على هرمية معقدة، وفق نظام الدوائر الثلاث، الدائرة الأولى، التي تضم قيادات النخبة في الصف الأول، بما فيهم رئيس الجمهورية ونائبه، والدائرة الثانية التي تضم قيادات الصف الثاني، والدائرة الثالثة التي تضم قيادات الصف الثالث.<br><br>كان أي قرار على أعلى مستوى يصدر، تتلقى الدوائر الثلاث الأوامر بتنفيذه من داخل دوائرها. فحينما يصدر جمال قراره للدائرة الأولى، الأعلى، دائرة النخبة في الصف الأول، يصدر في ذات الحين، أوامر للدائرتين الثانية والثالثة، بتنفيذ الأوامر الصادرة من دائرة الصف الأول. ولا يجب على قيادات الدائرتين الثانية والثالثة تنفيذ أوامر الدائرة الأولى، إلا حين إخطارها بذلك، من قياداتها المباشرة الخاصة بها، المرتبطة مباشرة بـ جمال. بمعنى آخر، رغم أن رئيس أركان الجيش السوري، نظرياً، هو الآمر العسكري على الرتب الأدنى منه، إلا أن أوامره لا تنفّذ إلا إن صدرت عن جمال. وكان جمال قد أعد بروتوكولاً متفقاً عليه بين قيادات النخبة، في الدائرة الأولى، وأُعلمت به قيادات الدائرتين الثانية والثالثة، أنه، في حال غياب جمال أو عجزه عن العمل، فإن القيادة الكلية تعود لشخص رئيس الجمهورية، شريطة عدم مخالفة الرئيس للنص الدستوري المعتمد في البلاد. وفي حال قام الرئيس بأي فعل يُنبئ برغبته في فرض سيطرته المطلقة على البلاد، من خلال تجاهل البنود الدستورية الناظمة لصلاحياته، يجب على الدوائر الثلاث، الأولى والثانية والثالثة، ألا تُطيعه، وتؤول قيادة البلاد حينها، إلى نائب رئيس الجمهورية. وإن صدر عن الأخير نفس الخطر الصادر عن الأول، تؤول قيادة البلاد إلى رئيس مجلس الشعب المُنتخب.<br><br>كان جمال يؤسس لنظام سياسي، تكون السلطة شبه المطلقة، فيه، في يده، على أن تؤول بعد غيابه لمؤسسات، يعتقد جمال أنها ستكون في ذلك الوقت، إن كُتب له طُول العمر، في حالٍ من النضج الذي يُتيح لها تحمل مسؤولياتها كاملة في حكم ديمقراطي شفاف ونزيه، يستند إلى قوة النخبة التي يُديرها حزب الوسط الذي أسسه، وفق قناعته التليدة، بأن الدول تحكمها نخب كلما كانت فعّالة ومتماسكة، كلما كُتب لتلك الدول المزيد من الاستقرار والازدهار.<br><br>كان جمال يبرر لنفسه تأسيس تلك الدولة وفق مبدأ السيطرة المطلقة لشخصه، من منطلق أنها دولة وليدة، فالدولة التي عرفتها سوريا قبل الثورة، تهالكت خلال عشر سنوات من الحرب الشعواء التي شنها بشار الأسد على الثائرين، وانهارت تماماً مع الغزو الداعشي لـ دمشق، حتى أصبحت من الماضي التليد.<br><br>تلك الدولة الوليدة التي يؤسسها جمال، يجب أن تحظى في بداياتها بمركزية عالية، وبقيادة فعّالة، إلى أن تستقر أركانها، وتترسخ المعادلات الحاكمة للعلاقات بين تلك الأركان، بما يضمن ألا تطغى مؤسسة على أخرى، وألا يتهدد الفوضى بنيانها.<br><br>وبعد أمد، يأمل جمال أن يُتاح له تجاوزه، يراهن جمال مستقبلاً على ترك قطار تلك الدولة يسير دون توجيه، وسط رقابة منه، وليس إدارة مباشرة مركزية. يراهن جمال أن يأتي اليوم الذي يأمله قريباً، والذي يتقاعد فيه، ويبتعد بصورة شبه كاملة عن مهامه، ويرقب من بعيد سير تلك الدولة، وأن يتدخل إن اضطر الأمر فقط، على أن يصل النضج في أدائها وعلاقات أركانها إلى المستوى المطلوب كي تصبح دولة مؤسسات مستقرة، تحكمها نخبة مرنة وفعّالة ومتجددة أيضاً.<br><br>وكان جمال يراهن في خضم كل ذلك، على تمرير جرعات الديمقراطية رويداً رويداً، للشارع السوري، وللمؤسسات، وللنخبة أيضاً، بحيث يتعلم الجميع كيفية التعامل معها، ويتقن لعبتها، إلى أن يصبح صندوق الاقتراع الحكم الأمثل بينهم.<br><br>كان جمال يرى في نفسه الوصي على السوريين في تنفيذ تلك المسيرة باتجاه دولة مؤسسات ديمقراطية على النمط الغربي، مع مراعاة خصوصية المجتمع السوري. لكنه في الوقت نفسه، كان يراهن على عدم إعلان ذلك بصورة وقحة. وإن كان الجميع يعلم أنه الممسك عملياً بزمام السيطرة في البلاد، إلا أن الخطاب الموجه للشارع، والذي يفيد بأن خياره المُعبّر عنه في صندوق الاقتراع هو من يقود المسيرة في البلاد، سيتأتى مع الزمن عن ثقة لدى السوريين بأنفسهم، وبقدرتهم على إدارة زمام أمورهم، وبأن خياراتهم الانتخابية تحدد مصيرهم، فيؤسس ذلك لوقت يأمل جمال أن يشهده، تكون فيه إدارة البلاد، بالفعل، في قبضة الممثلين الشرعيين للسوريين، وليس في قبضته هو نفسه. وإن كان جمال الدمشقي، من الناحية العملية، يتمتع بالمشروعية الشعبية لقيادة البلاد، بحكم كل المؤشرات الاستطلاعية والانتخابية التي تؤكد شعبيته الجارفة في الشارع السوري.<br><br>***<br><br>بدأ الاجتماع بعرض جمال الدمشقي لآخر التطورات المتعلقة بموضوع الساعة، المواجهة العسكرية المُرتقبة مع إسرائيل. كان جميع الحاضرين في الدائرة الأولى من نخبة الصف الأول في قيادات البلاد، يعلم لماذا يُعقد هذا الاجتماع، وحول ماذا سيدور النقاش.<br><br>قال لهم جمال، بحضور مسؤول التصنيع العسكري المسؤول عن منشأة البحث والتطوير قرب تدمر، أن تجربة الصاروخ البالستي نجحت، وأنه يمكن استخدامه في أي مواجهة مقبلة، لكنه لا يحبذ ذلك، لا يحبذ الكشف عن كل مقدرات الجيش السوري دفعةً واحدةً.<br><br>وبعد جولة من النقاش، عرض كل مسؤول تصوراته لشكل المواجهة، والأدوات التي ستُستخدم فيها، وتلك التي يجب عدم الكشف عن امتلاكها.. خلص الاجتماع إلى اتفاق بين مختلف القادة على ضرورة استخدام صواريخ بالستية، لأسباب ردعية.<br><br>وبيّن أحد المسؤولين العسكريين وجهة نظر أقنعت جمال، أن الإسرائيليين سيعتمدون في هجومهم الأول على الطيران، "وحينما يُفاجئون بامتلاكنا صواريخ مضادة للطيران، وتتساقط طائراتهم، سيلجؤون لاستخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى، ولأنهم لا يملكون معلومات استخباراتية كافية تتيح لهم استهداف منشآت عسكرية، بحكم التشويش الدائم على رقابة أقمارهم الصناعية، وكون خلاياهم التجسسية الفاعلة على الأرض، مكشوفة، ومُخترقة من المخابرات السورية، فإنهم سيضطرون إلى ضرب تلك الصواريخ بصورة أقرب إلى العشوائية، قد توقع خسائر بشرية كبيرة جداً، لذا يجب تحذيرهم من ذلك علناً، بأن استهداف المدنيين خط أحمر، وأنه سيلقى رداً مماثلاً، بحيث يصبح المدنيون الإسرائيليون غير محصنين، ويجب لتأكيد امتلاكنا القدرة على تنفيذ تهديداتنا، استخدام صواريخ بالستية، وضربها على أهداف تكون الخسائر البشرية فيها قليلة، داخل العمق الإسرائيلي، لتكون رسالة ردعية، تضمن أن تنهار كل خططهم وأدواتهم دفعة واحدة، ويشعرون بالعجز، فيتراجعون عن قرار الحرب في أسرع وقت".<br><br>اقتنع جمال بطرح المسؤول العسكري، ووافقه جميع القادة الأمنيين والعسكريين، لكن جمال أكد أنه يريد أن تستمر الحرب "إلى أن نحصل على كامل الجولان، ونصل إلى ضفاف بحيرة طبريا". ووافقه القادة على ذلك، وأكد العسكريون منهم امتلاك ألوية المشاة القدرة على ذلك، وسريعاً، خاصة أنهم يتوقعون انهياراً كلياً في معنويات الجيش الإسرائيلي، حالما يكتشفون أن سلاحي الطيران والصواريخ، تم تحييدهم، بحيث أن المواجهة ستكون برية، دون أي غطاء جوي أو صاروخي. ومع امتلاك الجيش السوري لتفاصيل استخباراتية دقيقة عن التحصنيات العسكرية الإسرائيلية في الجولان، يصبح اقتحامها مسألة بضعة أيام فقط، وقبل أن تتأتى الجهود الدبلوماسية الدولية، التي ستنطلق سريعاً لوقف الحرب، عن قرار دولي مرتقب بوقف إطلاق النار، ستكون قوات الجيش السوري على ضفاف بحيرة طبريا، بالفعل.<br><br>وأعلم قادة استخباراتيون، جمال، وزملائهم في الاجتماع، أن السيناريو المرجح لبدء الحرب، سيكون بعدوان إسرائيلي، بالطائرات، على موقع تدريبي قرب دمشق، للمشاة، بذريعة أنه يضم إرهابيين. فيما هناك سيناريو آخر، أن تستهدف الطائرات الإسرائيلية تحصينات عسكرية للجيش السوري قرب الحدود مع هضبة الجولان المحتلة.<br><br>وفي نهاية الاجتماع، بات التصور واضحاً، لدى جمال، ولدى القيادات العسكرية والأمنية من الصف الأول، حول كيف يمكن أن تندلع الحرب، وكيف يجب أن يكون تحركهم، وبناء عليه، تم وضع خطة رئيسية، وثلاث خطط بديلة، وقّع عليها جميع القادة الحاضرين للاجتماع، وتم الاتفاق على وضعها موضع التنفيذ في اللحظة التي ستتحرك فيها الطائرات الإسرائيلية لتخترق الأجواء السورية، وتنفذ اعتدائها المُرتقب.<br><br>وبعيد الاجتماع، أوعز جمال لقيادات الدائرتين الثانية والثالثة، بضرورة تنفيذ أوامر قيادات الدائرة الأولى، في رأس هرم القيادة، موضحاً لهم أن قيادة البلاد في حالة طوارئ، وأن سوريا على أبواب عدوان إسرائيلي مُرتقب.<br><br>واستنفرت الدوائر العسكرية والأمنية، من أعلى هرمها، إلى أدنى موظفيها، وباتت البلاد جاهزة للمواجهة المُرتقبة.<br><br>***<br><br>بعد اجتماع نخبة الدائرة الأولى، عقد جمال لقاءً خاصاً جمعه برئيس الجمهورية ونائبه، ناجي الفتيحي، ووسام شرف. كان الأول هادئاً ينتظر ما سيطرحه جمال، فيما أطلق وسام، كالعادة، العِنان لحماسه، وبدأ يتحدث عن الخطة الدعائية الواجب بحثها، والموجهة للإسرائيليين، أثناء عملية المواجهة المُرتقبة.<br><br>***<br><br>كان وسام شرف ينبض بحيوية مُتعبة لمحيطه أحياناً، فهو في الثانية والأربعين فقط، نشيط جداً، يتمتع بوسامة مميزة، وجسد متناسق رشيق، وطول فارع، بشعر بني وعينين بنيتين فاتحتين، ووجه أبيض يحظى بتقعرٍ مميزٍ أسفل الفم، وسط ذقن، يُعنى بحلاقته جيداً. <br><br>كان وسام شرف، غربي الطراز، والهوى، لكنه سوريّ الوجدان، تغلب عليه النزعة الليبرالية المتحررة، لكنه يقدّر ضرورة مراعاة خصوصيات المجتمع السوري، وهويته الإسلامية المتجذرة.<br><br>هو ابن حمص، يتحدر من إحدى العائلات البرجوازية فيها، لكن لفرط حماسته، وميله للنموذج السياسي الغربي، انخرط في تظاهرات أحياء حمص الشعبية، الأولى، عام 2011، وهو في الثالثة عشرة فقط من عمره. كان يلتهم الكتب التهاماً، وكان سريع البديهة، ولديه قدرة خطابية عالية، ويتمتع بذاكرة خُرافية، ويحفظ الشعر، ويتقن استخدام المفردات بحرِفية عالية، دفعت منظمي إحدى التظاهرات الجماهيرية الضخمة في قلب مدينة حمص، في صيف العام 2011، إلى دفعه لأن يلقي كلمة تعبوية للجمهور.<br><br>كان خاله المتحدر من آل الأتاسي، العائلة السياسية الحمصية الشهيرة، من المحرضين الرئيسين للفتى اليافع جداً، والمُتفجر حيويةً، رغم معارضة والده ووالدته. لكن تلك المعارضة كانت لينة، لم ترقَ إلى مستوى المنع الكامل له من المشاركة في النشاطات التظاهرية، رغم تفاقم خطورة ذلك.<br><br>لكن، منذ نهاية العام 2011، بات الفتى الصغير مطلوباً أمنياً، وبدأت عملية تهريبه من مكان إلى آخر، إلى أن التجأ إلى حي بابا عمرو، الذي بات خارج سيطرة النظام كُليةً.<br><br>وعاش الفتى الدارج إلى الرابعة عشر من عمره، مراحل نضجه مبكراً، بصورة إجبارية، مع بدء العمل المسلح وتفاقمه في حمص، وسط سعي النظام، عسكرياً، لاقتحام حي بابا عمرو. <br><br>وفي ربيع العام 2012، وبعد نجاته بأعجوبة من عملية اقتحام قوات النظام لحي بابا عمرو الحمصي، قرر والد وسام اصطحابه، ومغادرة البلاد سريعاً، قبل أن يفقد ولده.<br><br>وغادر وسام مع عائلته الأراضي السورية عبر إحدى منافذ التهريب في لبنان، وقضت العائلة هناك ثلاث سنوات، أجبر فيها والد وسام، ابنه، على الالتزام من جديد بالدراسة، والانكفاء عن أية نشاطات ثورية، بعد أن كاد يلقى حتفه أكثر من مرة في أحداث حمص.<br><br>وخضع وسام لضغط والده، وتجاوز ما فاته من صفوف دراسية بتفوق كبير، وقبل أن يدرج إلى المرحلة الجامعية، تمكن والده من تحصيل حق اللجوء للعائلة في كندا، بعد جهود حثيثة، حيث انتقل الجميع إلى هناك، عام 2016، وكان وسام ممتعضاً، يرفض فكرة الابتعاد عن سوريا، لكنه لم يجرؤ على التمرد على والده، الذي أظهر صرامة عالية، في وقتٍ كان الخط البياني للثورة السورية في انحدار، عزز من موقف الأب في جلسات الجدال الكثيرة مع ابنه.<br><br>في مدينة كيبك الكندية، أتقن وسام بسرعة الفرنسية بعد الإنكليزية، وأُوفد لاحقاً إلى جامعة تورنتو في منحة دراسية، بعد أن تبدت معالم نبوغه، لكنه أصرّ على دراسة العلوم السياسية تحديداً، رغم معارضة الأهل. وفي كندا، تعلم وسام الكثير مما كان يجهله، وتحول ولهه بالثورة السورية التي بقيت تحتل الحيز الأبرز من تفكيره، من ولهٍ عاطفي، إلى ولهٍ فكري وعلمي. ونال الماجستير في اختصاص الدراسات السياسية في بحث تحت عنوان "لماذا فشلت الثورة السورية في اجتذاب الحواضر المدنية الكبرى؟"، ثم نال الدكتوراه لاحقاً في بحث آخر، بعنوان: "الكاريزما وتأسيس النظم السياسية، نموذج الولايات المتحدة الأمريكية".<br><br>البحث الأخير، ذاع صيته بعد أن أجرى وسام إسقاطات بحثية له على الحالة السورية التي كانت حينها، مزرية، حيث "داعش" تحتل كامل التراب السوري، ولا أفق لقيامة سورية جديدة. <br><br>وأثار البحث اهتمام جمال الدمشقي، الذي كان يتابع أبرز الإنتاجات الأكاديمية المتخصصة، المتعلقة بالشأن السوري، بشكل دائم.<br><br>بعد أن اطلع جمال على البحث المذكور، وإسقاطاته البحثية اللاحقة على الحالة السورية، استدعى وسام شرف للقائه في اسطنبول، وكان ذلك في العام 2027.<br><br>كان جمال وقتها يمثّل نموذجاً مرجحاً للزعامة السورية المُفتقدة، في مخيال الكثير من السوريين. فقد كان ذو نفوذ هائل سياسياً وأمنياً في لبنان، ومالياً واستثمارياً، في مصر والأردن وتركيا ودول الخليج، وكذلك في بلدان الغرب الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>وكان دوره في أحداث صد "داعش" عبر جيش من السوريين، بالتعاون مع فصائل مقاومة لبنانية، والجيش اللبناني، في عام 2024، قد رفع من رصيده لدى ملايين السوريين المُهجرين خارج البلاد، المُتطلعين لزعيم يجمع شتاتهم، ويمثّل مصالحهم، بعد أن غاب أي وجود تمثيلي رسمي لهم، عن الخارطة الدولية، إذ لم تعترف أية دولة في العالم، بـ "الدولة الإسلامية" التي أسسها "الدواعش" على التراب السوري، وما استطاعوا السيطرة عليه، من التراب العراقي.<br><br>لذا، كانت الدعوة التي وصلت وسام شرف، للقاء جمال الدمشقي، مبهجة للغاية بالنسبة للأول، أعادت تفجير ينبوع حماسته الناضب لسنوات، ولاحت أمام بصره، صورة متخيلة لقيام سوريا جديدة، بعث سوري جديد، يقطع مع البعث القديم، ويأخذ منه العمق اللغوي للاسم فقط.<br><br>لم يكن اللقاء بينهما، على قدر آمال وتطلعات وسام شرف، بل فاقه بمراحل، إذ كان جمال أحسن من ظن وسام به. اتفقا على العمل سوياً، وأعلمه جمال أن لديه مشروعاً لتحرير سوريا من سيطرة "داعش"، وإعادة بناء الدولة السورية على أسس وركائز سليمة، وأنه يريده معه.<br><br>كان جمال الدمشقي التجسيد العملي لنظرية وسام شرف البحثية، حول الكاريزما المؤسسة للدولة السورية الجديدة. وكان وسام شرف، التجسيد العملي لنظرية جمال، حول الشخصية السياسية الواجب تصديرها كواجهة لنظامه السياسي المُنتظر.<br><br>&nbsp;بخبرته البحثية والعملية في كندا، وبمواهبه اللغوية والخطابية، باشر وسام تنفيذ ما اتفق عليه مع جمال لتأسيس تكتل سياسي يجمع كفاءات سياسية واقتصادية وبحثية، سورية، متناثرة حول العالم، لتكون البطانة الرئيسية للماكينة السياسية التي يعتزم جمال تأسيسها، على هيئة حزب سياسي، كان قد قرر تسميته باسم "حزب الوسط السوري".<br><br>وبعد 12 سنة&nbsp; من اللقاء الأول بين جمال الدمشقي ووسام شرف، انتُخب الأخير، نائباً لرئيس الجمهورية، إلى جوار ناجي الفتيحي، الذي احتل منصب رئيس الجمهورية، في أول انتخابات رئاسية سورية تعددية حقيقية، منذ أكثر من 70 سنة.<br><br>***<br><br>&nbsp;أما ناجي الفتيحي، المتحدر من دير الزور، من إحدى العشائر العربية الشهيرة المنتشرة هناك، فكان النقيض السلوكي لـ وسام شرف، لكنه نسخة عن طموحه الخاص بسوريا الجديدة، وإيمانه بوجوب الالتفاف حول كاريزما تؤسس لها، خال في ذهنه، في وقت من الأوقات، أنه قد يكون مؤهلاً للعب هذا الدور، قبل أن يكتشف ضآلة وزنه إلى جوار جمال الدمشقي، ففضّل الالتحاق به، بدلاً من الخروج تماماً من عالم النخبة في حقبة ما بعد تحرير دمشق من "داعش"، عام 2031.<br><br>كان ناجي يكبر وسام بـ 5 سنوات. يعاني من بدانة مُفرطة، لكنها تمنحه هيبة فريدة، بوجه مكتنز، مشرّب بالحمرة، وعينين خضراوتين، وذقن شقراء خفيفة مشذبة. <br><br>يتكلم ببطء شديد، ويفكر كثيراً قبل أن يتكلم، لا يتصرف قبل تفكير معمق، ردات فعله بطيئة، حتى أنه يُتعب محاوريه ممن يعرفه لأول مرة، فيكادون يظنونه متخلفاً عقلياً، نظراً لمقدار برودة ردود أفعاله. لكن من سبق وحاوره، يعلم جيداً أن ناجي الفتيحي يفكر جيداً قبل أن يتكلم، فتتأتى كلماته، عميقة ومعبّرة وجازمة، ومقتضبة.<br><br>كان في الثامنة عشر حينما اندلعت الثورة السورية، وكان قد قرر أن يلتحق بدراسة إدارة الأعمال في جامعة خاصة افتتحت حديثاً في دير الزور، حيث التحق بالحراك الثوري في مسقط رأس والديه، بعد أن كان قد عاش طفولته ومراهقته في دمشق.<br><br>التحق بدايةً بالحراك المدني السلمي، وبعد خروج المدينة عن سيطرة النظام، التحق بفصائل مسلحة معارضة، لكن مع اقتحام "داعش" لمدينة دير الزور، فرّ ناجي الفتيحي مع العديد من أقرانه إلى تركيا، ومن هناك راقب بمرارة كبيرة احتضار الحراك الثوري السوري، السلمي والمسلح، على حدٍ سواء، بين فكّي النظام و"داعش"، قبل أن تنضم قوى أخرى إلى وليمة نهش الجسد المنهار للحراك الثوري السوري.<br><br>في غازي عينتاب، بجنوب تركيا، تابع ناجي الفتيحي نشاطه الثوري، عبر رصد أخبار دير الزور إعلامياً، وعبر تكوين شبكة من العلاقات السرّية مع زعامات عشائرية فيها، خاضعة لسيطرة "داعش"، علناً، لكنها تضمر الحراك ضده، حالما تُتاح الفرصة.<br><br>في الوقت نفسه، التحق ناجي بجامعة تركية خاصة لمتابعة دراسته في مجال إدارة الأعمال. ومع تهافت الحراك الثوري، حتى في بعده الإعلامي، في منطقة الجزيرة السورية، التي أصبحت نهباً لقوى ثلاث، "داعش"، و"قوات الحماية الكردية"، والنظام، وتفسخ الكيانات السياسية الممثلة للثورة السورية، في عينتاب، بعد كمّ هائلٍ من إشكاليات الفساد والشللية والفصائلية، أدبر ناجي الفتيحي عن عالم النشاط السياسي والإعلامي الثوري، وانكفأ إلى العمل في مجال إدارة الأعمال، حيث أتقن الإنكليزية والتركية، وسرعان ما أبدع في هذا المجال، فعمل مستشاراً لعدد من رجال الأعمال السوريين في غازي عينتاب، قبل أن ينتقل إلى اسطنبول، ويتحول إلى أحد أبرز المستشارين في عالم الأعمال بالنسبة للمستثمرين السوريين في تركيا.<br><br>لكن ناجي حافظ على علاقاته العميقة مع قيادات عشائرية في دير الزور، حيث كان ينفّذ بالاتفاق معهم صفقات تجارية تخدم مصالح تجار سوريين. ورغم أن تلك الصفقات كانت تخدم ديمومة سيطرة "داعش" على المناطق التي تُحكم السيطرة عليها في الجزيرة السورية، إلا أن ناجي كان يبرر ذلك، بأنه الحل الوحيد المتاح، كبديل عن خنق سكان تلك المناطق، الذين لا ذنب لهم في خضوعهم لسيطرة "داعش"، الناجم عن فشل الكوادر القيادية التي قادت الحراك الثوري بمرحلتيه السلمية والمسلحة في المنطقة، وهو من ضمنهم.<br><br>كان البعض يتهم ناجي الفتيحي بأنه انتهازي، لا مبادئ ثابتة تحكم سلوكه، وأن عالم المال بات همه الوحيد، ولو على حساب مصير بلده، ومنطقته بالتحديد. إلا أن ناجي كان يؤمن بنظرية محددة، مفادها، أن خنق وحصار مناطق سيطرة "داعش"، لن يتضرر منه، إلا سكان تلك المناطق، في الوقت الذي سيتشدد فيه التنظيم أكثر، مع الناس الخاضعين لسيطرته، ومع المحيط الديمغرافي والجغرافي، بحكم شعوره بالخطر. بينما إذا كان هناك حراك تجاري مع مناطق سيطرة "داعش"، سيكون السكان بحال أفضل، وسيكون التنظيم أكثر مرونة، مع السكان من جهة، ومع المحيط الديمغرافي والجغرافي المحيط به، من جهة أخرى. والأهم، حسب نظرية ناجي الفتيحي، أن إعلاء دور التجار السوريين، ليشكلوا عصب الحياة المعيشية والاقتصادية في منطقة سيطرة "داعش" في الجزيرة، عبر شبكة علاقات تمتد من جنوب تركيا، مروراً بمناطق سيطرة "الوحدات الكردية"، ومناطق سيطرة فصائل المعارضة في شمال حلب وفي إدلب، سيُبقي الرابطة بين السوريين قائمة، بحيث لا تتجذر الحدود الفاصلة بينهم، بتنوع القوى المسيطرة عليهم، لتكون التجارة عصباً موحداً لهم، والتجار، طبقة متعدية، عابرة للحدود بين مناطق النفوذ على التراب السوري.<br><br>نظرية ناجي الفتيحي كانت سفسطة في نظر الكثير من منظّري ونشطاء الثورة السورية في تركيا بعد العام 2017.. لكن مع مرور الوقت، اتضح للجميع أن ناجي الفتيحي، بشبكة العلاقات التي أسسها، على بنيان التجارة، عبر مناطق متعددة، تشمل مناطق سيطرة "داعش"، وتلك الخاضعة لسيطرة "الوحدات الكردية"، والأخرى الخاضعة لفصائل معارضة في حلب وإدلب، وأخيراً، مناطق سيطرة النظام.. بات قادراً على التأثير، وإن بصورة غير مباشرة، على صنع القرار، حينما يتعلق الأمر بشريان الحياة التجارية، في معظم المناطق السورية.<br><br>وبفضل ذلك التأثير، تحوّل ناجي الفتيحي إلى أحد أيقونات عالم التجارة على التراب السوري، انطلاقاً من جنوب تركيا. وحينما أحكمت "داعش" سيطرتها على معظم التراب السوري، ومن ثم، عقدت اتفاقاً غير معلن مع الأتراك، لضمان أمن الحدود المتبادل، وضمان استمرار شريان التجارة عبرها، كان ناجي الفتيحي أحد مهندسي ذلك الاتفاق، الذي شمل أيضاً مناطق سيطرة "الوحدات الكردية"، على امتداد الحدود السورية – التركية، من الحسكة إلى عين العرب، حيث رتب ناجي الفتيحي اتفاقاً بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وتركيا، على ألا يُعلن الأول الحكم الذاتي، رغم أنه عملياً، بات في حالة استقلال شبه كامل، بعد سقوط دمشق في قبضة "داعش". ومقابل ذلك، تتغاضى تركيا عن التجارة مع الكيان الكردي، وتمرر صادراته من النفط عبر أنابيب مُدت عبر الأراضي التركية، لهذه الغاية، وفي الوقت نفسه، تتحصل مناطق سيطرة الأكراد على الكثير من حاجاتها عبر التجارة مع الأراضي التركية، التي كان ناجي الفتيحي أحد أبرز اللاعبين السوريين فيها.<br><br>وبذلك، شبّك ناجي الفتيحي، شبكة معقدة من العلاقات المتينة، مع رجال أعمال وتجار ومسؤولين أتراك، وكذلك، مع رجال أعمال وتجار سوريين في تركيا، ومع تجار ومسؤولين أكراد، ومع تجار وقيادات عشائرية يشكلون قناة وسيطة مع قيادات "داعش". وبتلك الشبكة، امتلك ناجي الفتيحي نفوذاً هائلاً أهّله لأن يكون شريكاً رئيسياً في اتفاق سياسي كبير رعته قيادة حزب العدالة والتنمية التركي، بينه، وبين جمال الدمشقي، في عام 2026.<br><br>وتدريجياً، توطدت العلاقة بين الرجلين، التي لم تكن سهلة في البداية، نظراً لشعور ناجي الفتيحي بشيء من المنافسة بينه وبين جمال. فالاثنان، رجلا أعمال، والاثنان، يسعيان لتأسيس شبكات من العلاقات داخل تركيا، وداخل الأراضي السورية، ولأن ناجي الفتيحي، سابق زمنياً، لـ جمال، في هذا المجال، كان ناجي يشعر بشيء من الغضاضة، أن يصبح أقل رُتبة من جمال في ذلك الاتفاق السياسي الكبير. لكن ثروة جمال، ونفوذه الدولي، الذي يشكل مئات أضعاف ما يملكه ناجي الفتيحي، جعل الأخير يقرّ بأحقية الأول، في القيادة.<br><br>جمال بدوره، لم يكن مرتاحاً للشراكة مع ناجي الفتيحي، نظراً لشعوره بطموح الرجل، واعتزازه بما أنجز، لكنه في الوقت نفسه، كان يدرك حاجته لهكذا قيادة كفوءة، تتمتع بعلاقات ونفوذ هائل عبر كامل التراب السوري، وتملك القدرة على جمع الكثير من القيادات والتيارات والقوى، حول قيادتهم المشتركة.<br><br>وتدريجياً، خبت نزعة ناجي الفتيحي لتصدر القيادة، وإظهار براعته ومواهبه وأهمية نفوذه، وذلك مع التطورات المتسارعة لنفوذ جمال، الذي تحولت ثروته إلى مئات مليارات الدولارات في نهاية عشرينات القرن الحادي والعشرين، والتفت حوله نخبة السوريين في تركيا، وفي معظم بلدان اللجوء والمهجر، وتقرّب منه الأتراك بشتى الوسائل، وحظي برعاية إقليمية ودولية ملحوظة، في الخليج، وكذلك في بلدان الغرب، وحتى في روسيا، التي حاولت فتح قنوات تواصل معه.<br><br>وقبيل تحرير دمشق، عام 2031، أدرك ناجي الفتيحي أن عليه التقرّب هو الآخر من جمال، بدلاً من الإيحاء له بالندّية، التي قد تنفّره من ناجي، فيُطيح باتفاقهما السياسي، ويصبح ناجي خارج المشهد تماماً. <br><br>أدرك ناجي أن الزمن القادم هو زمن جمال الدمشقي، فأظهر للأخير استعداداً كاملاً للتصرف وفق رؤيته ومنهجه وخطته، وتحوّل إلى أحد أحجار رقعة شطرنج من النخب والكفاءات، يحركها جمال، كما يشاء، مستغلاً خبراتها ومواهبها بالصورة التي يرتأيها.<br><br>والتزم ناجي بقيادة جمال، وتوجيهاته، فيما كان الأخير يتيح له هامشاً واسعاً للتحرك بأريحية، ضمن الإطار المتفق عليه بينهما. <br><br>وخلال السنوات، ما بين 2031، تاريخ تحرير دمشق من "داعش"، وحتى العام 2038. كان ناجي الفتيحي، البيدق الرئيس في جيش من الكفاءات التي استخدمها جمال لتأسيس نخبة قيادية سورية تسير في مشروعه، أطّرها في حزبه، "حزب الوسط السوري"، وصدّر إلى الواجهة فيها، كل من ناجي الفتيحي، ووسام شرف، فأصبح الأول، رئيساً للجمهورية، وأصبح الثاني نائباً له.<br><br>***<br><br>دار نقاش هادئ بين الثلاثة، رئيس الجمهورية، ناجي الفتيحي، ونائبه، وسام شرف، وجمال الدمشقي. وتقاسم الثلاثة الأدوار، ففيما سيتولى ناجي إدارة حالة التعبئة والجهوزية العالية في مؤسسات الدولة، سيتولى وسام إدارة الخطاب الدعائي لوسائل الإعلام السورية، العامة والخاصة، وهو خطاب باتجاهين، الأول موجه للداخل السوري، والثاني موجه للإسرائيليين والعالم.<br><br>على أن يتولى جمال إدارة الاتصالات السرّية غير المعلنة مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة ذات الشأن، كما سيدير العمليات الأمنية والعسكرية في الحرب، عبر شبكة مستشاريه العسكريين والأمنيين المقربين.<br><br>واتفق الثلاثة على أن يتولى ناجي الاتصالات الخارجية الرسمية، عبر وزارة الخارجية، والتي ستكون تأطيراً وإعلاناً للاتصالات السرّية التي سيتولاها جمال.<br><br>وتم الاتفاق مبدئياً على ثلاثة خطابات سيُلقيها ناجي للجمهور السوري، ويمرّر عبرها رسائل للإسرائيليين. خطاب في لحظة الإعلان عن بدء الحرب كرد على العدوان الإسرائيلي، وثانٍ يرصد التطورات، وثالث يعلن وقف إطلاق النار، وذلك وفق الخطة الرئيسية المعتمدة. على أن يُكلف المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية، بإعداد خطب بديلة في حال اعتماد إحدى الخطط الثلاث البديلة للخطة الرئيسية المُتفق عليها.<br><br>وانفض شمل الاجتماع. وقبل أن يغادر جمال مبنى رئاسة الأركان أوعز لأحد مستشاريه الأمنيين المقرّبين، بتشديد الرقابة الأمنية عبر وسائل الاتصال والرصد، على ناجي الفتيحي ووسام شرف، على حدٍ سواء، وإبلاغه يومياً بموجز عن حصيلة تلك الرقابة.<br><br>***<br><br><font>يتبع في الفصل الثاني عشر..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/21231</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//4c215569d091efe803cc90df.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//4c215569d091efe803cc90df.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/21131</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/21131</comments>
						<pubDate>Fri, 17 Aug 2018 19:19:43 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/21131</guid>
						<description><![CDATA[التم شمل العائلة الصغيرة حول مائدة الغداء، باستثناء البِكر، كنان. كان الذكور الثلاثة يتناوشون كالعادة، فيما كانت شقيقتهم الوحيدة، والأصغر سناً، تشترك معهم في تلك ا]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<div><br>التم شمل العائلة الصغيرة حول مائدة الغداء، باستثناء البِكر، كنان. كان الذكور الثلاثة يتناوشون كالعادة، فيما كانت شقيقتهم الوحيدة، والأصغر سناً، تشترك معهم في تلك المناوشات التي لم تكن تهدأ، إلا لتنطلق من جديد.<br><br>أدار جمال ناظريه بينهم بتؤدة، وهو يتأملهم بابتسامة رضا، فيما كانت إيمان تحدق فيه، وشيء من الهمّ يتبدى في وجهها. نظر إليها: - ما بك؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل اتخذت الإجراءات اللازمة لتأمين كنان في الولايات المتحدة؟.. أليس من الأفضل جلبه إلى هنا؟<br><br>أنصت إياد، ذو السبعة عشرة ربيعاً، لحديث والديه، واعتزل مناوشات أشقائه، فيما أمسك جمال براحة يدّ إيمان اليمنى، وقال لها وهو ينظر إليها نظرات مطمئنة: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أشعر براحة كبيرة حيال وضعه هناك، لا أريد أن أخلق اضطراباً في جدول امتحاناته، من أجل مخاوف غير جدية.. آخر شيء قد يفعلوه، هي أذيته.. أنت تعلمين ذلك.. حينها لن تكون هناك أية ضوابط للمواجهة بيننا، ولا أعتقد أن الأمر سيصل إلى هذا الحدّ.. لا أريد أن أشعرهم أن كنان نقطة ضعف لدي، وأنني أخافهم.. يجب أن أرسل لهم رسالة بأنني لا أتوقع منهم أي فعل مؤذٍ حيال أسرتي.. جلب كنان إلى هنا، في هذا التوقيت، يشعرهم بمخاوفي، وبالتالي، سيستغلون ذلك مستقبلاً.<br><br>تأوهت، فيما كان إياد، بعينيه الخضراوتين، يتابعهم باهتمام بالغ، سرعان ما انضم إليه شقيقه الذي يصغره بثلاث سنوات، أغيد، صاحب البشرة فاقعة البياض، والعينين السوداوتين المزدانتين برموش شديدة السواد.<br><br>بعد تناول طعام الغداء، انفرد إياد بوالده، والتحق به أغيد. كان جمال يعتزم لعب دور شطرنج مع ابنه صاحب الميل العسكري. جلس أغيد بينهما، يراقب اللعبة، ويستمع للمناقشة.<br><br>قال إياد: - هل هناك مخاطر تتهدد كنان؟<br><br>جاوبه جمال: - بإذن الله، لا.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ما القصة يا أبي.. أشعر أنك منذ أكثر من أسبوع وأنت في حالة استنفار غريبة.. وأشعر أن ماما أيضاً في حالة من الترقب الشديد.<br><br>تأمل جمال في وجه ولده، حيث زغب ذهبي يملأ ذقنه ويعلو شفتيه.. لقد أخذ الكثير من ملامح جدته، والدة أمه، ناهد ميقاتي، تلك الشقراء صاحبة السطوة.. أخذ الكثير من ملامحها الشكلية، ويبدو أيضاً أنه تأثر بالكثير من صفاتها الشخصية، لكنه أقل جدية مقارنة بجدته، وأكثر ميلاً للمزاح واللهو.. إلا أنه حين الملمات، رجل، بكل ما تعنيه الكلمة، يتحمل المسؤولية بالتزامٍ عالٍ.<br><br>قال جمال: - ما سأقوله لك الآن يعتبر معلومات سرّية فائقة الأهمية، والحساسية.<br><br>أطرق إياد باهتمام، وبرقت عيناه الخضراوتان، فيما ظهر الارتباك على أغيد، الذي يصغره بثلاث سنوات، فالتفت إليه جمال وقال له: - وأنت أيضاً يا أغيد، عليك أن تحرص على ألا يتسرب أي مما سأقوله لكما الآن، خارج هذا المكان.<br><br>هز أغيد رأسه، وقد بدا التوجس على وجهه، فيما استولت الجدية على تقاسيم وجه إياد، وتبدت الثقة بالنفس في نظرات عينيه.. "إنه قوي الشكيمة"، قال جمال في نفسه.<br><br>لم يكن جمال يخشى تسرب هذه المعلومة من القصر عبر أولاده، فجميع الأطراف التي تهمه، تعلم حقيقة الأمر، لكن جمال أراد أن يُشعر ولديه، خاصة إياد، وكذلك أغيد، بأنهما موضع ثقة لديه، وأنه يراهما رجلين، يستحقان تلك الثقة بهما.<br><br>إياد كان معتاداً على مواقف مشابهة، سبق أن وضعه جمال فيها. لكن جمال يحاول الآن وضع أغيد، ذي الأربعة عشر ربيعاً، في مواقف مشابهة، لتعزيز ثقته في نفسه، ولتعليمه كيفية التصرف حيال المواقف الهامة والجدّية.<br><br>قال جمال: - لديّ معلومات جازمة بأننا قد نكون مقبلين على حرب مع إسرائيل.<br><br>تبدى الرعب في عيني أغيد، وازدرد ريقه، أما إياد، فكانت عيناه تشعان بالحماسة.. قال: - هل تعتزم مواجهتهم؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.<br><br>أوجز جمال قصة ما يحدث لولديه، بكلمات بسيطة تناسب عمرهما، وتابع لعبة شطرنج كاد إياد أن يغلبه فيها، لكنه استدرك نفسه سريعاً.<br><br>تقدمت سهى، بسنواتها الثمان، نحو والدها، واقتحمت مجاله الخاص، لتتربع في حضنه، وهي تتدلع، فاحتضنها، وقبّلها على وجنتها اليمنى، فيما أخذت الطفلة تملس شعرها الأسود الطويل، وكأنها تحاول إغاظة أشقائها. فالتحق وسام بها، وقال لوالده، وعيناه العشبيتان تنذران بغيرة شديدة: - ماذا عنّي؟.. كل مرة تحتضن سهى، وتسامر إياد وأغيد، وأبقى أنا على الرف.<br><br>ضحك جمال، وقال له: - تعال. وضمه إليه، وأجلسه على قدم، فيما أجلس سهى على قدم أخرى، وحاولت الأخيرة إغاظة أخيها الذي يكبرها بثلاث سنوات، وقالت لوالدها: - لقد أصبح كبيراً جداً على أن يجلس في حضنك.. ومن ثم، أنا بنت، فيما هو، رجل، حسبما يدعي.. هل هناك رجل يجلس في حضن والده بهذه الطريقة.<br><br>قهقه جمال، وقال لهما: - ألن تتوقفا عن إغاظة بعضكما البعض.<br><br>كانت إيمان تتقدم منهم، وهي تحمل صينية الشاي الأخضر، وتقول وهي تضعها على طاولة قريبة، بأرجل متحركة: - الله وكيلك، لا يهدأان أبداً، ومهمتي باتت فك اشتباكاتهما.<br><br>قهقه جمال مرة أخرى، وقال: - عيب أن تشتكي أمكما منكما.<br><br>لم يظهر أي اكتراث على سهى، فيما كان الغيظ يتبدى في نظرات وسام، الذي تململ في جلسته على قدم والده اليمنى، وقال: - هي من تختلق المشكلات.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنك أكبر منها، وأنت رجل، كما قالت.. عليك أن تتسامح معها، فهي أصغركم، وهي فتاة، هي مسؤوليتكم جميعاً، عليكم أن ترعوها.<br><br>قالت سهى بنبرة مؤنبة لشقيقها: - ألم أقل لك ذلك.. استمع.<br><br>فنهرها وسام وقد تطاير الشرر من عينيه، فقهقه جمال مرة ثالثة، واحتضنهما بشدة، فضحكا، ثم قال لوسام: - عليك أن تتسامح معها وتترفع عن المشاكسة معها، فأنا أثق بك، وأعتقد أن دماغك كبير، أكبر من ذلك.<br><br>قالت سهى بدلع: - هل يعني ذلك أن دماغي صغير.<br><br>ضحك جمال، وعقّب:&nbsp; - طبعاً لا، لكن أنت أيضاً يجب ألا تشاكسي شقيقك.<br><br>وقضى جمال ساعتين مع العائلة الصغيرة، يستمع لقصص سهى عن المدرسة ومغامراتها مع صاحباتها، فيما يقاطعها وسام ويروي لوالده قصصه عن مساعيه لتأسيس شركة تجارية مع أصحابه، فقد نزل السوق مع والدته، واشترى بعض الألعاب، ثم باعها لأصدقائه بسعر أعلى، بعد أن أقنعهم بميزاتها، لتقاطعه سهى مرة أخرى، وتروي لـ جمال كيف أنها ألقت قصيدة شعرية عن جمال طبيعة الغوطة بدمشق، وصفّق لها زملاؤها في الصف، ونالت تكريماً من المُدرّسة. وكان جمال من حين لآخر، يتوجه بسؤال لـ أغيد عن أوضاعه في المدرسة، إذ قلما يبادر أغيد بالحديث، لكن حالما يحظى بالاهتمام، فإنه يتحدث عن اهتماماته العلمية، وآخر تجاربه مع أصدقائه في المختبر الذي أسسه، بموافقة جمال، في إحدى الأجنحة البعيدة داخل القصر. أما إياد، فكان يعتقد أنه أكبر من هذه المناقشات الجانبية، فجلساته مع والده يجب أن تحظى بخصوصية متفردة، يجب أن تكون هادئة، مع كوب شاي أخضر، فتلك عادة ورثها عن والده، برفقة "دق شطرنج".<br><br>بعد العصر تحدثت العائلة الصغيرة عبر السكايب، مع كنان، الذي يقضي سنته الأولى في دراسة الطب بجامعة هارفرد، في بوسطن، بالولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>ببشرته الحنطية الميالة للسُمرة، وشعره وعينيه ورموشه شديدة السواد، و"غمازتين" تزينان جانبي الشفتين، تحدث بحماس شديد لوالده ووالدته وأشقائه، وأعلمهم بآخر التطورات في حياته، كانت السعادة بادية على وجهه، والحماس ينطق من عينيه، لكنه بحساسيته العالية، لحظ القلق المُتبدي في نظرات والدته، وكلماتها المترددة. قال:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ماما .. ما بك.. لست على ما يرام!<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا يا حبيبي.. أنا متعبة قليلاً لا أكثر.. دير بالك على حالك، المهم إنت تكون بخير.<br><br>ظهر عدم الاقتناع على مُحياه، فقال جمال: - لا تخاف دكتور.. كل الأمور على ما يرام..<br><br>وتدخل إياد: - أنا هنا، وتكون هناك مشكلة، ما بك يا رجل!.. "تارك نمر وراك"..<br><br>قهقه كنان، وعقّب: - اشتقت لنهفاتك يا معلم.. مين ربح بـ "دق" الشطرنج..<br><br>قال إياد: - أنت تعلم أنني أتراخى مع والدك في هذا الموضوع، فهو متعب من كثرة الأعباء الملقاة على عاتقه، ولا أريد أن أثقل عليه أكثر في لعبة الشطرنج أيضاً، يجب أن يجد الرجل متنفساً له..<br><br>دوت الضحكات بين الجميع، وقفزت سهى لتقترب أكثر من شاشة اللابتوب: - "شبك يا زلمة، ما بتعرف إنه أخوك بضل فرخ إدام أبوك".<br><br>دوت الضحكات مرة أخرى، فيما حاول إياد كتم صوت سهى، ممازحاً.<br><br>***<br><br>مساء ذلك اليوم، وفي جلسة صفاء بين جمال وإيمان، قال الأول: - سأتخذ تدابير احترازية بما يخص كنان، لا تخافي.<br><br>تأوهت، ثم قالت: - أنا أثق بك يا حبيبي، افعل ما تراه مناسباً، لكنه قلب الأم، عليك أن تعذرني.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; دون شك.. أنا أيضاً أشعر برغبة في جلبه إلى هنا، لكنني لا أعتقد أن ذلك الفعل نابع عن تفكير عقلاني، بقدر ما هو خوف عاطفي غير مبرر.<br><br>أمّنت على كلامه. ثم استطردت بعد برهة صمت: - هاتفتني أمي صباح اليوم.. قلت لها أن تأتي لتقضي بضعة أيام لدينا، أخبرتها أنني اشتقت لها، لكن حقيقة الأمر أنني لا أريدها أن تقضي أوقاتاً طويلة لوحدها، بعد زواج أيمن (أصغر أشقاء إيمان).. أرجو ألا يزعجك ذلك، في هذا التوقيت..<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ماذا تقولين!.. أنت تعرفين أنني أحب والدتك، وأستمتع بقضاء الوقت معها، ولم أشعر يوماً بالانزعاج من وجودها معنا، بل على العكس.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بعد أن دعوتها، شعرت بالندم لأنني لم أسألك أولاً، قلت في نفسي، الرجل الآن في ظروف عصيبة، ولا أعرف إن كان يحبذ وجود أمي، خاصة أنها تتمتع بسطوة عالية، وتحب التدخل في مجريات الأمور.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا بأس في ذلك.. لطالما استفدنا من نصائحها، وتلك التي لا تناسبنا تجاهلناها بلباقة، مع إظهار كامل الاحترام لها، وهي تدرك هذا الأمر جيداً.. لذا لم تكن لدي مشكلة، يوماً، في وجودها معنا، مهما كانت الظروف التي تحيط بي. <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; "الله يخليلي ياك".<br><br>***<br><br><br>قبل 20 سنة تقريباً، عُقد قرانهما. كان جمال سعيداً للغاية، وكذلك كانت إيمان. وقد رحبت عائلة إيمان جداً بهذا الارتباط. وفي بيروت، شهدت إحدى أرقى الفنادق حفل زفافهما الضخم.<br><br>بعد أسابيع من بداية سنة 2019، كان جمال يهبط في مطار هيثرو بالعاصمة البريطانية لندن، لأول مرة في حياته.<br><br>بعد فوزه بالمرتبة الأولى في مسابقة البنك السويسري - البريطاني، وقّع جمال مع البنك عقداً لتنفيذ فكرته، على أن يخصص البنك حيزاً في مقره الرئيسي في لندن، لإدارة عملية تنفيذ فكرة جمال الاستثمارية.<br><br>وفرز البنك عدداً من الكفاءات المتخصصة من موظفيه، مهمتهم مساعدة جمال في تنفيذ الفكرة، كانت إيمان من بينهم.<br><br>التقاها، فبُهر بها، فهي آية في الجمال، وقمة في الأناقة، تُشعرك بالراحة أثناء التعامل معها، رغم حرصها على قواعد الاتيكيت العامة، ناهيك عن براعتها في المجال الذي تخصصت فيه، في بريطانيا، منذ سنوات، وهو دراسة المخاطر الائتمانية البنكية.<br><br>أما من جانبها، فلم يكن جمال، للوهلة الأولى، ملفتاً بالنسبة لها، إلا من زاوية كونه عقلية رائدة في مجال الأعمال، تمكن من احتلال المرتبة الأولى لأفضل مشروع مطروح في مسابقة تقدم لها عشرات آلاف المتسابقين حول العالم. باستثناء ذلك، كان جمال شخصية عادية، للوهلة الأولى، في تقدير إيمان.<br><br>لكن، خلال أشهر من عملهما معاً، تطورت قناعات إيمان حياله.. فاستشعرت مسؤوليته العالية، ودقته الملحوظة، تفانيه في العمل، والمنطق المُنتظم الذي يحكم تفكيره، وأبرز ما لحظته فيه، ترفعه عن الترهات، فهو لا يغتب أحداً، ولا يضيع وقته في مواضيع فارغة، وإن انجر لنقاش جانبي، عادةً ما يكون حول قضايا كبرى، تثير اهتمام إيمان أيضاً.<br><br>استشعرت إيمان إعجاب جمال بها، وإن كانت في البداية ترفعت عليه، ربما بدفعٍ من لاوعيّ يحكم وجدانها، بأنها لبنانية، وهو سوريّ، فهي أرقى درجة.. إلا أنها لاحقاً تحسست مزايا هذا الشاب، واستطابت رفقته، وتدريجياً، تعودت على قضاء أوقات طويلة معه، في العمل، وفي مطعم البنك، وفي كافيه مسائي حيث كانا يتناقشان في قضايا تستهويهما سوياً، كوجود الله، والفلسفات الماورائية، والسياسة، والاقتصاد، وعالم العلاقات الدولية، وربما أيضاً، القيم الاجتماعية.<br><br>كان مقنعاً في معظم أفكاره، بالنسبة لها، صريحاً صادقاً، لم تستشعر أنه يستهدف إبهارها، رغم أنها تعلم حقيقة إعجابه بها، لكنه كان يتصرف بتلقائية عالية، يقول لها، بتصرفاته، "هذا أنا على حقيقتي"، لم تستشعر أي درجة من التصنع في تصرفاته أو سلوكياته، فأُغرمت به في نهاية المطاف.<br><br>***<br><br>في الأشهر الأخيرة من العام 2019، كان فريق العمل المرافق لـ جمال، يسابق الوقت، بقيادة جمال، كي يتمكنوا من تحقيق ثلة من الأهداف العصيبة، قبل نهاية السنة.<br><br>كانت إيمان إحدى ركائز هذا الفريق، وكانت قد اندفعت للعمل بدفعٍ داخلي عالٍ، خلقه غرامها بـ جمال، ورغبتها في أن ينجح، وأن تنجح معه، لذا بذلت إيمان كل ما في مقدورها، كي ينجح العمل.<br><br>أما جمال، فكان يكد، كما لم يكد في حياته، ويصل ساعات النهار بالليل، ولا ينام إلا بضع ساعات فقط.. كان الوقت يداهمه، وكان التحدي الماثل أمامه هو الوصول إلى اتفاق يجمع عمالقة السياحة حول العالم، مع معظم الحكومات، في اتفاق احتكاري لتنفيذ فكرته الاستثمارية السياحية.<br><br>كانت الخلافات كبيرة بين شركات سياحية كبرى، يريد كل منها ضمانات أو طلبات خاصة به، فيما كانت بعض الحكومات تتلكأ، لكن الجميع كان جاداً في التفاوض مع البنك السويسري البريطاني وفريق جمال الممثل له، ذلك أن الاتفاق الذي اقترحه جمال قد يتأتى عنه إيرادات بقيمة قد تصل إلى 5 ترليون دولار، تتجاوز الأرباح الصافية منها الـ 750 مليار دولار.<br><br>وكلما كانت تتجلى عقبة تكاد تُحبط المشروع، كان جمال سرعان ما يجد حلاً خلّاقاً لها، زاد ذلك من عمق إعجاب إيمان به، وتحولت نظرتها حياله إلى وضعية معكوسة عن تلك التي كانت يوم قابلته أول مرة.<br><br>وبعد أسابيع من مطلع العام 2020، شهد مقر البنك السويسري البريطاني في لندن توقيع أضخم صفقة عرفها تاريخ البشرية حتى ذلك اليوم، بقيمة أعمال إجمالية تتجاوز الـ 5 ترليون دولار، وبأرباح أولية مقدرة بـ 750 مليار دولار، صافي الربح منها يصل إلى 450 مليار دولار، ويشكل نصيب جمال منها، 10%، أي 45 مليار دولار صافية.<br><br>تحوّل جمال في الأسابيع الأخيرة من كانون الثاني 2020، إلى واحدٍ من أثرى أثرياء الأرض، وهو في الثلاثين من عمره فقط. كان جمال يشعر أنه في حُلم، وبقي مرتاباً حول حقيقة ما يحدث حتى اللحظة التي ولج فيها إلى غرفة كبار العملاء في البنك السويسري البريطاني، حيث فُتح له حساب بنكي فريد، بقيمة 45 مليار دولار.<br><br>كان جمال قد استبق تلك اللحظة بشرطين اشترطهما على البنك السويسري البريطاني، قبل سنة من ذلك التاريخ، أي يوم توقيعه لاتفاق تنفيذ فكرته الاستثمارية. اشترط جمال يومها أن يحظى بميزة استثنائية لدى البنك مستقبلاً، في حال نجاح فكرته، وهو أن يُعفى من كامل الرسوم والتكاليف على المعاملات البنكية التي يُجريها البنك لصالحه، سواء بين فروع البنك حول العالم، أو مع بنوك أخرى.<br><br>ذلك الشرط وُضع موضع التنفيذ يوم فتح حساب جمال الهائل، وأصبح جمال حرّ التصرف في نقل القدر الذي يريده من أمواله، من ذلك الحساب، إلى أي حساب بنكي آخر حول العالم، دون تكاليف أو رسوم، باستنثاء تلك التي ستفرضها البنوك الأخرى في تعاملاتها مع البنك السويسري البريطاني.<br><br>والشرط الثاني الذي ضمه اتفاق جمال مع البنك، قبل سنة من مطلع العام 2020، هو حقه في استثمار 10% من السياح الذين سيشترون عروض فكرته. ولم يكن جمال يتوقع أن ذلك الشرط سيؤدي إلى النتيجة التي اكتشفها مطلع العام 2020، إذ أن ما يتجاوز الـ 100 مليون سائح حول العالم، ببضعة آلاف، اشتروا عروض فكرته الاستثمارية التي باتت موضع التنفيذ بموجب الاتفاق التاريخي الذي وُقّع في مبنى البنك السويسري البريطاني في لندن، مطلع ذلك العام.<br><br>أي أن نصيب جمال منهم، كان 10 ملايين سائح.<br><br>في اليوم التالي لفتح حسابه البنكي في البنك السويسري البريطاني، انهالت العروض من الشركات السياحية على جمال، لشراء حصته من السياح الذين اشتروا عروض فكرته. وعرض عليه تحالف شركات عالمي مبلغ 2500 دولار عن كل سائح، فاشترط المشاركة في أعمال تقديم الخدمات لنصيبه من السياح، مقابل نسبة من أرباح تلك الخدمات. وبعد ثلاثة أيام من المفاوضات، وقّع جمال صفقة تاريخية أخرى، في حياته، حصل بموجبها على استثمارات سياحية عالية الجدوى، في كل من مصر وتركيا والأردن والإمارات وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.<br><br>&nbsp;وبعد بضعة أيام، انضم إلى حسابه البنكي مبلغ خيالي جديد، وقدره، 25 مليار دولار، وبذلك قفزت ثروة جمال إلى 70 مليار دولار أمريكي، ليحتل مرتبة متقدمة بين أثرى أثرياء العالم، يومها.<br><br>بطبيعة الحال، ضجت وسائل الإعلام العربية والعالمية بخبر صعود نجم الأعمال السوري الشاب، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره بعد، لكنه بات من أغنى أغنياء العالم، بثروة قدرها 70 مليار دولار.<br><br>توالت عليه الاتصالات. وفي شقته المستأجرة المتواضعة التي كان ما يزال يقطن فيها في إحدى أحياء لندن الشعبية، كان جمال يتلقى عشرات الاتصالات التليفونية وعبر وسائل التواصل المتعددة، يومياً، من أقارب وأصدقاء وإعلاميين وساسة ورجال أعمال.<br><br>أول خطوة قام بها جمال، بعد انتقاله إلى صفوف صفوة النخبة في العالم، هي إشباع جانب من هوسه بالعقارات الراقية. فاشترى شقة فاخرة في مشروع "ون هايد بارك"، أغلى مشروع عقاري في لندن، بإطلالة ساحرة على حديقة هايد بارك، في قلب العاصمة البريطانية، حيث يسكن أثرياء وساسة وأمراء، من مختلف الجنسيات.<br><br>كلفته الشقة وتجهيزاتها المختلفة، من أثاث وكهربائيات ومعدات أخرى، 75 مليون دولار. وضجت وسائل الإعلام البريطانية أولاً، ومن ثم العالمية، بخبر شراء جمال الدمشقي لتلك الشقة الفارهة، التي تعد من أغلى الشقق حول العالم.<br><br>***<br><br>في يوم 14 شباط، الموافق لعيد الحب حسب التقاليد الغربية، طلب جمال موعداً للقاء إيمان، التي كانت قد انزوت بعيداً عنه منذ لحظة الإعلان عن ولوجه عالم الثراء المُترف.<br><br>27 يوماً فقط، مضت على آخر لقاء بينهما في أروقة مبنى البنك السويسري البريطاني، حيث هنأته بنجاح الصفقة، وبنجاحه الشخصي الهائل، فشكرها بحرارة، لكن بشيء من الرسمية.<br><br>27 يوماً فقط، شعرت إيمان خلالها بأنها خرجت من حُلمٍ جميلٍ عاشته لبضعة أشهر، أن التقت رجلاً نال ثقتها، وقضت معه وقتاً كافياً ليتحول تعاليها عليه، في البداية، إلى إعجاب به، ثم إلى شيء من الشبق العاطفي غير المُعلن، والمُجلل بمواضيع ونقاشات جادة المحتوى والمظهر، لكنها تُخفي رغبة كل طرف بالغوص في مكامن الآخر.<br><br><br>27 يوماً فقط، كانت الساعات فيها ثقيلة الوطأة على إيمان، وهي تتابع أخبار توالي نجاحات جمال، وصفقته التالية الخاصة باستثمار خدمات 10% من السياح الذين اشتروا فكرته، وتضخم ثروته لتصل إلى 70 مليار دولار، مع استثمارات مضمونة الجدوى في 7 دول حول العالم.<br><br>27 يوماً فقط، تابعت إيمان رصد وسائل الإعلام لقصة صعود جمال المُبهرة، وهوس تلك الوسائل بقصة نجاح هذا الرجل، التي تقترب من الخيال، وكأن إيمان لم تكن عنصراً في قصة النجاح تلك، وكأنها مشاهد خارجي، لا صلة له بموضوع الحدث نهائياً.<br><br>27 يوماً فقط، كانت إيمان تنتظر بفارغ الصبر اللحظة التي سيتواصل فيها جمال معها. وكلما كانت ساعة تمر، كانت آمال إيمان تتضاءل، وخيبة أملها تتفاقم، وشعورها بمرارة كالعلقم، يتضخم.<br><br>27 يوماً فقط، كانت إيمان فيها تعيش صدمة خروج من قصة حب، غير معلنة، حتى من طرفيها، لتجد نفسها وراء حواجز متينة تفصلها عن الرجل الذي ظنت ليومٍ ما أنه قد يكون شريك حياتها.<br><br>وفي اليوم السابع والعشرين، جاءها اتصاله، قال لها بنبرة تجللها الرسمية: - هل لديك أي ارتباطات اليوم؟<br><br>كان الوقت صباحاً، وكانت تدرك أن اليوم هو عيد الحب، وهو يوم عزيز على نفوس الإناث حول العالم. <br><br>قالت له: - حتى الآن لا.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، هل أستطيع حجز موعد معك مساء اليوم، سأرسل سيارة خاصة لتقلك كي نتعشى معاً.. أريد أن أناقش معك موضوعاً في العمل.<br><br>شعرت لوهلة، وكأنها هوت من جرف، "موضوعاً في العمل!". بعد صمت لبرهة جاءه جوابها بارداً وجافاً: - أوكييه.<br><br>***<br><br>تأنقت أيما تأنق، وحرصت على كل تفاصيل ما تزينت به، من ثياب وتسريحة شعر وعطر واكسسوارات، فهي ذاهبة للقاء رجلٍ من أثرى رجال العالم، حتى لو لن يكون، شريكها المأمول، فلن تضيّع فرصة العمل معه.. هذا ما عقدت عليه العزم، ووطنت نفسها بأن عليها أن تسترد عقليتها العملية، وأن تترفع عن العواطف الجوفاء التي أدخلتها في حالة من الضعف لم تعتدها كثيراً في السابق.<br><br>"يجب أن تتعاملي معه كرجل أعمال، وأنت مرشحة لتكوني مستشارة له، لا أكثر". قالت في نفسها.<br><br>نقلتها سيارة فارهة إلى واحدٍ من أرقى المطاعم اللندنية. وفي أجواء تسودها إضاءة خافتة، وشموع تزين الطاولات، جلست إلى طاولته بعد تبادل التحيات برسمية.<br><br>قال لها: - لم تفكري أبداً بالاطمئنان عليّ خلال الفترة الماضية.<br><br>فندت عنها ضحكة عصبية، وقالت: - لا أعتقد أنك بحاجة لمن يطمئن عليك، أنت على أحسن ما يرام، ما شاء الله.<br><br>أحسّ بعصبيتها، فقرر ألا يستفزها أكثر.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أريدك في عمل مهم، عمل قد يشغل الحيز المتبقي من حياتك، لذا عليكِ أن تتخذي القرار بخصوصه، بروية كبيرة، لأنه سيكون نقلة خطرة للغاية، وتبعاتها ليست عادية.<br><br>حملقت فيه بارتباك واضح، وقد أنبأها حدسها أن الرجل سيطلب يدها للزواج. ولم تقل شيئاً.<br><br>مدّ إليها يده التي كانت تمسك بظرف منتفخ، وهو يقول: - اطلعي على هذا الملف، سيوضح المطلوب.<br><br>تناولت منه الظرف، شعرت أن مظهره غير طبيعي، فانتفاخه لا يُنبئ بأنه يحوي عقد عمل أو أوراقاً رسمية. فتحته بتؤدة وحرص بالغين، ليصدق حدسها، إذ وجدت داخله علبة مخملية حمراء. تسارعت نبضات قلبها، وظهر ذلك جلياً في تنفسها، ورمقته بنظرات سريعة، فوجدته باسماً، أرخت نظراتها، وفتحت العلبة، فوجدت فيها خاتماً ماسياً، تحته كانت ورقة بشكل قلب، حوافها وردية، وفي وسطها كلمة حمراء قانية: "أحبك".<br><br>ندا عنها تأوه، وخفق قلبها بشدة، ثم أعادت ناظريها إليه، فوجدت ابتسامته قد أصبحت أعرض، وفي عينيه البنيتين بريق ملحوظ.<br><br>وخلال ثوانٍ معدودةٍ، استردت كامل وعيها المُستلب من هول المفاجأة، التي لم تكن مستبعدة تماماً من ظنها، لكن رغم ذلك، شعرت بأنها مفاجأة، بكل ما تعنيه الكلمة. وتذكرت أنها إن أرادت الارتباط بهذا الرجل، وأرادت لهذا الارتباط النجاح، عليها أن تكون واعية لتصرفاتها في هذه اللحظات المصيرية من حياتها.<br><br>قالت له: - كيف تظن، سيكون ردّي؟<br><br>قال لها والابتسامة العريضة لا تفارق شفتيه: - أن تُغلّبي عقليتك العملية، على نوازعك الأنثوية، وأن تحسمي أمرك خلال دقائق، بناء على التصور الذي كوّنتِه عني خلال الأشهر الماضية.<br><br>&nbsp;أشعرتها ابتسامته بغرور يكتسي تصرفاته، وتنازعت في نفسها نزعتان، عقلية تريد لهذا الارتباط أن يتحقق، لكن من خلال تأسيسه على أسس متينة من التوافق النفسي بينهما، وإلا، فلا.. ونزعة غرائزية، أججت لديها رغبة جامحة بالارتباط بهذا الرجل، الواثق من نفسه إلى درجة الغرور، كما يتبدى لها الآن. رجل تدين له الدنيا بالاحترام والتقدير، وهي ستكون زوجته.<br><br>قالت:&nbsp; - لو كنت تحبني كما ذكرت في هذه الورقة، لأحببت أن أشاركك لحظات فرحتك العظيمة.. لكن ما حدث أنك أبعدتني عنك لأسابيع، قبل أن تقرر فجأة التواصل معي.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا يجوز تفسير ما حدث وفق هذا المنطق.. ربما أخطأت من وحي عادتي القديمة في ترتيب أولويات وأجندات حياتي، بصورة منفردة.. منذ وفاة والدتي وانفكاك عقد علاقاتي الأسرية تدريجياً، تعودت على ترتيب أجندات حياتي، بنفسي، دون عون أو مشورة من أحد، وذلك ما حدث مؤخراً.. الطبع غلّاب.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تبرير غير مطمئن، يزيد الطين بلّة.. أخشى أن أكون الديكور الضروري المطلوب لإتمام تزيين شقتك في "ون هايد بارك".<br><br>قهقه لوهلة، زادت غيظها، استشعرت معها غروراً واضحاً في تصرفاته، لم تلحظه لديه سابقاً، وعقّب قائلاً: - تركت غرفة نومنا المشتركة فارغة، كي تختاري بنفسك الفرش المناسب لها.<br><br>زاد غيظها منه، وبرقت عيناها الخضراواتان بالغضب، وقبل أن تباشر الرد عليه، مال نحوها عبر الطاولة، ومدّ يده إليها، أمسك بيدها اليمنى، وجذبها بلطف نحوه، ثم قال: - إيمان.. أعلم أنني أخطأت، لكن أنا لست إنساناً كاملاً، لدي طبائع سلبية، أريدك أن تكوني شريكة حياتي، وأن تساعديني على التخلص منها.<br><br>هدأت قليلاً، لكن عقلها كان يعمل بسرعة هائلة، ثم صعقته وقالت: - لا..<br><br>بُهت، وظهرت علائم الخيبة والفزع في نظرات عينيه، قال: - ماذا تقصدين؟<br><br>قالت بعصبية بالغة: - طلبك مرفوض.. إنني أرفض عرضك بالزواج..<br><br>ونهضت، لملمت حقيبتها وموبايلها من على الطاولة بسرعة، واستدارت لتغادره، تاركةً إياه مبهوتاً، والصدمة تعجزه عن النطق.<br><br>***<br><br>طلبت إجازة طويلة من عملها في البنك السويسري البريطاني بلندن، ورجعت إلى بيروت بعد ثلاثة أيام فقط من لقائهما الأخير. كانت قد حزمت أمرها. لا تريد الزواج برجل ثري، محاط بالجميلات، وبالشخصيات العالمية، من إناث ورجال، حيث يغلبه الغرور، وتكون مجرد ديكور مناسب لإتمام لوحة نجاحه المميزة.<br><br>فتاة غاية في الجمال، حسب معظم المعايير، مثقفة على أعلى مستوى، تتقن عدة لغات، تتحدر من نسب أصيل.. مواصفات مناسبة لإضافتها إلى شقته في "ون هايد بارك".. هكذا قالت في نفسها.. وقررت: "إن أرادني فليلحق بي، وليبذل الجهد المطلوب ليحظى بي كزوجة وشريكة حياة، لا كديكور".<br><br>في منزلها العائلي في بيروت، كانت عصبيتها واضحة، وكان الجميع يستشعر أن وراء إجازتها المفاجئة أمر جلل. إيمان، ابنة أمها، ناهد ميقاتي، تلك المتحدرة من عائلة طرابلسية عريقة، وترتبط بنسب قرابة مع أثرياء العائلة وساستها.<br><br>قوية الشكيمة كأمها، تغلّب العقل على العاطفة في معظم الأحيان، وليست بمرونة والدها، وتسامحه.. لكنها في نهاية المطاف، أنثى.. لذا كانت أيامها التالية في بيروت عصيبة للغاية.. كانت تنتظره بفارغ الصبر، وفي وعيها سؤال مصيري حاسم: "هل يرجع إليّ؟"..<br><br>لم يتجرأ أحد على مفاتحتها بأسباب رجعتها المفاجئة، واضطرابها وعصبيتها البادية، إلى أن كسرت والدتها ذلك الحاجز، وفي ليلة سبت، حيث العائلة مجتمعة أمام فيلم أمريكي مسجل على سي دي، كانت إيمان في عزلة، بغرفتها الخاصة، اقتحمت أمها الغرفة، وتقدمت نحوها، وجلست قربها، على السرير، حيث كانت إيمان في نصف جلسة، مستندة على مسند الفراش، تفكر وتتأمل.<br><br>قالت لها: - صبرت عدة أيام إلى أن تهدأي.. حان الوقت كي أفهم ما الذي حدث؟<br><br>كانت تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، كانت بحاجة لأن تُلقي بحملها الثقيل إلى أمها: - طلب يدي للزواج.<br><br>بترقب، ينتظر التأكيد لما في ظنها، قالت: - تقصدين من؟<br><br>كانت ناهد تعلم المدى العاطفي الذي وصلت إليه علاقة ابنتها بـ جمال، قبل تربعه على تلك المكانة من الثراء، كانت إيمان تروي لها كل ما يحدث معها عبر الفايبر، لذا كانت على إدراك كامل بتطورات تلك العلاقة، وكانت تدرك، منذ عودة ابنتها المفاجئة، أن لذلك علاقة بـ جمال الدمشقي.<br><br>لم تتدخل ناهد في مسار تلك العلاقة أبداً، ولا حتى بمجرد نصيحة، رغم سطوتها العالية، وعادتها بالتدخل في كل كبيرة وصغيرة. كانت إيمان مستغربة من أن أمها كانت تكتفي فقط بالاستماع منها، دون أي نقاش أو جدل أو نصيحة أو اقتراح، على غير عادتها.. حتى في أصعب لحظاتها، حينما كانت تنتظر اتصاله بعد إعلان دخوله عالم الثراء، في الـ 27 يوماً، القاسية التي قضتها حينها، لم تقدم لها ناهد أية نصيحة، واكتفت بتهدئتها، وتطييب خاطرها.<br><br>في إحدى محادثاتهما عبر الفايبر، حينها، قالت إيمان لأمها: - لماذا لا تقولين لي ماذا عليّ أن أفعل؟، أنتِ لم تقولي لي رأيك حتى الآن في كل ما حدث معي حتى الآن؟.. ما القصة يا أمي؟<br><br>أجابتها ناهد: - القصة أكبر من القصص المعتادة يا حبيبتي، إنه قرار مصيري سيتوقف عليه المجمل من حياتك القادمة، لذا، يجب أن تتخذي هذا القرار بنفسك.. أنت من يجب أن يفكر ويجرّب ويقرر، المهم أنك لم تحيدي باتجاه فعل خاطئ قد يهدد حياتك في المستقبل بصورة تجبرني على التدخل، لذا، لا داعي لتدخلي، فأنت تحسنين التصرف حتى الآن، ويجب أن تواصلي المسيرة بقراراتك الذاتية، دون تدخل من أحد.<br><br>قدّرت إيمان موقف أمها، لكنها حينما عادت إلى بيروت، شعرت بوطأة أن تقول لأمها أنها رفضت الزواج من رجلٍ بثراء جمال الدمشقي، فقط لأنها استشعرت غروراً في نبرته وتصرفاته. فيما وجدت ناهد من المناسب أن تتركها كي تهدأ قليلاً، وتصبح جاهزة لنقاش ما حدث معها.<br><br>قالت ناهد: - وبماذا أجبته؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; رفضت.<br><br>ندت عن ناهد صرخة، وفزع احتل عينيها، وغطت فمها بقبضة يدها اليمنى، فيما أسدلت إيمان نظراتها، وفضلت عدم مواجهة عيني أمها. وبعيد ثوانٍ، استردت ناهد تماسكها، وقالت: - اروي لي ما حدث بالتفصيل.<br><br>روت إيمان ما حدث بالتفصيل، بل، وبالتفصيل الممل، كانت تريد من أحد أن يقول لها أنها على صواب، أنها لم تُضع فرصةً تشكل حُلماً أثيراً لأي فتاة في الدنيا، دون مبررٍ كافٍ.. كانت تريد أن تقول لها أمها، "لقد أحسنتِ التصرف".<br><br>وبالفعل، قالتها ناهد: - لقد أحسنتِ التصرف.. لا تخشي شيئاً يا حبيبتي، إن كان يحبك حقاً، يحبك لشخصك، لذاتك، لا لشكلك أو ثقافتك أو أصالة نسبك، لا يحبك كي تكوني القطعة الناقصة لإكمال لوحة نجاحه، يحبك أنتِ، لأنك أنتِ.. حينها، سيلحق بك إلى هنا.. وإلا.. فهذا يعني أن حياتك معه، لو قِيض لك الارتباط به، ستكون ضنكة، لن تكوني فيها شريكة له بمعنى الكلمة، بل مجرد جزء من الصورة التي يريد الظهور بها أمام العالم.. ولو كانت هذه هي نظرته لك حقاً، فهذا يعني أنه يبحث الآن عن ديكور آخر، ما دام لم يتأتَ له الحصول عليك.<br><br>أحست بارتياح كبير، حمل ثقيل أزيح عن كاهل عقلها المضطرب، "نعم، لقد أحسنت التصرف، فحكم العقل دائماً ما يكون هو الصواب، لن أتزوج رجلاً أُحبه، ولا يبادلني هذا الحب بمثيله، لأنني حينها سأكون الطرف الأضعف في هذه العلاقة".<br><br>***<br><br>خلال الأيام التالية للقائهما الأخير، تطلب القرار من جمال عدة جلسات مطولة من التفكير، في عزلة، داخل مكتبه الفاره في شقته الجديدة في "ون هايد بارك".. لم يكن يحظى بالكثير من أوقات الفراغ المناسبة للتفكير المُطوّل، لأن قائمة الأعمال الملحة التي تتطلب حسماً منه، كانت كثيرة، ومُستعجلة. لكنه رغم ذلك، لم يحتج أكثر من ثلاث جلسات من التأمل فيما حدث، كي يقرر أن عليه اللحاق بإيمان، قبل فوات الأوان.<br><br>هي المرأة المناسبة له.. لم يُغرِها ماله ونجاحه، وكانت كرامتها أغلى لديها.. نعم، لقد نال من كرامتها عبر إهمالها طوال الفترة الماضية، لكن ربما كان يتقصد ذلك، دون أن يعي حتى، كان يتصرف بفطرية الحذر الذي جُبل عليه، كان يريد أن يرى كيف ستتصرف حياله بعد أن بات بمثل هذا الثراء وتلك المكانة. كان بحاجة لأن يختبر عملياً كيف تتعامل إيمان مع إغراء المال والثراء والجاه، فجاء رد فعلها كما كان يأمل، لقد ارتقت أكثر في نظره، فهي تريده لذاته، لا لثرائه ومكانته، لو كان المال غايتها، لما خاطرت للحظة في إضاعة فرصة الزواج منه.. لو لم تكن تقدره كـ جمال الذي عرفته قبل انتقاله إلى عالم الثراء، لكانت سارعت لقبول عرضه.. <br><br>كان جمال على يقين، في الأشهر الأخيرة من علاقتهما، قبل هبوط ثروة الـ 70 مليار دولار عليه، أن إيمان معجبة به، بل ربما، تحبه.. تصرفاتها ورغبتها في قضاء أطول وقت ممكن معه، كانت تؤكد ذلك.. لكن بعد أن أصبح ثرياً من الطراز الرفيع، ابتعدت عنه، وحينما عرض عليها الزواج بصيغة يتبدى منها الغرور والرفعة، تعالت عليه، وفضلت كرامتها.<br><br>دون شك، هو يحبها، ودون شك، هي المرأة المناسبة له. لذا، بعد أسبوع واحد من لقائهما الأخير، قرر جمال اللحاق بها إلى بيروت.<br><br>وكم أثلج صدرها الذي جف من الوقوف على حافة القنوط، حينما دخلت عليها أمها الغرفة، وقالت لها: - احزري من اتصل بنا، وطلب زيارتنا.<br><br>برقت عيناها، وسرعان ما تلألئ الدمع فيهما.. فقهقهت أمها، وسارت بسرعة إليها، واحتضنتها حيث هي في فراشها، وذرفت إيمان دموع الفرح في صدر أمها، التي كانت تقول بنبرة متهدجة: - لقد أحسنتِ التصرف، جمال الدمشقي بنفسه، في بيتنا الليلة.<br><br>***<br><br>كانت إيمان يوم خطبتها من جمال، في نفس سنه تقريباً، كانت تصغره بشهر واحد فقط، كانا في الثلاثين من العمر، ورغم أنها كانت تفضل رجلاً يكبرها ببضعة أعوام، كي يكون أكثر نضجاً، كانت على قناعة بأن شخصية جمال تفوق عمره الزمني بمراحل، وأنه أكثر نضجاً بكثير مما يبدو عليه شكله الخارجي.<br><br>ابتهجت عائلة إيمان أيما ابتهاج بخبر قدوم جمال الدمشقي، الملياردير الصاعد حديثاً إلى قمة الثراء والنجاح، إلى بيتهم. كان لقاءً بناءاً جداً. تعرّف جمال إلى وفيق الصلح، وناهد ميقاتي، والدَي إيمان، كما تعرّف إلى أشقائها، إيهاب وإياس وأيمن، الذين يصغرونها بالترتيب. <br><br>كانت الحماسة بادية على مُحيا وسلوكيات وفيق الصلح، وولديه، إياس وأيمن، فيما كان إيهاب، متحفظاً، يما يملك من قدرة عالية على ضبط مشاعره وعدم الكشف عنها. أما إيمان، تلك التي تمتلك قدرة فائقة على إظهار التحفظ، وإخفاء المشاعر التي تعتمل في صدرها، لم تستطع هذه المرة، على خلاف عادتها، إلا أن تعكس مشاعرها الجيّاشة المُفعمة بالفرحة، على صفحة وجهها، وفي بريق عينيها اللتين ازدانتا بألق واضح.<br><br>لكن ناهد، على خلاف ابنتها، حافظت على قوة شكيمتها، وتصرفت بتوازنٍ ملفتٍ، فهي أظهرت ترحاباً بـ جمال، في الوقت الذي تمكنت فيه من إشعاره بأنها تتقصى مكامن شخصية الرجل الذي قد يكون صهرها، بكثير من الريبة والحرص.<br><br>أما جمال، فكان متوتراً بصورة واضحة، ورغم ثقته بالنفس التي وصلت مراحل متقدمة جداً في الأسابيع الأخيرة، بفعل ثورة نجاحاته المتتالية، وانعكاساتها المفاجئة، إلا أن نظرات ناهد الثاقبة، وتصرفاتها وأسئلتها التي تُوحي برغبة التحقق منه، ومن خفايا شخصيته، أربكته، ولولا الترحاب الذي بدا على مُحياها، لكان غادر الجلسة سريعاً.<br><br>سألته عن عائلته، عن أهله، عن والديه وأشقائه وأقاربه، وعن المستوى المعيشي الذي كانوا يحيون فيه بدمشق، قبل أن يغادر إلى مصر.. كان وكأنه في تحقيق، ولأنه كان على ثقة بأن إيمان أخبرت أمها بهذه التفاصيل، التي سبق أن أفضى بها لإيمان خلال الأشهر الماضية، لذا شعر بالكثير من التوتر من جلسة التحقيق التي عقدتها ناهد معه، فيما كانت إيمان في أوج سعادتها المُتبدية.<br><br>في نهاية الجلسة، طلب يد إيمان للزواج، رسمياً. فقالت له ناهد: - من حيث المبدأ، لا أعتقد أن هناك مانع لدينا.<br><br>ونظرت إلى زوجها وفيق الذي كان قد بدا الاستياء على وجهه، إذ لم يكن راضياً عن أسلوب زوجته في التحقيق مع رجل، بمكانة، جمال الدمشقي، إنه فرصة ذهبية، وهو يحب ابنته، بل هو متيم بها، بحيث ترك لندن ليلحق بها إلى بيروت، ويطلب يدها من أهلها بعد أسابيع من وقوعه على ثروة خيالية.. هذا الرجل فرصة لا تُعوّض، فما مبرر هذا الأسلوب في التحقيق معه، بصورة مزعجة.. كانت ناهد تعلم ما يدور في ذهن زوجها، فهي تعرف كيف يفكر، فألزمته بالخروج من استيائه، حينما سألته:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أليس كذلك يا وفيق؟.. هل لديك مانع؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالطبع لا، هذا شرف لنا..<br><br>وهنا عقّبت ناهد بلهجتها الصارمة: - لكن يا جمال.. واسمح لي أن أرفع الكلفة.. أنت تعلم الأصول.. هذا أمر يتطلب قدوم كبارية عائلتك، أو من يستطيع منهم، كي تكون الأمور رسمية، وتليق بمقامنا ومقامك.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; دون شك، سيحدث ذلك.. لكن تهمني كثيراً موافقتكم المبدئية.<br><br>لاحقاً، لم يبذل جمال أي جهد لجمع شتات عائلته، كي تكون حاضرة في يومه الموعود، إذ تتالت اتصالاتهم به، فرداً فرداً، بدءاً بشقيقيه، وليس انتهاءاً بأولاد عمه رشاد، الذين تنكروا له بعيد وفاة والدهم.<br><br>ولمّ جمال شمل أكبر قدر ممكن من أفراد العائلة في ترتيبات مستعجلة، لتشكيل جاهة مناسبة لطلب يد إيمان رسمياً، ونفّذ كل طلبات أمها، بالتفصيل الممل، ولم يعترض على أمرٍ واحدٍ.<br><br>وفي عشاء جمعهما في مطعم بيروتي فاخر، بعيد أيام من طلب يد إيمان رسمياً، بوجود عشرات الأفراد من جاهة عائلة جمال، وكبارها، وبوجود كبار عائلة إيمان من جانب الأب والأم.. قالت له: - كنت أنتظر منك ولو امتعاضاً من سلسلة طلبات أمي..<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; فضلت ألا أكرر الخطأ السابق، فتتركي بيروت، وتختفي، وأضطر للحاق بك إلى بلد آخر، .. فأنا لا أستطيع العيش بدونك..<br><br>ابتسمت بسعادة عارمة.. وبعد ثلاثة أشهر، شهدت بيروت واحدة من أضخم حفلات الزفاف في تاريخها.. كانت حفلةً صاخبةً، مزدانة بالبذخ، ومتُرعة بالترف، ويكللها الكثير من الإسراف.. لكن جمال قرر الخضوع لكل طلبات حماته، كي يُرضي حبيبته وشريكة حياته المنتظرة.. كما أنه يستطيع تفهم عقلية ناهد ميقاتي، فبحكم تحدره من عائلة دمشقية عريقة، يفهم تماماً أهمية هكذا مناسبات لدى سيدات الطبقة البرجوازية تحديداً.. لذا، تقبّل كل ما أملته عليه ناهد، لكن الأخيرة لم تتعدَ حدودها، ولم تتدخل في أي شأن لا يعنيها مباشرةً.. فقرر جمال وإيمان وحدهما، ترتيبات حياتهما القادمة، وقررا الإقامة مبدئياً في شقته الفاخرة في "ون هايد بارك" بلندن.<br><br>***<br><br>أنجب جمال 5 أولاد.. لطالما كان يحلم بإنجاب الكثير من الأولاد.. كانت نظرية العائلة الممتدة، كثيرة الأولاد، تسيطر على تفكيره بخصوص حياته الزوجية المستقبلية، منذ مطلع شبابه.. لكن ذلك خضع لتنظيم دقيق للغاية، اتفق عليه مع إيمان، التي كان تفكيرها يتناسب كثيراً مع تفكيره، فهما الاثنان منظمان، ويعتمدان التخطيط المُسبق لكل تطور في حياتهما، ولا يميلان للمجازفة أو العشوائية، كما أنهما لا يحبذان كثيراً المغامرات.. <br><br>كانت جلساتهما الخاصة تزدان بالمناقشات الفلسفية والميتافيزيقية، والسياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية.. وكم من مرة اتفقا على قراءة كتاب واحد أثار اهتمامهما للتباحث فيه.. وكم من مرة قررا متابعة سلسلة من المواضيع المترابطة المتصلة بقضية محددة، للتناقش بخصوصها..<br><br>كانت مكتبة بيتهما، ركنهما المُحبب والمُشترك.. <br><br>وكانت إيمان سنداً لـ جمال في كل أعماله واجتماعاته ولقاءاته في عالم المال والأعمال.. كانت ساعده الأيمن، وأقرب إلى سكرتيرته الشخصية، ومديرة علاقاته العامة أيضاً.. لذا كان الحيز المشترك بينهما واسع جداً، وكانت الساعات التي يقضيانها معاً، تشكل معظم اليوم..<br><br>بقي هذا الوضع إلى أن أنجبت إيمان، ولدهما الأول، كنان.. كانا قد اتفقا على أن يفصل بين الولد والآخر ثلاث سنوات، كي يحظى كل طفل بما يحتاج من رعاية..<br><br>ورغم تقدم إيمان في السنّ لاحقاً، إلا أن قدرتها على الإنجاب لم تنضب، ورغبة جمال بالمزيد من الأولاد لم تكِل.. فأنجبت إيمان، سهى، أصغر أطفالهما، وهي في الرابعة والأربعين.. بعيد ذلك انقطعت عنها الدورة الشهرية، ولم تعد قادرة على المزيد من الإنجاب، وربما كان ذلك المانع الرئيس الذي حال بينهما وبين إنجاب المزيد من الأولاد..<br><br>خمسة، أربعة ذكور، وبنت.. كانت عائلة تقرّ عين جمال لها.. فهو يحب الذكور، ربما لأنه اعتاد على كثرتهم حوله، فهو لم يحظى بشقيقة.. لكن حينما أنجب سهى، التي منحها اسم أمه الراحلة، كان غاية في السعادة، وشعر بأنها جوهرة ثمينة بات مسؤولاً عنها، وعليه رعايتها بكل حرص وببالغ المسؤولية..<br><br>ومع تطور مسؤوليات الأولاد وتربيتهم، اعتزلت إيمان رويداً رويداً، عالم المال والأعمال الخاص بزوجها، باستثناء إطلاعها على كل صغيرة وكبيرة فيه، على سبيل الإطلاع وتقديم المشورة، لا أكثر، أما عملياً، فكان شغلها الشاغل، هو عائلتها التي باتت تتطلب منها الكثير من التركيز والجهد..<br><br>كما جمال، كانت إيمان تميل إلى تحمّل مسؤولياتها على أحسن وجه، قدر الاستطاعة، وكانت على قناعة، مع تطور مسؤوليات تربية أولادها، أن تلك هي مسؤوليتها الأولى، والأكثر أهمية..<br><br>فيما ازدادت مشاغل جمال أكثر فأكثر، وكثرت حالات سفره، ولقاءاته واجتماعاته المطولة.. لكن ذلك لم يمنعه من تخصيص ثلاث أو أربع ساعات يومياً، مخصصة للعائلة فقط، دون أن يخل بذلك الترتيب إلا في الحالات الاستثنائية..<br><br>كانت حياة جمال الأسرية هادئة، تُضفي الاستقرار والطمأنينة على نفسه، وكانت علاقته بإيمان تسودها درجة عالية من التفاهم.. وكانت شجاراتهما معدودة، وخلافاتهما سرعان ما تُحل بالنقاش، ومن يشعر أن رأي الآخر أكثر موضوعية، يتنحى جانباً.. فازدهرت شراكتهما، وتبدت في أولادهما، الذين تجلت ملامح الإبداع لديهم، فـ كنان الأكبر بينهم، كان مهوساً بالطبيعة النباتية والحيوانية، وقد أسس له والده مختبراً خاصاً، شرّح فيه عشرات أنواع الحيوانات، وأعد فيه الكثير من التجارب على كائنات حية، بإشراف متخصص.. ومن ثم حقق حلمه بالتخصص في عالم الطب، في أرقى جامعات العالم..<br><br>أما إياد، فكان يحمل الكثير من النوازع السياسية والاستراتيجية، وكان يعشق ركوب الخيل والمبارزة والرماية، وقد استشعر جمال لدى إياد الكثير من الصفات القيادية، فعمل على تنميتها، وكان راضياً عن العلاقة المتينة التي ربطت إياد بخاله الأكبر، إيهاب، الذي كان متخصصاً بالعلوم السياسية، والذي تحوّل لاحقاً، بدعمٍ من جمال، إلى أحد أقطاب السياسة في لبنان..<br><br>أما ثالث أولادهما، أغيد، فكان عبقري فيزياء، بحسب شهادة مدرسيه، وقد أسس له جمال أيضاً مختبراً خاصاً يجري فيه تجارب بهذا المجال.. لكنه كان خجولاً، وغير اجتماعي، على عادة أولئك الذين تتبدى عليهم سمات العلماء.. فكان كثير العزلة، ويقرأ بنهم شديد، ويقضي ساعات طويلة في مختبره بين أدواته، يجري التجارب والمحاولات لفهم الكثير من المعادلات الفيزيائية التي تحكم محيطه..<br><br>أما رابع أولادهما، وسام، فكان مشاكساً، لكنه آية في الذكاء الرياضي، ولديه قدرة عالية على الإقناع في المجال التجاري، فدفعه جمال إلى التمرس في مجال التجارة، في نشاطات مدعومة منه..<br><br>فيما الصُغرى، سهى، كانت تتمتع بمَلكة الإلقاء الشعري والنثري، بإتقان وثقة عالية.. وقد حظيت برعاية خاصة من والدها، الذي لم ينجُ من عقدة تمييز أصغر الأولاد برعاية خاصة، تلك التي كانت منتشرة في تجارب عائلته الكبرى.<br><br>وهكذا، كانت حياة جمال الداخلية عوناً كبيراً له على مواجهاته الدقيقة والطويلة، في عالم المال والأعمال بدايةً، ومن ثم في عالم السياسة والاستراتيجيا بعيدة المدى.<br><br>وكانت إيمان مكمن سرّه الأبرز، وناصحه الأول، وملجأه الدائم في لحظات الضعف والانكسار، حيث يسترد معها ثقته بنفسه، ويستعيد بكلماتها مَلكاته المعتادة التي تذوي من حين لآخر بفعل الضغوط.<br><br>***<br><br><font>يتبع في الفصل الحادي عشر..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br></div>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/21131</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//d2f6ed897bf5e3c2952a8d19.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//d2f6ed897bf5e3c2952a8d19.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19899</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19899</comments>
						<pubDate>Sat, 12 May 2018 19:51:15 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19899</guid>
						<description><![CDATA[تجري التحضيرات على قدمٍ وساق.. ولأنها تحضيرات يمكن رصدها، ولأن الجمع الذي سيلقاه، متنوع المشارب والغايات والقيم، لا يجمعه إلا أمر واحد، هو المال.. كان جمال غير واثق م]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>تجري التحضيرات على قدمٍ وساق.. ولأنها تحضيرات يمكن رصدها، ولأن الجمع الذي سيلقاه، متنوع المشارب والغايات والقيم، لا يجمعه إلا أمر واحد، هو المال.. كان جمال غير واثق من قدرته على ضبط جميع من سيلتقيهم وصهر قدراتهم في بوتقة قيادته. لكن ما كان يعزّز موقف جمال، هو أنهم جميعاً، متورطون بشبكات معقدة من المصالح معه.<br><br>يعتزم جمال أن يلتقي نخبة الأثرياء السوريين، في الداخل والخارج، بعد أن أبرق لهم جميعاً، بالحاجة إلى اجتماع عاجل..<br><br>أنشأ جمال عبر عقدٍ ونصف من الجهود، ما هو أشبه بمحفلٍ خاصٍ بالأثرياء السوريين المؤثرين في عالم المال والأعمال، في سوريا، وخارجها..<br><br>ثروته الهائلة، ونفوذه الكبير في عالم المال والأعمال، حول العالم، ومن ثم، سيطرته على سوريا، ومن ثم، وسط العراق ولبنان.. جعل التحالف معه موضع رغبة معظم الأثرياء السوريين، إما كي يضمنوا مصالحهم التي كانت ما تزال قائمة في سوريا، أو لإنشاء مصالح لهم فيها، أو للإفادة من التحالف معه في مشاريع واستثمارات مشتركة حول العالم.<br><br>منذ بدايات صعود جمال الدمشقي، كثريّ سوريّ، ورائد أعمال فذّ، أثار اهتمام رجال أعمال سوريين كبار، وتلقى دعوات للتعاون معهم.. وتجاوب جمال مع كل هذه الدعوات.. وتدريجياً، مع تسلق جمال السريع لسلم الثراء، والنجاح الاستثماري، ليحصد موقع أثرى رجل في العالم منذ مطلع عشرينات القرن الحادي والعشرين.. تفاقم نفوذ جمال في علاقاته مع الأثرياء السوريين، وبدأ في مساعيه لتنفيذ إحدى أحلامه العزيزة على قلبه، وهي إعادة إحياء دور الطبقة البورجوازية السورية، بصورة تتيح لها لعب دورٍ نوعي في التأسيس لمستقبل سوريا، الذي كان حتى ذلك التاريخ، مُظلماً في عيون كل المراقبين.<br><br>جمال، المتحدر من هذه الطبقة، والذي كان يعزّ عليه ما آلت إليه من فقدان للهيبة والمكانة، منذ عقود، بعد أن كانت صاحبة الجولة والصولة الحاسمة، في تأسيس سوريا التي عرفها العالم حتى عام 2011.. كان يريد أن يعيد لهذه الطبقة هيبتها ومكانتها، لكن، مع تجنب المثالب الكبرى التي سبق ووقعت بها، وأبرزها، حالة التشرذم والصراعات الداخلية بين أقطابها..<br><br>فمنذ عشرينات القرن العشرين، لعب برجوازيو سوريا، الدور الأكبر في التأسيس لهذا البلد، وتمكنوا، رغم صراعاتهم الداخلية، من إجلاء الفرنسيين، وتوحيد البلاد، ومنع تقسيمها على أسس طائفية، ومن ثم، أداروا دفة البلاد، في معظم الأحيان، حتى مطلع ستينات القرن العشرين، إن استثنينا تجربة الوحدة مع مصر..<br><br>حتى في عهود الانقلابات العسكرية التي شهدتها سوريا في نهاية الأربعينات، وخلال النصف الأول من الخمسينات.. كان العسكريون يلجؤون إلى البرجوازية، لإدارة البلاد اقتصادياً وإدارياً.. ورغم حالة الفوضى الأمنية والسياسية التي كانت تعيشها سوريا، كانت تنهض اقتصادياً، وتشير المؤشرات التاريخية كلها، إلى أن سوريا كانت في طريق سريع نحو التميز الاقتصادي، كدولة فاعلة، في الشرق الأوسط..<br><br>لكن حقبة الوحدة مع مصر، التي أعقبها بسنتين، انقلاب البعث الشهير، عام 1963، نالا من حكم البورجوازيين.. وتم تحجيم دور هذه الطبقة، وتقزيمه، تدريجياً، إلى أن وصل بهم الأمر، أتباعاً لنظام الأسد، أو خارجين عليه، لا أثر وازن لهم، على الأرض.<br><br>بدأت عملية تقزيم دور البورجوازية السورية منذ عهد الوحدة مع مصر، لكن عملية التقزيم تلك تحولت في عهد حكم حزب البعث، في ستينات القرن الماضي، إلى منهجية ضرورية ومنظمة.<br><br>وكانت المواجهات الأولى بين حكم البعث، وبين البوجوازية السورية، مواجهات تعتمد نزعة التصفية الكاملة.. فحزب البعث حينها، كان يخضع لهيمنة غير معلنة، من أقليات طائفية، وأبناء أرياف، حاقدين، انتهجوا مناهج مباشرة وقاسية في حربهم على البورجوازية، التي تحولت إلى عدوٍ آيدلوجي.<br><br>وتلقت بورجوازيات المدن الكبرى في سوريا، في دمشق وحلب، وكذلك، في حمص وحماة، ضربات مؤلمة، في أكثر من قطاع، بدأها البعث بحملة تأميمات للأملاك، أكثر قسوة من تلك التي قررها جمال عبد الناصر، في عهد الوحدة مع مصر، والتي كانت السبب الأساس لانهيار الوحدة.<br><br>لكن البعثيين المتحدرين من الأرياف، الذين أمسكوا بزمام بلدٍ عريقٍ، بجلافةٍ وصفاقةٍ، يجللها حقد طبقي ومناطقي، أوغلوا بحرب حمقاء ضد البورجوازية السورية، بصورة أثخنت رأس المال الجبان، لكنها، في الوقت نفسه، أكسبته تعاطف غالبية أبناء المدن.<br><br>وحينما جاء حافظ الأسد، إلى سدّة الحكم، مجللاً بخبرة التجارب الفاشلة العديدة، التي شهدها عن قرب، في الستينات، وشارك في بعضها شخصياً، قرر انتهاج نهج آخر، مع البورجوازية.. أراد احتوائها، بدلاً من تصفيتها المستحيلة.. أدرك حافظ حينها، أن هدف تصفية تلك الطبقة، مستحيل، خاصةً أن الساعين لتحقيق ذلك، لا يتحدرون بمعظمهم من المدن، لذا، لن يستطيعوا كسب تعاطف أبناء المدن، حتى من الطبقة المسحوقة، إلا ما ندر.<br><br>ولأن عقلية حافظ الأسد، كانت قد تطورت لتصبح عقلية رجل دولة، أراد الرجل تأسيس حكمه على أسس ثابتة، من بينها، كسب ودّ البورجوازية السورية، وفي نفس الوقت، تهميش تأثيرها، أو جعله يصبّ في الاتجاه الذي يخدم مصالحه.<br><br>لم يكن الأمر هيناً على حافظ، ففيما نجح نسبياً في دمشق، التي أثخنت تجارب الفوضى، تجارها وأثريائها، فركنوا إلى عدم المواجهة مع الحاكم الجديد، والتجاوب معه على قدر تجاوبه معهم.. نالت محاولات حافظ في حلب وحماة، نصيبها من الفشل، وخاض مواجهة دامية، مع الأخوان المسلمين.. ورغم أن تلك المواجهة لم تكن طبقية المظهر، لكن البعد الطبقي، والمناطقي، كان أحد جوانبها الذي لم يكن يخفى على أحد من السوريين الذين عاشوا تلك المرحلة.<br><br>في نهاية المطاف، تمكن حافظ من ترويض معظم البورجوازية السورية، سواء في دمشق بدايةً، أو في حلب، لاحقاً.. وحتى عهد بشار، تحوّلت البوجوازية السورية إلى تبعٍ للنظام، إن لم تكن، إحدى أركان قوته.. وقد حمّلها البعض مسؤولية الكارثة التي جُرّت إليها البلاد بعيد العام 2011، حينما عجزت تلك البورجوازية عن اتخاذ موقفٍ شجاعٍ حيال انتهاكات نظام الأسد، في بدايات الثورة.<br><br>لكن التساؤلات لدى المراقبين المتخصصين حينها كانت: "هل ما تزال البورجوازية طبقة، تعي نفسها، في سوريا؟".<br><br>كان الجواب في رأيين متضادين، الأول، أن للبورجوازية نواظم محفلية، ينظم من خلالها أبرز الأثرياء الفاعلين، علاقاتهم، ومصالحهم، فيما بينهم من جانب، وفيما بينهم وبين النظام والجهات الأخرى، من جانب آخر.. وكان البعض يغمز من قناة الدور الكبير الذي لعبه بدر الدين الشلاح، كبير تجار دمشق، مطلع ثمانينات القرن العشرين، حينما استطاع إقناع تجار دمشق بعدم الإضراب اعتراضاً على مجازر حماة الشهيرة.. دورٌ حافَظَ عليه ابنه، راتب الشلاح، وشخصيات أخرى مقربة منه، في لعب دور الوسيط بين الطبقة البورجوازية في دمشق، وبين النظام.<br><br>لكن الرأي الثاني، يقلل من شأن تلك النظرية التي تدعي وجود تنظيم يرتب علاقات الأثرياء في سوريا، فيما بينهم.. ويرى أن الطبقة البورجوازية السورية، وتحت ضربات النظام، الصلبة والناعمة، تحولوا إلى مجرد أفراد، في نوادٍ للعلاقات العامة، يبحث كل منهم عن نجاة مصالحه ومشاريعه، بالصورة التي تناسبه أكثر، بحيث، لم يعد هناك طبقة، تعي نفسها ومصالحها، بكل معنى الكلمة.<br><br>لكن، هل كان هناك، فيما سبق ذلك، طبقة بورجوازية حقاً؟.. هل الصراعات الشرسة التي كانت تندلع بين الدمشقيين والحلبيين، منذ أواخر عشرينات القرن الماضي، للاستفراد بإدارة البلاد، تتيح المجال للقول بأنه كانت هناك طبقة بورجوازية!<br><br>جمال الدمشقي كان يجيب بالإيجاب.. ويرى أن تلك الطبقة، رغم انقساماتها، وصراعاتها، على خلفيات مناطقية ومصلحية، إلا أنهم تمكنوا في وقت من الأوقات، أن يجمعوا شتات أعيان الأقليات، لصالح الوحدة مع سوريا، وأن يقولوا للفرنسي، أن معظم أبناء تلك الأقليات، مع سوريا موحدة، على خلاف ما كانت فرنسا تشيع حينها.<br><br>انحدار جمال من عائلة عريقة، كان العمّ فيها، من الأثرياء المؤثرين، وقبله كان لبعض أجداده، باعٌ في عالم الثراء، في التاريخ الدمشقي.. كان سبباً في ميل جمال لتلك الطبقة، والرغبة في إعادة إحيائها، وربط أواصرها ببعضها، لكن هذه المرة، وفق تصور أكثر نضجاً، على غرار الطبقات البورجوازية في دول الغرب الرأسمالي، القوية.<br><br>تلك البورجوازيات، التي تعلمت كيف تحتجب عن الرؤية، وتدير المشهد في البلاد من وراء الستار، وأن تنظم مسرحاً للعبة السياسية، يستمتع المشاهد الغربي بمتابعته، والاشتراك فيه، فيما هم يديرون المشهد من وراء الستار، باقتدار بالغ.<br><br>لم يكن جمال يرى في ذلك، ما يتطلب الإدانة، على خلاف آراء الكثيرين، الذين يدينون الطبقة البورجوازية، والرأسمالية، ويرون أنها سبب في بلاء الشعوب، إن استحكم في قبضتها زمام الأمور.<br><br>كان جمال يرى أن لكل بلد، لا بد من نخبة تحكمه، وأنه من دون هكذا نخبة، لن تقوم لدولة قائمة، وأن علينا الاختيار بين أنواع من النخب، كان جمال يرى أن النخبة البورجوازية، أفضلها على الإطلاق، لأنها تقبل المساومة، والحلول الوسط، وتتقبل المبدعين من الطبقات الأخرى وتستوعبهم، وتتعامل بمرونة أكبر مع المتغيرات، وتتقبل النقد.. فهي في نهاية المطاف، من منشأ تجاري، وبالتالي، فهي بالفِطرة، تتقبل المساومات والحلول الوسط، بخلاف النخب العسكرية أو الآيدلوجية، التي عادةً ما تكون متصلبة، وتفتقد لروح المساومة التي لا يمكن لهامش سياسي أن ينشأ بدونها.. ودون هامش مريح من السياسة، لا وجود لاستقرار في دولة. فعالم الحكم، هو عالم فن السياسة والمساومات، والحلول الوسط.<br><br>بهذا الاتجاه كانت قناعات جمال.. لكنه لم يكن ينكر، رغم تلك القناعات، ما في هذه الطبقة، البورجوازية، من مثالب، من قبيل، الجُبن، والطمع، وأحياناً كثيرة، اللامبدئية. لكن جمال كان يراهن على قيادة تصهر جهود تلك الطبقة، بما يمنحها ما تريد، ويأخذ منها ما تحتاج.. وكان يراهن على نفسه، أن يكون الممسك بزمام تلك القيادة.<br><br>لذا، عمل جمال لسنوات، جاهداً، لتأسيس شبكة من التحالفات مع رجال أعمال سوريين، ممن بقي لهم نفوذ ومصالح داخل سوريا، وأولئك الذين توزعوا في بلدان اللجوء والمُغترب، ممن أنشأوا مصالح واستثمارات ضخمة لهم هناك.. <br><br>كان جمال يريد صهر قدرات كل أولئك الأثرياء، وفق معادلة مفادها، تثمير مصالحهم في سوريا وخارجها، مقابل، دعمهم له في مشروعه لإعمار سوريا والرفع من شأنها.<br><br>وهكذا، كان مشروع جمال يقوم على أسس، تشكل الطبقة البورجوازية، أحدها، إلى جوار، الإسلاميين والتكنوقراط، والخبراء المبدعين، وأيضاً، العسكريين.<br><br>لذا كان اللقاء الذي يتم الترتيب له، على قدمٍ وساق، في مزرعة جمال الوادعة، في أطراف بلودان، ذلك المصيف الشهير غرب دمشق، كان لقاءً مفصلياً في مساعيه لترتيب الجهود وتنسيقها، استعداداً للمواجهة المرتقبة مع الإسرائيليين.<br><br>***<br><br>كان الطريق الملتوي المزدان بالأشجار الكثيفة، يلتف حول تلة من تلال بلودان، حيث يتربع خلفها، قصر منيف، يمثّل أيقونة أخرى من أيقونات ولع جمال بالعقارات والقصور. <br><br>يطل القصر على وادٍ مزدان بالمزروعات، ويقابل عدة تلال أخرى، وتحيط بالقصر حدائق غنّاء، مزدانة بأبدع المزروعات التي تشتهر بها تلك المنطقة من سوريا.<br><br>لكن سرّ هيبة هذا القصر لم تكن تكمن فقط في حدائقه الغنّاء، بل في قاعة المؤتمرات المهيبة، التي كانت تقع في الدور الثالث تحت الأرض، أسفل القصر، وهي أيقونة أخرى من أيقونات ولع جمال بعالم الأنفاق والغرف المُؤمنة تحت الأرض.<br><br>هناك اجتمعت ثُلّة من كبار رجال الأعمال السوريين، من الصف الأول من أثريائهم، لا يتجاوزون العشرين، يُوصفون بـ "العشرين الكبار" في الشارع السوري.. إذ تسربت على مرّ السنوات التسع الأخيرة أخبار متفرقة عن اجتماعاتهم السرّية في أماكن مختلفة.<br><br>كان هؤلاء العشرين، يشكّل كل منهم أخطبوط أعمال ترتبط به ثُلّة من رجال الأعمال الأقل شأناً، يتبعون له، ويرتبطون به بعلاقات مصلحية عميقة. وكان العشرون بدورهم، يتبعون لـ جمال، ويرتبطون به بعلاقات مصلحية معقّدة. <br><br>باتوا يقرّون بقيادته لهم، منذ العام 2034، حينما اتضح أن نفوذ الرجل المباشر أصبح مستقراً في لبنان وسوريا، وفي طريقه للتغلغل في العراق أيضاً، ناهيك عن نفوذه غير المباشر في العديد من الدول العربية، التي يرتبط مع حكامها ونخبها بصلات تحالف وثيقة، إلى جانب شبكة علاقاته المعقّدة، داخل عشرات الدول الكبرى والثرية، الغربية منها والشرقية.<br><br>خلال السنوات الخمس التالية، للعام 2034، توطدت أواصر علاقات هؤلاء العشرين بـ جمال، وباتت علاقتهم به أكثر منهجية، تسير وفق خطة يضعها بنفسه، ويتيح المجال لمناقشتها وتعديلها، في كل اجتماع سنويّ كان يعقده مع "العشرين".<br><br>أما اجتماع اليوم، فلم يكن ضمن سياق المعتاد للقاءاتهم، فالاجتماع عاجل وملح، الأمر الذي أثار قلق أثرياء ترك الكثير منهم مقرات إقاماتهم خارج سوريا، وسارعوا لحضور الاجتماع بعد أن وصلتهم برقية جمال المُستعجلة.<br><br>وحول مائدة مستديرة، من الزان المزدان بتصاميم أرابيسك، ولوحات زخرفية فضية، اجتمع العشرون وبينهم جمال.<br><br>كحّ في طلب للانتباه، فأنصت الجميع وكفّ بعضهم عن الثرثرات الجانبية.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; قد نكون مقبلين على مواجهة مرتقبة مع إسرائيل، لذا علينا أن نتخذ احتياطات تتعلق بمشاريعنا وأعمالنا المشتركة، وأريد دعمكم، المُتمثل بالأوساط التي لكم نفوذ فيها، داخل البلد، وخارجها.. لأنها مواجهة خطرة، قد تطال مصالحنا جميعاً.<br><br>بدا الذهول على بعضهم، وأصدر الآخر تأوهات، وندت عن ثالث تمتمات تعبر عن هول المفاجأة. قال أحدهم، وهو رجل أعمال بارز، له استثمارات كبيرة في عالم صناعة النفط حول العالم، ويحمل الجنسية البريطانية:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وصلتني معلومات مؤكدة من مصادر على صلة بيهود بريطانيا، أن إسرائيل تنوي تلقين سوريا درساً قاسياً، إن لم تُذعن لطلباتهم.<br><br>علّق جمال: - هذه ليست معلومات، إنها تهديداتهم التي وصلتك، كي توصلها بدورك إلينا، وإليّ بالتحديد.<br><br>صمت جمال برهة، ثم عقّب: - ما رأيك في الأمر؟<br><br>تأمله الثري بريطاني الجنسية نصف دقيقة، قبل أن يقول: - دعنا نسمع خطتك بدايةً، ثم نتناقش.<br><br>فتدخل ثريّ نافذ في الإمارات، ويعتبر أحد شركاء جمال الرئيسيين في مشاريعه السياحية في دبي: - هل وجهوا لك تهديداً مباشراً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل تعتقدهم جادين؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.<br><br>تدخل ثري ثالث، يحمل الجنسية التركية، ويتمتع بصلات مقرّبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل تركيا على علم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لم أتواصل معهم.. <br><br>تدخل ثري رابع، اشتُهر بصناعة الغذائيات في الأردن ومصر ولبنان: - لماذا لا تُباشر بعرض ما حدث، وخطتك لمواجهته، كي نتناقش بشكل مفيد أكثر.<br><br>بالفعل، شرح جمال لهم بعبارات موجزة، كيف أن مساعيه لتمتين جبهة الجولان، وتعزيز القدرات العسكرية للجيش السوري، أزعجت الإسرائيليين، وأنهم يريدون، بصريح العبارة، إيقاف هذه العملية، وتجميد مسار تمتين القدرة العسكرية السورية، أو، ستتعرض سوريا لعدوان عسكري إسرائيلي، من الواضح، مخابراتياً، أنه سيبدأ باستهداف منشأة عسكرية سورية، بذريعة تدريب جهاديين، متطرفين، فيها.<br><br>وأخبرهم جمال أنه اتخذ الاستعدادات العسكرية والأمنية اللازمة لمواجهة عسكرية مع إسرائيل، يعتقد أنها ستكون موجزة، وأن الإسرائيليين سيُفاجئون بالقدرات العسكرية السورية، مما سيضطرهم لوقف العمليات العسكرية في أسرع وقتٍ ممكنٍ.<br><br>قال أحدهم: - هل أنت واثق أن لن يحصل تدخل عسكري أمريكي؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. إن لم يتجاوز الأمر حدود الاقتتال في الجولان..<br><br>قال الثري السوري، المُجنس بريطانياً: - هل تعتزم انتزاع أراضٍ منهم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إن تمكنا، ونظن أن بإمكاننا ذلك، سنستعيد الجولان، ونقف عند حدود بحيرة طبرية.<br><br>زفر أحدهم، والتمعت عينا آخر، وبدا الارتياب في وجوه الكثير منهم. قال الثري المجنس تركياً:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لماذا لم تتواصل مع تركيا؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; سنتواصل معهم مع بدء الحرب.. قبل ذلك، لن يكون هناك أي معنى للتواصل، لأنهم سيسعون لخفض التوتر، ونحن نريد أن تنجر إسرائيل للعمل العسكري، لأنه ضروري لإظهار قدراتنا العسكرية التي لا يدرون عنها شيئاً، وهذا ضروري كي نؤمن سنوات من الردع لهم.<br><br>قال أحدهم بريبة ظاهرة: - هل نملك قدرات عسكرية تؤهلنا لهكذا مواجهة؟<br><br>فأجاب بلهجة جازمة: - نعم.<br><br>فعقّب نفس الثريّ المُرتاب: - أما من وسائل أخرى، لتجنب المواجهة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تقديم التنازلات الآن، سيعوّدهم على ذلك.. مما يعني أنهم في كل مرة سيهددونا، سنضطر لتقديم التنازلات.<br><br>قال الثري السوري البريطاني: - أنت تعرف يا جمال أن تجاربنا العسكرية في المواجهة مع إسرائيل، عبر التاريخ القريب، كانت جميعها، تقريباً، مُفجعة.. فهل أنت واثق من استعدادات الجيش السوري هذه المرة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم، كل الثقة.. هذه المرة مختلفة تماماً.. وأنا أتحمل كل المسؤولية أمامكم، حينما أعلن ثقتي المُطلقة بانتصار عسكري صارخ على الإسرائيليين، يضطرهم، ويضطر حلفائهم الدوليين إلى لفلفة الموضوع بأسرع وقت ممكن، ووضع حد للمواجهة العسكرية عند حدود فلسطين.<br><br>تدخل أحد الأثرياء الذي يملك نشاطات كبيرة في جنوب شرق آسيا: - هل أنت واثق من الجهاديين المنخرطين في صفوف المؤسسة العسكرية؟.. إني أخشاهم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إنهم تحت السيطرة التامة.<br><br>ساد الصمت لبرهة، واستشعر جمال ثقل الوطأة التي حلت على المكان.. تدخل الثري السوري البريطاني: - ما المطلوب منا؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نظن مبدئياً أن المواجهة ستقتصر على البعد العسكري، وستتوقف عند ذلك الحد، في الأمد القريب، لأن الإسرائيليين، وداعميهم الغربيين، سيحتاجون إلى فترة لفهم ما الذي حصل، حالما يتعرضون لنكسة عسكرية.. لكن رغم ذلك، قد نتعرض لضغوط اقتصادية واستثمارية.. أريد دعمكم.. دعمكم ليس لي فقط، بل للبلد، ولمشروعها التنموي، الذي يشمل بطبيعة الحال وجود مؤسسة عسكرية قوية قادرة على ضمان أمن البلد، وبالتالي، أمن استثماراتكم فيه.<br><br>رجل أعمال سوريّ، له استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتمتع بصلات وطيدة مع كيانات يهودية هناك، كان قد بقي صامتاً حتى الآن، قال: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وضّح ما المقصود بالدعم الذي تريده؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كلٌ حسب طبيعة نفوذه، وتموضع هذا النفوذ.. في حالتك مثلاً، قد يكون الدعم محاولة إقناع الشركاء من الأمريكيين، ومن اليهود بينهم، بضرورة وقف المعركة العسكرية سريعاً، وطمأنتهم بأن مشروع جمال الدمشقي في سوريا، لا يتعدى تأمين مؤسسة عسكرية تحمي البلد، كما في حال كل البلدان الأخرى.. تستطيع أن تغمز من قناة خطورة انفلات عقد الجهاديين، المنتظمين في مؤسسة عسكرية منتظمة اليوم، لو ذهبوا بعيداً في الحرب ضدنا، فإن انفراط عقد هذه المؤسسة، يعني انفلات جهاديين بمقدرات عسكرية وتكنولوجية عالية، لا تهديد لهم الآن، إلا إسرائيل، مما يعني خطراً وجودياً على إسرائيل، وبالتالي، فالضمانة هي في سيطرتنا نحن، كمجموعة من الأثرياء المتنفذين، من وراء الستار، على زمام الأمور في البلد، لذا من الأفضل البحث عن سبل للتفاهم والتهدئة معنا.. وتعني "معنا" هنا، هذا الجمع المتواجد في هذه القاعة، ومن بينه، أنا.. على الأمريكيين تحديداً أن يفهموا أن مصالحهم، ومصالح الإسرائيليين أيضاً، تقتضي الحفاظ على الصلات الوطيدة التي نسجناها معهم، لأن البديل عنا، انفلات جهادي في سوريا، يملك كل المقدرات اللازمة لتهديد الأمن الإسرائيلي..<br><br>حدّق فيه الثريّ المقيم في الولايات المتحدة بنظرات متمعنة، وقال: - هل أعددت كالعادة خطة واضحة للعمل، يكون لكل واحدٍ منا دور واضح فيها.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالطبع.<br>-إذاً، لنناقشها.<br><br>***<br><br>استمرت النقاشات يومين متتالين، مع ثلاث فترات استراحة قصيرة في كل يوم. وكانت نقاشات حامية، كانت من أصعب تجارب التفاوض والمساومة التي خاضها جمال في حياته، لكنه تمكن في نهاية المطاف من لمّ شمل "العشرين الكبار" من الأثرياء السوريين، إذ اتفقوا جميعاً على سلسلة إجراءات تستهدف استخدام نفوذهم، كل منهم حسب البلد التي يمتلك علاقات فيها، لتحقيق هدف واحد، وهو ضبط المواجهة العسكرية مع إسرائيل، بحيث لا تخرج عن السياق المرسوم لها، وألا تحصل تداعيات غير مرجوة.<br><br>وغادر الجمع دمشق، في معظمه، وكان معاونو جمال الأمنيين، العاملين كخدم في قصر بلودان، قد دسوا لواقط إشارة وتجسس، داخل أجهزة مختلفة لرجال الأعمال، بعضهم داخل ساعته، وبعضهم الآخر داخل موبايله، وتم الاطمئنان إلى رصد كل مكالماتهم ونشاطاتهم وتحركاتهم عبر فريق متخصص في غرفة عمليات قصر الربوة بدمشق.<br>***<br><br><font>يتبع في الفصل العاشر..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19899</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//d51c07cb377899c4701ff642.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//d51c07cb377899c4701ff642.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19833</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19833</comments>
						<pubDate>Sat, 05 May 2018 20:57:07 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19833</guid>
						<description><![CDATA[كان يتهيب لهذا اللقاء، لكن كان لا بد منه، فبعد أن أتم معظم الترتيبات لمواجهة العدوان الإسرائيلي المُرتقب، كان لا بد من أن يتم أهمها على الإطلاق، في نظره..دخل عليه الم]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>كان يتهيب لهذا اللقاء، لكن كان لا بد منه، فبعد أن أتم معظم الترتيبات لمواجهة العدوان الإسرائيلي المُرتقب، كان لا بد من أن يتم أهمها على الإطلاق، في نظره..<br><br>دخل عليه المكتب، وقد حرص ألا يتأخر عليه.. كان يقبع في زاوية من زوايا مكتب جمال الفخم، وحالما وقع نظره عليه، أبصر علائم التبرم في وجهه..<br><br>إنه الشيخ، أسامة عز الدين، أبرز رموز التيار الجهادي السلفي في سوريا، وصاحب الكلمة المؤثرة للغاية، في نفوس أتباع هذا التيار، الذي رغم انكماشه، إلا أنه ما يزال يحتل مساحة لا يمكن إهمالها، في عالم السياسة والمجتمع، وأيضاً، الأمن، في سوريا..<br><br>لم تكن أهمية الشيخ، تنحصر في تأثيره بمن بقي من أتباع التيار الجهادي السلفي في سوريا، بل تمتد إلى تأثيره على آخرين لا يؤمنون بهذا التيار، لكنهم يكنون للشيخ الكثير من الاحترام والتقدير.. فهو أبرز قادة الحرب الفكرية ضد "داعش"، ومن المجاهدين الأوائل في العراق، ومن ثم سوريا..<br><br>غادر إلى العراق، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، للاشتراك في المقاومة العراقية الوليدة ضد الاحتلال الأمريكي، بعيد العام 2003.. في ذلك الوقت، كانت سلطات نظام الأسد الابن، تيسّر للمتحمسين، للجهاد، الذهاب عبر أراضيها، إلى العراق، إذ كان النظام السوري يخشى من اللحظة التي سيأتي فيها الدور عليه، فأراد استباق الأمر، عبر دعم عمليات المقاومة ضد الأمريكيين في العراق.. ولعب النظام بورقة الجهاديين، ببراعة فائقة حينها..<br><br>أسامة، المتحدر من مدينة حماة السورية، سليل عائلة لطالما خرج منها موالون للتيار الإسلامي، في البداية، لصالح الأخوان المسلمين، ومن ثم، لصالح حزب التحرير، ومن ثم كان الدور على أسامة، الذي انتسب لتنظيم جهادي عراقي، يتبع خطى تنظيم "القاعدة"..<br><br>ورغم أن عقل ونفس أسامة، تشربت بفكر وعقيدة "القاعدة"، إلا أن التجربة الميدانية في العراق، كانت محبطة للغاية.. كانت الاختراقات من الأعداء هائلة، وكانت المخالفات الشرعية للمنتمين للتيار، كبيرة، والأخطر، كان صراع أجنحة، وأجندات فئوية ضيقة، تدور داخل أروقة التنظيم، والتنظيمات المتحالفة معه.. <br><br>أُصيب أسامة باليأس من الساحة الجهادية في العراق، فقد كانت مخيبة جداً. وبدأ يشك جدياً في كونه على الدرب الصحيح، فقرر العودة إلى حياته الطبيعية في سوريا.. أراد هدنة، لمراجعة تجربته السابقة، ومواجهة نفسه.. وقبل أن يستقر حاله في منزل أهله، بحماة، اعتقلته إحدى فروع المخابرات السورية، وعاش شتى صنوف التعذيب، وسيق في نهاية المطاف إلى سجن صيدنايا، حيث تعرّف هناك إلى العديد من قادات التنظيمات الجهادية السورية والعراقية واللبنانية..<br><br>بعيد اندلاع الثورة بأشهر قليلة، عام 2011، أطلق النظام سراح معظم قيادات التيارات الجهادية المُعتقلين في سجن صيدنايا، ومن بينهم، أسامة عز الدين.. وسرعان ما نظّم هؤلاء تنظيمات جهادية جديدة، أو أعادوا إحياء أخرى قديمة.. والتحق أسامة، سريعاً، بعد خروجه، بصفوف مجموعة محسوبة على تنظيم "القاعدة"، من المجاهدين السابقين في العراق، يغلب عليهم العنصر السوري، تكنت لاحقاً باسم "جبهة النصرة"..<br><br>صعدت هذه الجبهة سريعاً، واحتلت مكانةً هامة في الساحة الميدانية السورية على مدى تسع سنوات، لكنها مرت بمنعطفات خطرة، بدأت بالصراع بينها وبين تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي خرج من تحت نفس العباءة، "القاعدة"، لكنه ذهب في تجربة حكم وسياسة مختلفة عن "القاعدة"، إلى أقصاها، واضعاً التنظيمات القريبة منه فكرياً، تحت ضغط هائل، بين الميالين لفكره ضمن صفوف تلك التنظيمات، وبين المناوئين له، في نفس الصفوف.<br><br>*** <br><br>شهدت جبهة النصرة عدة انشقاقات حينما اندلعت اشتباكاتها الشرسة مع تنظيم "الدولة" – "داعش"، قبل أن تخسر كل مواقعها في الشرق والشمال الشرقي من سوريا، لصالح "داعش".<br><br>لاحقاً، مرت الجبهة بمنعطف جديد خطر، تمثل بالضغوط من شركاء لها بالساحة السورية، ومن أطراف إقليمية، داعمة لها في الخفاء، مفادها، ضرورة الانعتاق من وزر الانتماء لتنظيم "القاعدة"، وهو وزر تذرعت به قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، كي يكون تفسيراً لانكفائها عن دعم المعارضة ضد نظام الأسد، ولتكون ذات الذريعة، لاحقاً، تبريراً للتقارب مع الروس في غاية استهداف بعض الفصائل المعارضة السورية، وفي مقدمتها، "النصرة".<br><br>عام 2016، أعلنت الجبهة انفكاكها عن تنظيم "القاعدة"، واتخذت اسماً جديداً لها، "جبهة فتح الشام"، وازداد وزنها في الساحة الميدانية السورية، لتصبح رأس حربة الصراع المسلح ضد نظام الأسد والقوى الداعمة له على الأرض من ميليشيات لبنانية وعراقية.<br><br>لكن، في العام 2017، تعرضت الجبهة لمنعطف خطر آخر، إذ أصبح عزل الجهاديين المحسوبين على "القاعدة"، والقضاء عليهم، غاية رئيسية لقوى دولية، في مقدمتها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد أن انحسر تنظيم "داعش"، وكاد يختفي تماماً. وكان من الواضح أن نيّة القوى الدولية تتجه صوب القضاء النهائي على تنظيم "فتح الشام"، النسخة المعدلة الوليدة في ذلك العام، عن "النُصرة". إذ لم يكن الأمريكيون، أو هكذا أظهروا للعلن، مقتنعين بجدية انفكاك الجبهة عن تنظيم "القاعدة"، الذي يُعتبر عدواً تاريخياً للأمريكيين، منذ أحداث 11 أيلول عام 2001.<br><br>وبعد أن أحكمت "فتح الشام" سيطرتها شبه الكلية على إدلب، شمال غرب سوريا، بدأ مساعي تركيا تزداد، لدفع الحركة نحو الاعتدال، وطرد المتشددين فيها، المتمسكين بنهج "القاعدة"، بغية تجنب حرب شعواء على المنطقة الخاضعة لسيطرتها، والتي تضم ملايين السكان والمهجرين السوريين. <br><br>وكما في كل مرة، عاشت فيها الجبهة (النُصرة) منعطفاً خطيراً، أنذرت الخلافات في أوساطها، بانفكاك عقدها.. وفي النهاية، غلب الميالون للاعتدال، حسب المفهوم الدارج، على الساحة السورية، على أولئك المتمسكين برفض التعاون مع الغرب والقوى الإقليمية بما فيها تركيا، أولئك الذين يعتقدون أن الغرب يكيد لهم.<br><br>وحصلت انشقاقات، لكن ظلت محدودة، من صفوف الجبهة، لصالح "داعش".. لكن لاحقاً، تماسكت الجبهة، بعد أن أعلنت التبرؤ، وإن بصيغة غير مباشرة، من كل فكر "القاعدة"، ومن أي نية لعداء الغرب، أو استهدافه.<br><br>وخضع الرافضون للالتحاق بالإقليم وسياسات دوله الكبرى، للأمر الواقع، وازداد خضوع "النُصرة" للتوجيهات الخارجية.. لكن، وبعد بضع سنوات من التلاعب الأمريكي بالمعارضة السورية، لصالح إطالة أمد الصراع في البلاد، واستمرار نظام الأسد ضعيفاً، لكن دون أن ينهار، واستمرار التورط الروسي والإيراني، والتركي أيضاً، تصاعدت ملامح التمرد في أوساط قيادات وقواعد جبهة "النُصرة".<br><br>في العام 2021، حينما انهارت دمشق، بصورة مفاجئة، في قبضة "داعش"، اجتاح الأخير معظم المناطق التي كانت تخضع لسيطرة النظام في وسط سوريا، وشمالها، ومن ثم يمم وجهه شطر مناطق سيطرة فصائل المعارضة.<br><br>ووجّه زعيم "داعش" المُكنى بـ "الخليفة"، نداءً لجميع المقاتلين في صفوف المعارضة، لإعلان البيعة له، والالتحاق بصفوف "داعش"، كي ينجوا من سيف التنظيم المسلّط على رقابهم.. واجتاح التنظيم الكثير من مناطق سيطرة المعارضة، بمختلف صنوفها، إذ تهاوت الفصائل واحدة تلو الأخرى، فبايع آلاف المقاتلين "الخليفة"، والتحقوا بصفوف "داعش"، بعضهم تحت وطأة الفرحة بسقوط دمشق، وتهاوي نظام الأسد، الأمر الذي أوحى لهم بأن "داعش" يمثّل، حقاً، المسلمين. وبعضهم الآخر، تحت وطأة الاستياء من قيادات فصائله، الذين أصبحوا، إمعة، تتبع توجيهات القوى الإقليمية والدولية، في وقت استمر فيه الاستنزاف في صفوف الحاضنة الشعبية المناوئة للأسد، التي بقيت عشر سنوات تحت نيران كل أسلحته، دون أن يفي الغرب أو الشرق، بوعوده، ويخفف من تلك النيران.. فيما بعضهم الآخر، كان قد تعب، وفقد الدافع الداخلي للقتال، بعد أن ذوت حماسته، وتردت قناعاته، بعد سنوات من القصف والقتل، والصراعات الفئوية والمصلحية بين قيادات الفصائل.. وكان البعض الأخير، يرى أن الأفضل، الانحناء للعاصفة، كي لا تقتلعه من الجذور، بانتظار فرصة مناسبة للتحرك.<br><br>لم تنجو جبهة فتح الشام أو "النُصرة"، من "تسونامي داعش"، الذي اجتاح معظم التراب السوري، وانشق آلاف المقاتلين من صفوفها، لصالح "داعش"، لأسباب مختلفة، وفرّ المئات إلى المنطقة الآمنة التي أنشأتها تركيا شمال حلب، والتي كانت تخضع لغطاء جوي غربي، وفرّ معهم الآلاف من مقاتلي الفصائل المختلفة، فيما انحصر من بقي صامداً في صفوف الجبهة داخل الأراضي السورية، في جزر متفرقة من المناطق في إدلب، في ظروف حصار عصيبة، قبل أن يتهاووا، جزيرة تلو أخرى، تحت وطأة هجمات "داعش" المتتالية.<br><br>***<br><br>خلال تلك التجربة الطويلة، مريرة الخاتمة، كان أسامة عز الدين أحد أبرز قيادات جبهة فتح الشام، الميدانيين، والمؤثرين في سياسات الجبهة. وكان من أشد المنادين بارتداء رداء الاعتدال، وعدم معاداة الغرب، أو على الأقل، الإيحاء له، بعدم العداء إلى حين.<br><br>لذلك، حينما اتضح في نهاية المطاف، أن الغرب أتقن اللعب في الساحة السورية، على حساب كل الفصائل المعارضة، باختلاف توجهاتها وخلفياتها، كان أسامة عز الدين، أحد أولئك الذين كانوا موضع هجوم واتهام، لمسؤوليتهم عن حرف "الجهاد" عن مساره الواجب، في رأي أولئك الذين قالوا من البداية، بأن الغرب يكيد للمجاهدين في سوريا.<br><br>كان أسامة يدافع دائماً، بأن التجربة الميدانية في سوريا، بين عامي 2012 و2017، أكدت، بما لا يدع أي مجال للشك، أن لا مجال لهزيمة نظام الأسد وحلفائه، إلا بدعم من الغرب وحلفائه الإقليميين. ففي كل مرة كانت فصائل المعارضة تتقدم بصورة نوعية ضد النظام، كان وراء التقدم عملية دعم نوعي بالسلاح، وبمعلومات استخباراتية. ورغم أنه في كل مرة، أيضاً، كانت الأطراف الداعمة ذاتها، تُجهض تقدم المعارضة، بصورة تؤكد أنهم يريدون الساحة ساحة استنزاف لكل الأطراف، دون أن يُتاح المجال لأي طرف للانتصار.. إلا أن ذلك، لم يكن لينفي، حقيقة، استحالة الانتصار الميداني في سوريا، دون غطاء غربي، أو في أقل الحدود، انكفاء غربي عن الساحة، بصورة لا تعيق تقدم المعارضة.<br><br>كان أسامة، كأمثاله من الكثير من قادة فصائل المعارضة، يراهن على إقناع الغرب، عبر حلفائه الإقليميين، بأن تحالفه الجدّي مع فصائل المجاهدين، سيحقق مصالحه. <br><br>لكن الغرب كان يؤمن تماماً بأن تلك الفصائل من المعارضة، التي يسود أدمغة قادتها، فكر جهادي إسلامي، ليست موضع ثقة. ويعتقد الكثيرون أن إسرائيل لعبت دوراً حاسماً في منع التحالف بين الغرب والجهاديين في سوريا، من الوصول إلى مطارح جدية.<br><br>فكان أن تابع الغرب التلاعب بكل الأطراف، وإيهام كل طرف بأنه تمكن من إقناع الغرب، وتحديداً، الأمريكيين، فيما كانوا هؤلاء، يراهنون على إطالة أمد الاستنزاف في سوريا، لكل الأطراف، إلى أقصى حدٍ ممكن.<br><br>***<br><br>حينما اجتاحت "داعش" مناطق سيطرة "جبهة فتح الشام"، في خريف العام 2021، كان أسامة عز الدين يقيم في إحدى بلدات محافظة إدلب، القريبة من الحدود التركية، وهناك حُوصر مع ثلة من مقاتلي الجبهة، الذين استبسلوا في القتال، إلى أن بات لديهم خيارات قليلة مرة، أحدها، الفرار عبر الحدود إلى الأراضي التركية.<br><br>تواصل أسامة مع أحد معارفه من المسؤولين الأتراك، الذين كانوا في تلك اللحظة، يحاولون لمّ شتات أكبر قدر ممكن من قادة فصائل المعارضة السورية، كي يكونوا، في وقت ما، ورقة مفيدة لتركيا، في مواجهة السيطرة المفاجئة لـ "داعش"، على معظم التراب السوري.<br><br>وبالفعل، انتقل أسامة، برفقة عدد من صحبه، من قيادات الجبهة، إلى تركيا، حيث نُقلوا إلى الريحانية، ومن ثم، إلى غازي عينتاب، وخارج المدينة، أُسكنوا في مخيمٍ جهزه الأمن التركي خصيصاً لهم.<br><br>شعر أسامة وصحبه، وثلة من قادة مختلف الفصائل المعارضة السورية، الإسلامية، وغير الإسلامية، أنهم باتوا سجناء لدى الأتراك، فيما يدرس هؤلاء، كيفية استغلالهم. لكن لم يكن لدى أسامة وصحبه، بدائل أخرى، وأخبار الانهيارات المتتالية في أوساط مختلف الفصائل في مواجهة "داعش"، تتوالى.<br><br>بعض القيادات كانوا غاضبين جراء إحاطتهم بالكثير من الإجراءات المتحفظة، من الجانب التركي، ومنعهم من حرية الحركة والتجول داخل الأراضي التركية، فيما كان بعضهم في حالة انهيار نفسي، وفكري أيضاً، وبدأ بعضهم الثالث يفكر بالفرار والالتحاق بصفوف "داعش"، على الأقل، يمكن بذلك أن يحافظ على وضعيته القيادية، وعليه فقط، أن يبدّل كفّة ولائه، ويبايع "الخليفة".<br><br>في هذه الأثناء، كان أسامة من القلّة الذين كانوا يفكرون كيف يمكن لهم إنقاذ بلدهم من الطوفان البربري الذي اجتاحها. كان أسامة مقتنعاً أن "داعش" خيار سيء، للإسلام، وللمسلمين، ولبلده سوريا. وكان أسامة يحمّل نفسه، كأحد الجهاديين، مسؤولية الوصول إلى هذا الحد من الفوضى والتطرف والانهيار، على كافة الأصعدة.<br><br>رأى أسامة أن نظام الأسد لعب بورقة الجهاديين، ببراعة، لكن ذات الورقة أحرقته، وأحرقت الجهاديين أنفسهم، الذين تحولوا إلى أمراء حرب، أغرتهم المكاسب، وبعد أن كانوا أفراداً مطاردين، باتوا قادة جيوش، وأصحاب إقطاعيات، وتحت سيطرتهم ميزانيات ضخمة.<br><br>أقرّ أسامة في نفسه، أن لعنة الغنيمة، حلّت على نفوس المجاهدين، فأعمت أبصارهم عن غايتهم الأساسية، وهي رفع الظلم عن الشام وأهلها، وإعلاء كلمة الدين، فتفرقوا شيعاً، كلٌ فرح بما حصّله من مكاسب.<br><br>لم يكن أسامة يعتقد أن جوهر اللعنة التي حلت عليهم، هي تبعيتهم للغرب، فتلك كانت نتيجة، وليست السبب الجوهري، أما السبب الجوهري، فكان تفرقهم ابتغاءً للإمارة والمكاسب، والتذرع بخلافات فقهية باهتة، كستار لحقيقة حبّ السلطة والجاه والمال، الذي أعمى بصائر معظم قادة تلك الفصائل.<br><br>وفيما كان الشباب المتحمس من مقاتلي فصائل المجاهدين في سوريا، حطباً لحرب مستعرة قرابة عقدٍ من الزمان، تحول قادة الفصائل إلى أمراء غير متوجين، على دويلات غير محددة المعالم، وتحولت إقطاعياتهم إلى مكاسب، ألهتهم هموم السيطرة المطلقة عليها، عن غايتهم التي خرجوا من أجلها، للجهاد.<br><br>هكذا كانت قناعات أسامة عشية العام 2022.. وفي ذلك التاريخ، اشتق أسامة لنفسه سبيلاً مختلفاً عن معظم أقرانه، من قادة فصائل المعارضة الفارين إلى تركيا، فقرر أن يتعاون مع الأتراك، في غايتهم، للمواجهة مع "داعش"، وقرر أن يكون إحدى الأدوات الفكرية والدعائية، في تلك الحرب.. فهو ابن التيار الجهادي، ويعلم خبايا نفوس أتباعه، وآليات تفكيرهم.. لكن قبل ذلك، عليه أن يعيد تأهيل نفسه، من الناحية العلمية.. كان أسامة يريد أن يراجع دينه، الذي جاهد قرابة عقدين من الزمن، ظاناً أنه يفعل ذلك، لخدمته.. كان يريد أن يفعل ذلك، بعيداً عن أي مؤثرات لحظية.. يريد الانكفاء للتفقه في الدين، خاصة، ما يتعلق منه بالجهاد، بعيداً عن أي مؤثرات أخرى.. فعرض على المسؤولين الأتراك فكرته، أن يكون أحد الأدوات الفكرية والدعائية في الحرب ضد "داعش"، شريطة أن يتيحوا له الظروف الملائمة للتفقه في الدين، والإعداد الفكري والعقدي، لنفسه، فوافق المسؤولون الأتراك على ذلك، وقدموا له كل الإمكانيات المطلوبة.<br><br>لاحقاً، انكفأت تركيا بشكل شبه كامل، عن مناطق سيطرتها في الشمال السوري، والتي كانت تشمل شمال حلب، وأجزاء من شمال إدلب وريف اللاذقية، اجتاحتها كي تشكل حاجزاً حدودياً آمناً، تبعد من خلاله، "داعش" ونظام الأسد، عن حدودها، فحوّل الدواعش ذلك الشريط إلى مرتع استنزاف مؤلم للجنود الأتراك، بطريقة حرب العصابات، وبالاستعانة بشباب متحمس، انتسب حديثاً لـ "داعش"، وكان يحنق على تركيا باعتبارها شاركت الأمريكيين في لعبة إدارة الأزمة في سوريا، وإطالة أمدها، حسب ظنهم.<br><br>فعقدت تركيا، سراً، اتفاقاً مع قيادة "داعش" على الانسحاب من الشمال السوري، وفتح سبل تجارة السلع والنفط، بشكل غير معلن، مع الدواعش، عبر الحدود، مقابل تأمين "داعش" الحدود مع تركيا، والتعهد بعدم التعدي إلى داخل الأراضي التركية.. وبالفعل، كانت قيادة "داعش" أمينة في تنفيذ تعهدها هذا، إذ أن شريان تجارة النفط، من جانب الأراضي السورية، وتجارة السلع، من جانب الأراضي التركية، كان دعامة أساسية للاقتصاد في عموم الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة".<br><br>لكن أسامة، لم ينكفئ عن مساعيه للنيل من الأساس الفكري والعقائدي للتنظيم، وتابع في أبحاثه المعمقة، بإشراف علماء دين كبار، سوريين، وأتراك. وخلال بضع سنوات، حصل على شهادة علمية في مجال الشريعة الإسلامية، من إحدى الجامعات التركية المتخصصة، وبدأ حملته الإعلامية ضد "داعش"، بدايةً عبر فيديوهات كان ينشرها بشكل شخصي عبر يوتيوب، قبل أن يلقى قبولاً ملحوظاً في أوساط مناوئي التنظيم، ليتلقى تمويلاً من بعض الجهات، لتعزيز حملته الإعلامية.<br><br>واستعاد أسامة، تدريجياً، روابطه مع قيادات من التيار السلفي الجهادي، في مختلف بلدان العالم، وفي داخل سوريا نفسها، في المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم، الذي كان قد رفع القيود عن اتصالات الانترنيت والبث الفضائي، بغية التخفيف عن الناس كي يشعروا بالرضا من إدارته لحياتهم.<br><br>أثّرت دروس أسامة عز الدين، أيما تأثير، على قيادات جهادية سلفية، التحقت بتنظيم "الدولة"، عشية العام 2022، وخلال سنوات، اتضح لها، أن "دولة الخلافة" العتيدة، ليست إلا دولة أخرى، ينخرها الفساد، وتتخللها المحسوبيات، وتسودها الولاءات، بعد أن خبت جذوة الفرح والانبهار بسقوط دمشق وبغداد في قبضة التنظيم.<br><br>***<br><br>في العام 2027، حصل أول لقاء بين أسامة عز الدين، وجمال الدمشقي، في قصر الأخير، باستانبول.<br><br>أول ما ساء أسامة، يوم لقائهما، ذلك الترف الذي يعيشه جمال الدمشقي، في قصر رغيد على ضفاف البوسفور.. كان قد سمع كثيراً عن صعود الرجل، الذي تحول إلى أبرز أثرياء العالم.. وكان قد سمع بمساعيه للتأثير في المشهد السوري.. وسمع كثيراً عن بذخه، خاصة في مجال العقارات، إذ وُصف جمال الدمشقي في إحدى وسائل الإعلام التركية، بأنه "مجنون عقارات"، يسعى لاكتناز أجمل الشقق والفيلات والقصور، في أرقى أحياء مدن العالم.<br><br>يومها، حصلت المواجهة الأولى بين الشيخ الورع، وبين الثري الباذخ، حسب رأي أسامة في جمال.. لكن المواجهة انتهت بتحالف. تحالف أسس لتعاون كبير، على أسس راسخة، بهدف استكمال الحرب ضد "داعش"، لكن هذه المرة، بصورة مكثفة، ومنهجية.<br><br>لم يستطع أسامة أن يمنع نفسه من الإعجاب بشخصية جمال، وذكائه، ومنهجية أفكاره وخطته، التي طرحها على أسامة..<br><br>قال له جمال يومها: "أريد أن تعود سوريا، كما كانت، لكن بعباءة إسلامية، معتدلة.. فهل أنت مستعد لتكون عوناً لي في ذلك؟".<br><br>شكك أسامة داخل نفسه، في نوايا جمال، وظن أن الرجل، ثري، يريد استكمال ثرائه، بجاه حكمٍ لبلدٍ يتحدر منه.. لكن ما المانع من دعمه إن كان سيقبل بالمطلوب لذلك؟<br><br>طلب أسامة منه، يومها، ضمانات، أن يكون للإسلاميين وزنهم المصون داخل دولته المأمولة.. منحه جمال ذلك الوعد.. وخلال سنوات تحالفهم الوثيق، كان أسامة دائم الريبة من جمال، ودائم التوجس من نواياه، لكنه لم يستطع، في أي يوم، أن يجزم بسوء نية جمال، فهو لم يخلف له وعداً، ولم ينكث بعهد..<br><br>***<br><br>أدار أسامة غرفة عمليات متخصصة للحرب الإعلامية والدعائية ضد تنظيم "الدولة" – "داعش"، كانت من مهمات هذه الغرفة، إحياء صلات بقيادات جهادية باتت في صفوف التنظيم، لكن أسامة يراهن على أنهم غير راضين عن مسار سياسته.<br><br>وخلال 3 سنوات، تمكن أسامة من استمالة مئات القادة والمؤثرين في الصفوف الأولى والثانية والثالثة، ومن القواعد، في تركيبة التنظيم المتطرف، وتمكن من تحقيق اختراقات نوعية، دعّمها جمال عبر الاتصال مع أولئك القادة، بشبكة اتصالاته الخاصة السرية، المدعمة بالتكنولوجيا الرائدة التي بات يملكها منذ نهاية العشرينات من القرن الحادي والعشرين.<br><br>بات الاتصال بأولئك القادة آمناً، ويتم عبر شبكة اتصالات خاصة، لم تستطع، حتى تلك اللحظة، أعتى أجهزة المخابرات العالمية، من فك شفرتها.<br><br>وكان جمال يؤسس لاجتياح مُرتقب لمناطق سيطرة تنظيم "الدولة"، يبدأه بجيشه المؤسس في لبنان، وعبر حدودها، باتجاه دمشق، مزوداً باختراقاته النوعية لقيادة التنظيم في دمشق ومحيطها.<br><br>وبذلك تكامل مشروع جمال، بالجوانب التكنولوجية والعسكرية والفكرية العقائدية، فكان تحرير دمشق المفاجئ، والسريع، صيف العام 2031.<br><br>***<br><br>منذ تحرير دمشق، عاد أسامة إليها، وهناك، عقد جمال الدمشقي، مع أسامة عز الدين، وكبار قادة "داعش" المنشقين عنها، لصالحه، اجتماعاً سرّياً في دمشق، وضعوا بموجبه أسس تحالفهم المؤسس لإدارة البلاد.<br><br>ورغم أن كفّة القوة كانت تغلب لصالح جمال الدمشقي، فهو يملك القدرة على التنصت ومراقبة اتصالات جميع القادة والشخصيات المؤثرة في هذا التحالف، كما أنه يملك زمام القيادة في مؤسسة عسكرية أسّسها بتأنٍ في لبنان، عبر سنوات، كما أنه يملك كماً هائلاً من الثروة التي تتيح له أن يكون الممول لعملية إعادة إعمار سوريا، وتأسيس مؤسسات دولتها من جديد، ناهيك عن صلاته مع أطراف إقليمية ودولية، وجدت فيه الشخص الأنسب لقيادة سوريا، بصورة تحفظ مصالحهم، وأمن المنطقة، بما يخدم أمنهم.. رغم كل ذلك.. راهن جمال كثيراً على تحالفه مع الشيخ أسامة، ومئات القادة الفاعلين في التيار الجهادي، باعتبارهم، النواة القادمة لقوة جهادية مسلحة، يجب أن تؤسس بتأنٍ، أيضاً، لتكون مقدمة لتحقيق حلمه الأكبر، في نهاية المطاف، وهو تأمين سوريا ومحيطها، بما يضمن أمن سوريا، وتحرير فلسطين، أو تقزيم إسرائيل، على الأقل، وكذلك، تقزيم النفوذ الإيراني في العالم العربي، وخاصة، في المشرق منه.<br><br>كان طموح جمال أبعد بكثير من مجرد تحرير سوريا، وإعادتها إلى ما كانت عليه، دولة إقليمية ذات شأن. كان يريد تأسيسها على أسس متينة، يكون الدين، أحدها، لذا، كان تحالفه مع الجهاديين، بعد تجربة أولئك الأخيرة، التي علمتهم بما فيه الكفاية، أن حربهم العبثية على الغرب، دون عُدّة متينة، تُؤسس بتأنٍ وعبر سنوات، لن تُفلح في نهاية المطاف.<br><br>تعلم الجهاديون عدة أمور، بعد عقود من التجارب الفاشلة.. عليهم الولاء لقيادة واحدة، وعليهم تأسيس ما استطاعوا من عُدّة عسكرية وعلمية وسياسية واقتصادية، لمواجهة حاسمة مع الغرب، بما يخدم غايتهم النهائية، وهي دفع الغرب للانكفاء عن منطقتهم، وتركهم يصوغون مستقبل بلادهم، بالصورة التي يعتقدونها الأنسب. كما تعلموا أن فرض الشريعة بالطرق القسرية على الناس، يُفضي في نهاية المطاف إلى عكس غايته، وأن الدعوة بالحسنى، وتقديم القدوة المُثلى، هو السبيل لتحقيق غايتهم، بإقناع الناس، بالشريعة، وليس فرضها عليهم بالإكراه.<br><br>لذا، دعم الجهاديون، وفي مقدمتهم، الشيخ أسامة، مشروع جمال الدمشقي، الذي أوضح لهم، جلياً، أن مشروعه بعيد المدى، وأنه لا يراهن على مواجهة قريبة مع الغرب، بل على العكس، يريد تأسيس قوة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وسياسية وأمنية وعسكرية، كبرى، قبل أن يخوض تلك المواجهة.. وأنه يريدهم معه، للتأسيس، لذلك المشوار الطويل.<br><br>ورغم شكوكهم بنواياه، إلا أن أبرز القيادات الجهادية ذات الخبرة، وفي مقدمتها، الشيخ أسامة، لم يكن لديهم بديل أفضل، فتجربتهم الجهادية الأخيرة، كانت الأسوأ، بعد سلسلة تجارب فاشلة في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق. فيما كانت تجربة جمال، تُنبئ، حتى تلك اللحظة، بمؤشرات النجاح.<br><br>كانت مآخذ الجهاديين، وفي مقدمتهم، الشيخ أسامة، على جمال الدمشقي، أن الرجل لا يظهر بمظهر الرجل الورع، الملتزم دينياً، بل يظهر بمظهر الرجل الغربي، بألبسة من أغلى الماركات، وبنمط حياة لا تبدو معالم التدين فيها، والتي عادةً ما ترتبط بالتقشف في أذهان المتدينين.. كان جمال الدمشقي باذخاً، مُترفاً.. وكان الجهاديون يخشون من المترفين.. لكن، لم يكن لديهم، حتى ذلك التاريخ، بديل آخر، فالرجل يملك كل مؤهلات القوة، كما أنهم لا يريدون محاولة الانقلاب عليه، كي لا يكرروا تجربتهم الفاشلة الأخيرة، وينقسموا إلى شيع، وإمارات، ويُذيقوا بعضهم بأس بعض.. حان الوقت للالتزام بقيادة موحدة، "دعنا نجرب هذا الطريق، هذه المرة".. هذا ما استكانت إليه نفوس الجهاديين، في معظمهم، في ذلك التاريخ..<br><br>***<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; علائم التبرم بادية عليك، شيخي..<br><br>قال بتلكؤ: - بذخ مفرط أخي جمال.. بذخ مفرط.. <br><br>ابتسم ابتسامة هادئة، ثم عقّب: - الإسراف يقاس إلى حجم الثروة شيخي، وقياساً بما أنعم الله علي.. ما تراه يعتبر تقتيراً..<br><br>ندت عنه ضحكة، وانفردت أسارير وجهه. شعر الشيخ أسامة أن جمال يمازحه، وكأنه يريد ترطيب الأجواء.<br><br>استطرد جمال: - دعوتك لأمر جلل، كالعادة..<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; خير إن شاء الله..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هناك مؤشرات لمواجهة مرتقبة مع إسرائيل..<br><br>انفردت أسارير وجهه أكثر، وبرقت عيناه البنيتان، وبدا وجهه الستيني، ولحيته الرمادية، أكثر إشراقاً.. لكنه لم يقل شيئاً.<br><br>عقّب جمال: - لكنني أريد أن تكون المواجهة مضبوطة.. وألا تتجاوز ما سنتفق عليه..<br><br>اكفهر وجهه.. قال: - ربما هي فرصتنا لتحقيق حلم أجيال من المسلمين.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أنت مطلع على أوضاعنا شيخي، وتعلم جيداً، كما أعلم، أننا لم نصل بعد إلى الوضع الذي يؤهلنا لتحقيق حلم أجيال من المسلمين.<br><br>أفلتت نفسه المهتاجة من عقالها، وقال بتوتر: - متى إذاً، متى يا جمال؟<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل تذكر كم تطلب تأسيس إسرائيل من الحركة الصهيونية؟، أنت تريد هزيمة قوة تحظى بدعم عالمي غير مسبوق، ربما، في التاريخ كله..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل تريدنا أن ننتظر خمسين سنة..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لو تطلب الأمر ذلك.. نعم، ولما لا.. أليس ذلك أفضل من الخوض في مغامرات غير مدروسة العواقب، تهدم كل ما بنيناه..<br><br>يعلم الشيخ أسامة، أن جمال يؤمن بهذه النظرية فعلاً.. يؤمن بأن إنهاء إسرائيل يتطلب عقوداً من التحضير، وأجيالاً من العمل.. وكما تحولوا هم، أي الصهاينة، من اللاشيء إلى قمة النجاح، في خمسين سنة، قد نحتاج نحن العرب، إلى بضعة عقود، كي نكرر ذات النجاح، بالاتجاه المعاكس.. وكان جمال مستعداً للخوض في ذلك المسار حتى النهاية، حتى لو كان ذلك يعني أنه لن يشهد بنفسه، نهاية إسرائيل.. لكن هذه النظرية كانت تسبب غصّة في حلق الشيخ أسامة.. وكان ردّ جمال، دوماً، مُفحم.. "تجاربكم، كجهاديين، تعبّر عن استعجال سنن الله على الأرض، لذا، جميعها فشلت.. فالعُدّة يجب أن تكون على قدر الغاية، فإن كانت الغاية كبيرة، يجب أن تتطلب العُدّة المزيد من العمل، قبل مباشرة تحقيق الغاية، كي لا نفشل".<br><br>حُجّة دامغة، كانت تخرس الشيخ أسامة في كل نقاشاتهم، لكنها كانت تترك هامشاً متاحاً للريبة، في نفسه، حيال نوايا جمال الدمشقي.. "هل يتلاعب بنا كغيره من الحكام العرب، الذين أرادوا السلطة والجاه فقط، وكانت فلسطين مجرد شعار لخدمة ذلك الهدف فقط.. كيف نستطيع أن نتحقق من نوايا هذا الرجل، وأن يرتاح ضميرنا لدعمه؟".. كان هذا السؤال يقض مضجع الشيخ أسامة.. لم يكن يريد أن يشارك في دفع الأمة إلى منزلق جديد..<br><br>تململ في جلسته.. فبادره جمال: - شيخ أسامة.. أريد أن أسألك سؤالاً تجبني عليه بصراحة مباشرة، ودون لف ودوران.. هل نستطيع اليوم إنهاء إسرائيل بالفعل؟<br><br>يدرك الشيخ أسامة تماماً، ما الذي يرمي إليه جمال من هذا التساؤل، لذا صمت، وأسدل ناظريه، محدقاً في الفراغ لبرهة، ثم رفع عينيه، وواجه بهما جمال، وقال: - بماذا تفكر بالضبط؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; مواجهة موجزة، وبأهداف محدودة، غايتها ردع الإسرائيليين عن أي عدوان علينا، إلى حين إتمام العُدّة المناسبة للمواجهة الكبرى.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وهل سيتركونك وشأنك، إن استشعروا قوتك، إلى أن تستكمل عُدّة مواجهتهم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالتأكيد لا،.. لكن علينا أن نكون مستعدين لردعهم في نواحٍ أخرى، ليس من بينها العدوان العسكري المباشر، على الأقل من جانبهم.. معركتنا معهم طويلة، ونحن الآن نخوض الشوط الأول منها فقط..<br><br>قال الشيخ أسامة بتمهل: - إذاً.. تريد تعبئة دينية، لغايات محدودة.. أنت تعلم خطورة هذا النهج.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم، أعلم.. لكنني أراهن على قدرتك، وباقي المرجعيات الدينية، على ضبط عملية التعبئة بما يخدم الهدف المرجو.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل ستشمل التعبئة المؤسسة العسكرية؟، أم أنك ستتولاها بسبلك الخاصة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بل أريد أن تشمل التعبئة المؤسسة العسكرية أيضاً، فهي أُسست، كما تعلم، على أسس منها التعبئة الدينية والجهادية.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل أنت واثق من أن الأمور لن تفلت من عقالها، وننجر إلى مواجهة كبرى مع إسرائيل ومن يقف خلفها؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أرجح أن لن يحدث ذلك.. لكن، في حال حدث، حينها، ستكون خياراتنا محدودة جداً، وإذا تطلب الأمر الذهاب إلى النهاية في المواجهة، فنحن مستعدين لذلك، لكن هذا لا ينفي أنها مجازفة كبرى، تهدد كل ما أسّسناه، لكنها مجازفة للطرفين على حدٍ سواء، أظن أن اليهود أجبن من أن يُقدموا عليها.<br><br>لم يكن لدى الشيخ أسامة خيار آخر، سوى التسليم بما يريده جمال، والسير خلفه.. "لقد وطنت نفسك على توليه قائداً، وهو لم يخفِ عليك أن مشروعه بعيد الأمد، وأنه لا يعتزم الدخول في مواجهة كبرى، قريبة، مع الغرب.. إذاً، لا بُدّ من السير وراءه"، قال الشيخ أسامة في نفسه.<br><br>استشعر جمال أن الشيخ أسامة في حالة جدلٍ داخلي، فقرر أن يعزّز الجانب الميّال إليه في عقله، قال له: - هكذا مواجهة محدودة مع إسرائيل، ستُفيدنا في تلمس مكامن ضعفنا وقوتنا، في حال المواجهة الشاملة معهم في المستقبل.. هكذا تجربة ضرورية، هي بمثابة مناورة عسكرية تدريبية، لكنها حقيقية، وليست وهمية، ستعلّم قادتنا العسكريين، وجنودنا، كيف يمكن لهم أن يحاربوا الإسرائيليين.. والأهم، أننا سنتعلم، بالتجربة، كيف سيتصرف الغرب في حال الخطر المحدق بإسرائيل، وكيف يمكن لنا أن نتعامل معه، دون أن ننجر إلى مواجهة شاملة تهدد كل ما أسسناه، ونحن ما نزال في الأطوار الأولى من التأسيس.<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل ستنتظرهم كي يبادروا؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. وسيبادروا قريباً جداً.. أعتقد في مطلع حزيران القادم، بعد أقل من ثلاثة أسابيع..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; معلومات استخباراتية، أم تحليل؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; خليط بين الاثنين.. مع شيء من التهديد المباشر، الذي وصلني شخصياً.<br><br>بدا عليه الاهتمام، فانحنى إلى الأمام، وقال: - هددوك؟.. ماذا يريدون بالضبط؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; يريدون منا إجراءات تطمئنهم حول طبيعة استعداداتنا العسكرية قرب الحدود في الجولان.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وبماذا أجبتهم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; رفضت.<br><br>عبارة جمال الأخيرة ألجمت مخاوف الشيخ أسامة من نواياه.. قال أسامة في نفسه: "ما دام الصهاينة غير مطمئنين له، إذاً، فنحن على المسار الصحيح".<br><br>***<br><br><font>يتبع في الفصل التاسع..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19833</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//8cfc42ce93e2c1ef73a94812.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//8cfc42ce93e2c1ef73a94812.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19827</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19827</comments>
						<pubDate>Fri, 04 May 2018 20:21:16 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19827</guid>
						<description><![CDATA[بعد يومٍ حافلٍ باللقاءات والمواعيد والإجراءات.. شعر جمال بدرجة عالية من الضغط، وأحسّ بالإرهاق النفسي، فأوى إلى ناديه الرياضي الخاص، القابع خلف واجهات زجاجية ضخمة دØ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>بعد يومٍ حافلٍ باللقاءات والمواعيد والإجراءات.. شعر جمال بدرجة عالية من الضغط، وأحسّ بالإرهاق النفسي، فأوى إلى ناديه الرياضي الخاص، القابع خلف واجهات زجاجية ضخمة داخل حديقة غنّاء، مزوداً بأحدث الأجهزة الرياضية من أفضل الماركات العالمية، مرفقة بكل مستلزمات التدريب الرياضي وتحصيل الرشاقة وبناء الأجسام، بالتوازي مع قبوٍ ضخم تحت النادي، يضم مركز استرخاء مزوّد بعدة بحيرات جاكوزي، وغرفتين ضخمتين، الأولى ساونا، والأخرى صالة بخار، وقاعة ضخمة للحمام التركي، وغرف للمساج.<br><br>تعرّف جمال على عالم الاسترخاء والمساج في الغردقة، بمصر، فعشق هذا العالم، وأصبح من محبي الاسترخاء فيه، من حين لآخر.. كما أنه دخل عالم النوادي الرياضية الفخمة عبر اشتراكه في فرع الـ GOLDS GYM في الغردقة. ورغم أجور الاشتراك المُرهقة مقارنة بدخله المحدود حينها، إلا أنه وجد في ذلك المنجاة الوحيدة من تدهور صحي متسارع عانى منه بالتزامن مع ازدياد مفرط في الوزن، في ظروف اكتئاب حادة.<br><br>***<br><br>في ربيع العام 2013، وصل جمال برفقة شقيقيه، جهاد وطارق، إلى الغردقة المصرية، على البحر الأحمر. كان رعب إلحاقه بجيش النظام، إلى جانب تورط شقيقه الأصغر طارق في المظاهرات الأولى بدمشق، قد أجبراه على المغادرة.<br><br>في السنوات الثلاث التي سبقت هذا التاريخ، تعرّض جمال لسلسلة ضربات قاسية، على صعيد حياته العائلية، بدأت بوفاة والدته في ربيع العام 2010، وهي لم تتجاوز بعد الـ 50 من عمرها.<br><br>لم تكن علاقة جمال بوالدته عادية، لذا، لم يكن أثر وفاتها عليه، عادياً.. تجلى هذا الأثر في انسداد أفق التخيّل في ذهن جمال.. ببساطة، لم يعد جمال قادراً على التخيّل.. لم يعد قادراً على تخيّل مستقبل ناجح له، كما كان يفعل دائماً، فتزداد همته قوة للإنجاز والفعل..<br><br>أُصيبت سهى، والدة جمال، بإحدى أنواع سرطان الدم، ورغم أن طبيباً متخصصاً، شهيراً، وصف هذا النوع لـ جمال، بأنه من أسلم أنواع السرطان، وأن نسب شفائه التامة، عالية، إلا أن سهى قضت نحبها خلال أشهر فقط من إصابتها بهذا المرض، ووقع جمال ضحية أكبر صدمة يتلقاها في حياته، حتى ذلك الحين.<br><br>قبل أشهر من وفاتها، ظهرت عليها أعراض تباطؤ في الحركة، رغم نشاطها المعتاد، فقررت العائلة بناء على نصيحة خالٍ لهم، اصطحابها إلى طبيب داخلية شهير، أحالها بدوره إلى طبيب متخصص بأمراض الدم، بعد أن شكّ بإصابتها بالسرطان، لكنه لم يعلمهم بشيء.<br><br>أخذ الطبيب المتخصص خزعة من النخاع الشوكي، وحللها، فجزم بالأمر، إنها مصابة بإحدى أنواع سرطان الدم. صارح الطبيب، جمال، وحده، بالحقيقة. كان جمال حينها، متماسكاً، ورغم هول الصدمة، إلا أن ثقل المسؤولية جعله يتصلب.<br><br>لم يُعلم جمال شقيقيه بالأمر، كذلك لم يعلم والده، الذي أظهر لامبالاة مفرطة حيال تدهور صحة زوجته. كان رامز، والد جمال، قد اشتق لنفسه عالماً بعيداً عن عائلته، منذ أن تيقن أنه خسر في حربه الشعواء مع زوجته، لأكثر من عقدين، والتي كانت تدور حول قضية السيطرة على البيت. فـ سهى، أمسكت بزمام أولادها وبيتها بقوة، وأثبتت جدارة في لعب دور الأم، والأب أيضاً، في معظم الأحيان. فيما رامز، غلبته شقوته، فأبعدته عن بيته وأسرته، فكان يعيش فيهما، جسداً، لا روحاً وفكراً، فاكتشف بعد فوات الأوان، أن لا شيء له في هذه العائلة، إلا الاسم، ولم يبذل أي جهدٍ يُذكر لترميم الشروخ المتكررة في علاقته مع أولاده، إذ كانت نزواته تتملك حياته.<br><br>تولى جمال مسؤولية معالجة والدته، سراً، وأخفى عنها حقيقة إصابتها بالمرض الخبيث، لكن سهى كانت على يقين، منذ أن أخذ الطبيب خزعة من نخاعها الشوكي، أنها، ليست على ما يرام، وكانت تساير جمال فقط.. كانت لا تريد أن تُثقل عليه.. كانت تشعر بثقل المسؤولية على كاهله، وفي أسابيع حياتها الأخيرة، كانت سهى تريد فقط، الرحيل بسلام، بأقل خسائر ممكنة لأولادها.. لم تكن تريد أن تتحول إلى عبء على كاهلهم، ولم تكن تريد أن تؤلم أولادها بمرآها مريضة طريحة الفراش، ولا أن تثقل ميزانية العائلة، المحدودة، بتكاليف علاج السرطان، المرهقة عادةً.. كانت سهى تريد أن ترحل فقط، بسلام، وكانت تراهن على أن جمال سيكون عند حسن ظنها.. فهو سيقوم بكل المطلوب، سيرعى شقيقيه، وحتى والده، وسيتماسك.. لن ينهار.. راهنت على ذلك بقوة، وأسلمت أمرها لله.. أقبلت على الصلاة بوتيرة غير معتادة، واعتزلت النقاشات والجدالات الإشكالية المعتادة مع زوجها، واكتفت بمراقبة نجلها، الذي راهنت عليه، يدير الأمور بهدوء وتماسك.. وهي تشعر بطمأنينة غريبة..<br><br>تحسنت صحة سهى، وعاد النشاط الملحوظ إلى حركتها، فظن جمال أن والدته شُفيت بعد أسابيع من العلاج المكثف بأدوية مخصصة.. وفي آخر تحليل لدى الطبيب المختص، أكد الأخير لـ جمال، أن وضع والدته ممتاز، وأنها في طريقها للشفاء الكامل.. لكن مقتل سهى كان في وزنها المفرط، ومع إصابتها بأنفلونزا شديدة، انتشر المرض انتشاراً سريعاً في جسدها، وخلال ثلاثة أيام فقط، انهارت تماماً، وقبل أن يفهم جمال، ما الذي يحدث، توفيت سهى في مستشفى خاص أسعفوها إليه قبل ليلتين.<br><br>كانت الصدمة كبيرة على الجميع، فلم يكن أحد يعلم حقيقة وضعها الصحي، إلا جمال.. فثار رامز، والد جمال، ثورة هائلة.. لم يكن غضبه لوفاة زوجته المفاجئ، فما داخَلَه بعيد وفاتها، كانت وخزة حزن خفيفة، سرعان ما تبددت، لكن مرد غضبه كان يرجع إلى إخفاء الأمر من جانب جمال، عليه، وعلى شقيقيه.<br><br>في ساعاتها الأخيرة، أعلم الممرض جمال أنها تلفظ أنفاسها.. دخل إلى غرفة العناية المركزة، وهناك كانت نظراتها واهية، وتنفسها مضطرباً وعصيباً، أبصرته، فابتسمت بصعوبة، تقدم إليها متهالكاً، وقف ممرض خلفه، وهمس في أذنه، "العلم عند الله، لكن والدتك في لحظاتها الأخيرة، تماسك، وساعدها على تمرير هذه اللحظات بسلام". كان جمال في العشرين من عمره فقط، كان غضاً، لكنه تماسك، تقدم إليها، أمسك بيدها اليمنى، ووضعها بين راحتيه، قال لها بصوت أجش: "تماسكي يا أمي، انطقي بالشهادتين، وتماسكي". ابتسمت، نطقت بالشهادتين بصعوبة شديدة، بعيد لحظات، أُصيبت بنوبة قلبية، أبعده المسعفون، حاولوا جاهدين إنقاذها، لكنها لفظت أنفاسها الأخيرة، وأسلمت النفس لبارئها.<br><br>كان جمال يرقب المشهد بتماسك كبير، تقدم إلى الجثمان، قبّل جبينه، وقبّل يديه، وبعيد ذلك رفع الممرض الملاءة البيضاء، وغطى بها وجه الجثمان، وقبيل أن تُدثر الملاءة وجهها، لمح جمال ابتسامة على الوجه ذي العينين المُغمضتين، ابتسامة طمأنته، وكأنها نسمات باردة هبت على لهيب الألم الذي يعتصره من الداخل.<br><br>غادر الغرفة، وسار بخطوات وئيدة، وحينما وصل إلى مكان تواجد شقيقيه ووالده، كان الأخير يتحدث مع طبيبها الخاص، الذي كان قد أفضى له بكل تفاصيل وضعها الصحي، الذي آل بها إلى الوفاة، لم يكن رامز قد أدرك بعد أن زوجته فارقت الحياة، حدّق في جمال بعينين يتطاير منهما الشرر، والغضب يُعمي بصيرته، وتقدم منه بخطوات متسارعة، وصفعه بشدة، وقبل أن يستوعب جمال الأمر، صفعه مرة أخرى، حدّق جمال في والده المُشتعل غضباً، ضغط بأسنانه، وخلال ثوانٍ، تمكن من ابتلاع موجة غضب هائلة كادت أن تنفجر به، وبما حوله.. ابتعد عن والده، حدّق في شقيقيه الذين كانا في صدمة هائلة، كانا يرقبان ما يحدث وهما في حالة ذهول، كان جهاد في الخامسة عشر من عمره، وطارق في الرابعة عشر فقط، كانا في حالة استلاب كاملة.. وغادر جمال المشفى، قبل أن يقول لهما أن والدتهما فارقت الحياة.. عاد إلى المنزل، دخل غرفته التي يتشاركها مع شقيقيه، وارتمى في سريره، وهناك أطلق عويلاً صارخاً، وأفرغ على وسادته سيولاً من الدموع، واحتضن الوسادة، واعتصرها، وصرخ، صرخ بكل ما أُوتي من قوة، حتى شعر بأوتاره الصوتية تتفتت.. ومن ثم أسلم نفسه للذكرى، فحام وجه والدته في عقله، وأسلم نفسه للنوم..<br><br>في يوم جنازتها، تماسك جمال حين تغسيل جثمان أمه، فيما انهار شقيقاه.. وأثناء الدفن، شعر جمال برغبة عارمة لأن ينزل معها في القبر، ويطلب منهم إغلاقه عليهما، لكنه تماسك.. كان صامتاً، واجماً، يتجنب نظرات والده الحادة، فيما كان الأخير يتنقل من قريبٍ إلى آخر، ليروي له، كيف خذله ابنه، وأخفى عنه حقيقة مرض زوجته، فعجز عن إنقاذها في الوقت المناسب، حسب وصفه.. الوحيد الذي كان يُبدي التعاطف والتفهم حياله، هو عمّه رشاد، كان ينظر إليه بعينين حانيتين، تقدم من شقيقه رامز، وقال له بلهجة صارمة، "كف عن الحديث في هذا الأمر، أمر الله وقد نفذ، التفت لأولادك الآن، وكفّ عن النيل من جمال".. هدأ رامز، فهو يخشى غضبة أخيه دوماً، خاصةً بعد أن بات في الستين، وبات دوره في العمل محدوداً، وغير فعّال، وأصبح أجره الذي يناله من شقيقه، إعانة أكثر منه، أجراً مستحقاً..<br><br>&nbsp;لكن رامز كان يعتقد أنها الفرصة الملائمة لاستعادة البيت، بعد رحيل المرأة التي أحالت حياته إلى جحيم، حسبما كان يعتقد.. "لقد سيطرت على أولادي واستلبتهم مني"، قال في نفسه.. لم يكن يراهن على استمالة جمال، بل على العكس، كان يريد عزله، فهو ابن أمه.. كان رامز يراهن على استمالة ابنيه جهاد وطارق، خاصة الأخير، الذي كان قد حاول مراراً اكتسابه إلى صفه، عبر تدليعه، باعتباره أصغر أولاده، وكانت سهى دوماً له بالمرصاد، في هذا الشأن، كانت تحذره من التمييز بين الأولاد، لكنه لم يكن يستمع، فكانت تجد سبلاً أخرى لجذب طارق إليها، إذ لم يكن رامز يملك الوقت الكافي لاستملاكه، وكانت شقاواته تحول بينه وبين اقتناص الفرص الكافية لكسب وجدان طارق، لصالحه.<br><br>بعد ولادة جمال ببضع سنوات، تملكت الرتابة حياة رامز مع زوجته سهى، وسرعان ما رجع إلى عالم الحرام، وأعاد إحياء علاقاته النسائية المشبوهة، وعاد إلى السُكر، ولعب القمار.. فتوقدت نيران الخلافات مع سهى مرة أخرى، بعد أن كانت قد خبت.. ولأن سهى استعانت بشقيق رامز الأكبر، رشاد، ضده، زادت نقمة رامز حيالها، فتحولت حياتهما إلى جحيم.. ولأنه لم يعد يجرؤ على انتهاج العنف حيالها، اعتمد الهجر، فتهاوت علاقتهما.. وبحكم انشغاله الدائم خارج البيت، شعر رامز بغربة تفصله عن جمال، الذي لم يكن يقضي معه إلا أوقاتاً نادرة في صغره.. فتملكت رامز قناعة بأن جمال بات من نصيب أمه، وأنها غلبته فيه.<br><br>ولم تفلح محاولات رشاد في الضغط على شقيقه للإقلاع عن سلوكياته المُنفّرة.. وبعد أن تدهورت علاقة سلمى بزوجها كثيراً، حصلت الأولى على نصيحة من إحدى صديقاتها، بأن تنجب المزيد من الأولاد، قالت لها، "أثقلي عليه بالمزيد من الأولاد، والأعباء، كي لا يجد لا الوقت، ولا المال، لإشباع نزواته"، وبالفعل، أزالت سهى، مرة جديدة، مانع الحمل لديها، وحملت بجهاد، وبعد أقل من سنة من ميلاده، حملت بطارق. ورغم أن الأعباء المالية زادت على كاهل رامز، إلا أن ذلك انعكس سلباً على علاقته بـ سلمى، فمع صعوبة إشباع رغباته، بات رامز أكثر عصبية ونزقاً، وأصبح يضرب جمال، تحديداً، لأتفه الأمور، وكانت سهى تتدخل وتحميه، كلما اضطرها الأمر، وتنذر زوجها بمواجهة عنيفة معه، فيرتدع.. وفي نهاية المطاف، وبعد أن ضاقت سبل إشباع الرغبات بـ رامز، أصبح يجلب النسوة إلى منزله، كلما كانت سهى تقضي ليلةً مع أولادها، لدى أهلها، في إحدى اللقاءات العائلية التي كانوا يعقدونها.<br><br>الجيران أخطروا سهى بذلك، وفي إحدى الليالي التي كان من المفترض فيها أن تبيت مع الأولاد عند أهلها، عادت إلى المنزل مبكراً، وحدها، لتضبط زوجها في سريرها مع امرأة.. وعلا صوتها، ولمت الجيران عليه، وتسببت بفضيحة كبرى له.. وكانت تلك الحادثة، القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقتهما.. باتا منفصلين عملياً، كان رامز لا يبيت في البيت إلا كل بضعة أيام فقط، ولا تدري سهى، أين يقضي لياليه، ولا تسأله، فقد يأست منه.. وامتنعت سهى عنه، قالت له، "لا أريد أن تتسبب لي بعدوى ما من إحدى اتصالاتك الجنسية المشبوهة"، فانهارت آخر الروابط التي كانت تربط بينهما.. وقضى رامز وسهى 14 سنة تالية، حتى وفاة سهى، دون أي اتصال جنسي، وفي علاقة أسرية واهية للغاية..<br><br>يوم وفاتها، وبعيد استيعاب الأمر، بدأ رامز يفكر، وهو الستيني الذي لاحت الأمراض في جسده، أنها اللحظة المناسبة لاستعادة أسرته.. ولأول مرة في حياته، يبذل جهداً حقيقياً لاستمالة ولديه، جهاد وطارق، خاصة الأصغر بينهما، فيما حاول جاهداً عزل جمال، وتذكير شقيقيه دوماً بأن كبيرهما، أخفى عنهما حقيقة مرض أمهما، وأنه تسبب، عبر ذلك، بتدهور وضعها الصحي..<br><br>كان رامز يهمس لولديه، جهاد وطارق، دوماً، أن جمال المسؤول غير المباشر عن وفاة أمهما، ولو كان أخبره بمرض سهى، لكان انتهج الأسلوب الأنسب لعلاجها، ولربما كانت نجت من هذا المرض، خاصة أن فرص علاجها كانت عالية..<br><br>بطبيعة الحال، لم يُعر رامز أي أهمية لكلام الطبيب المختص الذي عالج سهى، والذي أعلمه أنه طلب من جمال عدم إخبار الكثير من الناس بمرض سهى، وتحديداً ولديها الآخرين، كي لا يصل الأمر إليها، ويؤثر عليها ذلك سلباً.. قال له الطبيب يوم وفاة سهى في المشفى: "طلبت من ابنها الأكبر أن يحاول عدم إعلامها بحقيقة أمرها، فالشفاء في ثلثيه يستند إلى العامل النفسي، ومن الأفضل، ألا يعلم المريض بحقيقة مرضه، في الكثير من الأحيان".<br><br>الطبيب أكد يومها، لـ رامز، أن جمال أشرف على علاجها بنجاح، وساعدها على تلقي جرعات الدواء، بكفاءة، وأن التحاليل الأخيرة كانت قد أظهرت أن المرض تراجع في جسمها، لكن وزنها المفرط، ومشكلات أخرى لديها، من بينها مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، جعلت مقاومة الجسم باهتة، ومع إصابتها بأنفلونزا شديدة، لم يقاوم الجسم، وعاود المرض الانتشار بسرعة..<br><br>لم يقتنع رامز بتبرير الطبيب، وكان يلقي، فعلاً، الحق على ولده، إذ أخفى عليه حقيقة مرض سهى. كان رامز مقتنعاً أن جمال أخطأ، لكن ذلك لم يكن يعنيه من ناحية ما كان يمكن عمله لإنقاذ زوجته، بقدر ما كان يعنيه كذريعة للتفريق بينه وبين شقيقيه، بما يخدم غايته باستعادة الأسرة، حسب تقديره.<br><br>وبالفعل، اتخذ الشقيقان موقفاً سلبياً من شقيقهما الأكبر، خاصة طارق، وكانا يعاملانه بجفاء، الأمر الذي زاد من تداعيات وفاة سهى على جمال، إذ بات الأخير معزولاً في بيته، فشعر وكأنه خسر كل أسرته، بوفاة أمه.. لكنه، لم يداعبه، في تلك الفترة، الشك، في أنه تصرف كما يجب.. كان مقتنعاً أنه فعل ما يجب فعله.. جمال كان يؤمن بأن والده لم يكن ليقوم بالكثير لمساعدة سهى، وكان يخشى أن يتصرف من وحي لامبالاته المعتادة، فيُشعر سهى أنها مريضة، وأنها على شفير الموت.. كان جمال يخشى من والده، لم يكن يعتقد أن والده سيتقصد ذلك، بقدر ما كان مقتنعاً بأنه لن يتصرف بالمسؤولية المُنتظرة منه، فكان أن قرر عزل والده عن الأمر، وعزل شقيقيه أيضاً.<br><br>بعد بضعة أشهر من وفاة سهى، كان رامز في أوج عنفوانه، وكأنه عاد شاباً، خاصةً أنه أحكم السيطرة على المنزل، فأحسن التقرّب من ابنيه جهاد وطارق، وتمكن من عزل جمال عنهما.. لكن، سرعان ما غلبته أنانيته، وصعق الجميع، وتحديداً ولديه، جهاد وطارق، بقراره الزواج، مرة أخرى.. الوحيد الذي لم يُفاجئ، هو جمال..<br><br>في بداية الأمر، استاء رشاد من قرار شقيقه رامز بالزواج، ولم يمض على وفاة زوجته بضعة أشهر، وهو يناهز الحادية والستين.. لكنه لاحقاً، تقبّل ذلك القرار، بعد أن أقنعه رامز بحاجته للزواج، وأنه ما يزال بكامل قدراته الجنسية، والعاطفية، وهو بحاجة لتعويض ما فاته في سنوات من الخصام مع زوجته الراحلة.. فأعانه رشاد على الزواج.. وتزوج رامز أرملة أربعينية لا أولاد لديها، وجلبها إلى البيت.. فثار ولداه، جهاد وطارق، وكانت ثورة الأخير هائلة، كونه كان الأقرب إلى والده، لكن ردّة فعل رامز كانت هوجاء، فتعدى عليهما بالضرب، وطردهما من المنزل، فغادر جمال معهما، وقضوا ليلتهم في منزل خالهم..<br><br>في اليوم التالي، تمكن جمال من إقناع عمّه رشاد، الذي تدخل لحل الإشكال، أن إقامتهم معاً، بوجود زوجة الأب الجديدة، مستحيلة، وطلب منه عوناً مالياً مؤقتاً، يستأجرون معه منزلاً قريباً، على أن يعمل جمال لتأمين احتياجاتهم، فقَبِل رشاد، وساعدهم بالفعل للاستقلال عن والدهم، إذ استشعر أن ذلك مطلب رامز أيضاً.. فالأخير، هائم في حياته الزوجية الجديدة، ولم تظهر عليه أية علائم مسؤولية حيال أولاده الثلاثة.. وبذلك، استعاد جمال زمام المبادرة، وتحول بالنسبة لشقيقيه، الأخ الأكبر، والأب، والأمّ أيضاً..<br><br>وفي خريف العام 2010، بعد ستة أشهر من رحيل أمهم، تولى جمال إدارة حياة شقيقيه، وسلّم الاثنان قيادتهما له، بتوجيهات لحوحة من العمّ، فيما غاب رامز تماماً عن المشهد.. والتحق جمال بالجامعة، ليقضي سنته الأخيرة في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، وكان قد تخصص في قسم المحاسبة، فيما كان جهاد الذي يصغره بخمس سنوات، يقضي سنته الثانية في صف التاسع، بعد أن رسب قبل أشهر، إذ صادف امتحان الشهادة الإعدادية، بعد بضعة أسابيع فقط من وفاة والدته، فلم يفطن أحد إليه، ولم يفطن هو لنفسه أيضاً.. أما طارق، فبات في الصف التاسع، مع شقيقه جهاد.<br><br>وخلال الأشهر التالية، تولى جمال مسؤولية عائلة بحقّ.. كان يحضر المحاضرات في الكلية صباحاً، ويلتحق بإحدى مصانع عمه، بعد الظهر، ويرجع مساءاً إلى المنزل ليتابع دراسة شقيقيه.. وكان عمه يعطيه أجراً شهرياً زهيداً، إلى حدٍ ما، كعادته بالضغط على الشباب صغير السن، كي يقوى عودهم، حسب تقديراته.. وهكذا عاش الأشقاء الثلاثة في تقتيرٍ..<br><br>في البداية كانت الأمور شبه ممتازة، فـ جهاد وطارق أطاعا شقيقهما الأكبر، بشكل كامل تقريباً.. كانت مشاعر التضامن تربطهم في مواجهة شعورهم بفقدان الأسرة، والأبوين، فالأم ماتت، والأب تخلى عنهم فعلياً..<br><br>لم يزر رامز أولاده الثلاثة أبداً.. وهم أيضاً، لم يبادروا نحوه.. كان رامز على قناعة بأن أولاده "عقّوه"، وكانوا من جانبهم، يعتقدون أن والدهم غير مسؤول، فضّل إشباع نزواته على حاجات أولاده ورعايتهم..<br><br>لكن، مع مرور الأشهر، بدأت حالات تمرد في البيت الذي يديره جمال، تظهر بجلاء، خاصةً من جانب أصغرهم، طارق.. وكانت حالة الشح التي يعيشونها، والتي لم يكونوا معتادين عليها، سبباً في توتر العلاقات بينهم.. وبعد ثلاثة أشهر، صارح طارق شقيقيه برغبته في العودة للحياة في ظل والده، كان طارق يعتقد أنه أخطأ حينما ثار دون أي حسابات، على والده، فخسر الحياة في ظل والدٍ لطالما خصّه بعطفه، كما خسر حياة معيشية أفضل، كان يعيشها في بيت والده.. وبالفعل، غادر طارق شقيقيه، والتحق بوالده، الذي رحب به، أيما ترحيب، فيما استاءت زوجة أبيه، لكنها كابرت، وبعد عدة شجارات عنيفة بينها وبين رامز، بسبب معاملتها الجافة لـ طارق، قررت زوجة الأب أن تراعي خصوصية هذا الولد لدى أبيه، فهي لا تريد أن تخسر حياتها الجديدة، بعد سنوات من العيش في بيوت أشقائها، وتحت رحمة زوجاتهم..<br><br>وبقي جهاد تحت ظل جمال، والتصق به أكثر.. كان جهاد دوماً أقرب لـ جمال، ولأمهما، فيما كان طارق نهشاً لمحاولات الأب جذبه، في حربه الشعواء السابقة مع الأم.. لذا كان طارق ميالاً لوالده في كثير من الأحيان، إلا أنه لم يكن يلقى منه الاهتمام الكافي، فكان سرعان ما يرتد إلى صفوف أمه وشقيقيه.. أما اليوم، كان المشهد مختلفاً، فـ رامز يُولي طارق عطفاً وعناية غير مسبوقين، كان يريد استرجاع أولاده، لكن دون أن يقدم أي تنازلات، لذا كان يريد عبر عنايته بـ طارق، أن يرسل للآخرين رسالة مفادها، الأبواب مفتوحة لكما كي تعودا.. لكنهما لم يفعلا، حينها..<br><br>***<br><br>في ربيع 2011، اندلعت المظاهرات الأولى للثورة السورية، والتحق طارق بصفوف المتظاهرين، فيما حال جمال، بين جهاد، وبين التورط في أي نشاط تظاهري.. كان جمال ميالاً للثورة، ومتعاطفاً معها، لكنه كان يخشى من تداعياتها، وكان يخشى أكثر، من تجربة الاعتقال والاختفاء القسري، خاصة بالنسبة لشقيقيه.. وحاول أكثر من مرة إثناء طارق عن التورط في التظاهرات، لكن الأخير لم يكن يُنصت له، ولم يكن الأب يُبدي اعتراضاً جاداً على نشاطات طارق، ومن وحي لامبالاته المعتادة، كان رامز يتفاخر باشتراك طارق في التظاهرات، أمام كل أصدقائه ومعارفه، وكانت خشية جمال تتفاقم، ونقل هذه الخشية إلى العمّ رشاد، الذي شدد على رامز أن يمنع طارق من أي نشاطات ثورية، وحاول رامز، حينها، بالفعل، إثناء طارق عن أي نشاط، لكن الأخير، الذي كان في الخامسة عشرة&nbsp; من عمره، يلتهب نشاطاً وحماسةً، لم يكن يجد الردع الكافي بالفعل، إذ لم يكن رامز يتابع تحركاته بجدية، ولم تكن زوجة الأب تفعل أيضاً، ومع حالة اللامبالاة التي كانت سائدة في البيت، كان طارق يتورط أكثر فأكثر في نشاطات ثورية خطرة، دون أن يعلم أحد، هذه المرة..<br><br>في تلك الأيام، كانت قناعتان متناقضتان تنهشان وجدان جمال، تأييد الثورة، والخشية من عدم الاستقرار.. لم يكن جمال يُكن أي تقدير لنظام الأسد، فهو في نظره، نظام فاسد، متسلط، لا يؤهل البلاد لأي مستقبل واعد.. لكنه في الوقت ذاته، كان يخشى من تداعيات الثورة، وردود فعل النظام العنيفة، وعدم الاستقرار المُحتمل.. فأقعدته القناعتان المتناقضتان عن الفعل، فيما انجرف شقيقه، جهاد، إلى نشاطات ثورية "فيسبوكية"، وكان طارق الوحيد بينهم، الناشط، ميدانياً..<br><br>في لقاء عائلي، تمكن رشاد من جمع شتات العائلة، حيث التقى جمال وجهاد بوالدهما.. قبّلا يده، وطلبا منه الغفران، لكن المشهد كان تمثيلياً، فـ جمال وجهاد لم يعودا إلى منزل أبيهما، والأب لم يقم بأي فعل لاستمالتهما.. في ذلك اللقاء، صبّ رشاد، العمّ الثريّ، وكبير العائلة، جام غضبه على المتظاهرين.. ووصفهم بـ "الدهماء".. وقال: "يريدون أن يخربوا البلد.. ألا يعلمون ما يمكن أن يحدث إن سرنا في هذا الاتجاه؟".. يومها، نقم جمال على عمّه، لكنه لم يُعلّق، إذ تولى طارق النقاش، وانطلق يدافع عن الثورة والثوار، بحماس مُتقد، وسانده جهاد لاحقاً، إلى أن نهرهما رامز بنظرة زاجرة..<br><br>يومها، استاء جمال من عمّه كثيراً، وقال في نفسه: "ألأنه ثري، ومتنفذ".. كان جمال يعتقد أن موقف عمّه من الثورة مرتبط بمصالحه، فهو على علاقة مميزة مع رموز في النظام الحالي، وله تحالفات عدة مع شخصيات نافذة.. فكيف سيؤيد الحراك الثوري، الذي يهدد هرماً من العلاقات، بناه بتؤدة خلال عقود؟!<br><br>لكن جمال، في جلسات نقاش داخلي، عديدة، في نفسه، تساءل: "ما الفرق بينك وبين عمك؟، هو يخشى على مصالحه، وأنت تخشى على نفسك، كلاكما، جبان". وبقي جمال في حالة من التجاذب النفسي حيال الثورة، دون أي حراك.. بقي جامداً، حتى أنه لم يستطع حسم موقفٍ، ولو كلامي، حيالها.. بقي بين ناريّ، التعاطف والتأييد الوجداني، والخشية العقلانية.<br><br>في مرة من المرات، وفي نقاش مع صديق مقرّب له، زميل في الكلية، قال له: "الثورة أول حدث في حياتي، أختلف حياله مع نفسي، فعقلي يقول لي أمراً، وقلبي يقول لي آخر". فأجابه زميله: "العقل يتحسب على الجسد، فيما القلب تقوده الفطرة، وأحياناً، الغرائز".. أجابه: "تقصد أن الحكم العقلاني في هذه المسألة، حكم جبان"، قال له: "دون شك.. لكن في بعض الأحيان، يكون حكم القلب متهوراً".<br><br>بعد أشهر قليلة، التحق زميله ذاك، بالحراك الثوري، واستشهد في إحدى المظاهرات في أطراف دمشق.. كان حدثاً مؤثراً في جمال، هزّ كيانه، وبدأ يسأل نفسه بجدية، هل هو جبان، أم عقلاني؟<br><br>حالة الجدل النفسي الداخلي، حيال الثورة، وعدم قدرة جمال على حسمه، استعرت أكثر مع مواقف علماء دين، لطالما كان لهم تأثير كبير في تكوين قناعات جمال، الإيمانية، وأبرزهم، محمد سعيد رمضان البوطي، العلامة السوري الشهير، الذي اتخذ موقفاً مناوئاً للثورة من منطلق فقهي كلاسيكي، يعتبر الخروج على الحاكم فتنة، مخاطرها أكبر من إيجابياتها.<br><br>لم يكن تأثير البوطي عادياً في شخص جمال، وكان لكتابه "كبرى اليقينيات الكونية: وجود الخالق، ووظيفة المخلوق"، التأثير الحاسم في ترجيح وجود الله في قناعات جمال، بعد رحلة فكرية ووجدانية عويصة، خاضها جمال في هذا المجال، خلال أكثر من سنتين.<br><br>لكن التبرير الذي قدّمه البوطي، لتفسير موقفه المناوئ للثورة، لم يكن مقنعاً بالشكل الكافي لـ جمال، رغم أنه مُؤيّد بأحاديث نبوية، وفي الوقت نفسه، كانت تبريرات البوطي بهذا الصدد كفيلة في تعزيز حيرة جمال حيال الثورة، فكانت حصيلة الشدّ والجذب بين التأييد والخشية، صفراً، أقعد جمال، في ذلك الحين، عن أي فعلٍ حيال واحدٍ من أكبر التحولات التاريخية التي شهدها بلده، في التاريخ الحديث.<br><br>***<br><br>في ربيع العام 2012، ظهرت أعراض التليّف الكبدي على رامز، والد جمال، وتطور التليّف سريعاً، في غضون أسابيع، ليتحول إلى حالة، فشل كبدي.<br><br>بدأت الأعراض خفيفة، وتسارعت، بدءاً بارتشاح السوائل بالقدمين والتجويف البطني، مروراً بالإرهاق العام وفقدان الشهية وآلام البطن، ومن ثم، الضعف العام وتراكم الماء في الأرجل والبطن، وتلون الجلد، والحكة وفقدان التركيز، انتهاءاً برعشة في اليدين، وتدهور درجة الوعي، وأخيراً، قيء دموي وأعراض أخرى.<br><br>تكاتفت الأمراض في جسد رامز، فأقعدته طريح الفراش، وكانت زوجته الجديدة، التي لم تمضِ سنة على اقترانها به، أول من تخلى عنه سريعاً، بذريعة عصبيته الفائقة، وعجزها عن التفاهم معه، ليلتحق بها طارق، سريعاً أيضاً.. فأكثر من التذمر وإدعاء العجز عن الرعاية بوالده نظراً لصغر سنه، مطالباً شقيقيه، جهاد، وجمال، بأداء واجبهما حيال والدهما، لكن جهاد تحديداً، قال بلهجة جازمة، "لن أخدمه بعد أن تخلى عني، وأترعني وأمي لسنوات، كؤوس البؤس والظلم".. وحينما طالبهم عمّهم رشاد برعاية والدهم، مقابل أن يتولى الجانب المالي من علاجه، لم يجد مستجيباً له، إلا جمال.<br><br>عاد جمال إلى بيت العائلة الصغير في ركن الدين، بعد أن فرِغ من الجميع، إلا هو ووالده، وكان الأخير قد تدهورت حاله، فبات عاجزاً عن الحركة تماماً، وظهرت عليه أعراض الخرف النسبية.<br><br>أقبل جمال على الصلاة، التي عادةً ما يكون التزامه بها متقطعاً، واستغل عطلة الصيف، بعد أن أنهى فصله الدراسي الأخير في الجامعة، وقرر التفرغ لرعاية والده، محدثاً نفسه، "علّها تكون الفرصة التي أنتظرها منذ زمن، كي أعالج نقطة ضعف مؤلمة لدي، شعوري أنني عاق لوالدي، هذه هي فرصتي، أمام الله، ومن ثم نفسي".<br><br>كان جمال يبحث دوماً عن مدخلٍ لإصلاح علاقته بوالده، وكان يخشى من المستقبل، ويريد أن يعيشه، متصالحاً مع نفسه.. لكن رامز لم يكن يترك له أي فرصة مناسبة لذلك، ولم يكن جمال يجد القدرة النفسية الكافية لكسر الحاجز المتراكم لسنوات، بينه وبين والده.<br><br>في لحظات صفاء ذهني، وعزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، بدأت جمال يراجع الكثير من قناعاته، والترسبات القابعة في نفسه، ويخضعها للمحاكمة العقلية. كان تفرغه للعناية بوالده، فرصة مناسبة لفعل ذلك.<br><br>أول القناعات التي أعاد جمال مراجعتها، هو التساؤل حول مدى صوابية ما قام به، حين أصيبت والدته بالسرطان.. هل كان مُحقاً حينما أخفى حقيقة مرضها عن والده تحديداً؟، هل أضاع فرصة على والده كي يتصالح مع نفسه، على صعيد علاقته بزوجته، عبر العناية بها في آخر أيامها؟، لماذا لم يُعطِ الفرصة لوالده علّ الشرخ بينهما ضاق حينها؟.. تساؤلات مؤلمة دارت في ذهن جمال..<br><br>وأخرى، تناولت قناعات أقدم.. هل يتحمل والده كامل المسؤولية، وحده، عن تردي العلاقة الأسرية بينهم، داخل البيت؟.. هل تتحمل والدته جزءاً من المسؤولية؟.. هل أعطت والدته الفرص الكافية لوالده؟.. هل بذلت الجهد الكافي لردم الهوة بينهم، أم اكتفت بتحصين أولادها وعزلهم عن أبيهم، في مسعى للانتصار أكثر منه للإصلاح؟.. تساؤلات كانت أكثر إيلاماً..<br><br>لم يداعب الشك مخيلة جمال، حيال مسؤولية والده الكبيرة، عن تردي علاقته بهم، وبأمهم، خلال سنوات.. لكن الجديد كان التساؤل عن مسؤولية الآخرين، أمه، وهو نفسه، وشقيقيه، حيال مأساة هذه الأسرة..<br><br>خلال ثلاثة أشهر من التدهور المتواصل في صحة والده، الذي كانت تتخلله صحوات محدودة للأب، كان جمال يكابد حرباً مع نفسه، كي يجبرها على تقبّل خدمة رجلٍ لطالما كان الجانب المُظلم في حياته، حسب تخيله..<br><br>وتحولت غرفة نوم الأب، إلى غرفة أشبه بالعناية المركزة في مشفى، تحوي كل الأجهزة والأدوات اللازمة لعلاج الأب، وكان الأطباء والممرضون يراجعون حالته الصحية بصورة يومية، مرتين على الأقل.. تكفل العمّ رشاد بكل التكاليف المادية، لكنه رفض نقل شقيقه الأصغر إلى مشفى خاص، كان يصرّ على أن يرعاه أولاده، في لحظاته الأخيرة، في امتداد لقناعة سائدة في العائلة، مفادها، حاجة المريض في أيامه الأخيرة، لالتفاف العائلة حوله.. كان رشاد يقول لكل من يناقشه في ذلك، "ما دام كل ما يتطلبه الأمر في المشفى، متوافر لديه، لا داعي لأن يرعاه الغرباء، يجب أن يرعاه أولاده تحديداً".. لكن لم يستجب لإصرار رشاد هذا، إلا جمال، وحده، الأمر الذي أثار سخط رشاد، بداية الأمر، على جهاد وطارق، لكنه لاحقاً، تقبّل الأمر من منطلق صغر سنهما.. وزاد ذلك من تقدير رشاد القديم لـ جمال، فيما كان الأخير يراهن على إضاءة الجانب الأكثر ظلمة في حياته، كي تقضي نفسه، سنواتها القادمة، بعيداً عن الصراع..<br><br>كانت نفسُ جمال تتمرد في أحيان كثيرة، وتُسيّرها نزعاتها الناقمة على الوالد، فيصرخ فيه غاضباً، في مرات، ومن ثم يعيد كبح جماح نفسه، فيرجع إليه ويعتذر، ويحاول تطييب خاطره.. لم يكن رامز واعياً دوماً لما يقوم به ولده، لكنه في أحيان خاطفة، كان يشعر بأن جمال يكابد نفسه، كي يرضيه..<br><br>بكى جمال في سجداته الكثيرة، أكثر من مرة، وخاطب الله مستنجداً به من نفسه، ومتوسلاً العون.. فكان عوده يقوى، ويواصل عنايته بوالده ومحاولات تطييب خاطره في غضباته الكثيرة، ومواساته في لحظات الألم الهائلة التي كان الأب يعيشها..<br><br>في مرات كان يصرخ رامز ألماً، يسأل الله الموت، فيعمل جمال جاهداً للتخفيف عنه.. كان رامز واعياً للكثير من تلك اللحظات.. وترسخ في وعيه أن ابنه الأكبر، بِكره، الذي لطالما نأى عنه، وحاول عزله، وتعدى عليه بالضرب، في صغره، بدافع النقمة على أمه.. هو الوحيد الذي تولى رعايته، ومواساته، في أيامه الأخيرة في هذه الحياة.. لكن مكابرة رامز استمرت حتى الساعات الأخيرة من حياته..<br><br>في مرات عدة، كان جمال يشغل مسجلاً يبث آيات من القرآن، ويدعو والده للصلاة، فيتجاوب معه الأب، ويصلي بإشرافه، كان جمال مضطراً لأن يذكّر والده بأركان الصلاة، فكان الأب، في معظم سني حياته، بعيداً عن هذا العالم، بشكل شبه كامل..<br><br>في ليلة خريفية هادئة، مطلع تشرين الأول، من ذلك العام، كان الطبيب والممرض المرافق له قد غادرا، وكان جمال يقوم بالإجراءات الأخيرة التي يقوم بها، لتجهيز والده للنوم، وقبل أن يغادر الغرفة، نادى الأب عليه، تقدم نحوه، فنظر رامز لولده بعينين برق فيهما الدمع، وقال له: "سامحني يا ولدي".. ازدرد جمال ريقه، وغصّت الكلمات في حلقه، ونطق بصعوبة: "وأنت أيضاً يا أبي، سامحني"، فردّ عليه رامز: "الله يرضى عليك".. وارتمى جمال في حضن والده، وأحاطه بذراعيه، وذرف الكثير من الدمع على صدره.. صباح ذلك اليوم، فارق رامز الحياة، وكان جمال خارج الغرفة، يعدّ له الطعام، حينما دخل عليه، وحالما لمح وجهه، عرف أنه ميت..<br><br>في الأيام التالية، حلّ سلام نفسيّ غريب داخل جمال، كان يشعر بثقلٍ هائلٍ أُزيح عن كاهله، ليس ثقل العناية بوالده، بل ثقل الإحساس بغضب الأب عليه.. سامحه جمال، وأيقن بأنه نال الرضى منه، لكنه بقي لعقود أخرى قادمة، حريصاً على ألا يكرر مسار والده، مع عائلته، شقيقيه أولاً، ومن ثم، زوجته وأولاده..<br><br>***<br><br>بعد أشهر من الهدنة، مع مصاعب الحياة وتحدياتها، بعيد وفاة والده، واجه جمال تحدياً جديداً، أجبره على خسارة مألوف جديد له في حياته، فبعد أن خسر أمه، ومن ثم، رحيل والده، اضطر جمال لمغادرة دمشق.<br><br>في ربيع العام 2013، كان المشهد الأمني في دمشق ملتهباً.. كان جمال قد حلّ مكان والده في العمل مع عمّه، لكن بجدوى أعلى، جعلت العمّ رشاد يخصّه بأجرٍ مميزٍ، ونسب من الأرباح في النشاطات الاستثمارية التي يُديرها للعمّ.. كان جمال يصعد سريعاً في سلّم النجاح المهني، وقد صبّ جلّ اهتمامه وجهده، في سيلِ مساعيه للنجاح في العمل، بالتوازي مع عنايته بشقيقيه جهاد وطارق..<br><br>في ذلك الحين، كان العمّ رشاد يواجه تحديات كبرى، للحفاظ على استثماراته ومصانعه ومحلاته وتجارته، على امتداد التراب السوري.. وكان بدأ منذ وقت مبكر، من الثورة السورية، في نقل أجزاء من السيولة المالية الخاصة به، خارج سوريا، وترتيب نقل أجزاء من استثماراته الصناعية والتجارية، إلى مصر، حيث كان له علاقاته مميزة، مُبكرة، بعدد من مستثمريها..<br><br>وتعرضت العديد من المنشآت العائدة له، لأضرار، أو حالات نهب، وتعرض رشاد لخسائر مالية كبيرة، ومن ثم، بدأ يتعرض لابتزاز مسؤولين في نظام الأسد، كانت أشد حالاته، تلك المتعلقة باحتمال اعتقال ابن شقيقه طارق، وسحب جمال إلى الخدمة العسكرية..<br><br>كانت الخدمة العسكرية في صفوف قوات النظام، حينها، تعني أن تقتل أو تُقتل.. واضطر العمّ رشاد لدفع رشوة ضخمة لترتيب صفقة مع أحد كبار ضباط الأمن، تقضي بمغادرة جمال وشقيقيه البلاد، عبر إحدى معابر الحدود اللبنانية، إلى بيروت، ومن ثم، إلى مصر..<br><br>كان قرار العمّ حاسماً، ولم يكن جمال قادراً على النقاش كثيراً، فإجراء العمّ كان يستهدف تأمين سلامتهم، هم الثلاثة، وتحديداً، هو وشقيقه الأصغر، طارق.. وفي آذار 2013، غادر جمال وأشقاؤه الثلاثة، دمشق، بلوعةٍ كبيرة جداً.. وكان العمّ قد كلّف جمال بتولي إدارة بعض نشاطاته الاستثمارية والتجارية في مصر، على أن يُشرك شقيقيه في العمل هناك، ومتابعة دراستهما، بالتزامن..<br><br>لكن ما حدث لاحقاً، أكمل الانقلاب الكامل لحياة جمال، رأساً على عقب، إذ توفي عمّه رشاد، بنوبة قلبية مفاجئة، بعد بضعة أشهر من مغادرتهم دمشق، واتخذ أولاد عمّه إجراءات مخالفة لترتيبات والدهم.. إذ كانوا مستائين، لعقود، من إشراك والدهم لأخوته وأولاد أخوته، في الأعمال، وإشراكهم في الأرباح أيضاً، ولو بحيز بسيط.. كانوا غير راضين عن تغلغل العائلة في أعمال والدهم، وكانوا على قناعة، عززتها والدتهم، بأن العائلة الكبيرة كانت تستغل عطف والدهم، فتنهب من ثروته ما هم أحق به..<br><br>وهكذا، عزل أولاد العمّ، جمال، عن نشاطات والدهم في مصر، فوجد نفسه، بلا عمل، أو معيل، في بلدٍ لا يجد معظم أبنائها فرص عمل..<br><br>وبعد ثلاثة أشهر، كان جمال يصرف فيها بتقتير شديد، من بقايا القليل الذي ادخره في أشهر سابقة، ويواصل اتصالاته مع الأصدقاء والأقارب، علّه يجد عملاً يُعينه، اتصل به صديق له من أيام الطفولة بدمشق، كان قد انتقل إلى مصر، مع تدهور الأوضاع في سوريا.. كان صديقه من الطبقة الثرية في دمشق، ويمت بصلة قرابة بعيدة لـ جمال وعائلة والده، فعرض عليه عملاً، كمحاسب، في إحدى المنتجعات السياحية في الغردقة المصرية، بأجر جيد نسبياً، مقارنة بالأجور السائدة في مصر، فانتقل برفقة شقيقيه للإقامة هناك..<br><br>***<br><br>أحبّ جمال الغردقة.. هادئة، وادعة، سكانها من المصريين يتمتعون بمرونة عالية، معتادون على التعامل مع الغريب، وتقبّل وجوده.. تنفس جمال الصعداء حينما وصل الغردقة في خريف 2013.. كانت القاهرة تشهد تضييقاً نسبياً على السوريين، من جانب السلطات المصرية، التي اتخذت حيالهم موقفاً سلبياً بعيد التغيّر السياسي الذي شهدته مصر في تموز 2013.. وانعكست مواقف السلطات المصرية على مواقف جزء من الشارع المصري، وتعرّض السوريون لاعتداءات، في بعض المناطق المصرية، وإن ظلت محدودة..<br><br>في الغردقة، في أجوائها الخريفية الوادعة، شعر جمال بالهدوء، وتلمس تقبلاً من جانب زملائه المصريين في العمل، لم ينغصه استياء بعضهم البادي من توظيف منافس سوريّ لهم..<br><br>عُرف عن السوريين في مصر، التميز في العمل، والإتقان، والحرفية العالية.. وهي صفات أكدها جمال، الذي سرعان ما نال ثقة صاحب المنتجع السياحي، وهو مصريّ تربطه صداقة قوية بوالد صديق جمال، الذي دبّر له العمل..<br><br>وبالأجر الذي ناله جمال، تمكن من استئجار شقة من غرفتين، في حي شعبي، لكنه قريب من الأحياء السياحية في المدينة الصغيرة.. وهناك، بدأ جمال ترتيب حياته الجديدة، برفقة شقيقيه، الذين التحقا بالثانوية العامة في مدرسة حكومية مصرية..<br><br>وضعفت صلات جمال بالعائلة، بعد وفاة عمّه، ومغادرة عمته الوحيدة إلى كندا، برفقة زوجها وأولادها، ووفاة خاله الوحيد، بعد أشهر قليلة من وفاة العمّ.. كانت إجراءات أولاد عمّه رشاد، قد فرطت عقد العائلة، التي كانت تعمل في معظمها، في منشآت ومؤسسات العمّ.. حتى أقرباء رشاد من الدرجة الثالثة والرابعة كانوا يعملون معه.. وهكذا، تعرضت العلاقات العائلية في عائلة جمال الكبرى، لخضّة هائلة، فرطت عقدها بسرعة.. فبات محيط جمال العائلي، محصوراً بشقيقيه، فركّز جلّ اهتمامه عليهما، واعتبرهما مسؤوليته الشخصية الأولى، وكان ذلك من أسباب النكسة النفسية الأكبر في حياته، لاحقاً..<br><br>بمرور الأيام، كانت سيطرة جمال على شقيقيه، تصبح هشة أكثر.. وبدأ الأمر مع طارق، المتمرد دوماً، المُدلل، حسب عُرف العائلة.. رفض الالتزام بالدراسة، بذريعة المستقبل الغامض، ومحدودية فرص العمل للجامعيين في مصر، وقرر الالتحاق بدورة تدريب على الغطس، في مسعى لأن يصبح غطاساً محترفاً، وأن يعمل في هذا المجال، في مدينةٍ سياحية تُقصد بصورة رئيسية بغرض ممارسة رياضة الغطس..<br><br>وخضع جمال لقرار طارق، وساعده على تدبر تكاليف الالتحاق بالدورة التدريبية.. وكان جمال يدرك أن دوافع طارق لا ترتبط بطبيعة العمل تحديداً، بل برغبته في اكتساب المال بسرعة، والتخلص من قيود الحاجة لشقيقه الأكبر، وما يلحقها من ضرورات الالتزام بتعليماته وتوجيهاته.. إلا أن خيارات جمال كانت محدودة أمام شخصية طارق الثائرة، فالشاب الذي ناهز الثامنة عشر، شب عن الطوق، ففضّل جمال احتوائه بدلاً من ممارسة المزيد من الضغط عليه، خشية أن يُفلت تماماً من قبضته.<br><br>كان جمال يشعر برعبٍ شديدٍ، فهو لم يعتد الحياة دون مرجعيات عائلية، وخلال بضع سنوات متلاحقة، خسر أمه، ثم أبيه، ثم عمّه، صاحب التأثير الكبير عليهم، وأخيراً، خاله، الذي كان يملك تأثيراً وجدانياً عالياً على الأشقاء الثلاثة، بحكم علاقته الوثيقة، بأمهم المتوفية.<br><br>جمال الذي كان يناهز الرابعة والعشرين من عمره فقط، والذي تربى في ظل عائلة مديدة الفروع، للعمّ والخال فيها، تأثير ملحوظ، خاصةً الأول منهما، وجد نفسه اليوم، دون أي مرجعية عائلية، وفي ظله، شقيقان، ينبضان شباباً وتمرداً، فكيف سيستطيع الإمساك بزمامهما، وكيف سيتمكن من تطويق زلاتهما المتوقعة بحكم توقهما للتجربة واشتقاق سبيل خاصٍ بهما، ككل الشباب في مطلعه.<br><br>وبالفعل، كانت مخاوف جمال في مكانها، فسرعان ما فشل في مواجهة تحدي تمرد طارق، الذي انسل من سيطرته رويداً رويداً، لكن بوتيرة سريعة، صدمته.<br><br>طارق، تعرض لانبهار كبير بنمط الحياة في الغردقة، حيث الكثير من الشباب المصري، الذي لا يتمتع بمؤهلات علمية مميزة، يجد سبيلاً سهلاً للعمل المربح نسبياً، في مجالات السياحة المتنوعة، والتي تزخر بحالات الاحتكاك بأجنبيات، مما يرفع من فرص إقامة علاقات عاطفية، وجنسية، معهن.<br><br>وانجذب طارق سريعاً ليقع فريسة ظاهرة شاذة، ميّزت الغردقة، حيث الكثير من الشباب المصري، بمؤهلات مهنية وتعليمية متدنية، يتعلم اللغة الإنكليزية ولغة أخرى إلى جوارها، على الأغلب الروسية، ليصب جلّ مساعيه باتجاه اصطياد امرأة روسية، أو شرق أوروبية، أو، إن كان محظوظاً، أوروبية غربية، ليقترن بها.<br><br>وكانت المدينة الوادعة على البحر الأحمر، مقصداً لكثير من النساء المتحدرات بصورة رئيسية من روسيا ودول أوروبا الشرقية، وبنسب أقل، من دول أوروبية غربية. نسوة فاتهن قطار العمر، وخضن تجارب زواج وعلاقات أسرية فاشلة في بلدانهن، فقصدنَ مصر، وتحديداً، الغردقة، لتصيّد شاب مصري، أسمر البشرة، مفتول العضلات، غضّ الجسد، ليُقيموا معه تبادلاً للرغبات، منه الجسد، ومنهن المال، وأحياناً، الجنسيّة.<br><br>فكان يمكن لك أن ترى في الغردقة، في ذلك الحين، مئات الحالات الشاذة، لشباب مصري يافع، مقترن بامرأة أجنبية تكبره بالسن، عدة عقود. وفي حالات كثيرة، ينجب الشباب المصري من أولئك النسوة، أولاداً، ليزداد الشذوذ في تلك العلاقة الأسرية.<br><br>كان الشباب المصري يراهن في معظمه على تصيّد امرأة أجنبية تنقله معها إلى بلدها، فينال هناك جنسية ذلك البلد، ليتخلص من ذل البحث عن فرصة عمل لائقة في بلد الـ 90 مليون.<br><br>في كثير من الأحيان كان الشاب المصري المتحمس للاقتران بأجنبية، يفشل في الاختيار، ويقع فريسة مكر سيدة روسية أو أوكرانية أو صربية، متقدمة بالسن، تربطه بحبال أموالها، وإنفاقها عليه، وتنجب منه، وتتمتع بجسده، لكنها لا تمنحه طموحه الأخير، بالجنسية.<br><br>وفي حالات قليلة، يُوفق بعض الشباب المصري يزيجات ناجحة، ويرتبطون بشابات أجنبيات من أعمارهم، لتتأتى عن ذلك علاقات أسرية سليمة وناجحة.<br><br>وفي الحالات الأعم، تكون الزيجة صفقة، تقدم فيها عجوز روسية مثلاً، قدرتها على الإنفاق، مقابل شبابِ مصريّ، يتمتع بدرجة مقبولة من الوسامة، على الأقل، في نظر تلك العجوز الروسية.<br><br>وما بين ضيق طارق بالحياة الراهنة حينها في ظل سيطرة أخيه الأكبر، بدخله المحدود، وإملاءاته الكثيرة، وتوق طارق لحياة جديدة يتحرر فيها من ربقة سيطرة أخيه، ويخوض خلالها تجربة جنسية مثيرة، قد يُوفق معها بصفقة ناجحة مع امرأة روسية أو أوروبية، تعشقه، فتقدم له المال، والجنسية لاحقاً.. خرج طارق عن السيطرة، فبدأ الأمر بدورة تدريبية على الغطس بغرض الاحتراف، ليتطور إلى الاستقلال في منزل خاص، بعيداً عن شقيقيه.<br><br>في البداية، حاول جمال استغلال حاجة طارق للمال، من أجل تمويل دوراته التدريبية الأولى، في مجال الغطس، وهي البوابة التي أراد طارق العبور منها باتجاه عالم الاحتكاك بالأجنبيات.. لكن سرعان ما أتقن طارق الغطس، واستطاع العمل في هذا المجال، ومن ثم، أعلن لـ جمال، رغبته الاستقلال في منزل خاص به..<br><br>حاول جمال ثنيه بكل الطرق، ومع إلحاح جمال، ثار طارق، كان يريد الإفلات بأي شكل، من سيطرة شقيقه الأكبر، فهو يعلم أنه لن يستطيع في ظله، تنفيذ مخططه.. فافتعل طارق شجاراً عنيفاً مع شقيقه، فقدَ معه جمال قدرته على ضبط الأعصاب، وصفع شقيقه الأصغر، فاستغل الأخير الحدث، وغادر البيت بذريعة أن الحياة فيه لم تعد تُطاق..<br><br>واستأجر شقة في عنوان لم يُطلع عليه شقيقيه.. وفي مرحلة لاحقة، سافر طارق إلى مرسى علم، جنوب الغردقة، وهي مدينة سياحية تُعرف برياضة الغطس أيضاً.. كي يبتعد أكثر عن شقيقه، وكي يتخلص من محاولاته المتكررة للعثور عليه، وإقناعه بالعودة إلى البيت.. وغيّر طارق رقم تليفونه، وقطع كل صلاته بشقيقيه.. كان طارق يعتزم إعادة الاتصال بهما، حالما يصل إلى غايته، ويرتبط بامرأة أوروبية.. وكان يراهن على قدرته على ملاطفة الألمانيات، اللواتي يكثرن في مرسى علم تحديداً، فأتقن الألمانية، وخاض غمار تجارب عدة، فاشلة، لكنه غرق أكثر في عالم، لم يعد قادراً على الابتعاد عنه، فيما عاش جمال، بعيد انقطاع الاتصال مع طارق، أياماً كالجحيم، قبل أن يتقبّل الأمر، بمرارة ولوعة هائلة.. <br><br>كم بكى جمال، ليلاً، في غرفته، بصوت مكبوت، كي لا يسمع شقيقه جهاد، في الغرقة المجاورة، زفراته.. وكم شعر بالانهيار والضعف والعجز، ونال من نفسه أكثر من مرة، أن فشل في احتواء شقيقه الأصغر، وحمّل نفسه مسؤولية هذا الفشل، لكن الشرخ الذي سببّه طارق للعلاقة الأسرية التي تربطهم، سرعان ما وسّعه جهاد، الذي أدان سلوك طارق في البداية، قبل أن يقرر انتهاج ذات السبيل، لاحقاً، وإن بصورة أقل وطأة..<br><br>فقد تقدم جهاد للثانوية العامة المصرية، وواجه صعوبات كبرى مع المنهاج، والقدرة على فهم لهجة المدرسين المصريين، واستوعب لاحقاً، أنه يجب أن يعتمد على الدروس الخصوصية، والملخصات الخارجية، وأن المدرسين المصريين لا يعطون ما يتطلبه الأمر، داخل الفصل، ويراهنون على الدروس الخصوصية، لتحسين دخلهم..<br><br>في البداية، رفض جمال جلب مدرسين خصوصين لشقيقه، وطلب منه تحمّل مسؤولية الدراسة، وأن يكون على قدرها، كما يتحمّل هو مسؤولية العمل وتأمين الدخل.. لكن، لاحقاً، خضع جمال لتوسلات جهاد، وجلب له مدرسين خصوصين، وضيّق للغاية على مصروف البيت، ومصروفه الشخصي، وباتت حياتهما، هو وشقيقه جهاد، في تقتير حاد، بسبب تكاليف الدروس الخصوصية المُرهقة.. ورغم ذلك، فشل جهاد في تجاوز الثانوية العامة، واندلع شجار عنيف بينه وبين جمال، يوم صدور النتائج، إذ حمّله جمال مسؤولية الفشل، بعد بذل كل المطلوب لتحقيق النجاح.. <br><br>لاحقاً، سرعان ما راجع جمال نفسه، وندم على غضبته الهائلة، على شقيقه، وذكّر نفسه بأن قدرات جهاد على المذاكرة، متواضعة، منذ سنواته الدراسية الأولى، وكان ينتقل بصعوبة من سنة دراسية إلى أخرى، حينما كان بإشراف أمه، فكيف اليوم، وهو يخوض الثانوية العامة، في بلد آخر، ومنهاج جديد، وفي ظروف تغيب فيها الأم، والأب، والعائلة.. ندم جمال، وحاول تطييب خاطر شقيقه، وتعهد له بأن يقدم له كل المطلوب من تمويل، خلال السنة الدراسية التالية، لإعادة المحاولة، وقال له: "ستكون فرص نجاحك هذه السنة أكبر، لأنك تعلمت من تجربتك، وسأؤمن لك كل ما تحتاجه من مدرسين وملخصات خارجية، منذ بداية السنة، بحيث تكون مستعداً في نهايتها، للنجاح، وبمعدل مقبول".<br><br>لكن جهاد كان قد قرر تغيير مسار حياته، كان يدرك في قرارة نفسه، أن مساره التعليمي، لطالما كان متعرجاً وعصيباً، ولم يكن مستعداً لتكرار التجربة، خاصة مع كل التكاليف المتوقعة، التي سيبذلها شقيقه الأكبر، لإعادة المحاولة معه، لسنة كاملة.. كان جهاد يأس من عالم التعليم.. وقرر الالتحاق بعالم العمل.. كان هو الآخر قد بدأ يشعر ذات شعور طارق.. بالضيق من سيطرة شقيقه على حياته.. كان يريد اشتقاق حياة خاصة به، كما يرتأيها مناسبة..<br><br>تواصل جهاد مع صديق له من أصدقاء المدرسة في دمشق، كان قد افتتح مع والده مطعماً سورياً في مدينة 6 أكتوبر، قرب القاهرة.<br><br>كانت 6 أكتوبر تزخر بالسوريين، وتشهد حراكاً تجارياً ومهنياً سورياً ملحوظاً، وكان قطاع المطاعم والمأكولات السورية، يشهد نمواً متسارعاً، فالمطاعم السورية جذبت المصريين والسوريين بكثافة، على حدٍ سواء.. فقرر جهاد الالتحاق بصديقه، والعمل في مطعم والده..<br><br>ومرة أخرى، حاول جمال مراراً أن يُثني جهاد عن قراره، لكن الأخير كان هادئاً وأكثر موضوعية في النقاش مع جمال، قال له: "أنت وأنا نعلم، أنني لا أملك المقدرات الكافية للحصول على معدل مرتفع بالثانوية العامة، وإذا لم أحصل على معدل مرتفع، لن تُتاح لي الدراسة في جامعة حكومية مصرية، في اختصاص مقبول، وليس في مقدرتنا الدراسة في جامعة خاصة.. جمال، أنت ضيّقت على نفسك، وعليّ أيضاً، في المعيشة، لعدة أشهر، من أجل تمويل الدروس الخصوصية، فهل سنعيد الكرة، لسنة كاملة، ونحن نعلم أن فرص تفوقي وتحصيلي لنتائج عالية، محدودة للغاية، ومستبعدة.. دعني أتعلم مهنة، أسهل لي، وأسرع لتأمين دخل شهري يُغطي حاجاتي، فأرفع ثقلي عن كاهلك.. هذا أفضل لي ولك".<br><br>لم يستطع جمال أن يجادل كثيراً.. اصطحب شقيقه إلى 6 أكتوبر، وتعرّف على صديقه ووالد صديقه، واطمئن إلى ظروف عمل وإقامة شقيقه في عالمه الجديد الذي اختاره.. وعاد حزيناً إلى الغردقة، لوحده..<br><br>***<br><br>في السنوات الثلاث اللاحقة، وحتى مطلع خريف 2017، عاش جمال حالة اكتئاب مزمنة، تطورت بسرعة، وتخللتها تجارب انفلات أخلاقي، وفقدان للسيطرة، وثورات غضب كان يكسّر خلالها بعض الزجاجيات في منزله، الذي بقي فيه، وحيداً.. وتعرضت قناعات جمال الإيمانية والقِيمية لهزات عنيفة، رافقتها شهية نهمة للأكل، أدت إلى سُمنة مفرطة، تسارعت، حتى بدأت تتسبب له بأعراض مَرضية ظاهرة.<br><br>***<br><br>ما تزال تلك المرحلة عالقة في ذاكرته، حينما اضطرت أمه للعمل في مشغل خياطة، كانت تديره إحدى خالاته، بعد أن ضيّق عليهم والده، في المصروف، كوسيلة من وسائل الضغط على أمهم، لإخضاعها.<br><br>حينها، كان جمال في العاشرة من عمره فقط، وكان في الصف الخامس الابتدائي.. يذكر جمال جيداً حينما كانت أمه تغادر المنزل بعيد عودته من المدرسة، بعد أن تكون قد حضّرت له الأكل.. تجلس معه قرابة نصف ساعة، توجهه كيف يجب أن يتصرف ويرعى شقيقيه في غيابها، كان جهاد في الخامسة فقط، فيما كان طارق في الرابعة.. كانت تقول له: "أنت سندي، وأثق أنك قادر على تحمّل المسؤولية، ورعاية شقيقيك على أكمل وجه".. كان يشعر بحماس كبير، كان يريد أن يثبت لها، أنه الرجل الذي يمكن لها أن تعتمد عليه.. حينما كانت ترجع مساءً إلى المنزل، كانت تجد جمال قد غسل الصحون، ونظّف البيت، ونقل شقيقيه إلى فراشهما، وأخذ يقرأ لهما في كتيب قصص للأطفال، كي يناما.. كانت تبتسم له، تقترب منه، تقبله من وجنته اليمنى، وتنظر في عينيه، وتقول: "أنت سندي في هذه الدنيا"..<br><br>انقطعت كل صلات جمال بـ طارق، بعد أن غادرهم الأخير إلى مرسى علم. وبهتت تواصلاته مع جهاد، حيث انغمس الأخير في حياته الجديدة تماماً، وكان دائم الانشغال، فيتحدث مع شقيقه الأكبر بنبرة سريعة توحي برغبته في اختصار المكالمة.. وجد جمال نفسه وحيداً في حياة لم يعتدها يوماً، بل لم تُؤسس بنيته النفسية ولا تركيبته العقلية، لتقبلها..<br><br>&nbsp;فانغمس في أمرين، الأكل بنهم، ومشاهدة الأفلام الأمريكية التي كان يعشقها.. <br><br>جمال كان ابن ثقافة تخشى من نحافة الأولاد، وتحاربها باتخامهم بالأكل.. كان جمال نحيلاً في صغره، بل كان نحيلاً جداً، فكانت أمه تضغط عليه كي يأكل أكثر.. وحينما ولج إلى سنين المراهقة، وتعدى عتبة البلوغ، بدت علائم الضخامة والطول على جسده، وبدأ يمتلأ بسرعة، لتبدأ حرب عكسية هذه المرة، من أمه، ضد الأكل المفرط.. بقي ممتلئ الجسد، لكنه لم يتحول إلى مفرط السمنة يوماً، إلى أن بقي وحيداً في الغردقة..<br><br>يومها، كان الأكل مسلاته، وكانت عوالم السينما الأمريكية، المتنفس له، يخرج عبرها، لساعات، من واقعه الأليم، الذي لم يعد قادراً على تقبله.. كان جمال يريد بأي شكل، أن ينفصل عن الواقع.. رويداً رويداً، بدأ عقله يتمرد على الماضي وقناعاته، وبدأت نفسه تلوم عقله، وبدأت الغرائز تنهش تماسكه الأخلاقي، في فراغ مقيت..<br><br>هل الله يبتلي الإنسان على قدر استطاعته، حقاً؟.. أولى التساؤلات الخطرة التي بدأت تداعب عقله، وتهز قناعاته.. ابتعد عن الصلاة لفترات طويلة قاربت الثلاث سنوات، لم يرجع خلالها إلى الصلاة إلا في أشهر رمضان، التي كانت ثقيلة الوطأة جداً عليه، على غير العادة..<br><br>كان ينتهي من عمله في السادسة مساء، وفي طريق عودته، يجلب معه أكلاً سريعاً، معززاً بمشروبات غازية، والكثير من الموالح (المكسرات)، ليقضي سهرته المطولة، أمام قناة "mbc2"،.. وفي الليل، قبل النوم، يقيم علاقات خيالية مع نساء ممشوقات القوام، شقراوات، كاللواتي شاهدهن في الأفلام، على سريره وبوسادته.. <br><br>ولج جمال عالم الجنس، لأول مرة، في السادسة عشرة من عمره، في حمام المدرسة الثانوية بدمشق.. ورغم الرائحة المقرفة التي كانت تنبعث من أرجاء ذلك الحمام، بحيث كان يأبى أن يتبول فيه، كانت تجربته الجنسية الأولى، هناك، في إحدى زواياه، حيث علّمه أحد زملائه المشاكسين، فن "العادة السرية".. وتحولت الأخيرة إلى إدمان لفترة، ومن ثم خاض معها حرباً شرسة في محاولات للتخلص منها، وحينما فشل، عمل على ضبطها.. <br><br>كانت "العادة السرية" السبب الرئيس في إدباره عن الصلاة، في كثير من الأحيان، لذا كانت صلاته متقطعة، لكنه لم يكن ينقطع عن الصلاة لمدد تتجاوز الأسبوعين أو ثلاثة.. كان حينما يمارس العادة السرية وينغمس في خيالات الجنس، يعجز عن العودة إلى التواصل الروحاني مع الله، بسهولة.. لم يكن كغيره ممن يفصلون سريعاً، وبسهولة، بين خطاياهم، حسبما يظنون، وبين صلاتهم.. كان التزامه بالصلاة يتطلب منه، التزاماً كلياً، بالابتعاد عن كل النواهي والمحرمات.. وبالتالي، كان تورطه في تلك النواهي يستتبع عجزاً عن الصلاة.. كان يتساءل دوماً، "لماذا أختلف عن معظم أقراني الذين يُصلّون، وفي نفس الوقت، يرتكبون الكثير من الذنوب، ببساطة؟".. في أيام مراهقته الأولى، وفي صراعه النفسي، بين توقه لعالم الجنس المُشوّق، ورغبته في عالم الصلة المستقرة مع الله، وضع جمال المسؤولية على كاهل والديه، لأنهما لم يكونا يحرصان على التزامه بالصلاة، على خلاف كثير من أهالي أصدقائه، الذين كانوا يَلقَون ضغطاً شديداً من أهلهم بغية الالتزام بالصلاة، فيتعودون عليها، وتصبح عادة، حتى لو تورطوا بالموبقات، أحياناً، تستطيع الصلاة شدهم من عالم الموبقات إلى عالم الصلة مع الله.. <br><br>لم يكن والده يهتم بتعليمه الصلاة، إذ لم يكن رامز، والد جمال، ملتزماً دينياً، كان في معظم أوقات حياته، التي عرفه فيها جمال، سكيراً، ويلعب القمار، ويسعى وراء شهواته من النساء.. ورغم أنه لم يرى والده في يوم من الأيام، في حالة سكر أو فعلٍ للحرام، إذ كان رامز يفعل كل ذلك، بعيداً عن البيت،.. إلا أنه كان يعلم تماماً هذه الحقيقة، وكان يعي شجارات والديه، بسببها..<br><br>أما والدته، التي كانت حريصة على تعليمه الصلاة، وعلى إلحاقه بدورات تحفيظ القرآن في المساجد، لم تكن لحوحة في هذا الجانب، تحديداً.. بخلاف إلحاحها عليه في الدراسة والالتزام الأخلاقي، ورعاية شقيقيه، وضبط النفس في مواجهة ثورات غضب والده وظلمه له..<br><br>&nbsp;لذلك، كبُر جمال مسؤولاً وحده عن هذا الجانب من حياته، فعجز عن تحقيق المأمول فيه.. وكانت العادة السرية وملحقاتها من خيالات جنسية، أحد الأسباب الرئيسية لعزوفه عن الصلاة، لأيام، وربما لأسابيع.. أما حينما كان جمال يلتزم بالصلاة، لأيام أيضاً، أو ربما لأسابيع، كان يمتنع عن العادة السرية تماماً.. كان مقتنعاً أنها فعل خاطئ، لكنه لم يكن قادراً على تجنبه، بصورة دائمة..<br><br>في الغردقة، شهدت حياة جمال الروحية انقطاعاً هو الأطول له، عن الصلاة.. تخللته هزات إيمانية كبرى، لكنه لم يصل في أي منها إلى حد الجزم بعدم وجود الله.. لم يكن عقله يقبل ذلك.. وكان مردّ هزاته تلك، يرتبط بوضعه الحياتي، لا بتأملاته العقلية المجردة، حول الوجود ودور الخالق فيه، فتلك التأملات كانت دوماً تصل به، إلى ترجيح وجود الخالق، وترجيح القناعة بالقرآن باعتباره كلام الخالق..<br><br>في السنة الدراسية الثانية، بكلية الاقتصاد، بجامعة دمشق، تعرض جمال لأولى التحديات التي تناولت قناعاته الإيمانية، التي كانت، حتى ذلك الوقت، فطرِية وراثية، مبسطة، لم تخضع لأي تدقيق منطقي..<br><br>حاضر فيهم يومها، أستاذ جامعي، خريج السربون في باريس، في إحدى الاختصاصات المتعلقة بالفكر الاقتصادي.. وكان ذلك الأستاذ الجامعي، يتطرق كثيراً، أثناء محاضراته، إلى العقيدة والدين، فيطعن بهما، بطرق فكرية ماهرة، سببت الكثير من اللغط في أوساط الطلاب..<br><br>كان ذلك الأستاذ الجامعي، من أبناء الطائفة العلوية، لذلك، سبّب هجومه المتكرر على الدين، موقفاً متصلباً في أوساط الشريحة المتحدرة من أوساط متدينة، من الطلاب.. وكانت القناعة، أن ذلك الأستاذ الجامعي يعبّر عن سياسة لنظام الحاكم، التي تستهدف النيل من العقيدة الإسلامية..<br><br>ورغم أن نظام الأسد، في ذلك الوقت، نهاية العقد الأول من القرن الحادي العشرين، كان على علاقة طيبة مع شريحة محددة من رجال الدين، من أولئك الذين يحصرون الدين بالأبعاد الروحية والأخلاقية.. إلا أن ترسبات عقد الثمانينات كانت قد وُرّثت من الآباء إلى أجيال الأبناء الشباب في ذلك الوقت.. ومنهم جمال، الذي كان قد سمع الكثير من القصص، في أوساط عائلته، عن حالات من التهجم على الدين، والطعن به، في صحف ووسائل إعلام مطبوعة، موجهة من نظام الأسد الأب، في عقدي السبعينات والثمانينات، يوم كان الصراع على أشده بين نظام الأسد والإسلاميين..<br><br>ولأن الدائرة الضيقة في رأس هرم نظام الأسد، علوية، والنظام برمته يعتمد بصورة أساسية على العلويين كأداة لتأمين حكمه للبلاد، ترسخ في وعي الطلاب، في السنة الثانية بكلية الاقتصاد، بجامعة دمشق، يومها، أن ذلك الأستاذ الجامعي، العلويّ، يمثّل النظام وتوجهاته.. <br><br>كان الأستاذ الجامعي يقول لهم: "يكفيني أن تحضكم طروحاتي كي تُعملوا المحاكمة المنطقية في عقولكم، وتحاكموا قناعاتكم، قبل ترسيخها.. يكفيني أن يُزال ذلك الصدأ من عقولكم".<br><br>فهم معظم الطلاب، وصف "الصدأ" الذي كان الأستاذ الجامعي يستخدمه، بأنه "الدين"، لكن جمال، بخلاف غالبية زملائه، فهم "الصدأ" على أنه طريقة تقبل الدين، وليس الدين ذاته.. ورغم أن جمال أيضاً، لم يحسن الظن بذلك الأستاذ الجامعي، إلا أن طروحاته استفزت عقل جمال، بالفعل، وقرر الأخير أن يُخضع إيمانه بالإسلام، للمحاكمات المنطقية.<br><br>ومن ذلك اليوم، وطوال سنتين، خاض جمال رحلة عصيبة من القراءات والتأمل والبحث، في كتابات مُلحدين، وأخرى ترد عليها، وأخرى تناقش المعادلات العقلية والمنطقية التي تؤدي إلى ترجيح وجود الله، وتؤكد صدقية النص القرآني، باعتباره نصاً إلهياً..<br><br>وبعد الكثير من البحث، خلص جمال إلى حالة ترجيح، لا يقين تام.. وخلص إلى صعوبة الوصول إلى اليقين التام، بل ظن، بناء على قراءاته المتعددة في النص القرآني، أن اليقين التام لن يتحصل إلا عند الوفاة.. وأن الإيمان، ترجيح لفكرة وجود الله، على ما عداها، وليس الجزم المطلق بها.. وبقي جمال لسنوات أخرى تالية، يتعرض من حين لآخر، لشيء من الارتياب في قناعاته الإيمانية، فيخضعها سريعاً للمحاكمات المنطقية، فلا يجد بُداً أمام إلحاح عقله، إلا الإقرار بترجيح وجود الخالق، وصدقية القرآن.. فغلبت الطمأنينة الإيمانية على مسيرة حياته، حتى عاش تجربة الوحدة والفراغ في الغردقة..<br><br>هناك، في الغردقة، غلبت عليه نقمته على الواقع، ورغم قراءاته السابقة حول الفلسفة الوجودية، وإدراكه لحقيقة أن بعض الملحدين يُلحدون، لا بدوافع منطقية، بل بدوافع من النقمة وعدم تقبل ظروف الحياة التي يحيونها، إلا أنه عجز تماماً عن كبت تمرده النفسي، واستيائه.. وكانت الأوضاع في سوريا قد عززت هذه النقمة في نفسه.. كان يتساءل: "لماذا يترك الله المسلمين ضحية للقتل والتهجير والتنكيل، بل والاغتصاب والتعذيب، في حالات كثيرة، بينما يترك فرص النصر متاحة لغيرهم؟".<br><br>كانت نجاة نظام الأسد من احتمالات السقوط، لأكثر من مرة، والمدد الذي حصل عليه من إيران ومن ثم روسيا، وسط صمت غربي، يتجاوز حد التواطؤ في أحيان كثيرة، أوحى لمعظم المراقبين المتعاطفين مع الثورة السورية، وكأن العالم أجمع، يتكالب على ثورة السوريين، لإجهاضها، وإنقاذ الأسد.. ووصل الأمر بـ جمال، وبعض الناس على غراره، إلى حد التساؤل: "هل الله أيضاً يدعم الأسد؟"..<br><br>فقدان الأمن الذي أحاط بـ جمال، من كل جانب، حتى من جانب القوة الكلية الأكبر في هذا الوجود، حسبما كان يظن، أرخى بظلاله على نفسه، فعاش عتمةً صارمة، لم تُفلح أنوار "رمضانات ثلاثة"، لم يتجرأ جمال على كسر حرمتها، فالتزم فيها بالصيام والصلاة،.. لم تُفلح تلك الأنوار في إزالة الغشاوة التي غطت على بصره، وبصيرته، في ذلك الحين..<br><br>وتورط جمال في عالم الحرام المباشر، لأول مرة.. كان، في ظروف فراغه العائلي والروحي، قد متّن صداقاته مع زملاء عمل له، كان بعضهم قد غمز له من قناة تجربة الجنس، في مرات سابقة، لكنه تجاهلهم بلطف حينما كان جلّ اهتمامه منصباً على شقيقيه.. وبعد أن فارقاه، تقبل جمال بسرعة غمزات أولئك الزملاء، وانخرط في صحبة سوء، عرّفته على نساء يعملن في دعارة شبه علنية في مدينة تغيب عنها الضوابط المجتمعية في مصر، بصورة جلية، وشبه كاملة..<br><br>كافيهات تخدم فيها نساء، هربن من أهلهن، إما لأنهم أرادوا تزويجهن قسراً ممن لا يُردن، أو لظروف عائلية عصيبة، أو لفقر.. وديسكوهات ومراقص تقصدها أجنبيات تبحثن عن متعة الجنس مع الشباب الشرقي المفعم بالحيوية..<br><br>دخل جمال ذلك العالم.. وإن استطاع لجم نفسه عن الخمر والقمار والحشيش ومثيلاتهم، إلا أنه لم يستطع لجم نفسه عن عالم الجنس الحرام.. لكن شاءت الأقدار أن تكون كل تجاربه منفّرة..<br><br>&nbsp;تجربته الأولى مع امرأة مصرية، أصرت أن يتم الجماع من الدُبر، فاشمئزت نفسه، حتى أن عضوه عجز عن الانتصاب، وكانت تجربته الأولى فاشلة بامتياز.. أما تجربته الثانية، فأتم فيها الجماع، للمرة الأولى في حياته، لكنه شك لاحقاً بإصابته بمرض جنسي، جراء طفح جلدي ظهر على عضوه، وقضى فترة وهو في حالة رُعب، وراجع طبيباً، واستخدم مراهم، وتطلب الأمر منه عدة شهور كي يتورط في تجربة أخرى.. <br><br>لكن إحدى تجاربه، كانت فريدة، بالنسبة له، إذ تعرف إلى شابة أوكرانية، فاتنة، ببشرة تقترب من البرونزية، متوسطة القامة، بشعر أشقر قصير، ووجه جذاب الملامح، وقوام ممشوق، وثديين مكتنزين..<br><br>قضى جمال مع تلك الشابة عدة أسابيع، واتسمت علاقتهما بجدية.. تعرفا على بعضهما بشكل كامل، وأوحت له، أنها تريد الارتباط، فبدأ جمال يوطن نفسه على ذلك، لكنها سرعان ما صدمته، أن قطعت علاقتها به، بشكل مفاجئ، وأعلمته لاحقاً أنها كانت على علاقة حب مع شاب مصري، تعشقه، وأنه تركها لفترة، فكانت بائسة، فتورطت معه في تلك العلاقة، وحينما عاد الشاب المصري إليها، استقبلته بالأحضان، وتخلت عن جمال..<br><br>كانت صدمة جمال كبيرة، فانخرط أكثر في تجارب أخرى، كان الجنس غايتها، وحده.. كانت منغصات الخوف من الأمراض الجنسية تقض مضجعه، خاصة وسط اللامبالاة التي استشعرها في تلك الأوساط، في مجال استخدام الواقيات اللازمة.. وداعبته مراراً مخاوف الإصابة بالإيدز، لكن ذلك لم يردعه عن الاستمرار، فكان يخوض التجربة، ومن ثم يندم عليها.. وكان يشعر دوماً أن مرحلة السعي لخوض التجربة، أكثر متعة من التجربة ذاتها، التي عادةً ما تكون مُخيبة.. ومع تفاقم مشكلته مع السُمنة، قلّت فرصه في إقامة العلاقات، ونفرت الكثير من النسوة منه.. وتفاقم لديه شعور القرف في معظم التجارب التي خاضها.. فحصر مُتعه، في إقامة الصداقات، والتعرف إلى الفتيات، دون الذهاب معهن حتى النهاية، إلا حينما كان يستشعر أن الأمر يستحق ذلك، وكان ذلك محدوداً جداً..<br><br>ومن ثم، امتنع جمال عن العلاقات تماماً، وانحصرت تجاربه الجنسية، في المساج، على أيدي متخصصات، كان يمارس مع بعضهن، تجارب جنسية سطحية، لا أكثر.. <br><br><br>بعد قرابة السنتين، كان وزن جمال قارب الـ 148 كيلو، بجسمه الضخم وعوده الطويل، تحول جمال إلى كتلة ضخمة، وبدأ يواجه صعوبات في ارتداء الملابس، وفي الاستحمام، وبدأت قدماه تنتفخان، وتتجمع السوائل فيهما، وبعد مراجعة الطبيب، حذّره الأخير من أن عليه أن يفقد على الأقل، 40 كيلو من وزنه، وإلا فإن وضعه الصحي سيتدهور سريعاً..<br><br>اشترك في نادي رياضي شهير، له فرع في الغردقة، هو الـ GOLDS GYM، وبدأت قصة جمال مع ذلك النادي، التي تطورت لاحقاً، إلى أن أصبح بعد عشرين سنة، الصاحب الحصري لبعض فروعه، حول العالم، بعد أن أصبح النادي، الوكيل الرئيس للنشاطات الرياضية المُخصصة لتخفيف الوزن في الفكرة العبقرية التي قدمها جمال عام 2018 للبنك السويسري - البريطاني، والتي نفذها البنك خلال السنوات التالية، بإشراف جمال، وكانت بوابة جمال إلى الثراء الفاحش.<br><br>وكانت تجربة جمال في النادي، وتجربة أخرى فاشلة له خاضها في كورس تدريبي للغطس، إلى جانب عمله لثلاث سنوات في منتجع سياحي بالغردقة، مصادر الإلهام التي قادته إلى ترتيب فكرته الشهيرة التي قدمها للبنك السويسري - البريطاني، عام 2018.<br><br>خلال الأشهر الأولى من التدريب في النادي الرياضي المذكور، خضع جمال لكورس تدريبي خاص بإشراف مدرب مصري متخصص، أخضعه لنظام غذائي صارم، التزم به جمال، كما التزم بجلسات التدريب اليومية، المرهقة.. وخلال ثلاثة أشهر، فقدَ جمال، 36 كيلو من وزنه، الأمر الذي أنعش نفسه، وأعاد إحياء الآمال داخله، بعد سنتين من الاستسلام، والغرق في أوحال الرذيلة، كتعبير عن الانكسار..<br><br>نجاحه الصغير ذلك، أوقد شرارة المحاولة لديه من جديد، فبدأ يبحث عن حلول لمشكلاته،.. لم يكن راضياً عن انحدار حياته، إلى ذلك الدرك.. عمل مهني بسقف متدنٍ من التطلعات، وعلاقات غرامية وجنسية باهتة ومقززة في معظم الأحيان، ونهم للطعام، وهدر للقدرات والمواهب التي حباه بها الله، في سبيل ماذا؟.. واجه جمال نفسه، بعد سنتين من الغرق، بتساؤل جازم: "هل وجدت في حياتك هذه السعادة؟".. تذكر تعبيراً قرآنياً خصّه الله للمنكفئين عنه، أن ستكون لهم "معيشة ضنكاً".. نعم، فحياته ضنكة، لم يجد فيها راحة البال، ولا الاستقرار النفسي، وكأنها تجزية للوقت، إلى حين الموت لا أكثر.. لم يتقدم ولا حتى شبر إلى الأمام، لترتيب مستقبل أفضل له.. لم يتزوج، ولا يملك ما يتزوج به، فقد أهدر كل ماله على الموبقات.. لا يحظى بأي صداقات حقيقية، بريئة من أية مصالح.. لا يحظى بعائلة.. لا يحظى بآفاق مستقبل.. يعاني، وهو ابن السابعة والعشرين، من بوادر انهيار صحي، وسمُنة مفرطة، وهرم نفسي مُبكر للغاية.. حياته بالفعل، ضنكة.. والأخطر، أنه حسب الوعيد القرآني، سيُحشر يوم القيامة، "أعمى"..<br><br>خلال أسابيع، في نهاية صيف العام 2017، أجرى جمال مراجعة كُلية لتجربته الأخيرة.. قرأ العديد من الكتب في مجال التنمية البشرية وبناء المهارات ومعالجة المشكلات النفسية، وخلص إلى نتيجة أولى مفادها، عليه أن يتصالح مع نفسه، وأيضاً، مع قناعاته، قناعاته التي تحظى بالدعم جراء المحاكمة المنطقية في عقله،.. لا يجب أن يخضع لضغوط الدنيا، فالدنيا كلها ضغوط وتحديات،.. الحياة بأكملها، عبارة عن سلسلة من التحديات عليه أن يتخطاها.. وسيتخطاها.. هكذا قرر جمال.. وبدأ رحلة المصالحة مع النفس، عبر الإقبال على الله.. تاب إليه، وأقبل على الصلاة.. أقبل بقلب خاشع، وعقلٍ صافٍ، فحظي بالكثير من لحظات القُرب، زرف فيها الكثير من الدموع، متوسلاً العفو من الله، والغفران، وفتح الأبواب.. سائلاً إياه العون والنجاة من الفتن..<br><br>بعيد أيام، من بدء إقباله على الله، علم جمال بإعلان البنك السويسري – البريطاني عن مسابقة عالمية لأفكار استثمارية رائدة، بجائزة كبرى قدرها مليون دولار.. فقرر المشاركة، علّه يكون السبيل لانتشاله من واقعه الراهن، حينها..<br><br>وخلال عملية التحضير والإعداد والبحث، لإنجاز دراسة الجدوى الاقتصادية لفكرته التي صممها للاشتراك في المسابقة، ألزم جمال نفسه، بنظام يومي محدد، بموجب مخطط شهري مسبق، مكتوب في كراسة صغيرة، يحدد فيها عقوبات ومكافآت لنفسه، كلما فشل في تنفيذ المطلوب منه، أو أفلح في ذلك.. وألزم نفسه بنظام غذائي صارم، وبالنوم باكراً، وبالالتزام بساعات التدريب الرياضي، وبساعات العمل على إعداد فكرته.. وخلال ثلاثة أشهر، امتلأ وقت جمال بالمهمات، فلم يعد لديه أي وقت فراغ، يستطيع من خلاله الشيطان، أن ينفذ إلى نفسه.. فبهتت وسوساته، وتهاوت أكثر، مع تحذير جمال لنفسه، كلما ثارت شهواتها، أنه لن يقبل الارتداد إلى عهد الانكسار والغرق مرة أخرى في أوحال الحرام، وتداعياته النفسية السيئة..<br><br>في نهاية العام 2017، كان جمال قد أتم إعداد الدراسة المرفقة بفكرته، وكان قد فقدَ 17 كيلو أخرى من وزنه، فأصبح عند الـ 95 كيلو، بوزن معتدل نسبياً، بالنسبة لطوله، وضخامة البنية العظمية لجسمه.. وكان التفاؤل يسود معظم أوقاته، والحماس يسطو على الجزء الأكبر من لحظاته، والأمل يبرق بكثافة، في مخيلته.. <br><br><br>***<br><br><br><font>يتبع في الفصل الثامن..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19827</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//52367da1883180a7d171ea22.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//52367da1883180a7d171ea22.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19659</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19659</comments>
						<pubDate>Fri, 13 Apr 2018 21:28:49 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19659</guid>
						<description><![CDATA[بعد مغادرة مادلين صفرا، أبرز أذرع جمال في إدارة امبراطوريته المالية، دلف الأخير إلى مقر العمليات والمراقبة في قبو قصره الفسيح.وتوجه مباشرةً للقاء حسن إبراهيم، عبقر]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>بعد مغادرة مادلين صفرا، أبرز أذرع جمال في إدارة امبراطوريته المالية، دلف الأخير إلى مقر العمليات والمراقبة في قبو قصره الفسيح.<br><br>وتوجه مباشرةً للقاء حسن إبراهيم، عبقري الاتصالات الذي تمكن جمال، بالشراكة معه، من تشييد عالم اتصالات خاص به، شكّل أحد أبرز أعمدة قوته ونجاحه، مالياً وسياسياً وأمنياً، وعسكرياً.<br><br>كان جدول اجتماعهما يتضمن عدة بنود، أبرزها، تشديد المراقبة على جميع مستشاري ومديري فروع ومراكز امبراطورية جمال المالية والاستثمارية، حول العالم، تجنباً لأي اختراق مُرتقب من جانب الإسرائيليين وأعوانهم.<br><br>شمل تشديد المراقبة، مادلين صفرا نفسها، التي رغم ثقة جمال العالية بها، إلا أنه كان يخشى أن تكون إحدى خاصراته الرخوة، التي سيحاول الإسرائيلي الدخول منها.<br><br>كما شمل الاجتماع تناول آخر التدابير المُتخذة لمراقبة الإجراءات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، على الحدود في الجولان. ومراقبة التدابير التي اعتمدها الجيش السوري، عسكرياً وأمنياً، أيضاً، على الجانب الآخر من هذه الحدود.<br><br>في جلستهما، حدّق جمال في حسن، الأربعيني الهادئ، وهو يسرد له الإجراءات والتدابير التي اعتمدها لتنفيذ تعليماته.<br><br>حسن إبراهيم، المتحدر من إحدى بلدات ريف حلب الشمالي، نابغة بكل ما تعنيه الكلمة. وكان جمال يعتقد أن استحواذه على هذا الرجل، نعمة إلهية كبرى، وُهبت له. <br><br>أما حسن، فكان شديد الحماسة والولاء حيال مشروع جمال.. خاصة أن الأخير منحه كل ما كان يحلم به في الجانب المادي من الحياة، من ثراء، ومن تمويل وتجهيزات لمتابعة أبحاثه، ومن عناية خاصة به وبأسرته.. كما أن جمال منح حسن، أخيراً، الاستقرار النفسي، والانسجام مع الذات، إذ يشعر حسن أن عمله في مشاريع جمال يصب في خدمة تطلعاته لمستقبل بلاده ومنطقته، ويريح ضميره، ويُوحي له بأنه يفعل ما يتوجب عليه تجاه أمته، الأمر الذي يزيد من حماسته في أداء عمله..<br><br>وكان حسن يكنّ الكثير من التقدير والاحترام لشخص جمال الدمشقي، وكان يشعر بالامتنان كونه مُقرباً منه.<br><br>بجسمه النحيل، وقامته القصيرة، ووجه المتطاول، وذقنه الخفيفة المبعثرة التي تخترقها بضع شعيرات بيضاء، وبعينين بنيتين كبيرتين، أوضح حسن إبراهيم لجمال تفاصيل التدابير الأخيرة التي اتخذها.<br><br>كان جمال قد أبرق لحسن، مساء أمس، باتخاذ وضعية الطوارئ، الأمر الذي جعل مقر العمليات الشاسع، في قبو قصر جمال، بدمشق، خلية نحل ملتهبة. <br><br>قال حسن: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أطلقنا نظاماً لمراقبة أجهزتنا الدفاعية العسكرية، ولمراقبة قياديينا العسكريين والأمنيين وحتى التكنوقراط الحكوميين، كما أطلقنا نظاماً آخر لمراقبة كل التحركات، بكل أنواعها، في هضبة الجولان، ولدي بيانات غزيرة عن كل تفاصيل التجهيزات والاستعدادات العسكرية الإسرائيلية في الهضبة، التي تؤكد أن الإسرائيليين اتخذوا تدابير كفيلة بحرب شاملة، وليس أقل من ذلك..<br><br>ازدرد ريقه، ثم استطرد:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أطلقنا نظاماً آخر لمراقبة القواعد العسكرية، وخاصة قواعد الطيران والصواريخ، داخل إسرائيل، ومراقبة المواقع النووية الإسرائيلية.. ولدي قائمة تفصيلية بمواقعها جميعاً.. كما أطلقنا نظاماً لمراقبة القطع والقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر والمتوسط.. وفي قبرص وشرق أوروبا، وفي جنوب تركيا.<br><br>نظر إليه جمال، ثم قال:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل أحلت الصور والمعلومات المتوافرة عن الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية لمحللينا العسكريين؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم.. وهي قيد الدراسة الآن.. وإن كانت تقديراتهم الأولية، أن إسرائيل مستعدة لحرب بالتأكيد.<br><br>أرخى جمال ناظريه وبان الوجوم على وجهه، فبادره حسن بالقول:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا تخشى شيئاً سيدي.. لا أعتقد أنهم يتوقعون أننا نملك ما نملك من تقنيات وإمكانيات.. ولا أعتقد أنهم يعرفون بحجم الاختراقات التي حققناها في عقر دارهم..<br><br>فرد جمال بنبرة يسودها القنوط:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لم أكن أريد أن يعرفوا الآن.. ما يزال الوقت مبكراً جداً.. لم نصل إلى القدر الذي نحتاجه من القدرة للمواجهة الشاملة معهم.. ومع من يقف ورائهم من قوى دولية..<br><br>قال حسن والحماسة بادية في نبرته:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا بأس.. نستطيع أن نكشف حيزاً فقط من قدراتنا، يكفي لردعهم عن الاعتداء مرة أخرى.. ويكون ذلك كفيل بردعهم لفترة مستقبلية كافية، إلى أن نصل إلى ما نحتاجه من قدرات للمواجهة الشاملة معهم.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هذا ما أفكر فيه بالضبط، لكن علينا ألا نتوقع، إن فُوجئوا بقدراتنا، أن يتركونا وشأننا كي نتابع في تطويرها، حتى لو كشفنا حيزاً منها فقط.. وإذا ردعناهم عن القيام بحرب مباشرة، فهم قادرون على شن صنوف أخرى من الحرب ضدنا، عبر حلفائهم وداعمييهم حول العالم.. <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هذه اللحظة متوقعة سيدي.. أنت كنت تخبرني دائماً أن علي أن أضع في الحسبان لحظة قريبة نتصادم فيها عسكرياً مع إسرائيل.. <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم صحيح.. لكن حينما حان أوانها، شعرت بالخشية أكثر من تداعياتها اللاحقة.. بكل الأحوال، قدّر الله وما شاء فعل..<br><br>***<br><br>قبل عقدٍ ونصف، أي عام 2025، أعلنت شركة "الدمشقي للاستشارات"، إحدى أذرع "مجموعة الدمشقي القابضة"، عن مسابقة لانتقاء أفضل الأفكار العلمية القابلة للاستثمار الاقتصادي، بمكافآة مالية مجزية تصل إلى مليون دولار.<br><br>وحصرت الشركة المسابقة باللاجئين السوريين، حول العالم.<br><br>كانت محاولة من جمال لاستنساخ تجربة بنك الـبنك السويسري - البريطاني، لكن مع تعديل طفيف، عبر حصر الأفكار الاستثمارية، بفحوى علمي.<br><br>كان لـ جمال هدف اقتصادي أكيد من هذه المسابقة، لكن أيضاً، كانت له أهداف إنسانية وأخرى سياسية. الإنسانية تُعنى بمساعدة السوريين، خاصة المبدعين منهم، حول العالم. أما السياسية، فكان جمال يبحث عن أفكار علمية يمكن أن تمنحه قدرات أمنية وعسكرية مميزة، إذ كانت مساعيه الجادة للتدخل في مأساة بلده قد وصلت إلى مراحل متقدمة، لكنها كانت ما تزال في أطوار تأسيسية.<br><br>ففي عام 2025، كان معظم سوريا وأجزاء من شرقي لبنان، ووسط العراق، بما فيها بغداد، وأجزاء من شمال الأردن، كلها تحت قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي تقدم في أطوار تأسيس دولته، بالفعل.<br><br>دولة مارقة في نظر كل دول العالم، ومحاربة، لكنها قائمة على أرض الواقع، وتتمدد.<br><br>اعتزلت إيران الصراع مع "الدولة الإسلامية" في العراق، مقابل صفقة غير معلنة بين الطرفين، بأن يقف تمدد التنظيم عند النجف، ولا يتجاوزها أكثر إلى الجنوب العراقي، وألا يتعدى على الحدود الإيرانية.<br><br>&nbsp;فبعد أن تخلت إيران، بملء إرادتها عن دمشق، عام 2021، بهدف خلط الأوراق، وجعل الإسرائيليين وجهاً لوجه أمام خطر المتطرفين الإسلاميين.. فُوجئت إيران، بأن التنظيم سرعان ما ارتد عليها، فيما بقيت حدود الجولان من الجانب السوري، التي علتها أعلام التنظيم السوداء، هادئة، دون أي طلقة.<br><br>واستغل التنظيم الزخم الذي حصّله بعيد السيطرة على دمشق، فتدفق عشرات آلاف المتطوعين إلى صفوفه، وحصلت انشقاقات هائلة في صفوف فصائل جهادية كبرى مناوئة للتنظيم، حيث انضم المنشقون إلى التنظيم، وبايعوا "خليفته".<br><br>كان الإحباط قد وصل ذروته في صفوف مناوئي نظام الأسد خلال الولاية الأولى لـ دونالد ترامب، بين عامي 2017 – 2021.<br><br>كان هناك تياران يتفاعلان في أوساط فصائل الجهاديين المناوئين للأسد. تيار يغلب عليه السوريون، ويراهن على التعاون مع الحلفاء الإقليميين، ومع الأمريكيين والأوروبيين، لوضع حدٍ للمأساة السورية، وفق سيناريوهات تحقق الحد الأدنى من تطلعات الثائرين، برحيل الأسد وزمرته. أو في أدنى الحدود، التمهيد لهذا الرحيل عبر اتفاق سلام يقلص صلاحيات رئيس الجمهورية.<br><br>وتيار آخر، أكثر تشدداً، يرفض هذا التعاون، ويؤكد أنه ينال من "الجهاد الشامي"، ويضعه موضع الشبهات، ويفقده التأصيل الشرعي له. <br><br>التيار الآخر، الذي غلب عليه مهاجرون، وسوريون قلّة من المتمسكين بفكر "القاعدة"، خضع لضغوط ومطالبات التيار الأول، بعد أن ثبت بالتجربة صعوبة تحقيق أي تقدم ميداني نوعي، دون دعم خارجي، وبعد أن وصلت جراح السوريين إلى مداها الأقصى في ربيع العام 2018.<br><br>خضع رافضو التعاون مع الخارج، للتيار الأول المراهن عليه، فقاد الأخير دفّة سياسة الفصائل الكبرى، فيما كانت الوعود تتوالى من عواصم خليجية ومن تركيا، أن غلبة مظهر "الاعتدال" على المعارضة السورية، سيعزز من فرص مدّ أواصر تفاهم متين مع الغرب، وتحديداً، إدارة دونالد ترامب في واشنطن.<br><br>لكن، وخلال أكثر من سنتين ونصف، من ولاية ترامب الأولى، كانت الأحداث والتطورات تؤكد بصورة دورية، أن الأمريكيين يتلاعبون بالجميع.<br><br>واتضح تدريجياً، بشكل لا يقبل أي شك، أن واشنطن تريد أن تستمر سوريا، كمحرقة للجهاديين، بكل أصنافهم، ولنظام الأسد وأنصاره أيضاً، وللروس والإيرانيين وللأتراك. وكانت كل إجراءات واشنطن التكتيكية، من قبيل قصف محدود لمواقع عسكرية لنظام الأسد، ومدّ فصائل المعارضة ببضع أنواع من الأسلحة النوعية، باستثناء مضادات الطيران، بهدف ضبط اللعبة، بصورة لا تفلت فيها عن السيطرة، وتضمن الحفاظ على أمن إسرائيل، بالتوازي مع تحقيق أكبر قدر ممكن من الاهتراء في قدرات جميع الأطراف المتورطة في سوريا، باستثناء الأمريكيين ذاتهم.<br><br>في نهاية صيف عام 2019، كان الروس أول من حزموا أمرهم، وأيقنوا بأن واشنطن ورطتهم في سوريا، بهدف استنزافهم، فانسحبوا بشكل مفاجئ من المعركة الشرسة في البلاد، وتخلوا عن نظام الأسد، واكتفوا بقاعدتين، برية وجوية في حميميم قرب اللاذقية، وبحرية في طرطوس، وسحبوا كل مستشاريهم وعسكرييهم من باقي المواقع، وتركوا الأسد والإيرانيين، دون تغطية جوية.<br><br>كان قرار الروس صفعة مؤلمة للغاية، للإيرانيين تحديداً، وأيضاً لنظام الأسد، كما أنه فاجئ الأمريكيين. لكن طهران، ظنت أنها تستطيع كالعادة، تحويل الأزمات إلى فرص، عبر استغلالها بما يخدم صالحها، فراهنت على إمكانية الوصول إلى تسوية مع واشنطن، باعتبار أن الإيرانيين هم الجهة الوحيدة المتبقية في الميدان، التي تستطيع منع سقوط نظام الأسد عسكرياً، وهو هدف يتفق فيه الإيرانيون مع نظرائهم الأمريكيين.<br><br>خلال هذه اللُجّة من التعقيدات والتطورات، تفاقمت النقمة في صفوف مقاتلي الفصائل الجهادية المعارضة، حيال سياسات قياداتها المسايرة للغرب.. وتضخم التيار المناوئ للتنسيق مع الغرب، والذي حمّل قيادات التيار الأول، التصالحي، مسؤولية الاستنزاف الكبير الذي نال من هذه الفصائل، خلال سنتين ونصف من الرهان على التعاون مع القوى الإقليمية والدولية، والذي ذهب هباءاً.<br><br>وكان الفساد الذي استشرى في أوساط قيادات بعض الفصائل، التي استمرأت استمرار الوضع على ما هو عليه، للحفاظ على مكاسبها وامتيازاتها، والإقطاعات المناطقية التي باتت مُحتسبة لصالحها، سبباً في تفاقم النقمة في قواعد تلك الفصائل، وفي الصفوف الثانية والثالثة لقياداتها.<br><br>وكان انضباط قيادات الفصائل، بتوجيهات وتعليمات الخارج، بالتحرك عسكرياً حيناً، والتوقف حيناً آخر، بصورة اتضح أنها تستهدف عدم التهديد الجدّي لنظام الأسد، وعدم النيل من قاعدته الشعبية من "الأقليات"، سبباً في تفشي استياء عارم في صفوف مقاتلي هذه الفصائل.<br><br>في هذه الأثناء، كان تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي اندحر عن عاصمتيه، الموصل والرقة، ينظم صفوفه في أعماق الصحراء وبعض أطراف المدن، ويغيّر من استراتيجياته، ويستثمر في أخطاء أعدائه، في سوريا والعراق، حيث تعرّض سكان المناطق التي كان يُسيطر عليها سابقاً، من العرب السُنة، لاضطهاد وعمليات تهجير وتنكيل مكثفة، من جانب القوى التي سيطرت على تلك المناطق، في العراق، من الشيعة والأكراد، وفي سوريا، من الأكراد تحديداً.<br><br>وفيما توقفت معظم عمليات "داعش"، حتى كاد البعض ينساه ميدانياً، لم تهدأ دعاية التنظيم.. وكانت دعايته تركز حينها، تحديداً، على جذب المقاتلين المستائين في أوساط فصائل المعارضة التي تعاونت مع الغرب، في سوريا، وعلى جذب الحانقين من السُنة العراقيين، من جديد.<br><br>&nbsp;ولأن الفصائل في سوريا، ترفع رايات جهادية، في معظمها، كانت دعاية التنظيم قادرة بقوة على النيل من سياسات تلك الفصائل، والضرب على وتر الاستياء في أوساط مقاتليها.. فكيف هي "جهادية" وتوالي الغرب "الكافر"؟، وكيف هي "جهادية" وتأتمر بأوامره؟، وما هي حصيلة الارتماء في أحضان "الصليبيين"؟، لقد خسرت تلك الفصائل الآلاف من مقاتليها، وما تزال حمم طائرات الأسد وداعمييه الإقليميين والدوليين، تنهال على السوريين وتهجرهم.. إذاً، لقد ثبت بالتجربة خطأ سياسات قيادات تلك الفصائل بالائتمار بأوامر الغرب، بحجة الحاجة لدعمه.. ذلك إن أحسنا النية، أما إن أسأناها، فقد ثبتت بالتجربة، عمالة تلك القيادات وموالاتها، للـ "الصليبيين".. تلك كانت استراتيجية الدعاية التي اعتمدها التنظيم.. وكانت تتغلغل في أوساط الفصائل الجهادية بقوة، حتى بات أغلب مقاتليها على شفير الانشقاق، بين لحظة وأخرى.<br><br>لذا، حينما يأست إيران من تحصيل مكاسب في حربها بسوريا، وتخلت عن الأسد، وأخلت دمشق، في اتفاق غير مباشر، مع مقاتلي "داعش"، واجتاح هؤلاء العاصمة.. انهارت معظم الفصائل الجهادية المناوئة للأسد، وانشق معظم مقاتليها، والكثير من قياداتها، وبايعوا تنظيم الدولة، الذي وجد نفسه يسيطر على معظم التراب السوري، في دمشق، وريفها، وفي ريف حمص، وكذلك في ريف حماه وريف حلب، وفي إدلب وريفها. وانزوى من لم ينشق عن الفصائل الجهادية، "جيش الإسلام"، و"أحرار الشام"، و"النُصرة"، في بقع جغرافية محدودة، سرعان ما تمكن تنظيم "الدولة" من الانقضاض عليها.<br><br>وكان التنظيم قد استغل حالة الانهيار في صفوف قوات الأسد بعيد سقوط دمشق، فاجتاح حماه، ودير الزور، وتدمر، مرة أخرى، كما اجتاح حمص، التي فرّ العلويون منها سريعاً، ولجأ عشرات الآلاف منهم إلى لبنان، فيما اعتصم بعضهم في الجبال، من جديد.<br><br>وبقيت ثلاث بقع في سوريا، لم تخضع للتنظيم، أو لم يبذل التنظيم جهوداً جادة للسيطرة عليها، هي شمال شرق البلاد، من الحسكة إلى عين العرب، ومنطقة عفرين، ومنطقة الساحل السوري، بما فيها، اللاذقية وطرطوس.<br><br>وبعد سنتين من اجتياح دمشق، ومعظم الأراضي السورية، كان تنظيم "الدولة" قد امتلك طاقات جديدة، بشرية واقتصادية وعسكرية، وكان حفظه للحدود على هضبة الجولان، ورقة أساس لتفاهم سرّي بينه، وبين الغرب، أنهى الحملة العسكرية التي كان يقودها الأمريكيون ضده، بعد أن تهافتت كثيراً في السنوات الأخيرة، مقابل عدم قيام التنظيم بأي نشاطات إرهابية في عمق الدول الغربية، أو تستهدف مصالح الغرب في الخارج.<br><br>وعلى ما يبدو، فإن قيادات تنظيم "الدولة" أرادوا تحصيل دور وظيفي لهم، يضمن لهم انكفاء الغرب عن محاربتهم، ويحافظ على حالة التعبئة والتحشيد العقائدي لأنصارهم الجدد تحديداً، كي لا يقعوا في نفس الحفرة التي وقعت فيها الفصائل الجهادية في سوريا، التي سايرت الغرب وهادنته. فاعتمد تنظيم الدولة استراتيجية الحرب ضد إيران، باعتبار أنها خطر أولى بالقتال من إسرائيل، والغرب من ورائها.<br><br>وبالفعل، ارتدت خطة طهران في دمشق، عليها، وتركزت كافة جهود تنظيم الدولة على محاربة إيران في العراق تحديداً. <br><br>وتعرضت القوات العراقية المدعومة إيرانياً، والتي يغلب عليها العنصر الشيعي، لانتكاسات كبرى في وسط العراق وشماله، خاصة أن العنصر الديمغرافي السُني، هناك، تعرض لانتهاكات قاسية من مليشيات الحشد الشعبي الشيعية، التي أذاقت سُنة العراق، الويل، تحت شعار محاربة تنظيم "الدولة". فتمكن الأخير بسرعة من التغلغل في أوساط سُنة العراق، من جديد، واستعاد في وقت قياسي، كل المناطق التي خسرها قبل سنوات قليلة.<br><br>وفي صيف العام 2023، تمكن التنظيم من اجتياح بغداد، وسط فرار جماعي كيفي، للشيعة، مدنيين ومسؤولين ومقاتلين.<br><br>كان سقوط بغداد صدمة كبرى للعالم أجمع. لكن صناع القرار بواشنطن، كانوا على علم بنيّة التنظيم اجتياح العاصمة العراقية. وكانت واشنطن قد سحبت الأعداد القليلة المتبقية من مستشاريها وعسكرييها في العراق، لتحصرهم في إقليم كردستان بشمال البلاد، وذلك قبل أشهر فقط من اجتياح العاصمة العراقية من جانب مقاتلي تنظيم "الدولة". كانت واشنطن على علم بأن بغداد ستكون قريباً، ثاني عاصمة عربية تخضع لتنظيم "الدولة". وكانت ترى في ذلك فرصة ذهبية لإغراق إيران في حرب شعواء مع المتشددين السُنة، الذين باتوا على أبوابها.<br><br>وبالفعل، خاضت إيران خلال سنة، بين عامي 2023 – 2024، حرباً شعواء مع تنظيم "الدولة"، الذي حظي بعشرات آلاف المتطوعين المتحمسين، من السُنة العراقيين الحانقين جراء سنوات من الظلم والافتراء الشيعي عليهم.<br><br>وانتكس الشيعة بصورة دراماتيكية. فخلال أشهر، اجتاح التنظيم كربلاء، ومن ثم النجف، حيث شهدت المدينتان بعض المجازر المُروعة بحق السكان الشيعة، ومن ثم حاول مقاتلو التنظيم اختراق الحدود الإيرانية، حيث بات البرّ الإيراني في حالة تهديد عسكري مباشر.<br><br>واستنفرت إيران كل قدراتها العسكرية والاقتصادية والعلمية، والبشرية، في صدّ مقاتلي التنظيم، ونجحت خلال 9 شهور، من منع التنظيم من تحقيق أي اختراقات نوعية لأراضيها. وفجأةً، في مطلع صيف العام 2024، هدأت الجبهات الإيرانية مع مقاتلي التنظيم، واتضح لاحقاً أن تفاهماً سرّياً قد انعقد بين قيادة التنظيم، وبين إيران، بترسيم غير معلن للحدود، بحيث تبقى البصرة، وما بقي من الجنوب العراقي، تحت سيطرة حكومة شيعية مُنقادة من إيران، وأن تتوقف محاولات التنظيم لاختراق الأراضي الإيرانية، مقابل توقف إيران تماماً عن أي نشاطات تهدد مناطق سيطرة التنظيم في العراق.<br><br>وفي أقصى الجنوب العراقي، اكتظ الشيعة العراقيون النازحون من بغداد وكربلاء والنجف، مع سكان المناطق الأصليين، حيث كان الاستياء يتفاقم جراء أداء إيران، وحلفائها من الفصائل الشيعية العراقية.<br>&nbsp;<br>ولأن اتفاق وقف القتال بين التنظيم وإيران، نصّ على العراق حصراً، يمّم مقاتلو التنظيم وجوههم شطر بيروت، وعينهم على الضاحية الجنوبية فيها.. وتعرض لبنان لهجوم هو الأشدّ في تاريخه، لكن تكاتف كل الأطراف اللبنانية، على اختلاف ألوان طيفها، واشتراك اللاجئين السوريين في المواجهة لصالح الدولة اللبنانية، فاجأ العالم بأكمله، وفاجأ مقاتلي التنظيم أنفسهم، الذين لقوا شراسة كبيرة في المواجهة، بصورة صدّتهم ليبقوا في المنطقة التي يسيطرون عليها، في عرسال، شرق لبنان.<br><br>لعب جمال الدمشقي يومها دوراً بارزاً في حشد وتعبئة اللاجئين السوريين إلى جانب المقاومة اللبنانية ضد تقدم التنظيم.<br><br>كانت المخاوف بين اللبنانيين يومها، على أشدّها، في أن يتورط اللاجئون السوريون، الذين ناهزوا 4 ملايين، في دعم التنظيم، جراء استيائهم من الإساءات والقيود التي تعرضوا لها من جانب شريحة كبيرة من اللبنانيين، ومن الدولة اللبنانية.<br><br>كان اللاجئون السوريون يومها، مستاؤون بالفعل، ولأقصى الحدود، جراء معاملة كثير من اللبنانيين، التي كانت فوقية في أحسن الأحوال، ومهينة وعنصرية في أغلب الأحيان. كما كانت الدولة اللبنانية ومؤسساتها تتعامل معهم كمشاريع "إرهابيين"، وتضيق عليهم في السكن والعمل والتحرك. <br><br>لكن جمال الدمشقي، الذي بدأ منذ العام 2021 في تأسيس شبكة مؤسسات خيرية وتنموية تستهدف مساعدة اللاجئين السوريين في لبنان، بما فيهم العلويون منهم، تمكن من حشد غالبيتهم العظمى وراء موقفٍ موحدٍ، مفاده، دعم الدولة اللبنانية، والمقاومة المسلحة الشعبية التي تشكلت عام 2024، في صدّ مقاتلي التنظيم.<br><br>شبكة جمال الخيرية والتنموية في لبنان، كانت هائلة، برأسمال تجاوز خلال ثلاث سنوات، 30 مليار دولار. وبذلك، لم يبقَ بيت للاجئ سوريّ في لبنان، لم يحظى بدعم وتمويل من شبكة المؤسسات التي أنشأها جمال.<br><br>وارتقى المستوى المعيشي للاجئين السوريين في لبنان، وانتعش معظمهم بعد طولِ فاقة.<br><br>وأدرك جمال، منذ اجتياح تنظيم الدولة لدمشق، عام 2021، حجم الخطر المُرتقب، حين سيأتي الدور على لبنان، وسيحاول التنظيم استغلال مشاعر المرارة بين السوريين فيه، جراء معاملة أقرانهم اللبنانيين.. فكان أن نشط بكثافة وبجهد كبير، لتشكيل غطاء مالي واجتماعي يؤمّن السوريين، ويوحدهم وراء موقف مشترك، يضمن سلامة لبنان، وسلامة سكانه، بما فيهم السوريون أنفسهم.<br><br>وذخّر جمال، منذ البداية، مؤسساته الخيرية والتنموية، بقادة رأي وإعلاميين ناشطين، كُلفوا بمهمة تحذير اللاجئين السوريين، من التعاطي الالكتروني، أو المباشر، مع خلايا تنظيم الدولة. <br><br>وعبر نشاطات إعلامية ودعائية، تمكن إعلاميون سوريون، ممولون من جانب جمال الدمشقي، وعبر مؤسسات إعلامية لبنانية، وسورية ثورية، من إقناع اللاجئين السوريين، في غالبيتهم العظمى، بالخطر العظيم الذي سيطولهم، لو وصل مقاتلو التنظيم إلى عمق لبنان. <br><br>ومقابل التحذير، شاع ترغيب عممه الإعلاميون وقادة الرأي المدفوعين من جانب جمال، بين اللاجئين السوريين، مفاده، أن علاقتهم مع اللبنانيين، شعباً ودولة، ستكون في أفضل أحوالها، لو وقفوا إلى جانبهم، في أي مواجهة مرتقبة مع تنظيم "الدولة".<br><br>ولاحقاً، شكّل جمال فرقاً مسلحة ومدربة أحسن تدريب، وأخرى كُلفت بمهام أمنية، من لاجئين سوريين متطوعين، كي يكونوا إلى جوار الجيش اللبناني، والمقاومة الشعبية اللبنانية، في المواجهة المُنتظرة مع التنظيم.<br><br>وخلال ثلاث سنوات، بين عامي 2021 – 2024، تاريخ غزو التنظيم للعمق اللبناني، تمكن جمال من تملك الرأي العام الغالب بين اللاجئين السوريين في لبنان، لصالحه.. كما تمكن من إقناع حلفائه وأعدائه في حين، من القيادات اللبنانية، بتقبل وجود فرق عسكرية مسلحة، وقوى أمنية، من اللاجئين السوريين، كي لا يكون هؤلاء هم الخاصرة الرخوة التي سيدخل من خلالها، التنظيم، إلى العمق اللبناني.<br><br>كانت مهمة القوى الأمنية المشكلة من اللاجئين السوريين، رصد أي نشاطات لخلايا التنظيم في أوساط هؤلاء اللاجئين. وخلال ثلاث سنوات، تم إلقاء القبض على عشرات الخلايا التابعة للتنظيم.<br><br>سياسة جمال هذه، أكسبته شعبية في أوساط اللبنانيين، حتى من الحواضن الشعبية الكارهة له، من الشيعة وبعض المسيحيين، الذين، رغم كراهيتهم لشخصه، إلا أنهم قدّروا سياساته وخطّه العام.<br><br>كذلك، كسب جمال ودّ دول خليجية، وغربية، رأت فيه الشخص السوريّ الأمثل، الذي يمكن الرهان عليه، لإخراج السوريين من بوتقة الولاء والتبعية لتنظيم الدولة الإسلامية.<br><br>&nbsp;ويوم قرّر مقاتلو تنظيم الدولة، غزو العمق اللبناني، مراهنين على تكرار نجاحاتهم السريعة، وانهيارات خصومهم الدراماتيكية، في سوريا والعراق، خلال السنوات الثلاث السابقة.. فُوجئوا في لبنان بمقاومة شرسة، كان أحد أضلاعها الفاعلة، تلك الفرق العسكرية التي شكلها جمال من لاجئين سوريين، والتي كانت قد تلقت تدريبات متخصصة، وزُودت بأحدث الأسلحة المناسبة لحرب العصابات.<br><br>وصدّ اللبنانيون والسوريون، تنظيم الدولة عن العمق اللبناني، فكانت أول انتكاسة للتنظيم منذ عام 2021.<br><br>ولأن قادات التنظيم يدركون خطر ركود جبهات القتال على معنويات مقاتليهم، وولائهم، شنّ التنظيم حرباً على الأردن، مستغلاً مئات الخلايا النائمة التابعة له على امتداد الأراضي الأردنية، وداخل بعض مؤسسات الدولة الأردنية.<br><br>ولم يكن التنظيم ملتزماً تماماً بتفاهماته السرّية مع واشنطن، واقتحم المحافظات الشمالية للأردن، الحليف المُقرّب لواشنطن في المنطقة، إلا أن التزام التنظيم بالخطين الأحمرين الأساسيين، للتفاهم، وهما، عدم تهديد أمن إسرائيل، أو القيام بأي عمليات ضد المصالح الغربية داخل أراضي الغرب أو خارجه، حفظ الحد الأدنى من ذلك التفاهم.<br><br>&nbsp;وتمكن تدخل الطيران الأمريكي من لجم قوات التنظيم عن التقدم نحو العاصمة الأردنية، التي بقيت، رغم ذلك، في حالة خطر وجودي حقيقي، ومقاتلو التنظيم على بعد مسافة جغرافية قريبة منها.<br><br>في هذه الأجواء، كانت أحلام السوريين اللاجئين خارج أراضيهم، بالعودة إلى ديارهم، قد نضبت، خاصة بعد أن شهدت سوريا موجة لجوء كبرى منها، بعيد اجتياح تنظيم الدولة لدمشق وحمص وحماه. ودخل إلى لبنان أكثر من 3 ملايين سوري، جُدد. الأمر الذي اضطر الغرب، وتركيا أيضاً، ودول الخليج، ودول أخرى حول العالم، إلى القيام بخطوات جدية لتخفيف الضغط الكارثي على لبنان، إما عبر نقل مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى أراضي دول أخرى، أو عبر تقديم مساعدات عاجلة، مالية وعينية، للحكومة اللبنانية.<br><br>أثناء ذلك، تحديداً، صيف عام 2025، أطلقت شركة "الدمشقي للاستشارات"، مسابقتها الأولى، لجمع أفضل الأفكار العلمية القابلة للاستثمار الاقتصادي، بين اللاجئين السوريين في لبنان والأردن ومصر ودول الخليج وتركيا، ودول الغرب.<br><br>وتلقت الشركة 5743 فكرة علمية، تطلب فحصها من خبراء مختصين أكثر من سنة، وكلفت المسابقة جمال، أكثر من 100 مليون دولار، لكنها في نهاية المطاف، حصرت المتسابقين في عشرة، قدّموا أفكاراً علمية فريدة، وذات جدوى اقتصادية عالية.<br><br>من بين المتسابقين، كان حسن إبراهيم، الذي كان حينها في الثلاثين من عمره.. وقبل عقدٍ من ذلك الوقت، كان حسن برفقة مجموعة من الشبان السوريين في بالم تتخبطه الأمواج بين تركيا واليونان، في محاولته الثالثة للهجرة إلى أوروبا، والتي اعتزم أن تكون الأخيرة، بعد أن نال منه الإحباط.<br><br>قبيل ذلك التاريخ، فرّ حسن إبراهيم، مع عائلته، من الشطر الشرقي من مدينة حلب، التي ترعرع فيها، رغم تحدره من ريفها الشمالي. كان مناصراً للثورة بشدة، وشارك في مظاهراتها الأولى، المحدودة في مدينة حلب، حين كان أعداد المشاركين ضئيلة، ومشاركاتهم غاية في الخطورة.<br><br>كان حسن ممتلئاً حتى الذروة بالميول الإسلامية، لكنه في بدايات الثورة، ناصر الخط السلمي للحراك، وحينما اقتحم الثوار الشطر الشرقي من مدينة حلب، كان في ذروة حماسه، خاصة أن الفصائل التي اقتحمت المدينة، لم تكن تُخفي اتجاهها الإسلامي.<br><br>قبيل اقتحام شطر حلب الشرقي، بأسابيع، نال حسن الثانوية العامة بدرجات متفوقة للغاية.. وكانت معركته الرئيسية داخل البيت، مع والده الذي كان يريد له مستقبلاً زاهراً كطبيب أو مهندس برمجيات، كما كان يحلم.. ولم يكن الأب يريد لابنه التورط في أحداث الثورة التي قد تنال من حياته، أو مستقبله، حسب تقديراته حينها.. وكان حسن، الورع، يخضع لوالده، في حين، ويتمرد عليه في حين آخر..<br><br>لكن بعد 3 سنوات من سيطرة فصائل الثوار على شطر حلب الشرقي، تحولت العيشة هناك إلى جحيم، جمع قذائف النظام وطيرانه، إلى جانب الفاقة التي نالت من معظم أهالي المدينة، بما فيها أسرة حسن، ناهيك عن الممارسات السيئة التي كان يقدم عليها بعض مقاتلي الفصائل في المدينة، بصورة جعلت الإحباط يتغلغل في نفس حسن، وأشعلت نيران الشكوك في عقله، حيال صوابية ما شارك فيه، وتحمس له..<br><br>وفي مطلع العام 2015، نجح والد حسن في نقل العائلة إلى تركيا، حيث عانت هناك من ظروف معيشية أليمة، أيّدتها صعوبة الاندماج، وندرة فرص العمل، وحاجز اللغة.. ناهيك عن تغير ملحوظ في مواقف جزء من الشارع التركي حيال السوريين، بسبب ممارسات بعضهم السلبية في تركيا.<br><br>عمل حسن في محل للمعجنات، وكان في أشد مراحل حياته يأساً.. فهو الطالب المتفوق دراسياً، العبقري في البرمجيات، الذي كانت طموحاته تطاول الجبال، بات "صبياً في محل معجنات".. وحينما تصاعدت موجة هجرة السوريين عبر تركيا إلى أوروبا، في صيف 2015، كان حسن قد حزم أمره، بتشجيع من والديه، وقرر خوض غمار البحر.. أول مرة فشل، وثاني مرة فشل وكاد أن يغرق فيها، فحزم أمره في الثالثة، أن تنجح أو تكون الأخيرة، فنجحت، وعبر في رحلة عصيبة، عدة دول أوروبية، وصولاً إلى ألمانيا، حيث تقدم بطلب اللجوء..<br><br>في الأسابيع الأولى لوصوله إلى ألمانيا، كانت تحذيرات والده تتفاعل مع مشاهداته، فتدفعه للمزيد من الانكماش والعزلة.. "احذر الفتنة يا بُني.. أنت تذهب إلى أوروبا لغاية، لا تترك غرائزك تحرفك عنها".. <br><br>كان في العشرين من عمره، ينبض شباباً، وغريزةً.. قاوم لأشهر عدة، كانت أليمة، أدمن خلالها العادة السريّة، علّه ينجو من حبائل الشيطان، مؤقتاً، إلى أن تورط في أولى تجاربه المُحرّمة، وكان أثرها عكسياً على نفسه، إذ شعر بالقرف، وتملكته وساوس الإصابة بأمراض جنسية، فلجأ من جديد إلى العزلة، وفرض على نفسه نظاماً يومياً صارماً، يُقسّم بين الصلاة وقراءة القرآن، وتعلم اللغة الألمانية، والرياضة.. وتجنب قدر المستطاع الاختلاط بالألمان في الأماكن العامة.. كما تجنب الاختلاط بأقرانه من الشباب السوريّ، الذي انجرف الكثير منه إلى أتون الحياة الغربية، بكل مفاتنها وغواياتها..<br><br>كان حسن متوازناً، فلما تدفعه عزلته، ورفضه الاندماج بالمجتمع الألماني، إلى التأثر بالأفكار المتشددة، التي كانت تحاول إغرائه في عقر سكنه بألمانيا، عبر الانترنيت، من خلال صديق من الريف الحلبي، من أصدقاء الطفولة، كان يراسله يومياً، ويخبره عن عظمة "دولة الخلافة" التي أُعلنت، مبشّراً إياه بأن "زمن الإسلام" قد عاد.<br><br>كان حسن محصناً من تلك الدعاية بسبب احتكاكه السلبي لأكثر من مرة، مع متشددين من بعض مقاتلي الفصائل المسلحة، شرق مدينة حلب، خاصة أولئك الذين كانوا يجاهرون بانتمائهم لتنظيم "الدولة"، قبل إعلانه "الخلافة"، وقبل انتشاره وسيطرته على مساحات واسعة من سوريا والعراق عام 2014.. <br><br>كان يرى فيهم، إما جهلة منساقين باسم الدين، أو منافقين انتهازيين يركبون الموجة الأعلى..<br><br>&nbsp;ولتحصين نفسه أكثر، قرأ حسن الكثير من الكتب الدينية المتخصصة، والكثير من الآراء لعلماء حول تنظيم "الدولة"، زادت في مناعته حيال أفكار التشدد الديني..<br><br>وبعد أن نال حق اللجوء، وحصل بعيد ذلك على منحة لدراسة هندسة الاتصالات في إحدى الجامعات الألمانية.. انكب حسن على التعلم، والعمل، معاً.. فعمل في مطعم للمأكولات التركية في الشطر الغربي من العاصمة الألمانية برلين.. ست ساعات يومياً، كانت تدرّ عليه 1000 يورو على الأقل شهرياً، كان يحولها لعائلته في تركيا، فيما كان يعيش براتب المنحة الزهيد، ويقضي بقية يومه في تقصي كل كبيرة وصغيرة عن العلم الذي يتعلمه..<br><br>وخلال خمس سنوات تالية، كان حسن قد بات مهووساً بعالم الاتصالات.. ونفّذ عدة نماذج لأقمار صناعية مُصغرة في جامعته.. ونال إعجاب مدرسيه الألمان، وتخرج بتفوق، ونال منحة أخرى لمتابعة الدراسات العليا في نفس الاختصاص.. فتابع.. <br><br>لكن غصّةً كانت تتملك حسن، وفيما كان يتجه قدماً في نجاحه العلمي، وسط استقرار مادي مقبول له، ولأسرته القابعة في تركيا.. كان يشعر أنه يخدم بلداً ليست بلده.. كان الألم يعتصره على ما آلت إليه الأحوال في بلده.. كان حسن دوماً يراهن على رحمة الله، ويقول في نفسه، سيبعث الله رجلاً أو مجموعة، ستُقيل بلاده من عثرتها، وحينها، هكذا وعد نفسه، حينها، سيكون أحد جنود هذا الرجل، أو المجموعة..<br><br>وفي انتظار ذلك الموعد، كان جمال يطوّر في أبحاثه، ويجري اختبارات في آفاق غير مطروقة بعالم الاتصالات، والإشارة الالكترونية، والأقمار الصناعية.. لكنه لم يكن يُطلع أساتذته الألمان على كل ما وصل إليه.. كان يدخر جزءاً من اكتشافاته لزمنٍ قادمٍ.. زمنٍ تكون فيه سوريا دولة تستحق هذا العلم.. ويكون فيه هو أحد أبنائها الأوفياء.. <br><br>كان حسن يقرّ بجانب من فضل الألمان عليه، لكنه في الوقت نفسه، كان يؤمن بأن الغرب عموماً، وألمانيا جزء منه، راهن على خراب بلده، فحصّل عصارة أبنائه المميزين، وتركها دماراً..<br><br>كان حسن يُحمّل الغرب مسؤولية ما آلت إليه بلده.. لكنه لم يُكنّ الحقد للألمان، فقد ربطته بالكثير منهم، وشائج صداقة، في مراحل متقدمة من إقامته في هذا البلد.. ولاحقاً، تمكن حسن من تحقيق مصالحة داخلية في نفسه، بين صداقاته مع ألمان أظهروا الكثير من الجدارة بالثقة والاحترام في تعاملاتهم معه، وبين قناعته بمسؤولية بلدهم، كجزء من الغرب، عن دمار بلده.. قضت هذه المصالحة أن مسؤولي الألمان يبحثون عن مصالح بلدهم بالدرجة الأولى، ولو على حساب البعد الأخلاقي والإنساني، فيما لا يعلم الشعب الألماني شيئاً عما يدور في الخارج، وعن خفايا سياسات بلده حيال هذا الخارج..<br><br>مصالحة أراحته، لكنها حفزته أكثر لليوم المُنتظر.. يوماً سيكون فيه خالصاً للسوريين ولسوريا، بعلمه ومعرفته واكتشافاته وأبحاثه، وكل نقطة عرق تقطر من جبينه..<br><br>وهكذا، حينما أعلنت شركة "الدمشقي للاستشارات" عن مسابقتها العلمية – الاقتصادية، تقدم حسن للمسابقة.. كان حسن معجباً، مسبقاً، بجمال، خاصةً بعد ما فعله في لبنان.. إذ كان يوافقه على ذلك.. كان يوافقه على محاربة تنظيم الدولة، فهو تنظيم عدمي، يؤسس للخراب، باسم الدين، وتحت رايته.. <br><br>وفي صيف العام 2026، صدرت النتائج النهائية للمسابقة، وفاز حسن بالمرتبة الأولى، لكن تفاصيل فكرته، لم تُعلن.. كانت عقلية جمال، تشبه عقلية حسن، في كثير من النواحي.. فهي تعتمد على مبدأ "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"..<br><br>في آب من ذلك العام، التقى جمال بـ حسن للمرة الأولى، كان الأول قد حصل على نسخة مكتوبة تستعرض فكرة حسن، مع إشادة خبراء مختصين بها..<br><br>كانت شخصية جمال جذابة بالنسبة لحسن.. كان مباشراً، موجزاً، ومتفهماً.. وبدأ عملهما المشترك الذي أسس لامبراطورية اتصالات كبرى، الجزء المعلن منها لا يتجاوز عُشر الجزء المخفي..<br><br>وفي منطقة جبلية نائية شرق تركيا، أسس حسن، بدعم من جمال، مركز أبحاث وتصنيع متطور، جلب له أحدث المعدات، بطرق عديدة ملتوية، بصورة لا تكشف، قدر المستطاع، عن الغاية الأخيرة لها.. <br><br>وخلال 3 سنوات، تمكن حسن من تصنيع عشرات الأقمار الصناعية المتطورة للغاية، بأحجام قياسية في الصغر، بعضها لم يتجاوز طوله 3 سم، وعرضه 3 سم، وارتفاعه 10 سم.. وتمكن حسن، في نقلة نوعية في عالم الاتصالات، من وضع هذه الأقمار في مدارات أعلى من المُعتاد، وبسرعات أبطء، وجودة اتصال أعلى.. <br><br>وزود حسن تلك الأقمار بشيفرات تخفّي تُعتبر سبقاً علمياً في هذا المجال، كما زودها أيضاً بشيفرات تشويش على الإشارات الالكترونية، وشيفرات إصدار أخرى للإشارة، بصورة أخفت تلك الأقمار، عن مراقبة الدول الكبرى المتقدمة في هذا المجال..<br><br>وكان نجاح حسن الأكبر، أنه تمكن من تحقيق نقلة نوعية في إصدار إشارات الكترونية رقمية مختلفة عن تلك المعهودة، وغير معروفة حتى ذلك اليوم، وغير قابلة للاختراق حينها.. كما تمكن من اختراق كل الإشارات الالكترونية التي كانت تصدرها الأقمار الصناعية الأخرى، ووسائط الاتصال المعهودة يومها..<br><br>كان سبقاً نوعياً في مجال عالم الاتصالات.. جعل شبكة الأقمار الصناعية واللواقط المرافقة لها، التي أسسها حسن، في موضع متفوق على نظيراتها لدى مختلف الدول الكبرى في العالم.. وبعبارات موجزة، بات حسن قادراً على التجسس على أي شخص أو مجموعة أو منشأة أو دولة يريد، فيما لم يكن أي طرف في العالم قادراً على اختراق اتصالاته.. <br><br>وبذلك، بات جمال، عبر شبكة الاتصالات التي أسسها حسن، في وضع أمني متفوق.. باتت له شبكة اتصالاته الخاصة، التي لا يمكن رصدها من دول ومخابرات أجنبية.. وكان جمال يجاهد، كي لا يلحظ الغرب، وإسرائيل أيضاً، أو أية أطراف أخرى، ما وصلوا إليه من تقدم في عالم الاتصالات..<br><br>كان جمال يستخدم الاتصالات العادية التي يمكن رصدها، في اتصالاته غير المهمة، فيما كان يستخدم شبكة اتصالاته الخاصة، في اتصالاته الحساسة، التي لا يريد لأحد أن يتجسس عليها..<br><br>وإن كانت دوائر غربية، وأيضاً إسرائيلية، قد استشعرت وجود أمر غريب في اتصالات جمال، الذي كان مراقباً من عشرات الأجهزة الاستخباراتية حول العالم.. إلا أن أحداً لم يكن قد اكتشف كُنه ما يملكه جمال من قدرات اتصالية نوعية..<br><br>وعبر شبكة اتصالاته تلك، تمكن جمال من رصد كل مساعديه والمتعاونين معه، كي يتأكد من ولائهم.. وتمكن أيضاً من رصد مكالمات واجتماعات لدوائر غربية وإسرائيلية، كشف من خلالها نظرة هؤلاء ومخططاتهم حياله، فكان يسبقهم دائماً بخطوة بفضل معرفته تلك..<br><br>كما تمكن جمال، عبر عشرات مراكز العمليات السرّية في تركيا ولبنان وبعض الدول الأوروبية، من تجنيد شبكة عملاء له داخل الأراضي السورية، تمكن من استمالتهم، وتدريب بعضهم، عن بُعد، كي يتمكن من اختراق تنظيم "الدولة الإسلامية"، وإضعافه من الداخل..<br><br>وخلال السنتين اللتين سبقتا العام 2031، سابق جمال الزمن كي يتمكن من تنفيذ خطته المزمعة بتحرير دمشق، ومعظم الأراضي السورية، من ربقة تنظيم "الدولة الإسلامية"..<br><br>كانت فرقه العسكرية من اللاجئين السوريين في لبنان، قد تحولت إلى جيشٍ محترف، تم رفده بآلاف المقاتلين المتطوعين من اللاجئين السوريين في دول أخرى.. ورغم تذمر واستياء الأفرقاء اللبنانيين من ذلك، إلا أنه كان يطمئنهم دوماً أنهم ليسوا المستهدفين من ذلك.. ولم يكن لدى هؤلاء سبيل آخر سوى القبول بالأمر الواقع.. إذ أن قدرات جيش جمال كانت قد أصبحت متقدمة جداً، وكان يحظى بدعم خليجي وتركي وغربي.. وكانت الدوائر الغربية تراهن عليه في حرب مُقبلة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".. بعد أن تهشمت التفاهمات السرية بين الطرفين، بنسبة كبيرة..<br><br><br>***<br><br><br><br><font>يتبع في الفصل السابع..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br><br><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19659</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//e2d4d22962c7872667f7f7b6.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//e2d4d22962c7872667f7f7b6.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19548</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19548</comments>
						<pubDate>Fri, 30 Mar 2018 20:12:36 +0300</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19548</guid>
						<description><![CDATA[تحرك بخطوات رتيبة متباطئة، وهو يحاول استجماع قواه، وترتيب أفكاره، ونظم الأقوال التي يعتزم سردها، وفق استراتيجية معينة، فهو يلتقي الآن أحد أبرز مساعديه ومديري امبرØ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>تحرك بخطوات رتيبة متباطئة، وهو يحاول استجماع قواه، وترتيب أفكاره، ونظم الأقوال التي يعتزم سردها، وفق استراتيجية معينة، فهو يلتقي الآن أحد أبرز مساعديه ومديري امبراطوريته المالية، ويهمه جداً الحفاظ على رباطة جأشه أمامها، وصون هيبته ورصانته في نظرها.<br><br>هي امرأة، لكنها ليست أي امرأة.. فرغم أنها تجاوزت السبعين من عمرها، إلا أنها ما تزال تحاول القول للجميع، "إنني شابة"، وإن كانت تفشل في إيصال هذا الإيحاء بما يخص مظهرها الخارجي الذي تُعنى به كثيراً، إلا أنها ناجحة تماماً في إثبات "شبابها" من حيث أدائها المهني، وحنكتها في مجال إدارة العلاقات العامة والمفاوضات في عالم المال والأعمال.<br><br>هي مادلين صفرا، بيروتية مارونية، متخصصة في العلاقات العامة، وتنشط منذ أكثر من 45 سنة متنقلةً بين مختلف الشركات والدول حول العالم، قبل أن تستقر كإحدى أبرز مساعدات جمال الدمشقي، في امبراطوريته المالية والاستثمارية العملاقة، منذ أكثر من عقدين من الزمن.<br><br>وقف جمال لبرهة قرب مكتبه، أخذ نفساً عميقاً، ثم زفره ببطء لتهدئة سرعة نبضات قلبه التي تعجلت.. التفت إلى الروزنامة الموجودة على مكتبه، وحدق في تاريخ اليوم، إنه الرابع عشر من أيار.. "هل هي صدفة؟!"، قال في نفسه.<br><br>يصادف هذا التاريخ، الذكرى السنوية لتأسيس إسرائيل، منذ 92 سنة.. "إنهم يشعرون بالتوتر، فقد شاخت دولتهم"، حدّث نفسه. <br><br>استجمع قواه، ودلف إلى غرفة الاجتماعات، حيث كانت مادلين بانتظاره.. وحالما وقع بصره عليها، استرخت أعصابه، فقد كان تصابيها، في الملبس والمظهر، كافياً لحرف لُجّة الأفكار المُلتهبة في ذهنه، عن تركيزها..<br><br>بيضاء البشرة، تظهر علائم الترهل على الأجزاء المكشوفة من جسدها، رغم محاولاتها الحثيثة للحد من آثار الزمن، بتنورة قصيرة، أقصر بشبرٍ على الأقل من الرُكبة، وقميص يكشف مفرق ثدييها، وشعر مصبوغ باللون الذهبي.. وقفت مادلين لترحب بالرجل الذي بهرها مذ التقته..<br><br>حالما تلاقت نظراتهما، استعاد جمال جديته، واستنفرت كل حواسه، فلـ مادلين نظرات حادة، تخترق الشخص الذي أمامها، وكأنها تحاول سبر أغواره.. صافحها بابتسامة صادقة، وقال لها ممازحاً:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ألم تجدي تنورة أقصر من هذه؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كنت أظن أنني قد أُعتقل على الحدود لديكم.. يبدو أنك أعلمت المرافقة التي أرسلتها لاستقبالي، أنني استثنائية..<br><br>كانت مادلين تُلمح إلى فرض أحكام قانونية إسلامية، متعلقة بـ "الحشمة"، وإرفاقها بغرامة وعقوبة، حيث بات اللباس "غير المحتشم"، سبباً للمحاسبة، ويُعتبر جُنحة..<br><br>&nbsp;فحزب الوسط الذي يقوده جمال، والذي رفع شعار تطبيق "الشريعة الإسلامية"، بـ "اعتدال"، ليسحب البساط من تحت معظم الحركات والتيارات الإسلامية.. فاز بغالبية مقاعد البرلمان، وحظي بكرسي رئاسة الجمهورية، وبغالبية البلديات، في سلسلة انتخابات شهدتها سوريا بين عامي 2038 – 2039.. إلا أن الحزب لم يفرض الحجاب على النساء قسراً، واكتفى بفرض قانون أثار الكثير من الجدل، يعتبر اللباس "غير المحتشم"، للرجال وللنساء، مخالفاً للقانون.. وقد فصّل ذلك القانون مواصفات اللباس "غير المحتشم"، باستفاضة، بحيث شمل التنورة النسائية التي تكون أقصر من الرُكبة، أو القميص النسائي الذي يكشف مفرق الثديين.<br><br>يومها، في لقاء حصل بين مادلين وجمال، بعيد فرض القانون، تهكمت مادلين أكثر من مرة، أثناء نقاشهما في مجال العمل، من النسخة "الطالبانية المُعدلة"، حسب وصفها، التي فرضها جمال في سوريا.. لكنه حينها تجاهل تعليقاتها تماماً، وكان غير مستعدٍ لمناقشتها فيها..<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أعلمتهم أن السيدة التي سيستقبلونها، مُتصابية، وعليهم "أخذها على قدر عقلها"..<br><br>قهقهت مادلين، ولم تعتبر ما قاله إهانة، بل مداعبة لفظية.. جمال بالنسبة لها رجلٌ عظيمٌ، بكل المعايير، لكنها لم تستسغ ميوله الإسلامية.. لطالما كانت على قناعة بأنه يُضمر غير ما يُعلن، وأنه أميل للتحرر الاجتماعي، فهو الذي اقترن بزوجته، حينما كانت "سبور"، ومتحررة.. ولم تلتزم إيمان بالحجاب حتى اليوم.. كانت مادلين تفسر ذلك بأن "الحشمة" التي فرضها جمال على محيطه العائلي، وعلى المجتمع السوري، هي في نهاية المطاف، أداة سياسية، كي يسحب البساط من تحت أقدام التيارات الإسلامية، على اختلاف أطيافها.. وهو نجح في ذلك بالفعل، فاضطرت معظم تلك التيارات إلى التحالف معه، كي تحفظ لنفسها مكاناً تحت ضوء السياسة والإعلام في سوريا..<br><br>جلسا على كرسيين متقابلين، قال لها بعد أن استولت علائم الجدية على مُحياه:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; قد نكون مقبلين على مواجهة مع جهات دولية داعمة لإسرائيل.. وأريد أن نتخذ كل احتياطاتنا المالية والاستثمارية.. فقد أُستهدف في مجال المال والأعمال تحديداً..<br><br>حدقت فيه لبرهة، وكان عقلها يشتغل كالمحرك.. شعرت بقلقه رغم محاولاته الجاهدة لإخفائه.. قالت له:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أنت تعلم أننا سبق أن وضعنا خططاً وسيناريوهات لحالات الطوارئ، من قبيل أي مواجهة مع اللوبيات الداعمة لإسرائيل في الغرب.. وهي سيناريوهات وخطط جاهزة للاستخدام حالما نواجه أي هجوم قانوني أو مالي أو استثماري، من جانب أي طرف..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، نحن جاهزون.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالطبع.. وسأرفع وتيرة الاستعداد لدى كل مدراء المكاتب في عواصم ومدن العالم، حيث لنا نشاطات مالية أو استثمارية.. سأبرق إليهم أنك طلبت مني تفعيل الإجراءات الاحترازية التي أعلمناهم بها سابقاً.. وسيكون كل شيء على ما يرام..<br><br>صمتت لبرهة، ثم أردفت بلهجة تسودها مشاعر الود حيال جمال:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا تقلق،.. كنتُ دائماً مقتنعة أنك ستواجه هذا الموقف، عاجلاً أم آجلاً.. لكنني لا أظن أن إسرائيل ستبدأ بالضغط عليك، من المدخل المالي والاستثماري.. حلفائها في الغرب لن يسايروها مباشرةً، لأن لهم مصالح متشابكة معك، لا يريدون لها أن تتضرر.. أعتقد أن إسرائيل ستقوم بعمل عسكري محدود.. وهذا الأمر ليس اختصاصي،.. هذا اختصاص العناصر الجهادية التي أدمجتها بالجيش، وباتت هي قوامه الرئيس.<br><br>رغم تقديرها لـ جمال، إلا أن مادلين لم تكن راضية عن سياساته داخل سوريا، خاصة تحالفه مع الإسلاميين، وتجنيد الجهاديين في مؤسسة الجيش، بحيث تحولوا إلى عمادٍ له.. كانت مقتنعة أن جمال مخطئ، لكنها لم تكن تستطيع التدخل في هذا الحيز.. لم يكن جمال يُتيح لها فرصةً للنقاش في هذا المجال..<br><br>وبالفعل، وكما توقعت مادلين، قال جمال بلهجة حازمة: <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حينما تندلع الحرب، لن ينفعني إلا الجهاديون.<br><br>يتفهم جمال بطبيعة الحال، دوافع مادلين، فهي ليست فقط، مارونية لبنانية، بل أكثر من ذلك، هي امرأة متحررة، لا قيود دينية أو اجتماعية، تحكمها.. بل كانت ماجنة في سنوات شبابها.. ارتبطت بعدة زيجات فاشلة.. ولم تُنجب.. كان عملها الشيء الوحيد الذي كان يحظى بالالتزام في حياتها.. عُرف عنها إخلاصها لصالح من تعمل معهم.. لم تُفشي يوماً سرّاً عن شركة أو رجل أعمال عملت لصالحه.. كما كانت مثالاً للنجاح والتفاني في عملها.. وكانت محنكة في مجالها، الأمر الذي أكسبها شهرة كبيرة في أوساط عالم المال والأعمال في سويسرا بدايةً، وفي كل أوروبا لاحقاً.. <br><br>ورغم أنها، ومذ التقاها جمال قبل أكثر من عقدين، كانت قد ضبطت علاقاتها الاجتماعية، واعتزلت المُجون تماماً، إلا أن ذلك لم يمنعها يوماً من المجاهرة بقناعاتها المُتحررة، ورفضها الالتزام بأي قيود.. كانت تؤمن بالحرية إلى أقصاها.. لا الحرية السياسية فقط، فتلك من البدائيات في نظرها.. بل كانت تؤمن بالحرية الاجتماعية والشخصية، وحتى الجنسية.. كانت الثقافة الأوروبية تتلبسها تماماً.. حتى فقدت أي صلة مع قِيم مجتمعها الشرقي.. وبقيت بيروت معشوقتها، رغم أنها تقضي معظم أوقاتها في جنيف.. وكأن هي – بيروت – البقية الباقية في مكان قصيٍّ من ذاكرة مادلين، التي تعود إلى عهد ما قبل هجرها للشرق، لا بحيزه الجغرافي، بل بقيمه ومعتقداته الاجتماعية تحديداً..<br><br>لذا، كان جمال مقتنع أن مادلين لن تستطيع تفهمه، فهو على خلافها.. عاش في الغرب بضع سنوات، لكنه لم ينبهر به، وحالما أُتيحت له الفرصة التي انتظرها، اقتنصها فوراً ليعود إلى الشرق، إلى اسطنبول بدايةً، ومن ثم، إلى معشوقته دمشق.. كان جمال الضدّ عن مادلين في قناعاته الاجتماعية والقيمية.. فهو ابن الشرق، وابن المجتمع العربي الإسلامي، الوفيّ.. ولم يكن وفاؤه هذا سياسةً فقط، بل كان أعمق من ذلك بكثير، كان قناعة، ورغبة في نهوضٍ حضاري لبلاده ومنطقته.. نهوض لا يهجر الماضي التليد، بل يستوعبه، ويؤسس على أفضل ما فيه، ولا يقطع مع الحاضر، بل يستوعبه أيضاً، ويؤسس على أفضل ما فيه.. كان ابن الشرق الوفيّ، فيما كانت مادلين ابنة الشرق المُتنكرة.. لذا، لم تكن قناعاتهما القِيمية، تلتقي، إلا في حيز واحد فقط.. إتقان العمل، والإخلاص فيه.. وكان ذلك سرّ شراكتهما التي امتدت لأكثر من عقدين..<br><br>***<br><br>عام 2018، شارك جمال بمسابقة البنك السويسري – البريطاني، لأفضل فكرة استثمارية في العالم. وتجاوز بنجاح، مراحلها الأربعة.. لم يكن هو نفسه يتوقع ذلك.. لكن فكرته الاستثمارية المُقترحة، لاقت إعجاب وتقدير أغلب المُحكّمين من خبراء المال والأعمال..<br><br>في المرحلة الأولى، التي كانت محلية، حيث كان يقيم في الغردقة على البحر الأحمر، في مصر، فاز جمال بالمرتبة الأولى بسهولة، إذ كان عدد المشاركين محدوداً جداً، وكانت طروحاتهم، في معظمها، ساذجة، أو مُقلّدة لتجارب مماثلة تماماً..<br><br>لكن، مع الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي كان على جمال تجاوزها في القاهرة، كانت المنافسة أصعب.. وهناك لاقى جمال تحدياً خطيراً، إذ استشعر دوراً للعلاقات الشخصية وراء كواليس فرع الـبنك السويسري – البريطاني في القاهرة..<br><br>وبعد أن اختيرت فكرته بين الـ 10 الأوائل، كان يتوجب على جمال إقناع المُحكّمين بتميز فكرته، في لقاء مُصوّر أمام لجنة المُحكمين.. وهنا قرر جمال اعتماد استراتيجية الهجوم، إذ شعر أنه لن يخسر شيئاً، وأن الفائزين الثلاثة اختيروا بناء على علاقاتهم الشخصية، وليس بناء على نوعية أفكارهم، وأن الرشوة لعبت دورها، فقرر جمال أن يُشهر سلاح الإعلام.. <br><br>وأمام الكاميرات التي كانت تنقل بصورة مباشرة مجريات الجلسة التي سيستعرض فيها كل متسابق، من الـ 10 الأوائل، مكامن تميز فكرته الاستثمارية، قال جمال صراحةً بأن لديه معلومات أن الفائزين الثلاثة اختيروا، مطالباً اللجنة بالنزاهة، واختيار أفضل الأفكار، لنوعيتها، لا على أساس العلاقة الشخصية.. فانتفض أحد المُحكمين غاضباً، ودافع عن نزاهة اللجنة.. لكن جمال عقّب: "أرجو ألا يكون، كوني لاجئاً سورياً، سبباً للاستخفاف بحقي في أخذ فرصتي كاملة".<br><br>شعر بعض المُحكمين بخطورة نقل هذا الجدل على الهواء مباشرةً، عبر موقع الكتروني مخصص للمسابقة.. وبعيد الجلسة، تداول ناشطون سوريون، وآخرون عرب، فيديو الجدل هذا على يوتيوب، بكثافة، وشاهده أكثر من 2 مليون مشاهد، وكثرت التعليقات عليه.. الأمر الذي أغضب إدارة المسابقة الدولية في جنيف، التي تواصلت مع لجنة المُحكمين في القاهرة، وطلبت نسخاً عن الأفكار الاستثمارية التي وصلت إلى مرتبة الـ 10 الأوائل، ومن بينها فكرة جمال.. وطلبت من لجنة المُحكمين في القاهرة أن تُعلم الإدارة بأسماء الفائزين الثلاثة الذين سيترشحون للمرحلة الثالثة في دبي، قبل إعلان الأسماء..<br><br>لم يكن اسم جمال من بينها.. وكان بين شخصيات إدارة المسابقة الدولية في جنيف، ثلاثة عرب، لبناني ومصريّ وأردني، أجمع الثلاثة على تميز فكرة جمال، مقارنة بالأفكار الأخرى.. الأمر الذي زاد من غضب لجنة إدارة المسابقة، التي أوعزت إلى فرع البنك في القاهرة، بإعفاء لجنة المُحكمين الحالية، وتأخير موعد إعلان الأسماء الفائزة، واختيار لجنة أخرى خلال أسبوعٍ فقط..<br><br>واستنفر فرع البنك في القاهرة، واستشاط مديره غضباً، وألقى بحمم غضبه على أعضاء اللجنة، ومشرفي المسابقة في القاهرة، رغم تورطه شخصياً في اختيار الأسماء الفائزة، بما يتناسب مع حجم ما دفعوه من رشاوى.. وتم تغيير لجنة المُحكمين بأخرى، أوعز مدير فرع البنك في القاهرة، إليها، بأن يكون اسم جمال بين الفائزين الثلاثة..<br><br>وبالفعل، فاز جمال بالمرتبة الأولى، بين الأسماء الثلاثة التي فازت في المرحلة الثانية، والتي انتقلت إلى المرحلة الثالثة في دبي..<br><br>وهناك، كانت المنافسة أشدّ.. لكن فكرة جمال كانت قد وصلت مُسبقاً إلى إدارة المسابقة الدولية في جنيف، وكان معظم أعضاء الإدارة قد أبدوا إعجابهم بها، هناك.. الأمر الذي أعطاها ثقلاً في دبي..<br><br>ولم يكن مبرر دفع الرشاوى واستخدام العلاقات الشخصية للفوز بالمراتب الثلاثة الأولى في المرحلة الثانية من المسابقة، في القاهرة، قيمة الجائزة، التي لم تكن تتجاوز الـ 10 آلاف دولار، بل كان المبرر، سعي شركات ومستثمرين مصريين، لتمرير أفكارٍ استثمارية لهم، عبر أشخاص يقدمونهم للمسابقة على أنهم، مقترحو الأفكار، علّها تحصد المراتب الثلاثة الأولى في نهاية المسابقة، فتحظى بتمويل ودعم البنك السويسري – البريطاني، لتنفيذ هذه المشاريع على مستوى عالمي، فتستفيد الشركات التي تقف وراءها، في الحصول على تمويل وتسويق دولي لمشاريعها..<br><br>من جانبه، كانت الـ 10 آلاف دولار، التي حصل عليها جمال بموجب فوزه بالمرتبة الأولى في المرحلة الثانية من المسابقة بالقاهرة، أكبر مبلغ خاص به، يتسلمه في حياته.. فكانت بهجته كبيرة، وكانت دفعة قوية له، أعادت بريق الأمل للحياة في ناظريه، بعد مرحلة اكتئاب عصيبة عاشها قبيل اشتراكه بالمسابقة.<br><br>وكانت بهجته أكبر بكثير، خلال المرحلة الثالثة في دبي، حيث كان قد حظي بشهرة نسبية في أوساط متابعي قصته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة من السوريين، الذين تعاطفوا معه، وأملوا في أن يفوز بالمسابقة في مرحلتها الأخيرة بجنيف، وأن يرفع "رأس السوريين" عالياً، وسط ما كانت تعيشه سوريا حينها من مآسٍ قاسية، جعلت نظرة الجوار والعالم لأبنائها، نظرة شفقة في معظم الأحيان.<br><br>كانت قصص نجاحات السوريين في مختلف الميادين، في بلدان اللجوء والمهجر، تشكّل مواساةً نفسيةً هامةً لأبناء هذا البلد.<br><br>كانت سوريا يومها، خلال صيف العام 2018، تعيش السنة السابعة من مآساتها، دون جديدٍ نوعي.. ربما باستثناء تربع دونالد ترامب على سدة الرئاسة في واشنطن، الأمر الذي زاد من صعوبة المشهد بالنسبة لأنصار الثورة في سوريا..<br><br>واقع الأمر أن دونالد ترامب لم يغيّر كثيراً من جوهر السياسة الأمريكية في سوريا، التي كان يعتمدها سلفه باراك أوباما، لكنه كشف القناع عنها، لا أكثر.<br><br>فواشنطن، استمرت في عهد ترامب، تراهن على استنزاف كل الأطراف في سوريا، إلى حين الوصول للوضعية المطلوبة من الاهتراء، بصورة تتيح حلاً سياسياً، يحافظ على النظام ذاته بدمشق، مع إشراكٍ هزيلٍ للمعارضة في الحكم، وعزل الجهاديين الذين لا يمكن ضمان السيطرة عليهم.<br><br>لذا، كان الأساس في سياسة واشنطن تجاه سوريا، هو أن الأخيرة مستنقع استنزاف للروس وللإيرانيين وللجهاديين ولنظام الأسد، وللشيعة العرب، ولـ "داعش"، وللخليجيين، ولتركيا، ولكل من يريد أن يتورط أيضاً. أما التكتيكات الأخرى لسياسة أمريكا في سوريا، فكانت مجرد إدارة للأزمات والصراعات في سوريا، ولم تكن مسعىً جدّياً للحل النهائي فيها.<br><br>وبعد تراجع "المدّ الداعشي"، وخسارة "داعش" لكل مراكزه المدنية، في الرقة والموصل ومدن أخرى، واندحاره إلى الصحراء وإلى عمق البادية السورية – العراقية، خلال العام 2017، لم تعد واشنطن تخشى خطراً مباشراً في سوريا، فارتفعت من جديد سياسة استنزاف كل الأطراف في سوريا، وتحصيل المكاسب من ذلك الاستنزاف.<br><br>في صيف العام التالي، 2018، وصل جمال إلى دبي، والدنيا تفتح ذراعيها له، في نظره.. كانت دبي عالماً آخاذاً بالنسبة له، سمع وشاهد، تلفزيونياً، الكثير عنها.. واليوم، يعيش هذا الحلم، ويُترف فيه.. كان في أوج انبهاره "الدنيوي".. وكان يكابد لتذكير نفسه المُترعة بالمآسي لسنوات، بأن "الدنيا فانية"، وأن عليه تذكر ذلك كي لا يضيع في غياهبها، لكنه في معظم الأحيان، كان يفشل في ذلك..<br><br>لقي جمال في دبي الكثير من الحفاوة والترحاب، من منظمي ومشرفي المسابقة في فرع البنك السويسري – البريطاني في دبي، فهم كانوا يعلمون أن منظمي المسابقة الدولية في جنيف، يؤيدون بشدة، فكرته الاستثمارية، بعد الضجة الإعلامية التي أًثيرت حولها في القاهرة..<br><br>كما تلقى جمال في دبي، دعوات من رجال أعمال سوريين، وعرب، للقاء به، لاستمالته كي يكون من المتعاونين معهم في التخطيط الاستثماري لمشاريعهم..<br><br>وعقد جمال عدة لقاءات مع رجال أعمال سوريين، مُحتسبين على المعارضة، ومحايدين، وتلقى عروض عملٍ مُغرية، جعلت أبواب الفرص مُشرّعةً أمامه، فحتى لو فشل في تجاوز المرحلة الثالثة في دبي، فهو حصل على فرص عملٍ مميزة في تلك المدينة، في شركات سياحة كبرى..<br><br>كانت فكرة جمال في القطاع السياحي. وتتلخص في الجمع بين هدفين، الترفيه، وتخفيف الوزن.. ورغم أن الفكرة ذاتها، مطروقة سابقاً، إلا أن تفصيلاتها الدقيقة التي جاء بها جمال، وفق جدوى اقتصادية مُجدية جداً، هي التي رفعت من قيمة الفكرة.. <br><br>وبحكم دراسته للاقتصاد، وهو المتخصص فيه، فصّل جمال في خطته الاستثمارية، بالأرقام والخطوات، بصورة جعلتها قابلة للتنفيذ الفوري، إن توفّر التمويل والتسويق والدعم الكافي.. وهو ما كان متوفراً في المسابقة الدولية للبنك السويسري - البريطاني..<br><br>وتقوم فكرة جمال بإيجاز، على عروض سياحية بقيمة 50 ألف دولار أمريكي، لشهر واحد، في إحدى المنتجعات المناسبة حول العالم، يقضي خلالها الشخص 30 يوماً، وفق برنامج تفصيلي، مخصص بعناية، لتحقيق هدفين معاً، ترفيهه، وتخفيف وزنه..<br><br>ويتوجب على مُشتري تلك العروض، أن يخضع خلال الـ 30 يوماً، لنظام غذائي محدد بإشراف متخصص، ونشاطات رياضية تتناسب مع الموقع الجغرافي للمنتجع الذي سيقيم فيه.. فإذا كان في البحر الأحمر بمصر، مثلاً، يقضي ساعات مخصصة صباحاً، لرياضة الغطس والسباحة، بإشراف متخصصين.. ويقضي مساءاً ساعات في تدريبات رياضية مكثفة بإشراف متخصصين من إحدى النوادي الرياضية العالمية..<br><br>وتخلص تفاصيل البرنامج السياحي للـ 30 يوماً، التي حددها جمال بعناية عالية جداً، إلى فقدان الشخص ما يتراوح بين 8 إلى 12 كيلو غرام من وزنه، على الأقل..<br><br>وأشار جمال في تفاصيل خطته إلى أن تعداد البشر في العالم يتجاوز 7 مليارات نسمة، فإذا أهملنا 2 مليار منهم، من المُعدمين، واحتسبنا نصفهم من الأطفال، فإن الحصيلة ستكون 2.5 مليار إنسان، 30% منهم، حسب الإحصاءات المتخصصة، ممن يعانون من السُمنة، أي 750 مليون نسمة.. 10% منهم يملكون الملاءة المالية التي تؤهلهم لشراء هذا العرض السياحي، أي 75 مليون نسمة، أي بحصيلة أولية تُقدّر بـ 3.75 ترليون دولار أمريكي.. <br><br>وبطبيعة الحال، أورد جمال في خطته التفصيلية، بنوداً خاصة بحماية الملكية الفكرية، واحتكار الفكرة الاستثمارية، بما يمنع تقليدها من جانب منافسين محتملين.. <br><br>خطة جمال تضمنت بنوداً حول كيفية إقناع كبريات شركات السياحة في العالم، بالاشتراك في تنفيذ هذه الفكرة، وفق نسب مئوية متفق عليها مع البنك السويسري - البريطاني .. وعلى البنك، عبر فروعه في العالم، ومتعاونين معه في بلدان لا فروع له فيها، تشكيل تحالفات مع الفاعلين في قطاع السياحة محلياً، وحول العالم..<br><br>كما تضمنت خطة جمال، آلية لإقناع حكومات العالم بمنح البنك السويسري – البريطاني، والمتحالفين معه، عقوداً احتكارية لتنفيذ الفكرة، دون منافسة من آخرين، وذلك عبر منح تلك الحكومات نسبة 40% من حصيلة الأرباح النهائية..<br><br>التحوطات التي أضافها جمال لفكرته، بغية تأمينها من السرقة والمنافسة، ولتحقيق الاحتكار لمنفذييها، من منطلق حق الملكية الفكرية، أكسبت فكرته جدوى اقتصادية أكبر في نظر المُحكمين الذين اطلعوا عليها.. <br><br>وفي ختام المرحلة الثالثة في دبي، فاز جمال بالمرتبة الأولى، متفوقاً على منافسين، إيراني، احتل المرتبة الثانية، وتركي، احتل المرتبة الثالثة، وذلك على مستوى الشرق الأوسط..<br><br>تم التهليل لـ جمال بكثافة، في وسائل التواصل الاجتماعي.. ونصّبه السوريون رمزاً من رموز نجاحاتهم التي تواسي نفوسهم المُلتاعة.. كما اعتز به أقرانهم من العرب، بعد أن تفوق على منافسه الإيراني تحديداً.. وبات جمال شخصية عامة، إلى حدٍ ما..<br><br>كانت الجائزة المالية للمرحلة الثالثة، 100 ألف دولار أمريكي، أشعرت جمال أنه بات من "صغار الأثرياء".. كانت ثروة بالنسبة له.. ورغم أنه سليل عائلة عريقة، كان العمّ فيها من رجال الأعمال المُعتبرين في دمشق، إلا أن فوضوية والده في تنظيم حياته المالية والمهنية، وحصره أفق تطلعاته في الحفاظ على المكاسب المحدودة التي كان شقيقه الأكبر يمنحه إياها، إلى جانب أسلوب حياة أسرة جمال، المُسرف نسبياً، قياساً إلى دخلهم الشهري، جعلهم لا يدخرون شيئاً للمستقبل، باستثناء شقة "ركن الدين" في دمشق، التي أهداها العمّ رشاد لوالد جمال، بعيد ولادة الأخير..<br><br>لم يعش جمال حياةً من الفاقة فعلياً، بل كانت حياتهم مُرفهة إلى حدٍ ما، وكانت نقطة التوافق الوحيدة بين أبيه وأمه، هو عدم ركونهم لسياسة التقشف التي يشتهر بها الكثير من الدمشقيين.. فهم يُنفقون "ما في الجيب"، على أمل الحصول على "ما في الغيب".. الأمر الذي جعلهم دون أي مدخرات مالية، فتعرضوا لاحقاً لهزات معيشية أليمة، لكنها كانت دائماً مؤقتة، سرعان ما تنتهي بقبول العم رشاد، التدخل، وتزويدهم بمبلغٍ يُقيلهم من عثرتهم المعيشية، لكن ليس لفترة طويلة..<br><br>بكل الأحوال، كان مبلغ الـ 100 ألف دولار، التي حصل عليها جمال في دبي، نقلة نوعية في حياته المادية.. فهو لم يسبق له، أن حصل على مبلغ مماثل، خاص به شخصياً.. فكان حريصاً على ألا يقع في نهج والديه، وأن يدخر نصف المبلغ على الأقل، بعيداً عن متناول يديه.. لكنه أسرف، وكأنه إرث جيني، في النصف الثاني.. أرسل جزءاً منه لشقيقيه المقيمين في مصر أيضاً، لتحسين أوضاعهما المعيشية، ومتّع نفسه بما بقي، في أجواء دبي الصاخبة..<br><br>وبعد شهرين، كان جمال في جنيف.. ولأول مرة في حياته يغادر إلى بلدٍ أوروبي.. كانت عيناه تنهشان محيطهما، واستلبته أجواء المدينة، فيما كان الشتاء يقرع الأبواب،.. وكانت المرحلة الأخيرة من المسابقة حُلماً وردياً عاشه جمال، إذ تم الترويج لفوزه قبل إعلان الأسماء الفائزة، وبكثافة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من جانب سوريين، وعرب.. الأمر الذي عزّز حظوظه في تقديرات لجنة المُحكمين الدولية، التي لم تكن تراعي فقط الاعتبارات الخاصة بجدوى فكرته الاستثمارية، بل كانت تأخذ في الحسبان أيضاً، أبعاداً إعلامية، قد تحسّن من شعبية البنك السويسري - البريطاني، وتروّج له على أنه نصير وداعم للاجئين السوريين حول العالم..<br><br>وكانت بلده، التي لطالما أحبها وعزّ عليه فراقها، وما آلت إليه.. سبباً من أسباب نجاح جمال.. وكان يعلم ذلك في قرارة نفسه، فأخذ على نفسه عهداً أن يعمل جاهداً على مساعدة أبنائها.. مهما كلفه الأمر.. لكنه في وقتٍ لاحق من ذلك الشتاء في جنيف، تناسى عهده الداخلي لأمدٍ دام قرابة السنتين، متذرعاً، في جداله الداخلي، بصعوبة القيام بأي شيء حيال مأساة خرجت عن سيطرة الجميع..<br><br>وقبل عشرة أيام فقط من رأس السنة الجديدة، 2019، تُوّج جمال بالمرتبة الأولى لمسابقة البنك السويسري – البريطاني، الدولية، بجائزة مالية قدرها، مليون دولار أمريكي، وبعقد اتفاق، وقّعه مع البنك، بتنفيذ فكرته الاستثمارية، بنسبة 10% من الأرباح تعود له، شريطة أن يتفرغ لتنفيذها، بدعم وتمويل وتسويق، من البنك..<br><br>وبدأ مشوار جمال مع النجاح المالي والاستثماري.. مشوار أخذ خطاً تصاعدياً، بوتيرة متسارعة، لم تهدأ يوماً.. وتحول إلى إحدى الأساطير في عالم المال والأعمال.. تحول معها جمال إلى أيقونة، يحكي العالم بأكمله، قصة نجاحها المُدهشة..<br><br><br><font>يتبع في الفصل السادس..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19548</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//88acc6544e77d5c78582b510.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//88acc6544e77d5c78582b510.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[سقوط دمشق – (الفصل الرابع من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19482</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19482</comments>
						<pubDate>Fri, 23 Mar 2018 19:31:21 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19482</guid>
						<description><![CDATA[سار بخطى متثاقلة باتجاه جناح نومه الخاص.. كان يسير والأفكار تتلاطم في ذهنه، فحصيلة لقائه مع ديفيد باركر، الصحفي اليهودي – الأمريكي في "نيويورك تايمز"، أنبأته بأن ظنو]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>سار بخطى متثاقلة باتجاه جناح نومه الخاص.. كان يسير والأفكار تتلاطم في ذهنه، فحصيلة لقائه مع ديفيد باركر، الصحفي اليهودي – الأمريكي في "نيويورك تايمز"، أنبأته بأن ظنونه في محلها، وأنه قد يكون على طريق مواجهة مُرتقبة في أي لحظة مع الإسرائيليين.<br><br>كان جمال يفكر بالإجراءات الفورية الواجب اتخاذها اعتباراً من الغد، برفقة قادة الدولة السورية، الذين كانوا فعلياً، أقرب لموظفين لديه، بحكم كونهم ممثلين للحزب الذي يقوده، وبحكم النفوذ المالي والسياسي والأمني الهائل الذي يمسك من خلاله بـ "تلابيب" الدولة السورية الجديدة.<br><br>"الحرب على الأبواب".. برقت تلك الخاطرة في ذهنه، والتمعت وكأنها عبارة مكتوبة أمام عينيه. لكنه قرر أن لا سبيل لتفادي ذلك، إن أصرّ الإسرائيليون على إخضاعه.<br><br>وأخيراً، وصل منهكاً إلى جناحه الزوجي الخاص.. دخل الجناح الضخم الذي يضم عدة غرف خاصة به وبزوجته، فقط.. وحالما دلف إلى غرفة استراحة مجاورة لغرفة النوم.. رأى إيمان تجلس في ركنه المحبب، وراء الطاولة الخشبية المعمولة بفنون "الأرابيسك" التي يعشقها، وأمامها عُدة الشاي الأخضر الذي بات "وِرده" اليومي تقريباً، برفقة آنية العسل، وغلاية الماء، وأعشاب الشاي الأخضر السيلاني، اليانعة، التي تصله بالطائرة كل بضعة أيام في طلبيات خاصة به..<br><br>كانت ترتدي ثوبها الأحمر الحريري الشفاف، الذي يُعرّي صدرها العارم، ويشف عن معظم تفاصيل جسدها الممشوق، ببشرتها البرونزية، وشعرها الأسود الفاحم المتهدل على كتفيها.. ونظرات عينيها الخضراوتين المزدانتين بالكحل، تخترقه..<br><br>"هل يُعقل أن هذه المرأة تبلغ من العمر 50 سنة؟!".. حدّث نفسه، وهو يتقدم تجاهها، بعد أن استولت البهجة عليه، فتلك إحدى أعزّ لحظات يومه عليه.. حينما يشرب الشاي الأخضر برفقة حبيبته، وصديقته، وشريكة عمره، ويُفضي لها بكل مكنونات صدره، من هموم ومشاكل وتطلعات، فتكتفي بالاستماع حيناً، لتضمه لاحقاً إلى صدرها ليهدأ ويستكين ويشعر بالأمان.. وتناقشه في مشكلاته حيناً آخر، لتقترح حلولاً أو تلفت نظره لأفكار ممكنة..<br><br>كانت إيمان فاتنة بكل ما للكلمة من معنى، بقدٍ ممشوق، وبشرة برونزية امتصت الكثير من أشعة الشمس في شبابها، ناهيك عن شعر أسود فاحم غزير، ووجه دائري وشفتين ممتلئتين بارزتين، وعينين كبيرتين، بخضرة يداخلها شيء من الرمادية..<br><br>لم تكن إيمان فقط فاتنة شكلاً، بل أيضاً مضموناً.. كانت تحمل شهادة عليا في اختصاص تقييم المخاطر الائتمانية البنكية، بموجب دراسة في جامعة خاصة بريطانية.. وكانت تتشارك مع جمال في هواية المطالعة المكثفة، التي منحتها سعة أفقٍ وإطلاع واسعين، ناهيك عن اشتراكهما في الاهتمامات، فكانا يعشقان معاً، القراءات في مجالات الفلسفة والأديان والسياسة والاقتصاد والروايات.<br><br>تتقن إيمان ثلاث لغات، الإنكليزية والفرنسية، وشيئاً من التركية. وسبق أن خاضت دورات تدريبية في مجال فنون التفاوض، وفي مجال العلاقات العامة.<br><br>ولم تكن إيمان، فاتنة شكلاً، وممتلئة فكراً وعلماً وثقافةً فقط، بل كانت أيضاً سليلة عائلة لبنانية عريقة، من آل الصلح، ذات المنبت "البيروتي"، من أصول "صيداوية"، تتحدر من سلالة تركية.<br><br>كانت إيمان تملك أقصى معايير المرأة النموذجية، التي سبق أن تخيلها جمال. وكأن القدر خصّ جمال بتحقيق أمنية عصيّة على الكثيرين، يندر من يحظى بها في هذه الحياة.. أن يجد المرء الشريكة المثالية التي لطالما حلم بها، شكلاً ومضموناً، ونسباً.. وأيضاً، خُلقاً.<br><br>لكن تحت أسترة كل هذه الميزات التي ميّزت إيمان، كان سرٌ خطيرٌ يعتمل في داخلها، ويشكل أشواكاً حادة تنغص حياتها، وتقض مضجعها.. وكان أن باحت لـ جمال به، بعيد فترة من تعارفهما قبل أكثر من عقدين.. حينها ضعفت لوهلة تحت تأثير مشاعر الارتياح التي أحستها حيال جمال، وهي مشاعر قلما شعرت بها حيال رجل.. فانجرفت في ذلك، لتكشف سرّاً لم تكشفه لأحدٍ في حياتها، إلا لأُمّها، ذات الشكيمة القوية.<br><br>&nbsp;لكن جمال كان أحسن من "حسن ظنها" به، لم يستغل سرّها، بل ساعدها على معالجته، رويداً رويداً، فكان ذلك سبباً لولادة حُبٍ كبيرٍ، حُبٍ بُني على ثقة إيمان به، واستغلال جمال لهذه الثقة، باتجاه توطيدها، كي يضمن بقائها بجواره، لأنه أحبها. وعدها بكتمان سرّها، ودعمها في مواجهته، فكان عند وعده لها. وهي وثقت به، فكان عند حسن ثقتها. فكانت الثمرة حُباً كبيراً، تأسس على مشاعر الأمن، وتعزز بالثقة، وتكرس بالمودة، وتُوج بالرحمة.<br><br>***<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ما كنت أتجنبه طوال حياتي، بات قاب قوسين أو أدنى.<br><br>أفضى جمال لزوجته بنبرة تحمل شيئاً من الإحباط، وهو مرتمٍ بين أحضانها. قالت:<br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كنت تعلم مسبقاً أنهم غير راضين عن مسارك، لقد حاولوا قتلك قبل سبع سنوات فقط.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كنت أظن أنني تمكنت من تأجيل المواجهة معهم لأمدٍ أبعد. ما زلنا في طور بناء الدولة، سوريا خرجت من عقدين من الحرب والاقتتال والفوضى والدمار. ولم نكمل عقداً من التعافي بعد. نحتاج إلى المزيد من الوقت.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وهل تظن أنهم سيُمهلوك إلى حين استكمال التعافي؟!<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل ترين أنني متعنت؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا.. لا تلين يا جمال.. المسار الذي اخترته واضح، وأنت كنت على يقين مسبق أنهم لن يتركوك تسير فيه حتى النهاية دون أن يحاولوا إيقافك. حتى لو لم تعزز القدرات الدفاعية قرب الحدود. يكفي أنك تُؤسس لدولة قوية اقتصادياً وعلمياً وسياسياً، وحتى اجتماعياً. ذلك كفيل بإثارة غضبهم عليك. والرضوخ لهم يعني أن تتخلى عن مشروعك في سوريا، مشروعٌ كدت تلقى حتفك في سبيله. <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، سيكون الصدام قريباً جداً.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; اتكل على الله، أنت مستعد منذ فترة لهذه المواجهة، وأنت قلت لي أكثر من مرة أن تقديرات القيادات العسكرية والأمنية أنهم مستعدون لمواجهة مع إسرائيل.. قد تكون هذه المواجهة ضرورية كي يبتعدوا عن طريقك حينما يشعرون بخطورة الصدام معك.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا أعتقد ذلك يا إيمان.. إن حصل الصدام، وتفاجئوا بقدراتنا العسكرية، كما أتوقع، سيُوقظون كل شياطين الدنيا لمحاربتنا،.. وهذه المرة لن تكون المواجهة مباشرة معهم، بل ستكون عن طريق آخرين.. دول وأطراف إقليمية ودولية ستتصدى لمهمة محاربتنا.. وستتضخم قائمة أعدائنا.. وهذا ما أخشاه.. أخشى أن يعرقل ذلك مسيرة البناء اليافعة في البلد.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حلفاء إسرائيل في الغرب لن يخلطوا بين السياسة والاقتصاد.. ليس لهم مصلحة في ذلك، فانتعاش الاستثمارات في المنطقة ينعش اقتصاداتهم، وهم بأمس الحاجة لذلك.. أعتقد أنهم سيفصلون السياسة عن الاقتصاد، ولن ينالوا من مسيرة البناء في سوريا والمنطقة، كي لا يخسروا اقتصادياً.. أما المواجهة العسكرية، فهي محتملة، لكن ستكون محدودة، وليست شاملة.. اتكل على الله.. فهذه تقديراتك منذ أمد.. وهي توقعاتك منذ فترة ليست بالقصيرة.. لا تجبن حينما تحين اللحظة الحاسمة.<br><br>هدأت نفسه قليلاً،.. بالفعل، ما قالته إيمان هي تقديراته ذاتها التي سبق أن أفضى بها إليها، في أكثر من مناسبة سابقة، وأسس عليها سيناريوهات المستقبل.. كان يعلم منذ أمد أن المواجهة لا بد آتية مع الإسرائيليين.. هل استكان لشعور الأمن والسلام وأبهة الحكم والسلطة بعيداً عن الخطر؟.. ربما.. لكنه في النهاية حسم أمره، لن يغيّر قيد أنملة فيما سبق واعتزمه.<br><br>&nbsp;"إن تحرشوا بنا عسكرياً، لتكن الحرب"، قالها في نفسه بحزم.<br><br>***<br><br>في خريف العام 2033، تعرض موكب جمال الدمشقي لتفجير هائل أثناء مسيره في قلب العاصمة اللبنانية، بيروت.. تفجير ذكّر اللبنانيين والسوريين، والعالم، بحادثة اغتيال رفيق الحريري، قبل أكثر من 28 سنة.. فرغم التقنية العالية لرادارات رصد المتفجرات، التي كان يضمها موكب جمال، إلا أن الرادارات لم ترصد المتفجرات التي كانت تحت الأرض تنتظر مرور الموكب المُرتقب من نفس المنطقة، في تكرار لسيناريو اغتيال الحريري، بنفس التفاصيل، تقريباً.<br><br>كان وفيق الصلح، والد إيمان، بجوار جمال في سيارته الخاصة المُصفّحة.. وشاءت الأقدار أن يكون موضع سيارته بعد بضعة أمتار فقط من مركز التفجير لحظة حدوثه.. طارت سيارته من مكانها.. كانت تجربة مُريعة للغاية.. لكنه نجا مع بعض الإصابات غير الخطيرة.. أما وفيق الصلح، والد زوجته، الذي كان بجواره، فتلقى ضربة قاسية على الرأس أثناء انقلاب السيارة، أدت إلى نزيف حاد بالدماغ أودى بحياته في بضع دقائق بعيد التفجير.<br><br>كان وفيق حينها يرافق جمال إلى اجتماع رتبه الأول مع عدد من القيادات السياسية اللبنانية، بغية ترتيب أوضاع البلاد، بحكم النفوذ الكبير الذي بات يمتلكه جمال في لبنان منذ قرابة العقد.. نفوذ تعزز في السنوات الأخيرة قبيل محاولة الاغتيال، حتى بات جمال أحد اللاعبين الأساسيين في ترتيب تشكيلة الحكم في العاصمة اللبنانية، إلى جوار أطراف إقليمية ودولية كبرى..<br><br>وكان هناك خلاف شرس بين ذات المعسكرين، القائمين منذ أكثر من ربع قرن. معسكر يشكّل حزب الله ضلعه الرئيس، إلى جانب حركة أمل، والتيار الوطني الحر الذي يقوده خلفاء ميشال عون. ومعسكر آخر تشكّل قوى سُنية، في مقدمتها، تيار المستقبل، ضلعه الرئيس، إلى جانب، تيار القوات اللبنانية الذي يقوده خلفاء سمير جعجع، والدروز بقيادة تيمور جنبلاط.<br><br>وكان جمال الدمشقي حليفاً طبيعياً للمعسكر الثاني، بحكم موقف حزب الله السلبي من الثورة والأحداث في سوريا، وبحكم علاقة جمال الوطيدة بالعائلة الحاكمة في السعودية، التي استطاع تأسيس تحالفٍ متينٍ معها خلال السنوات التي سبقت محاولة اغتياله.<br><br>ومنذ العام 2021، كان جمال على قناعة بمسؤولية حزب الله، ومن ورائه إيران، في دخول مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية"، "داعش"، إلى دمشق. في ذلك العام، كان جمال ما يزال يتحرى خطواته الأولى في عالم النفوذ الخفي وراء الكواليس في العاصمة اللبنانية بيروت. وكانت ثروته حينها قد تجاوزت الـ 150 مليار دولار.. وكان يلقى الكثير من الترحاب من السعوديين والقطريين، وأيضاً، الإماراتيين.. وكذلك، من شخصيات وقوى غربية، كانت تأمل أن يشكّل الرجل، الذي تربع حديثاً على عرش أثرى الأثرياء في العالم، لاعباً فاعلاً في المشهد السوري، بصورة تساعد على إعادة لملمة الأمور فيه، بعد أن أفلت زمامه عن السيطرة تماماً، وخرج من قبضة معظم اللاعبين الإقليميين والدوليين.<br><br>في ذلك العام، 2021، حقق جمال أولى اختراقاته لهيكلية صنع القرار في قيادة حزب الله. كان الحزب يومها قد تردى وضعه، فكثُرت الاختراقات فيه، من مختلف أجهزة المخابرات، كما تفاقمت الصراعات بين أجنحته، وتصاعد التململ في أوساط حاضنته الشعبية، التي لم تعد تتحمل الخسائر البشرية في الحرب العبثية الدائرة في سوريا، والتي أنهكت الجميع.<br><br>تذهب تقديرات إلى أن حزب الله خسر حتى ذلك التاريخ أكثر من 20 ألف مقاتل في سوريا، لكن الأهم أن الحزب خسر الكثير من يقين شيعة لبنان به، حتى وصل الأمر بأمين عام الحزب، أن يطلب من المرشد الجديد لإيران، السماح لحزب الله بالانسحاب من سوريا.<br><br>قبيل ذلك، حين رحِل علي خامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، ورجلها القوي، كانت الصراعات على أشُدها في أوساط أقطاب الحكم في طهران. لكن القُطب الأكثر تأثيراً وقوة، كان يخشى من تفاقم تأثير مناوئيه. كانت النخبة التي تدير "الحرس الثوري"، و"الباسيج"، والتي تؤسس نفوذها المالي والسياسي على القوة العسكرية والأمنية لهذين الجهازين، تستشعر خطورة وضعها، مع تصاعد قوة ونفوذ الإصلاحيين.<br><br>فمنذ إخماد المظاهرات التي اندلعت في إيران نهاية العام 2017، تفاقمت الضغوط السياسية والأمنية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، على النظام الإيراني.. وتلمست مواقع صنع القرار في طهران، مؤشرات جليّة تؤكد ارتفاع وتيرة الاستياء لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، جراء أداء النخبة المحافظة الحاكمة فعلياً للبلاد.. شريحة كانت تأمل أن يقود الاتفاق النووي بين الغرب وإيران إلى نتائج إيجابية، تنعكس على الاقتصاد الإيراني، بصورة تسمح بالانفتاح على استثمارات غربية ضخمة. وهو أمر كانت مؤشراته الأولى قد بدأت، قبل أن يعكس الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دفة الأمور باتجاه العداء من جديد مع الإيرانيين. ورغم أن هذا العداء بقي بارداً، دون مواجهات مباشرة، إلا أنه أثّر سلباً على انفتاح الاقتصاد الإيراني على العالم، بصورة جعلت النتائج الإيجابية المأمولة للاتفاق النووي، شبه معدومة. وقد حمّل الكثير من الإيرانيين مسؤولية ذلك للحكام الحقيقيين للبلاد، الذين يشنون حروباً مكثّفة في أكثر من زاوية في العالم العربي، بصورة تستجلب العداء لإيران في المنطقة، وحول العالم.<br><br>&nbsp;وتدريجياً، وجدت النخبة المحافظة، خاصة تلك المرتبطة بالحرس الثوري والباسيج، أنها في خطر. بعض رموزها ترجم ذلك بأن "الثورة الإسلامية ومبادئها" في خطر، فيما كانت الحقيقة أن مصالح تلك النخبة هي التي كانت في خطر،.. مصالح تأسست في سنوات الانغلاق، وانتعشت تحت ستار شعارات الصراع مع الغرب، و"الموت لإسرائيل"، عبر مافيات احترفت استغلال العقوبات، والاستفادة من نفوذها في الأوساط العسكرية والأمنية للحرس الثوري والباسيج، المقربة من المرشد الراحل، علي خامنئي. <br><br>كل ذلك أسّس لدى النخبة المذكورة قناعة بأن تحدّي خلافة خامنئي هو التحدي الحاسم بالنسبة لها، والذي إن لم تتصدَ له كما يجب، فإن على مصالحها ونفوذها، السلام.<br><br>فكان أن بدأت الضغوط لتجهيز خليفةٍ لـ علي خامنئي، مقرّبٍ من أوساطها. وكان أن خضعت القوى السياسية الأخرى في إيران لرغبة النخبة تلك، خشية الصدام معها، وجرّ البلد بأكملها إلى صراع قد يكون دامياً، خاصة أن تلك النُخبة تُحكم السيطرة على أقوى المؤسسات العسكرية والأمنية في البلاد، ولها أخطبوط مُعقّد من المصالح الاقتصادية والمالية المرتبطة بتلك المؤسسات.<br><br>وبالفعل، تربّع الرجل المُختار، بعيد رحيل خامنئي، على قمة هرم السلطة في طهران.. واستطاع تحقيق توليفة معقولة من الحلول الوسط بين النخب المتصارعة، بما يؤمن استقرار البلاد. وكان التورط في المستنقع السوري أولى التحديات التي واجهها، خارجياً.<br><br>في العام 2021، وفي زيارة سرّية، صارح أمين عام حزب الله، مرشد إيران الجديد، بحقيقة الوضع في جنوب لبنان:<br><br>"نخشى أن تفلت الأمور من سيطرتنا.. الناس ما عادوا قادرين على التحمّل".<br><br>وعقّب أمين حزب الله بعبارة ضغط فيها على مخارج الحروف لديه، كي تكون أكثر وضوحاً وتأثيراً على المرشد:<br><br>"يقين شيعة لبنان بعقيدتنا، في خطر".<br><br>لم يكن المرشد بحاجة لهذه الصراحة الفجّة من أمين عام حزب الله، كي يُدرك مدى خطورة الموقف،.. فهو يعلم ما هو أخطر من ذلك.. يعلم أن يقين شيعة إيران أنفسهم، في العقيدة التي أطلقها مفجّر "ثورتها الإسلامية"، الخميني.. بات في خطر.<br><br>فقناعات الإيرانيين، خاصة لدى جيل الشباب، أخذت تتبدل بسرعة. وبدأوا يشككون في صوابية النهج الصدامي الذي تبناه الخميني، ومن بعده خليفته، خامنئي، مع الغرب. نهجٌ أحياهم في ضيق معيشي، ولم يحقق أياً من شعاراته. فلم تنجح إيران في محو إسرائيل من الخارطة، بل على العكس، رتبت معها العديد من التسويات غير المعلنة في لبنان وسوريا، وحتى في غزة. ولم تنجح إيران في تصدير ثورتها إلى جيرانها العرب، فقد استُنزف شيعتهم من كثرة حروبها التي استخدمتهم فيها، حتى علت أصواتهم في نقدها ورفض التبعية لها. ولم تنجح إيران في أي حرب داخلية عربية أوقدتها بغية تعزيز نفوذها الإقليمي، باستثناء جنوب العراق. فوسط العراق وشماله تحوّل إلى "فيتنام" يلتهم شباب الشيعة العراقيين لأكثر من ست سنوات من الحرب مع "داعش"، التي كلما أُطفئت نارها، اتقدت من جديد. وفي لبنان، كثُرت الانشقاقات الصغيرة عن حزب الله، وارتفع صوت شريكه الشيعي المُقرّب، حركة أمل، في رفض تورطه العبثي في سوريا. أما في الخليج، فنالت الحملات العنيفة لقوى الأمن السعودية والبحرينية من عزيمة الشيعة في هذين البلدين، لينتكسوا على أعقابهم نحو العقيدة التي لطالما آمنوا بها، وهي انتظار المهدي دون حراك، بدل التحضير لظهوره. أما في اليمن، فاستطاعت السعودية فصم عُرى التحالف بين خلفاء علي عبد الله صالح والحوثيين، بعد مقتل الأول، مما أضعف الحوثيين وجعلهم فريسة لحرب استنزاف مؤلمة شارك فيها معظم شركائهم اليمنيين السابقين، فأُنهكوا ووقّعوا هدنة، خرجوا بموجبها من صنعاء، وعادوا إلى مربعهم الجغرافي المُعتاد في الشمال اليمني.<br><br>&nbsp;أما سوريا، فكانت الثقب الأسود، الذي امتص خيرة شباب الشيعة العراقيين واللبنانيين وحتى بعض الإيرانيين، ولم تعد إيران، ولا أتباعها من شيعة العرب، قادرين على تحمل المزيد من الاستنزاف فيها، بعد أن قفز الروس من السفينة الغارقة للنظام السوري.<br><br>أيقن الروس أن الغرب، وتحديداً، الأمريكيون، يريدون لهم أن يغرقوا في أوحال المستنقع السوري. وبعد 4 سنوات من تورطهم الذي جرّ عليهم خسائر اقتصادية وبشرية، لم يقابلها أي جدوى حقيقية، قرر الروس الانسحاب من سوريا، قبل فوات الأوان. وكان ذلك عام 2019.<br><br>كانت الصدمة كبيرة على الإيرانيين، إذ باتوا وحيدين في المستنقع السوري، فيما بدا أن واشنطن تريد إطالة الأزمة أكثر فأكثر، إلى أن ينهار الإيرانيون أيضاً.<br><br>هذه النكسات الجيوستراتيجية لإيران، مع تدهور الوضع المعيشي للإيرانيين، نال من يقين جمهور عريض منهم، بصوابية نهج سدنة "الثورة الإسلامية". بل ربما نال من اليقين بنهج "ولاية الفقيه" الذي أسّس عليه الخميني حكمه، وحكم خلفائه. وبدأت الارتدادات تصبح علنية في أوساط قيادات فكرية ودينية شيعية نحو الفكر التقليدي للشيعة الاثني عشرية. وبدأت نظرية ولاية الفقيه الخمينية التي تقول أن للفقيه ولاية على الفقه ذاته، "ويستطيع أن يغيّر نصوص الشريعة وينسفها ويكتب مكانها شرعاً جديداً"، تتعرّض لهجوم شديد وانتقادات متصاعدة من رجال دين وعلماء شيعة، إيرانيين وعرب، نادوا بالارتداد مرة أخرى إلى النظرية التقليدية القديمة لـ "ولاية الفقيه"، التي تقول أن "الفقيه مفسّر للفقه ومحلل للموقف الشرعي"، لا أكثر.<br><br>كان المرشد الجديد لإيران، الذي يُعتبر إحدى المرجعيات العليا لأتباع "ولاية الفقيه الخمينية"، يستشعر الخطر على تلك العقيدة، وهو خطر لا يطال العقيدة وحدها، بل يطال سدنتها أيضاً، وهو في مقدمتهم. سدنة لهم مصالح، مالية وسياسية. كان الخطر جلياً حيالها، يهددها بالانهيار تحت وطأة ارتداد عامة الإيرانيين، والكثير من خاصتهم، عن "الفكر الخميني".<br><br>ومما زاد في التهديد الذي طال يقين الشيعة المُتبعين للخمينية، وربما كافة الشيعة الاثني عشرية، هو التناقض الصارخ بين النبوءات الشائعة في الأدبيات الشيعية، والتي تتحدث عن مقدمات ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان، وبين سياسات إيران ومواقفها في سوريا تحديداً.<br><br>ويسود في الأدبيات الشيعية المُعتبرة بين عامة الشيعة، أن فتنةً كبرى في الشام تسبق ظهور المهدي المُنتظر.. وكنتيجة للحديث المتكرر من جانب مراجع دينية شيعية بارزة خلال العقد الأول من القرن 21، من بينها حسن نصر الله نفسه، عن قرب ظهور المهدي، فسّر معظم عوام الشيعة، والكثير من خاصتهم ومفكريهم، الأحداث في سوريا التي بدأت عام 2011، والتهديد الذي طال بشار الأسد، على أنها العلامة التي تسبق ظهور "السفياني"، الرجل الذي يشتهر في المرويات الشيعية بكثرة جرائمه بحق الشيعة، وبحملته العسكرية ضد المهدي، فور ظهوره في مكة، حيث يتعرض جيش السفياني لخسف أثناء عبوره قرب المدينة المنورة.<br><br>هذا الاعتقاد الذي راج بين عوام الشيعة بكثافة، جعل سقوط نظام الأسد المقدمة التي ستسبق ظهور السفياني، ومن ثم، المهدي المُنتظر. الأمر الذي أثار استياء الكثير من الشيعة، حتى من جمهور حزب الله، حيال دعم نظام الأسد ومساعدته على الصمود.<br><br>وساد بين الشيعة حتى من أتباع "الخمينية"، تساؤلات عن مبررات إطالة أمد صمود نظام الأسد في دمشق، ما دام سقوطه يعني ظهور العلامة الأخيرة، "السفياني"، التي تسبق مباشرةً ظهور المهدي المُنتظر، الذي يشكل فعلياً الحجر الأساس في بنيان كامل العقيدة الشيعية الاثني عشرية.<br><br>لكن الطامة الشيعية في سوريا لم تتوقف عند ما سبق، إذ تصاعدت التوترات بين العلويين والمقاتلين الشيعة على الأراضي السورية. فالعلويون استشعروا خطر التمدد الشيعي في أرضهم، ولم يعودوا يتحملون الفوقية التي يتعامل بها مقاتلو الميليشيات الشيعية المجلوبة لإنقاذهم من "ثورة السُنة"، حسب ظنهم.<br><br>أما مقاتلو الشيعة، فكانوا مستائين من وضعهم في خطوط المواجهة الأمامية مع "الجهاديين السُنة" ومقاتلي "داعش"، فيما مقاتلو العلويين يديرون حواجز المدن والبلدات ويحصدون من خلالها الأموال عبر ابتزاز الأهالي والسكان، وكأن الحرب تحوّلت إلى تجارة بالنسبة لهم. أما حينما يُلقون في خطوط المواجهة الأمامية، يبيعون مواقع "الرباط" لفصائل مسلحة "سُنية" في صفقات سرّية، وفي أفضل الأحوال، يولون الأدبار في أول مواجهة جدّية في الميدان، ويكون الحمل كله على كاهل مقاتلي الشيعة اللبنانيين والعراقيين والأفغان، وأيضاً، الإيرانيون.<br><br>وأخيراً، وصل الاستياء الإيراني ذروته من نظام بشار الأسد، بعيد الانسحاب الروسي عام 2019، حيث بات كامل ثقل المواجهة مع "السُنة" على كاهل الإيراني والمقاتلين الشيعة. وحينما تمكن الإيرانيون من الوصول إلى اتفاق مبدئي مع واشنطن، بعد سلسلة طويلة من المفاوضات السرّية، ينص على تنحية الأسد، وترحيله خارج البلاد، مع عائلته، مقابل ضمان نفوذ كبير لإيران داخل نظام الحكم الجديد، عبر شخصيات محسوبة عليها.. اكتشف الإيرانيون أن الأسد يفاوض الإسرائيليين سرّاً على أن يقوم بالانسحاب المفاجئ من دمشق نحو حمص، لتأسيس دويلة علوية مستقلة هناك، وكان الأسد يأمل أن يسوّق الإسرائيليون ذلك السيناريو لدى الأمريكيين، كي لا يفقد كرسي الحكم نهائياً، عبر اتفاق إيراني – أمريكي.<br><br>حينها وصل الاستياء الإيراني من بشار الأسد ذروته، فالرجل لعب على الحبال أكثر من مرة، بينهم وبين الروس والأمريكيين، وحتى في اتصالات أجراها مع دول خليجية. وبعد كل ما قدمته إيران لضمان صموده، لا يأبه الأسد إلا لكرسي الحكم فقط، حتى لو على حساب تقسيم بلده، والأهم، حسب المنظور الإيراني، على حساب الدم الشيعي المهدور.<br><br>كان الإيرانيون غير مستعدين لسيناريو التقسيم هذا، إذ ما الفائدة التي سيجنوها من دويلة علوية تضم حمص والساحل، وتفقد دمشق وجنوب سوريا والقلمون.. كيف سيضمنون التواصل البري بين عواصم "هلالهم"، من طهران حتى بيروت. وكيف سيُؤمّنون استمرارية الدعم اللوجستي البرّي لحزب الله، إذا فقدوا التواصل البرّي بين بغداد ووسط سوريا.. كما أن سيناريو التقسيم كان يعني خسارتهم للحدود مع إسرائيل، التي تُمثّل بالنسبة لهم ورقة هامة جداً، يعني فقدانها، أن لا قيمة استراتيجية للدويلة العلوية بالنسبة لهم، حينها.. فالحدود مع إسرائيل ورقة قوة تريد إيران الاحتفاظ بها.. فمن يملك ورقة أمن إسرائيل، يملك الاستقرار والأمن لحكمه من أي مؤامرات غربية..<br><br>وبالفعل، اكتشف الإيرانيون أن إسرائيل تضغط على واشنطن للتفاهم مع الأسد، وعدم ترك منطقة دمشق وجنوبها، وصولاً إلى حدود الجولان، في قبضة الإيرانيين أو القوى المحسوبة عليهم.. وكانت إسرائيل على ما يبدو، تراهن على التفاهم مع فصائل معارضة استقر لها الأمر في درعا، تحت مظلة اتفاق خفض توتر روسي – أمريكي.. كانت إسرائيل تراهن على هذه الفصائل كي تتقدم وتستولي على دمشق حال انسحاب الأسد منها.. وكانت إسرائيل تُجري مفاوضات سرّية مع الأردن ودول خليجية لضمان ضغطها على تلك الفصائل كي لا توجّه بندقيتها نحو الإسرائيلي.. وكان الإسرائيليون يعتقدون أن انسحاب الأسد من دمشق إلى حمص، سيدفع الفصائل السُنية إلى اللحاق به، وستستمر المقتلة بين السوريين، بعضهم مع بعض، حيث يمكن لإسرائيل الاطمئنان إلى أن اهتراء المجتمع السوري، مستمر..<br><br>كل تلك المقدمات قادت مرشد إيران الجديد، إلى الاقتناع بضرورة إيجاد حل سريع لأمرين، الاستنزاف المستمر لمقاتلي الشيعة في سوريا، وتفاقم التهديد الذي يطال إيمان العوام والخاصة من الشيعة بعقيدتهم، خاصة من أتباع الخمينية. <br><br>كما أن المرشد الجديد كان يريد الانتقام من نظام الأسد، ومن الأمريكيين والإسرائيليين، الذين تلاعبوا بالإيرانيين طويلاً وورطوهم قرابة العقد في الحرب السورية بصورة استنزفتهم تماماً.. وهددت حتى الركائز العقَدية لحكمهم.. فكان أن قرر المرشد الإيراني قلب الطاولة على الجميع، وخلط الأوراق..<br><br>لذا، حينما تجرأ أمين عام حزب الله، على مصارحة "إمامه"، المرشد الجديد، بأن يقين شيعة لبنان في خطر، لم يكن المرشد مُتفاجئاً، ولم يُبدِ أي استياء من جرأة أمين عام حزب الله، التابع لإيران. لكن من تفاجأ يومها، كان أمين عام الحزب، إذ صعقه المرشد حينما قال له بإيجاز: "سننسحب من دمشق".<br><br>ذلك القرار الذي اتخذه المرشد في طهران، وبدأت التحضيرات من حزب الله لتنفيذه، وصل سرّاً إلى جمال الدمشقي عبر شخصية نافذة مُقرّبة من دوائر صنع القرار في حزب الله.. شخصية كان جمال قد اشتراها بالمال، وكانت قد فقدت يقينها وقناعتها بصوابية المُعتقد الذي يقوم عليه حزب الله.. لكن جمال لم يصدّق حينها ذلك الخبر.. ورغم أنه لم يقتنع يومها بأن الإيرانيين سيتركون الباب مفتوحاً لـ "داعش"، كي تدخل دمشق.. إلا أنه، على سبيل الاحتياط، أعلم معظم أقاربه وأصدقائه المُقرّبين، من القلّة المُتبقية في دمشق، بوجوب مغادرتها سريعاً.. وبالفعل، بعد أسابيع من مغادرة أقارب وأصدقاء جمال للعاصمة دمشق، فُوجئ سكانها بانسحاب الميليشيات الشيعية بالتزامن مع اجتياح سريع وخاطف، قام به مقاتلو "داعش" القادمين من الصحراء، والذين دخلوا دمشق من بوابتها الجنوبية تحديداً، عبر مخيم اليرموك والحجر الأسود.<br><br>دخل مقاتلو "داعش" دمشق بالآلاف، وكأن قيادتهم في حالة تنسيق مُسبق مع الإيرانيين.. وفرّ معظم القادة العلويين ممن أدركوا ما يحدث في وقت مُبكر، بينما كان مصير آلاف الضباط والجنود ممن تفاجئوا كالسكان، القتل بالرصاص، أو الذبح في حال الاستسلام.<br><br>المقاتلون اجتاحوا بسرعة كبيرة العاصمة، وخلال أقل من 24 ساعة، وقبل أن يفهم أحد داخل دمشق، أو خارجها، ما الذي يحدث، كان مقاتلو "داعش" يقتحمون "قصر الشعب".. <br><br>وخلال سبعة أيام، اختلط "الحابل بالنابل" في دمشق، وانقطعت وسائل الاتصال جميعها مع السكان في الداخل، وكانت الأنباء التي تصل إلى الخارج شحيحة جداً، لكنها على قلتها، كانت تتحدث عن مشاهد مُروعة في دمشق.. وفي اليوم السابع للاجتياح "الداعشي"، لـ دمشق، كان بضعة مدنيين قد استطاعوا الفرار، تمكنت كاميرا قناة الجزيرة القطرية من رصد أحدهم في منطقة قريبة على أوتستراد دمشق – السويداء، كان عجوز يناهز السبعين، وعلائم الذهول تكسو سحنته، قال لهم بكلمات لاهثة وهو يسير سريعاً مبتعداً عن الكاميرا، "الدم صار للرِكب بالربوة"..<br><br>يومها تذكر كثير من السوريين ما كان يتناقلوه أجدادهم من أقاويل عن فتنة ستشهدها دمشق، سيصبح فيها "الدم للرِكب" في الربوة.. والربوة هي فالق جبلي يمر فيه طريق تحيطه الأشجار، وعلى الجبلين المحيطين به، يتربع قصران، "قصر الشعب" المُطل على المزة، وهو الأعلى، وقصر الضيافة أو "تشرين" المُطل على المالكي، وهو الأقل ارتفاعاً.<br><br>عُرف لاحقاً أن المقاتلين العلويين انهاروا بسرعة جراء الصدمة، وولوا الأدبار، وكان "الاجتياح الداعشي"، مدروساً ومخططاً له، فيما فرغت كل المنشآت الإيرانية من موظفيها، واختفى معظم الشيعة من مدنيين ومقاتلين، من دمشق، قبيل الاجتياح بساعات.. <br><br>حدث ذلك الاجتياح في مطلع صيف العام 2021.. وذاب نظام الأسد، واختفت معظم شخصياته، وتضاربت الأنباء حول مصائرهم..<br><br>ذُهل الناس في أصقاع الأرض،.. وفيما كان الرعب يستولي على معظمهم.. كان شعور بالتشفي، وآخر بالإنصاف، يستولي على كثير من السوريين.. وكانت تلك بداية القبول بسلطة "داعش" من جانب شرائح واسعة منهم.. إما خوفاً من الذبح، أو تسليماً بالأمر الواقع، أو، والأخيرة كانت لقطاع ملحوظ منهم، امتناناً لـ "داعش" التي أشفت غليل صدورهم جراء الجرائم التي ارتُكبت بحقهم لأكثر من عقد من الزمان.. إذ شهدوا بأعينهم جرائم مماثلة تُرتكب بالمجرمين من المحسوبين على نظام الأسد، بعضها صُوّر وبُث في فيديوهات على الهواء مباشرةً.<br><br><font>يتبع في الفصل الخامس..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19482</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//90ccca76f07a1e659bc13728.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//90ccca76f07a1e659bc13728.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19420</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19420</comments>
						<pubDate>Fri, 16 Mar 2018 19:06:33 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19420</guid>
						<description><![CDATA[كانت بداية الصعود السريع المثير للإعجاب، وللجدل أيضاً، لشخصية جمال الدمشقي، أغنى رجل في التاريخ المُسجل اليوم، قد بدأت عام 2018، بدايةً غير متوقعة، حينما أعلن بنك بنÙ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>كانت بداية الصعود السريع المثير للإعجاب، وللجدل أيضاً، لشخصية جمال الدمشقي، أغنى رجل في التاريخ المُسجل اليوم، قد بدأت عام 2018، بدايةً غير متوقعة، حينما أعلن بنك بنك سويسري – بريطاني، عن مسابقة كبرى، لأفضل فكرة استثمارية في العالم، بجائرة قدرها مليون دولار.<br><br>كان البنك العالمي الشهير يستهدف من إعلانه هذا أمرين، الأول، التغطية على سلسلة الفضائح المتعلقة بدوره في التهرب الضريبي لعملائه، وهي سلسلة فضائح بدأت منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. أما الأمر الثاني، فهو إنعاش نشاطاته الاستثمارية عبر فكرة مبتكرة وغير مسبوقة.<br><br>المسابقة التي شملت معظم دول العالم، حيث تتواجد فروع للبنك، صُممت لتتم خلال سنة، على أربع مراحل، المرحلة الأولى يتلقى فيها كل فرع للـبنك في كل مدينة حول العالم، الأفكار الاستثمارية المُقترحة من المشاركين، عبر بريد الكتروني مخصص، أو عبر التسليم باليد في مقرات البنك. <br><br>وطلب البنك حينها أفكاراً استثمارية مفصّلة، من حيث المبدأ وطريقة التنفيذ. <br><br>وحسب تصميم المسابقة، تولى عدد من الخبراء المحليين المتعاقدين مع البنك، دراسة الأفكار المشاركة خلال مدة شهرين، ليتم اختيار أفضل ثلاثة منها، وفق معيارين، نوعية الفكرة وحداثتها، والجدوى الاقتصادية العالية لتنفيذها. <br><br>الأفكار الثلاثة المُختارة، تُصنف بين مرتبة أولى وثانية وثالثة، وتنال كل منها جوائز مالية قدرها، بالترتيب، 1000 دولار، 500 دولار، 250 دولار. لتنتقل إلى المرحلة الثانية، التي تكون على مستوى كل دولة.<br><br>المرحلة الثانية تشهد تنافساً بين الأفكار المرشحة من المدن، على مستوى كل دولة، حيث يتولى خبراء متعاقدون مع البنك تدقيقها، واختيار أفضل ثلاثة منها، في شهرين أيضاً، وخلال الشهر الثالث يتم استدعاء أصحاب الأفكار المُختارة، ومكافأتهم في حفل مصوّر، ترصده وسائل الإعلام.<br><br>وينال الفائزون الثلاثة، وفق درجاتهم الثلاثة، بالترتيب، 10 آلاف دولار، 5 آلاف دولار، 2500 دولار. لينتقلوا بعدها إلى المرحلة الثالثة.<br><br>المرحلة الثالثة تتولاها خمسة فروع كبرى للبنك في العالم، حسب تقسيم مناطقي، كانت دبي فيه مركزاً للشرق الأوسط، الذي ضم الدول العربية وإيران وتركيا ودول آسيا الوسطى وأفغانستان.<br><br>ينال الفائزون الثلاثة في هذه المرحلة جوائز هي بالترتيب، 100 ألف دولار، 50 ألف دولار، 25 ألف دولار، ينتقلون بموجبها إلى المرحلة الأخيرة.<br><br>المرحلة الأخيرة التي كان مقرها جنيف بسويسرا، تمثل الخاتمة لهذه المسابقة التي امتدت لسنة كاملة.<br><br>في ختامها، يتم اختيار أفضل ثلاثة أفكار استثمارية على مستوى العالم، بجوائز حسب الترتيب، وفق الدرجات الثلاث، مليون دولار، نصف مليون دولار، ربع مليون دولار.<br><br>والأهم مما سبق، أن البنك السويسري – البريطاني، تعهد بتنفيذ الأفكار الاستثمارية الثلاث الفائزة، وفق نسبة مئوية من أرباحها، ينالها أصحاب تلك الأفكار.<br><br>***<br><br>في نهاية العام السابق لعام المسابقة، أي عام 2017، كان جمال الدمشقي يقيم في مدينة الغردقة المصرية، على ساحل البحر الأحمر. وكان في الدرك الأسفل من مسيرة حياته، بوزن تجاوز الـ 148 كيلو، وحالة اكتئاب مزمنة جعلته يفكر جدياً بالانتحار أكثر من مرة، وبعملٍ متواضعٍ يسدّ رمقه بصعوبة، وبأفق منغلق، وآمال محطمة، وتطلعات معدومة.<br><br>غادر جمال دمشق في ربيع العام 2013 إلى مصر، بناء على ضغطٍ من عمّه رشاد. تطلب اتخاذه لهذا القرار عدة أشهر، كان كمن يتخذ قرار إجراء عملية جراحية خطيرة، احتمال الموت فيها مرتفع.<br><br>كان جمال حينها في ربيعه الثالث والعشرين. ورغم شبابه المزدهر، كانت ضربات حياتية عدة تلقاها في السنوات الأخيرة، قد تكفلت بإحباط وتشاؤم تغلغل في نفسيته، وتحكّمت في تصوراته حيال المستقبل.<br><br>وتولت السنوات الأربع التالية لمغادرته دمشق، مهمة القضاء على بقايا الأمل والتطلعات لديه، ليصل إلى حافة اليأس تماماً في نهاية العام 2017، قبيل الإعلان عن مسابقة البنك السويسري - البريطاني.<br><br>***<br><br>وُلد جمال، لعائلة دمشقية عريقة، في مطلع العام 1990. وبقدر ما كان ذلك العام، والذي تلاه، مفصليان في تاريخ منطقته، وتاريخ العالم، الذي شهد على التتالي، الحرب على العراق إبان غزو الكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي.. بقدر ما كانت ولادة جمال مفصلية في حياة والديه.<br><br>فوالده رامز، كان قد داخل الأربعين من العمر، وقرر أخيراً أن ينحني للاستقرار بعد كثير مقاومة، وأن يتقبل زوجته سهى، باعتبارها "شريكة دهر"، بعد لأيّ.<br><br>لم يكن رامز مستعداً بعد للاستقرار الزوجي، بل ربما، لم يكن مؤهلاً له على الإطلاق. لكنه خضع لضغوط العائلة، وقَبِل الاقتران بالزوجة التي اختاروها له، رغم أنه لم يكن راضياً عن هذا الاختيار.<br><br>كان رامز في شبابه لعوباً، متهوراً، شغوفاً برغباته، ومتحرقاً لإشباع شهواته، دونما كثير ضوابط. عمله مع شقيقه الأكبر رشاد، كان الضابط الأكبر له، فأمه أودعته أمانة بين يدي رشاد.<br><br>حاول رامز في إحدى المرات التمرد على شقيقه الأكبر، ووصل به الحدّ أن يتورط في محاولة لاستهداف وزن شقيقه المالي وتجارته، حاكها بعض أعدائه. وكان رامز يعبّر في هذه المحاولة عن توقه الشديد للانعتاق من ربقة سيطرة الأخ الأكبر، وسط رغبة عارمة بالانتقام منه لكثرة ما تحكم في حياته، وأساء إليه، حسب تقديره.<br><br>وكانت مكافأة رامز جراء الاشتراك في هذه المحاولة مبلغاً كبيراً من المال، أثار طمعه، وأسال شهوته، وأنساه الصلة الوطيدة التي تربطه بشقيقه، بل وأنساه رضا أمه التي كانت الإنسان الوحيد القادر على لجمه.<br><br>لكن تلك المحاولة انكشفت بالصدفة، وباءت بالفشل، فكان غضب رشاد، الأخ الأكبر، هائلاً، إذ دفعه شعوره بالمرارة إلى أن يُوقع رامز في حبائل أعماله، بصورة ورطته جنائياً، فدخل بموجبها السجن، وكان ذلك درساً مؤلماً للغاية، روّض رامز بالفعل، فخبت نيران تمرده، وتدخلت الأم حينها لتثني ابنها الأكبر عن قراره، فأخرج رامز من السجن، كما أدخله إليه، في بضعة أشهر، لكنه بقي في حالة قطيعة معه لأكثر من سنتين.<br><br>خلالها، عانى رامز من الضائقة المعيشية، واضطر للعمل في مجالات لم يسبق له، وهو "ابن الأكابر"، أن عمل فيها، وذاق مرارة الفاقة، إلى أن نجحت شفاعة الأم في تليين صدر أخيه الأكبر، أخيراً، فأعاده إلى ظله. لكن هذه التجربة كانت كفيلة في لجم شياطين التمرد لدى رامز، الذي أصبح طوع بنان أمه وشقيقه الأكبر، وأصبح خاضعاً لهما كُليةً، إلا في أمرٍ واحد، لم يضغطوا عليه كثيراً، بخصوصه، وهو انجرافه في إشباع رغباته.<br><br>وكانت قائمة رغبات رامز طويلة، فهو تعود على الانسياب الأخلاقي الذي لم يكن يلقى الصرامة الكافية من جانب أمه أو شقيقه الأكبر. وشملت قائمة رغبات رامز الطويلة، النساء والخمرة وحتى لعب القمار، لكن أحبها لنفسه كانت النساء. لذا عُرف رامز في حيه، بأنه "نسونجي معتق".<br><br>وبعد تجربة تمرده الفاشلة على شقيقه، نحى رامز كل تطلعاته الأخرى المتعلقة بالنجاح المالي والمهني، وحصر حياته في جانبين، الأول، نيل رضا أمه وشقيقه الأكبر، بما يضمن له استقراراً معيشياً، والثاني، التمرغ في المُتع، التي أهدر عليها كل ما كان يحصده من أرباح مالية جراء العمل مع شقيقه، وهي أرباح، لو قِيض لها أن تُستثمر، لربما كانت كفيلة بجعله من أصحاب الملاءة المالية الجيدة.<br><br>***<br><br>في نهاية الثمانينات، حسمت والدة رامز أمرها، وبدأت تضغط عليه بشدة للزواج، فقد بلغ رامز حينها 36 عاماً، ولم يتزوج بعد. وبعد محاولات عديدة، رضخ رامز لضغوط أمه، لكن بشرط أن تكون الزوجة المُختارة، فاتنة. وافقت الأم، لكنها أضمرت نيّةً أخرى.<br><br>وفي مسيرة خطبة عتيدة، دامت سنتين من التجوال على البيوتات الشامية العريقة، مارست والدة رامز متعة قصية لم يسبق أن شعرت بها مع ولديها الآخرين، وهي أن تكون في موضع الأم الخاطبة، وأن تختار لابنها زوجة "تفصيل"، حسب مزاجها.<br><br>وخلال هذه المسيرة، كادت الأم أن تقع في براثن فتنة شابة جميلة للغاية، من عائلة دمشقية عريقة، شقراء، بوجنتين حمراوتين، وشعر كستنائي، وقوام مثالي. كانت في السابعة والعشرين من عمرها، موظفة في الشؤون الاجتماعية، معتدة بنفسها، ذات شخصية قوية.<br><br>ظنت والدة رامز أنها تستطيع ترويضها، وانجرت في مساعي خطبة الفتاة، واصطحبت رامز لرؤيتها في زيارة عائلية، فكان أن انبهر الرجل بها، أيما انبهار، تملكت معه كل حواسه، وأصبح متحمساً جداً للزواج بها. وهنا، شعرت الأم أنها أخطأت، وأن زمام ابنها قد يخرج من قبضتها، ليصبح في قبضة "الكنّة". فأضمرت نيتها إفشال الخطبة، وتذرعت لاحقاً بطلبات أهل الشابة، وأخبرت رامز أنها لم تعد تريدها زوجة له، لأن أهلها "طماعين"، ولا يبدو أنهم، حسب تعبيرها، "شبعانين"، وأنهم يراهنون على وزن وثروة شقيقه الأكبر رشاد.<br><br>حاول رامز مراراً أن يُثني أمه عن قرارها، لكن جذوة التمرد في نفسه كانت منطفأة تماماً، ومقاومته كانت توسلاً، واجه عناداً صلباً من الأم، التي لم يتجرأ حتى ابنها الأكبر رشاد على مناقشتها فيه.<br><br>وانتهى الأمر أن أُلغيت الخطبة من الشابة بذريعة الخلافات حول طلبات أهلها. وتلقى رامز صفعة مؤلمة، إذ كان، لأول مرة في حياته، قد بدأ بالفعل يفكر بإيجابيات الزواج، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وبدأ يتخيل حياته مع الشابة التي أبهرته. أخذ يتخيل لياليهما الحمراء، وكذلك، جلساتهما معاً، على الفطور وعلى الغداء، وعند مشاهدة فيلم عربي مع بعض التسالي. وتخيل أيضاً شكل الأولاد الذين قد ينجبهم منها. كانت الشابة قد ألهبت خياله، وجعلت فكرة الزواج خصبة للمرة الأولى في نفسه.<br><br>وبعد إفشال الخطبة من الأم، تعرض رامز لإحباط شديد، ردّه إلى سابق عهده من ازدراء الزواج. لكنه ترك أمه تتابع متعتها في مسيرة الخطبة له، على مزاجها، وبات يحضر معها الاجتماعات التي كانت ترتبها لهذا الغرض، كـ "تأدية واجب"، دون أي حماس أو فضول.<br><br>في نهاية المطاف، وقع اختيار الأم على سهى نجار. مُدرّسة، ممتلئة الجسم، ورغم أنها شقراء نسبياً، إلا أن جسمها الممتلئ كان نقطة ضعفها. وكان من الواضح للأم أن سهى سهلة المراس، ويمكن التحكم بها، كما أنها لن تستطيع امتلاك قلب رامز، وبالتالي، ستبقى الأم هي المسيطرة، حسب تقديراتها، التي ثبت أنها دقيقة تماماً، في وقت لاحق.<br><br>حصلت الخطبة، وكان برود رامز واضحاً، وكذلك كان برود سهى.<br><br>سهى، التي كانت قد وصلت إلى الـ 28 من عمرها، بدأت تخشى أن يفوتها قطار الزواج، وتحت ضغط الأهل الذين يخشون أن تدخل ابنتهم في دائرة "العنوسة"، وافقت سهى على الزواج من رامز، رغم أنها لم تشعر بأي ارتياح حياله. لكن شهرة عائلته، ووضع شقيقه البارز، كثفا ضغوط الأهل، وجعلا خضوع سهى أسهل.<br><br>قبل أيام من الخطبة، ناقشت سهى أمها في لهجة أقرب إلى التوسل: "الزلمة كتير بارد"، وأضافت: "لم أشعر حياله بأية مشاعر إيجابية".<br><br>رمقتها الأم بنظرة مفادها، "هذا كلام فارغ". فحاولت سهى من مدخلٍ آخر. "عمره 38 عاماً، ولا يملك أي شيء، ولا حتى بيت تمليك". جاوبتها الأم بصرامة واقتضاب: "شقيقه ثري، ولن يتخلى عنه".<br><br>كانت آخر شقيقاتها المتبقيات في البيت دون زواج، لكنها لم تكن متحمسة جداً للزواج، بعد أن شهدت عن قرب، تفاصيل الحياة الزوجية لشقيقاتها الأربع، التي كانت تزخر جميعها بعوامل غير مشجعة على التكرار. إلا أن الخشية من "العنوسة"، وتناقص أعداد "الخُطّاب" مع تقدمها بالعمر، ألزماها على الرضوخ لما اعتبرته "نصيبها".<br><br>وتم عقد القران بأبهة باهتة، وبحفلة صغيرة بحضور محدود، بذريعة وفاة أحد أقارب والدة رامز منذ مدة قصيرة. <br><br>ليلة زفافها، بكت سهى في سريرها، كانت تخشى لحظة الانفراد بين أحضان الرجل الذي أصبح زوجها. أما رامز فكان الأمر الوحيد الذي يشغل عقله حينها، لحظة فض "بكارة" سهى، التي أثارت مخيلته، وألهبت شيئاً من حماسه الذي خبا حيال الزواج.<br><br>وكانت الليلة الموعودة.. والدة رامز أدارت الحفل وفق التصور الذي أرادته. ورامز أدار ما تلاه أيضاً وفق التصور الذي أراده. أما سهى، فحدث ما كانت تخشاه، إذ كانت أولى مشاهد حياتها الخاصة، عنواناً للقادم من الأيام، أنانية رامز وانحصار تفكيره في شهواته وما يريده هو، فيما كان المطلوب منها، حسب تصوره، الاستجابة والتفاعل بما يخدم غاية المتعة التي يأملها. أما عن متعتها هي، فأمر لم يخطر في بال رامز مطلقاً، بل لم يكن يتصور أنه حق من حقوق زوجته.<br><br>الأسابيع الأولى للزواج، كانت حافلة بالمتعة بالنسبة لـ رامز، حافلة بالأسى بالنسبة لـ سهى، التي خضعت لرغبات زوجها، ولبت كل طلباته، أملاً في تأسيس حياة أسرية مستقرة معه، وفق قاعدة "طاعة الزوج"، فيما كان غياب أي بُعدٍ للألفة والمودة بينهما يحرق وجدان سهى، أيما إحراق.<br><br>بعد مضي بهجة "شهر العسل"، بدأ تركيز رامز ينتقل إلى هدف إركاع زوجته، وإخضاعها، وجعلها "مطية" سهلة القيادة. وكان تساهل سهى في الاستجابة لطلبات زوجها الغريبة في بعضها، والمقززة في بعضها الآخر، خلال علاقتهما الخاصة، قد ألقى في روع رامز أن شخصية سهى ضعيفة. لكن الحقيقة كانت مختلفة، إذ كانت سهى تتصنع ضُعف الشخصية، أملاً في تحقيق الاستقرار الزوجي، وتضغط على نفسها، لتكون ضعيفة. وفي كل مرّة كانت تخضع فيها سهى لطلبات زوجها الغريبة والمقززة، كان الشرخ النفسي بينهما يتفاقم.<br><br>قرر رامز عدم الإنجاب فوراً، بذريعة اختبار مدى استقرار علاقتهما الأسرية، وكان ذلك بتوجيه من أمه، كي يتم ترويض سهى قبل أن تُنجب، فيلين صدر رامز لها، مع دخول الأولاد لحياتهما، حسب تصورات الأم. وكان ذلك. استجابت سهى لقرار زوجها، أيضاً، على أمل تحقيق الاستقرار الزوجي، وفق مبدأ "المسايرة". فكان أن تمادى رامز أكثر، ووصل حداً قارب حالة التسلية في إطلاق طلبات غريبة من زوجته، وكأنه بذلك يُشبع عقدة نقص لديه، ناتجة عن خضوعه المُطلق لأمه وشقيقه الأكبر.<br><br>وكلما تمادى رامز، كلما زادت نقمة سهى المكبوتة، وتفاقم غليان المرجل المُعتمل داخل نفسها، إلى أن حصلت حادثة أخرجتها عن طورها، وأرجعتها سهى التي تعرف.<br><br>ففي ظهيرة أحد أيام الجُمع، بدأ رامز يتدخل في عملية الطبخ، ويُعطي التعليمات بلهجة آمرة جافة لـ سهى، التي كانت تستجيب وتكتم غيظها. وفي لحظة قاربت الانفجار، ندى عنها "تأفف"، أشعر رامز أن الفرس يحتاج إلى المزيد من الضغط للترويض، ففتح الثلاجة، ووجد لبناً قديماً، يبدو أنه فقدَ صلاحيته.. أمسك الوعاء الذي يحتويه، وقرّبه إلى ناظري سهى التي كانت تجلي الأوعية. نظرت إلى الوعاء باستغراب، ورفعت ناظريها إلى مستوى ناظري زوجها، فوجدت الشرر يتطاير من عيني الأخير..<br><br>"كيف يتلف اللبن بهذه الطريقة؟، ما هذا الإهمال؟، هل تظنين أنني أجمع المال من الطرقات؟، إني أكد وأشقى لتأمين لقمة عيشنا بصعوبة".<br><br>شعرت بغضب شديد، وأدركت أن رامز يتلكأ بحثاً عن مشكلة، ولم تستطع ضبط نفسها المهتاجة، فقالت له: "هذا الحاضر".<br><br>كانت الفرصة السانحة التي انتظرها رامز، كان يتوق شوقاً لأن تخرج زوجته عن طورها، فيجد المبرر الكافي لتأديبها، حسب المخطط الذي تصوره،.. وبالفعل، قذف رامز وعاء اللبن على الأرض، حيث تكسر.. ووجه صفعة أولى قوية لـ سهى، ومن ثم ثانية، ومن ثم أتبعهما بثالثة أردتها أرضاً.<br><br>كانت الصدمة كبيرة على سهى، التي احتاجت إلى أكثر من دقيقة كي تستوعب ما الذي حدث، لكنها حالما استجمعت قواها، وثَبت كقط جريح على رامز، وانهالت بأظافرها على وجهه، الأمر الذي جعل رامز المصدوم من رد فعل زوجته الهادئة المستكينة، في موضع الدفاع عن النفس.. وحالما استوعب هو الآخر ما الذي حدث، دارت بينهما اشتباكات حادة، أدمتهما..<br><br>أُصيبت سهى بكدمات واضحة على وجهها، وحول عينيها، وغادرت المنزل بعد أن جمعت أغراضها، واشتقت سبيلها إلى منزل أهلها، وهناك، كانت ثورتها على والدتها، إذ حمّلتها مسؤولية ما وصلت إليه..<br><br>"قُلتِ لي، أرضيه، وأسعديه، واستجيبي لكل طلباته، فيحبك، وتسعدا في حياتكما.. نفذت كل ذلك، فكانت النتيجة أنه تمادى إلى درجة بت فيها أشعر أنني عبدة، ولست زوجة".<br><br>&nbsp;وحسمت سهى أمرها.. "أريد الطلاق". <br><br>فبهتت والدتها، وحاولت تهدئتها وفي نيتها إقناع ابنتها بالعدول عن ذلك، لاحقاً. لكن مشهد الكدمات في وجهها وحول عينيها، جعل عقول أشقائها تطير من مكانها. وتفاقمت الأمور. واتصل شقيقها الأكبر بشقيق رامز الأكبر، رشاد، وأعلمه بما حدث بنبرة غاضبة مهتاجة، وأخبره أنهم يريدون الطلاق، فابنهم، رامز، شخص غير طبيعي، حسب وصفه.<br><br>غضب رشاد من شقيقه، بشدة، فهو كان على قناعة أن شقيقه يتحمل مسؤولية ذلك، فـ سهى كانت حسب مشاهدات الجميع، امرأة لينة ومهادنة، ورأى الجميع أكثر من مرة، كيف يُسيء رامز معاملة زوجته، وأمام الملأ.<br><br>خلال شهرين من الأخذ والرد، كاد الأمر أن يصل إلى الطلاق، ولم يكن رامز مهتماً لذلك، بل على العكس، كان يراه فرصة للإفلات من قيود الزوجية التي لم يستسغها مع سهى، بعد أن أدبرت بهجة الأيام الأولى.<br><br>&nbsp;أما سهى، فكانت مصممة على الطلاق، وكانت تلوم أمها قياماً وقعوداً، أن أقنعتها بانتهاج المهادنة والطاعة لرجل لا يخشى الله فيها، حسب وصفها.<br><br>والدة رامز أدركت خطورة الأمر، فهي تعرف أن ابنها تمادى، فهي من كان يحرضه على انتهاج كل السبل الممكنة لإخضاع زوجته. وكانت الأم على قناعة بأن سهى أفضل من سواها، ناهيك عن أنها وجدت صعوبة في إخضاع ابنها لفكرة الزواج، وهي ليست واثقة أن بمقدورها أن تفعل ذلك مرة أخرى. وكان غضب ابنها الأكبر، رشاد، من عبثية واستهتار رامز حيال علاقته مع زوجته، سبباً في إصرارها على إصلاح ذات البين.<br><br>وبعد تدخل "وجاهات" وأقارب للطرفين، ضغط أهل سهى عليها، مؤكدين لها أن رامز تلقى درساً قاسياً، وقالت لها أمها بصريح العبارة: "لن أقبل بابنة مطلقة لديّ".<br><br>كان الطلاق ما يزال في ذلك الحين، شديد الوطأة على العائلات الدمشقية، وكان مرفوضاً بصورة شبه حاسمة، وكانت حالاته شديدة الندرة في ذلك المجتمع، نهاية الثمانينات. لكن الأمر تغير بشكل كبير بعد عقدٍ واحدٍ فقط من ذلك التاريخ.<br><br>خضعت سهى لضغوط عائلتها، فهي ابنة مجتمعها، وتدرك أن "الطلاق" أقرب إلى "الرذيلة" في تصور ذلك المجتمع، منه إلى "أبغض الحلال". وأقرت في قرارة نفسها أنها حينما تغدو "مُطلقة"، ستصبح حياتها أكثر بؤساً مما سبق، ففرصها بزيجة أخرى ستكون أندر وأدنى من حيث المواصفات، ناهيك عن الضغط الاجتماعي الذي ستحياه كمُطلقة، من جانب الأهل، وزملاء العمل، والأصدقاء.. كانت سهى تدرك كل ذلك.. وكان في قناعتها أن "من تعرفه أحسن ممن تتعرف عليه"، لذا قبلت العودة لـ رامز، لكنها أضمرت في نفسها أن تغيّر جذرياً منهجها في التعامل معه، فالحسنى لا تناسبه، حسب ما وصلت إليه.<br><br>رامز خضع أيضاً لضغوط أمه وشقيقه الأكبر، فهو كان يدرك في كنانة نفسه أنه من اختلق المشكلة، وكان وخز خافت جداً للضمير، ينشط داخله، ناهيك عن شعور غريب شاع في نفسه، استصعب معه العودة إلى الوراء، عازباً، ليبدأ من جديد في مشوار اختيار زوجة أخرى، من المستبعد أن تكون أفضل من سهى، حسب تقديراته.<br><br>وهكذا، أُصلحت ذات البين، وكانت عودة الزوجين مبنية على الحسابات العقلية البحتة، بعيدة عن أي عاطفة أو مودة تربطهما، ولم يكن أحدهما مستعداً لبذل الجهد الكافي لاستجلاب العاطفة أو المودة. وكان الاختلاف الوحيد أن سهى بدأت تفكر كيف يمكن لها تأمين استقرار حياتها الزوجية، التي اقتنعت أنها "نصيبها وقدرها"، لكن هذه المرة، بطريقة مختلفة عن الطاعة المطلقة التي اعتمدتها سابقاً في التعامل مع رامز. فيما الأخير كانت حماسته لإخضاع زوجته قد فترت قليلاً بعد هذه التجربة القوية، التي أثبتت له أنه لا يستطيع الذهاب بعيداً في ترويض زوجته، وأن العنف تحديداً لن يناسب في تحقيق غاياته.<br><br>في الأيام الأولى لعودتهما معاً، كان رامز مُقبلاً على سهى، ودوداً بطريقة مصطنعة، وأدركت سهى يومها أنه يصطنع الود حيالها لإشباع رغباته فقط، لكنها كانت راضية حيال ذلك، فهذا الوضع أفضل بمرات من التعامل الفوقي الذي اعتاد عليه معها، حتى قبيل وأثناء مباشرة علاقتهما الحميمة.<br><br>ونفذت سهى خطتها، إذ نزعت "اللولب" المُستخدم لمنعها عن الحمل، سراً، عند طبيبة نسائية من معارفها، ولم تُعلم رامز بذلك. كان قد مضى سنة تقريباً على زواجهما، حينما ظهرت أولى علائم الحمل عليها. وحينما اكتشف رامز ذلك، ثار ثورة عظيمة، واعتبر أن زوجته "استغفلته"، لكن سهى تعاملت معه ببرود عظيم.. وفي لحظة، كاد رامز أن ينحو إلى العنف، لكنه سرعان ما ضبط نفسه، وتذكر نتيجة ما حصل في المرة السابقة.<br><br>ولاحقاً، تولت والدة رامز مهمة إقناعه بقبول الأمر الواقع. وحدثته عن بهجة الولد الأول، والسعادة العارمة التي ستغمره حينما يُقبل ابنه أو ابنته على الدنيا. فهدأت نفس رامز المهتاجة، وقَبِل بالأمر الواقع. وحققت سهى بالفعل الاستقرار الزوجي الذي تطلعت إليه. كان هدفها فقط أن تضمن استقرار "البيت"، فنالت ذلك. <br><br>ووُلد جمال، في مطلع العام 1990. كانت ولادته سبب بهجة كبيرة لـ سهى ولـ رامز، ولعائلتيهما، وخاصة لـ أم رامز، التي لانت كثيراً حيال "كنتها"، وباتت في بعض الأحيان سنداً لها، وإن بشكل غير مباشر، في مواجهة هيجان رامز المتكرر، من حين لآخر.<br><br>وبهذه المناسبة، اشترى رشاد، لشقيقه، شقة في قلب دمشق، في حي ركن الدين، وسجلها باسمه في الشهر العقاري، وأهداه إياها، لتكون أول عقار مُتملك لـ رامز، والوحيد. كانت فرحة الأخير كبيرة، فتحسن أسلوب تعامله مع سهى نسبياً، وشعر برباط أقوى يشده إلى البيت، وكانت متعته كبيرة حينما كان يرجع إلى منزله بعد انتهاء العمل، ليحتضن الطفل الصغير، ويلاعبه، ويداعبه، فيضحك له جمال، وكأن الدنيا كلها تضحك لـ رامز. لقد أحبه أيما حُبّ، وارتبط ببيته، أيما ارتباط. لكن ذلك كان أمراً مؤقتاً، فـ شقوة رامز غلبته لاحقاً، وجلبت الكثير من البؤس لهذه العائلة.<br><br>أما بالنسبة لـ سهى، فكان جمال شيئاً آخر تماماً. لم يكن فقط ابنها، كان تجسيداً لكل أحلامها، وضعت بين ذراعيه الصغيرتين كل آمالها. كانت تقف ظهيرة كل يوم، حينما يكون زوجها في العمل، وهي وحيدة في المنزل، تهدهد للطفل الصغير، وتحمله وتسير به داخل الغرفة، فتحدثه، تقول له: "ستكون رجلاً عظيماً في المستقبل، وستأخذ لي حقي من كل من ظلمني، وستكون ثرياً، ستغير حياتي البائسة، لن نبقى نعيش على أعتاب عمك، حينما تكبر، ستكون أنت رجلي، وسندي، أنت عالمي كله".<br><br>ربما لم تُغدق سهى على ولديها الآخرين، ما أغدقته على جمال من عاطفة، ولم تشعر حيالهما ما شعرت حياله من انجذاب، وربما لم تكن لها تطلعات خاصة بها، تنتظر تحقيقها عن طريق ولديها الآخرين، كما كانت تنتظر من جمال. ولو في خيالها.<br><br>&nbsp;ربما لأنه "بِكرها". وربما أيضاً لأسباب أخرى خفية. هل كانت سهى تعلم أن سيكون لابنها شأن عظيم؟.. من الصعب الجزم، لكن من المؤكد أن ما ربط سهى بنجلها جمال، كان مستوى مضاعفاً من العلاقة المعتادة بين ابنٍ وأمه، وكان جمال نتاج تلك العلاقة، حيث اختزن كل التطلعات التي أطلقتها أمه يوم ولادته، وكأنه قدر عليه تنفيذه، ولو بعد رحيلها.<br><br>يتبع في الفصل الرابع..<br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")</a><br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19420</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//1dac7ec22bb17209888e1412.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//1dac7ec22bb17209888e1412.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19348</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19348</comments>
						<pubDate>Fri, 09 Mar 2018 19:37:26 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19348</guid>
						<description><![CDATA["ديفيد باركر".. أحد ألمع كتّاب الزوايا في "نيويورك تايمز"، لكنه أكثر من ذلك بكثير، وهذا هو بالتحديد ما جعل لمقالاته الأسبوعية صدىً كبيراً في أوساط صناع القرار حول العا]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>"ديفيد باركر".. أحد ألمع كتّاب الزوايا في "نيويورك تايمز"، لكنه أكثر من ذلك بكثير، وهذا هو بالتحديد ما جعل لمقالاته الأسبوعية صدىً كبيراً في أوساط صناع القرار حول العالم.. يعتقد الكثيرون في عالم السياسة والمال، أن باركر أحد أيقونات محفل سرّي، لقادة العالم السرّيين، الذين يديرون الكرة الأرضية، أو معظمها، من وراء الستار.. نظرية تلقى الكثير من التأييد في أوساط المؤمنين بـ "نظرية المؤامرة".. لكن جمال الدمشقي، بحكم شبكات علاقاته، وتجاربه التي أتاحت له التعرف على شخصيات كثيرة مثيرة للجدل، ومؤثرة للغاية، عالمياً.. يؤمن تماماً، بوجود محافل سريّة، وقادة سرّيين، إن لم يكونوا يديرون العالم تماماً، فهم يعملون على ذلك.. و"ديفيد باركر" أحد أيقوناتهم، إذ كانت تذكرة دخوله إلى ذلك العالم، يهوديته أولاً، ومن ثم، نجاحاته المتسارعة في عالم التحقيق الصحفي، ودهائه الشهير في محاورة الساسة وصناع القرار في عالم المال والأعمال..<br><br>وفيما يُرجع البعض تميز باركر إلى انتمائه لمؤسسة إعلامية عريقة، من قبيل الـ "نيويورك تايمز"، يعتقد آخرون أن بقاء "نيويورك تايمز" أيقونة صامدة وبرّاقة، في عالم الإعلام، مرده إلى جهود ديفيد باركر نفسه، إلى جانب ثلة من الصحفيين العباقرة، الذين أدركوا في اللحظة المناسبة، اتجاه الرياح، فماشوها، بالصورة التي حولت "نيويورك تايمز" إلى واحدة من أقوى الصحف الالكترونية العالمية، بآليات وتقنيات مُبتكرة، وغير معتادة سابقاً.. <br><br>ومع اندثار الصحافة الورقية رويداً رويداً، كانت "نيويورك تايمز" واحدة من أبرز الصحف التي اشتقت سبيلها بنجاح في عالم الخبر الالكتروني، بناء على نهج جعلها جذابة للغاية لرجال المال والأعمال، الأمر الذي حولها إلى قبلة للاستثمار والدعم المالي والدعاية، فتحولت إلى واحدة من أكثر الصحف الالكترونية ربحية في العالم..<br><br>كان ديفيد باركر، أحد العقول المدبرة لهذا التحول في "نيويورك تايمز".. وقد يكون ذلك أحد أبرز العوامل التي جعلته مقرباً من الشخصيات الفاعلة في صنع القرار، من وراء الكواليس، في واشنطن، وكذلك في عواصم غربية عدة..<br><br>لا يُخفي ديفيد باركر اعتزازه بيهوديته، بل أكثر من ذلك، يُحتسب على الصهيونية، وهو أحد شخصيات "إيباك" المؤثرين، الأمر الذي جعله موضع ترحيب، ورهبة، في آن، في أوساط جميع أصحاب الطموح السياسي والمالي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً، خارجها، ممن ينشدون علاقات طيبة مع أقوى مجموعات الضغط اليهودية في أمريكا..<br><br>***<br><br>ببشرة حنطية، وعينين سوداوتين، وشعر فاحم، يتخلله بعض الشيب، ولحيةٍ تنحصر بالذقن وتتصل بالشاربين، ويتبدى البياض في وسطها.. صافح ديفيد باركر، جمال الدمشقي، بحرارة.. ملامحه لا تُوحي بـ "أمريكيته" نهائياً، باستثناء هندامه، وماركات ثيابه، وربما تلك "السكسوكة" التي تعبّر عن موضة منتشرة بكثافة في أوساط نخبة المثقفين الغربيين، هذه الأيام.. ما عدا ذلك، تُوحي ملامحه بـ "شرق أوسطية" متبدية للعيان..<br><br>يدّعي ديفيد باركر أنه ينتسب بالفعل إلى "بني إسرائيل".. السلالة الفريدة المتحدرة من النبي يعقوب.. لكن اسمه، وأصول أجداده البريطانيين، لا تؤكد ذلك.. يبقى الإدعاء الذي أطلقه يوماً في إحدى مقالاته الشهيرة، الدليل الوحيد على "إسرائيليته" بالنسب، لا بالمعتقد فقط..<br><br>بادله جمال المصافحة، لكن بشيء من التحفظ.. وحرص على وجود مترجمه الخاص معهما، رغم إتقان جمال للإنكليزية بلكنتها الأمريكية، لكن فضّل وجود المترجم لتدقيق الكلام، تجنباً لأي سوء تفاهم، مقصود أو غير مقصود، قد يُرجعه باركر لاحقاً إلى تعذر فهم المقصود من كلام جمال..<br><br>جلسا قبالة بعضهما، حول طاولة دائرية مستديرة مرتفعة، يتسع محيطها لشخصين لا أكثر، وجلس المترجم على بعدٍ منهما يُتيح له الاستماع وتسجيل الملاحظات على المحادثة، لتدقيق الترجمة لاحقاً مع باركر، قبل نشر اللقاء الصحفي المطوّل، حسب الاتفاق المسبق بين ديفيد وجمال..<br><br>وضع باركر آلة التسجيل على الطاولة.. لكنه لم يشغلها مباشرةً، وبدأ المحادثة بمحاولات لكسر جليد اللقاء الأول بينهما.. كان جمال متحفظاً، ويُبدي شيئاً من الجمود على وجهه، بردود مقتضبة ومتحفظة، وابتسامات محدودة، تُوحي بـ "عدم الثقة" التي يشعر بها حيال باركر..<br><br>كان جمال يستهدف إيصال هذا الشعور لـ باركر.. فهو يعلم جيداً أن زيارته لثلاثة أهداف، الأول، هدف مهنيّ، فأن يحظى إعلامي بلقاء مطوّل مع شخصية عالمية، كـ جمال الدمشقي، لا بد أنه أمر يهمّ باركر دون شك.. أما الهدف الثاني، فهو نقل رسائل مشفرة، ربما، أو مباشرة، من الأطراف التي يمثلها باركر في نيويورك تحديداً.. أما الهدف الثالث، دراسة شخصية جمال الدمشقي، ومحاولة التعرف إلى بعض نقاط ضعفه..<br><br>بعد بضع عبارات للتودد، أطلقها باركر، باشر المحادثة متسائلاً: <br><br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل أشغل المسجل؟، مستعد لأن نبدأ؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم، دون شك.. لكن اتفقنا يا ديفيد، نص الحوار ستتم مراجعته مع مترجمي الخاص، قبل النشر.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالتأكيد.. لفت نظري أن ما يُشاع عن بذخ هائل تحيط نفسك به، دقيق إلى حدٍ ما، يظهر ذلك جلياً في هذا القصر الرائع، كل زواياه تنضح بالفعل، بالأُبهة.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أُقرّ بذلك..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن.. سمعت أن هذا الأمر يثير استياء شريحة واسعة من السوريين.. ما تزال جراح الشعب السوري لم تشفى تماماً، وأنت تبذخ بطريقة قد تكون مستفزة.. هذا ما قرأته في بعض تعليقات السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; صحيح، هناك بعض السوريين مستائين من ذلك.. لكن، أعتبر من جانبي أن ذلك حقّي، فأنا أبذخ من مالي الخاص، وهذا القصر، دفعت أضعاف ثمنه الحقيقي للحكومة.. ناهيك عن أنني لم أقُصّر نهائياً في تمويل عمليات إعادة إعمار البلاد.. أنت تعلم باركر.. إنها مئات المليارات من الدولارات..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم صحيح.. أعلم.. بهذه المناسبة، هل تستطيع أن تعطيني رقماً دقيقاً لما قدمته لسوريا، هل صحيح أنه يتجاوز الـ "ترليون" دولار، بكثير..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كم تحديداً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ترليون و400 مليار دولار..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً.. ثروة جمال الدمشقي كان من المفترض أن تتجاوز الـ 2 ترليون دولار، لولا دورك في تمويل عملية إعادة الإعمار في سوريا.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالتأكيد..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أصدقك القول.. إنه عمل جبّار.. كانت لي زيارة إلى دمشق، يوم أخرجتم "داعش".. عام 2032.. كانت المدينة في حالة يرثى لها.. اليوم، دمشق متألقة حقاً..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم، بحمدالله.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن، هل يعني ذلك أن سوريا مدينة لـ جمال الدمشقي بأكثر من ترليون دولار..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لم يقل أحد ذلك.. لقد كنت واضحاً أكثر من مرة.. مساهماتي في إعادة إعمار سوريا، ليست ديوناً..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً ما المقابل؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أن أرى دمشق متألقة، كما رأيتها أنت اليوم..<br><br>كح ديفيد باركر قليلاً.. شعر أن مسار الحديث لم يخدم الغاية التي يريد.. واستغل جمال الدمشقي ذلك، فداهمه بتساؤل مرفق بابتسامة تُوحي بالتحدي:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ما أخبار أصدقائك في نيويورك؟<br><br>ارتبك باركر للحظة.. لكنه سرعان ما سيطر على انفعالات وجهه كي لا يظهر ارتباكه جلياً.. ضحك، أزال نظارته عن عينيه، وأبعدها شبراً، ودقق في عدساتها، ثم أعادها إلى ناظريه، وحدق في جمال، وقال:<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أرسلوا تحياتهم برفقتي..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وصلتني تحياتهم عبر مدير أعمالي في نيويورك.. ووصلتني معها تهديدات مبطنة..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أنا هنا لا أمثلهم سيد جمال.. لكن بمناسبة أنك غيّرت مجرى الحوار.. ليكن.. فهو في نهاية المطاف، سؤال، يجب أن نمرّ عليه.. يُشاع أن هناك اتفاقاً سرّياً بينك وبين الإسرائيليين، عُقد في مزرعة أحد أصدقائك البريطانيين، في ويلز.. صحيح؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; صحيح.. وأنا صارحت به السوريين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل ما يزال هذا الاتفاق قائماً؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالطبع..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكن الإسرائيليين يتحدثون عن تجهيزات عسكرية، تشمل بنى تحتية وأنفاقاً ونشاطات مقلقة على الجبهة السورية، وراء حدود الجولان..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بطبيعة الحال.. نحن لسنا في حالة سلام، بل في حالة هدنة..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هدنة عمرها اليوم أكثر من 66 سنة.. على ما أذكر.. منذ وقف إطلاق النار عام 1974.. يقول بعض الناس أن جمال الدمشقي أعاد إحياء اتفاق سرّي تاريخي عقده حافظ الأسد مع الإسرائيليين، وبفضله، عاشت الهدنة ثلثي قرن.. حتى اليوم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من حيث المبدأ، ربما كلامك صحيح، لكن من حيث المحتوى، فالاتفاق الذي عُقد في ويلز، والذي أتحمل شخصياً مسؤوليته التاريخية أمام الشعب السوري، يحتوي بنوداً لم يحتويها اتفاق وقف إطلاق النار بين الأسد الأب والإسرائيليين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل يمكن أن تذكرنا بها.. على لسانك، شخصياً..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; عدم تغيير الوضع القائم في القدس الشرقية، وتحديداً فيما يخص المواقع المقدسة للمسلمين والمسحيين هناك. عدم القيام بأي إجراءات تؤدي إلى ترانسفير فلسطيني لسكان الضفة أو قطاع غزة. عدم استخدام عنف مفرط في المنطقتين (الضفة، غزة). عدم الاعتداء على سوريا ولبنان.. بالمقابل، تعهدنا بعدم الاعتداء من جانبنا على إسرائيل، ما دامت شروط وقف إطلاق النار مُحترمة من جانب الإسرائيليين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لماذا وُصف الاتفاق بأنه اتفاق وقف إطلاق للنار، رغم أنه لم يسبقه أي تبادل لإطلاق النار بين سوريا وإسرائيل،.. هل يرجع ذلك إلى اتهاماتكم بتورط إسرائيل في محاولة اغتيالكم في بيروت، عام 2033؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا.. هذا التوصيف شاع في وسائل الإعلام.. وقبلنا به ربما لأنه يمثل، كما قلت، إعادة إحياء لاتفاق قديم بين سوريا وإسرائيل، وإن بحِلة جديدة..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل تخشى من انهيار الاتفاق؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا أخشى.. نحن ملتزمون من جانبنا به.. وخرقه إن حصل، فسيكون من الجانب الآخر..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حينها ماذا سيكون ردكم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; الخيارات مفتوحة.. الاتفاق واضح، تحدثنا في ويلز حينها، للوسطاء، أنه في حال خَرقِ الإسرائيليين للاتفاق، فكل الخيارات ستكون مفتوحة أمامنا، في ذلك الحين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل لدى سوريا القدرة على مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل أنتم مستعدون لهكذا مواجهة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; نعم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، أنت غير واثق بسلامة النوايا الإسرائيلية؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; بالطبع لا..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، تتفق معي أن توصيف "رجل السلام" الذي أُطلق عليك عقب اتفاق ويلز الشهير، غير دقيق..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل معنى أن أكون "رجل سلام"، أن أكون ساذجاً؟.. إن كان كذلك، أتفق معك.. لست رجل سلام..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا أقصد ذلك.. لكن عليك أن تسعى للسلام بالفعل مع إسرائيل، كي تستحق لقب "رجل سلام"، هذا ما قصدته.. أما ما تقوم به أنت الآن، من تحضيرات لمواجهة مرتقبة، فهو يؤجج احتمالات المواجهة بالفعل..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; حسب علوم السياسة والحرب، ونظرياتها التقليدية الشهيرة، التي تعرفها دون شك، فإن "توازن القوى" و"القدرة على الردع"، يحدان من الحروب..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لكنهما يدفعان الطرف الآخر إلى الاستعداد للحرب، والخشية من نواياكم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; دون شك، وهذا ما قد يدفع الطرفان للجلوس على طاولة مفاوضات جدية، وتقديم تنازلات مؤلمة في سبيل السلام، بدلاً من التورط في سباق تسلح يثقل كاهل الطرفين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هل يثقل سباق التسلح كاهلكم؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ميزانية التسلح في سوريا مستقلة تماماً عن ميزانية إعادة الإعمار، وأنا تكفلت بها أيضاً.. فالأمن لا يقل أهمية عن الإعمار..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ألا تخشى أن تؤدي تجهيزات الردع، حسب ما تدعوها، إلى وقوع سوء تفاهم حدودي، يؤدي إلى المواجهة..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; هناك خط حدودي فاصل، تديره قوى دولية كما تعلم.. لا يوجد أي مبرر لحصول "سوء تفاهم حدودي"، كما وصفت.. إلا إن كان أحد الطرفين يستهدف الإطاحة بـ "اتفاق وقف إطلاق النار"، بالفعل..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ألست في وارد القيام بخطوات حسن نية، لطمأنة الطرف الآخر..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من قبيل؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; تصريح ما، يتعهد بالالتزام بوقف إطلاق النار، مثلاً..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أطلقنا هكذا تصريح بالفعل، عبر القنوات الرسمية في الحكومة السورية..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; وبخصوص التحضيرات على الجانب السوري من الحدود.. يقول الإسرائيليون إنك تحضر لحرب، دون شك..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; في عالم السياسة لا يجوز الحكم على النوايا.. الحكم يكون على الأفعال.. هل خرقنا "وقف إطلاق النار"؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا.. لكن، أيضاً في عالم السياسة لا يجوز أن تقول لعدوك، انتظر إلى أن أصبح جاهزاً لمواجهتك.. واكتفي بمراقبتي حتى ذلك الحين..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; ديفيد.. أنت تعلم، إسرائيل لم تتوقف يوماً، قبل وبعد اتفاق "وقف إطلاق النار"، عن تطوير قدراتها العسكرية، وتحصيناتها الحدودية، ومهارات مقاتليها.. لماذا يُعاب علينا ذلك؟، أم علينا أن نكتفي بالمشاهدة؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إسرائيل لها أعداء كُثر، وتهديدات لا تنحصر بجبهتكم..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; مثل؟.. أعرف أن كل دول الطوق المحيطة بإسرائيل، ملتزمة باتفاقات سلام أو وقف إطلاق نار معها.. ولم يعد هناك تهديد من حزب الله بعد حلّ ذراعه العسكري.. أما إيران، فباتت في حالة أقرب إلى الصداقة، مع الإسرائيليين.<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لمن تعيدون بناء جيشكم؟، من المستهدف؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; لا توجد حكومة رشيدة في العالم، لا تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية بما يصون أمنها واستقرارها، ورفاه شعبها..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; إذاً، ألا يمكن أن يُنزع فتيل التوتر بينكم وبين إسرائيل، بإجراء حسن نيّة من جانبكم.. يكون فعّالاً أكثر من مجرد التصريح..<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; من قبيل؟<br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; كأن تدعو لجنة عسكرية مؤلفة من دول محايدة، للإطلاع على التحضيرات التي تقومون بها على الحدود في الجولان، لطمأنة إسرائيل بأنها تحضيرات دفاعية، وليست هجومية..<br><br>عندما أطلق باركر العبارة الأخيرة، حدّق جمال فيه بنظرات يتطاير منها الشرر.. ثم قهقه بعصبية بادية، وقال: <br>-&nbsp;&nbsp;&nbsp; أبداً..<br><br><font>يتبع في الفصل الثالث..</font><br><br>مواد ذات صلة:<br><br><a>من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")</a><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19348</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//4f0eea7ae656e59f1318e7e1.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//4f0eea7ae656e59f1318e7e1.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
				<item>
						<title><![CDATA[من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من الترليونير السوري)]]></title>
						<link>https://www.eqtsad.net/news/article/19299</link>
						<comments>https://www.eqtsad.net/news/article/19299</comments>
						<pubDate>Fri, 02 Mar 2018 21:26:28 +0200</pubDate>
						<dc:creator><![CDATA[إياد الجعفري - خاص - اقتصاد]]></dc:creator>
						<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
						<category><![CDATA[التريليونير السوري]]></category>
						<guid isPermaLink="false">https://www.eqtsad.net/news/article/19299</guid>
						<description><![CDATA[تحرك بخطوات وئيدة نحو التراس الضخم الذي يعشقه، بما يكتظ به من مزروعات خضراء ورقية، وورود وأزهار، بعضها من نسيج دمشق الطبيعي، وبعضها الآخر مستورد.. وبإطلالة بهية تتيØ]]></description>
						<content:encoded><![CDATA[<br>تحرك بخطوات وئيدة نحو التراس الضخم الذي يعشقه، بما يكتظ به من مزروعات خضراء ورقية، وورود وأزهار، بعضها من نسيج دمشق الطبيعي، وبعضها الآخر مستورد.. وبإطلالة بهية تتيح له رؤية الأفق الدمشقي الممتد أمامه وإلى جانبيه..<br><br>تنشق عبيق الأزهار من خلفه، وانتصبت قامته الممشوقة، وامتلأ صدره بعبير المدينة التي يعشقها.. ظن لبرهة من الزمن أنه قد لا يراها.. لقد كانت معجزة.. معجزة بكل المعايير، ما حققه حتى اليوم،.. لكن رغم ذلك، كان رطلٌ من الخشية المُرهقة يُثقل كاهله، ويملأ عقله المزدحم بالأفكار، بصورة جعلت الكآبة تحل على روحه.. إلا أن وقفته في التراس الضخم، مُطلاً من شاهقه المرتفع على محبوبته، دمشق، هدئ قليلاً من روعه..<br><br>مدّ بصره، وحدق رويداً رويداً، في جوانب حديقة تشرين الممتدة بألوانها الزاهية، أمام عينيه، منحدرةً بهيبة، نحو ساحة الأمويين.. استرد ذكريات قصيّة، من زمن جميل، حينما كان يلهو مع أشقائه بين أروقة الحديقة، برفقة أمه.. تلك التي يعشقها أكثر من دمشق ذاتها، وربما يعشق دمشق، لأن ترابها يحتضن جثمان أمه المُتلاشي دون شك، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيلها..<br><br>شعر بانقباضة، وغصّ حلقه بزفرة، بعد أن لاح وجه والدته البعيد أمام ناظريه، فحلت بجواره ذكرى والده.. قرر أنه يريد اجتناب الذكرى الأخيرة، فأدار بصره بروية إلى اليسار.. حدّق في بنايات المالكي، ومشفاها الشهير، حيث قضت معظم شخصيات سوريا البارزة من عهد الأسد الأب، والابن، لحظاتها الأخيرة، ومن ثم، نحبها، فيه.. هل يقضي هو أيضاً نحبه هناك؟!<br><br>فجأةً، ومضت في ذاكرته تلك المقايضة الجشعة التي تعرض لها يوم طلب من الحكومة الجديدة في دمشق، شراء قصر "الضيافة" الجديد، أو ما يعرف في عهد "الأسدين"، بـ "قصر تشرين".. شخصيات الحكومة الوليدة، الذين كانوا ما يزالون يتلمسون مواضع أقدامهم في دمشق، والذين وقفوا فيها، بفضله، قرروا أن يستأسدوا عليه، أملاً في نيل شعبية في الشارع السوري المتحرر جديداً من ربقة "الداعشية"، وقد تنفس عبير الحرية لأول مرة بعد أكثر من عقدين من حرب كارثية، لم تذر الكثير على حاله في سوريا..<br><br>رجالات الحكومة الوليدة قايضوه، فالقصر الذي طلب شرائه، يتمتع بموقع استراتيجي، وبإطلالة بهية، وبقيمة معنوية، ناهيك عن كونه مبنى حكومياً.. ورغم حالته التي يُرثى لها، حينما تسلم القصر، بعد عقدين من الإهمال، والفوضى، والاجتياح البربري لمقاتلين من كل أصقاع الأرض، لأكثر من عقد.. إلا أن رجالات الحكومة الوليدة، المُتكئة على نفوذه هو نفسه، قايضوه، وطلبوا سعراً خيالياً للقصر، طلبوا يومها، 3 مليارات دولار، شريطة التنازل عن القصر، وتحويل ملكيته، رسمياً، له.<br><br>وقَبِل يومها، الأمر الذي أثار غضب بعض مساعديه المقربين،.. كيف تقبل مقايضة جائرة بهذا الشكل من أشخاص يعتمدون في سلطتهم عليك أصلاً؟!.. قال لهم يومها: كُرمى لدمشق، وكي لا يُقال يوماً أن جمال الدمشقي اشترى قصراً من قصور الرئاسة في سوريا، بنفوذه، لا بماله..<br><br>أدار وجهه جهة اليمين، فرأى الطريق الذاهب إلى المزة.. لم يتغير الكثير في هذه البقعة من دمشق، وكأنها كما كانت منذ قرابة ثلاثة عقود.. رفع رأسه قليلاً، وحدق في "قصر الشعب" على قمة الجبل المواجه له.. انقبض قلبه، وتذكر كمّ الدماء التي سالت على بوابات ذلك القصر.. تاريخ قصيّ، لكنه مليء بالعِبر..<br><br>&nbsp;قرر ألا يتذكر المشاهد العنيفة تلك.. فاليوم مختلف.. فهو الرجل الذي استطاع امتلاك دمشق، ليعيد إليها شيئاً من ألقها، بعد عشر سنوات كانت خلالها عاصمة لأكبر المشاريع السوداوية في التاريخ المعاصر.. لكنه بعد بضعة أشهر فقط، قرر أن يلتحق بالكواليس، ويدير المشهد من هناك..<br><br>نفض الأفكار من رأسه.. كان يريد أن يهدأ قبل لقائه المرتقب، الذي يخشاه، وينتظره في آن. استدار ذات اليمين، وسار بهمّة، وبخطوات متسارعة، حتى قطع تلك المسافة الطويلة ليصل إلى إطلالة تراسه المُحببة، على فالق الربوة،.. حدق إلى اليمين، واستعاد ذكريات قصيّة أخرى،.. وحدق في تلك المنتزهات المرتفعة، ذات السلالم الطويلة، تلك التي كان يصعدها جرياً، في مسابقة ممتعة مع أشقائه وأقاربه، يوم كان طفلاً، ثم فتى في مطلع المراهقة.. سنين رائعة برفقة محبوبته، أمه، على تراب محبوبته الأخرى، دمشق..<br><br>عادت الأفكار لتزدحم في ذهنه من جديد، فرفض الإنصات لها، كان يريد تصفية ذهنه.. حدّق في الرخام الفاخر على الأرض، وفي الزرع المنتشر بأناقة حوله،.. وفجأة، قفزت إلى ذاكرته تفاصيل تكاليف تجديد "قصر الضيافة"،.. فبعد أن دفع 3 مليارات دولار ثمناً له، لحكومة دمشق الجديدة، كلّف شركة عالمية أوروبية، بتجديد القصر، بعد أن رسى عليها العرض الذي أعلنه، وتسابقت عليه كبرى شركات العالم المختصة بتجديد القصور، وتزينها..<br><br>تكلف 3 مليارات دولار أخرى، خلال 5 سنوات، على التجديد، وتزيين القصر، وتفصيل أثاثٍ فاخرٍ له،.. استجلب أمهر الصناع، من الدمشقيين والحلبيين المتوزعين في العديد من دول اللجوء والمهجر، ومن الأتراك والمصريين، ومن الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين..<br><br>البذخ الذي أبداه في تجديد قصره بدمشق، أثار الكثير من الاستهجان في أوساط السوريين أنفسهم، وحول العالم. ورغم كل ما بذله في سبيل هذا البلد، وما أنفقه من حرّ ماله في سبيل استعادتها، وتدعيمها كي تقف على قدميها.. استكثر عليه بعض أبناء جلدته شيئاً من الرفاهية على تراب بلده الذي حُرم منه لأكثر من عقدين.. <br><br>ربما كانت العقارات الفاخرة هي نقطة ضعفه.. هذا ما قالته صحف عالمية حينما تسربت تفاصيل عن تكاليف تجديد القصر بدمشق.. فهو اشترى أغلى وأفخم العقارات في عواصم العالم.. وبثروته الكبرى، التي لم يسبقه إليها أحد في التاريخ المُسجل.. حاز على أجمل القصور والفلل والمزارع والشقق الفخمة، في لندن ونيويورك وباريس واسطنبول ودبي وبيروت.. وفي معظم بقاع المعمورة..<br><br>أصبح أول "ترليونير" في التاريخ، عام 2039.. وربما نُحت هذا اللقب خصيصاً له، فلم يسبق أن امتلك رجل واحد ما يتجاوز الـ ترليون دولار أمريكي (ألف مليار دولار).. كان هو، السوريّ الدمشقي، عملاق السياحة أولاً، ومن ثم، خبير التجارة والتصنيع، ومُبدع الصفقات الكبرى..<br><br>وصفته الـ "نيويورك تايمز" عام 2037 بـ "امبراطور الدهاء"، نظراً لإبداعه الهائل في ترتيب صفقات لم تخطر على بال.. كان يرتب صفقات بين دول، وبين تكتلات مالية كبرى، وبين عمالقة الثروة في العالم، وكان يحوز على نسب من هذه الصفقات.. صفقات حركت الاقتصاد العالمي، حتى أن تقديرات ذهبت إلى أن الرجل لعب دوراً في حركة استثمارية أثمرت أكثر من 15 ترليون دولار في شرايين الاقتصاد العالمي، جراء الصفقات التي أدارها عبر عقدين من صعوده المتسارع الصاروخي، في عالم المال والأعمال..<br><br>ومنذ العام 2021، بات جمال الدمشقي رقماً صعباً في عالم المال والأعمال الدولي، وبات موضع رضىً وترحيب حارٍ من مختلف الأوساط السياسية والمالية والاقتصادية الدولية، نظراً لدوره الرائد في دفع الاقتصاد العالمي نحو الانتعاش بعد عقدٍ من الركود والمراوحة في المكان، ومخاوف الانهيار..<br><br>وتدريجياً، كسر جمال بنجاح كل حواجز عدم الثقة والخشية، في الأوساط العالمية المؤثرة في إدارة الاقتصاد والسياسة في العالم، ودخل محافل كانت ربما محرمة على أمثاله، واشتق سبيله ليكون أحد رموز صناعة السياسة والاقتصاد حول العالم، بمباركة من نظرائه الغربيين والشرقيين، على حدٍ سواء..<br><br>ومنذ السنوات الأولى من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، بدأ نفوذ جمال يتفاقم، في لبنان أولاً، ومن ثم، داخل سوريا، رغم سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية – داعش"، على دمشق، ومعظم التراب السوري، وعلى شمال الأردن ووسط العراق.. وتدريجياً، امتد نفوذ الرجل، وشبكة علاقاته المثيرة للجدل، لتنبسط تحت رواق سلطات "داعش".. وشيئاً فشيئاً، كان جمال في طريقه لقلب المشهد في كامل الهلال الخصيب، كُليةً.. وحظي في سبيل ذلك، بدعم غربي، أوروبي – أمريكي، بعد أن ثبت لصناع القرار، وحتى للرأي العام الغربي، أنهم اقترفوا خطيئة كبرى حينما أطالوا أمد الأزمة السورية، ولم يساعدوا فعلياً في إسقاط النظام السوري، وتركوا الأمور لتهترئ، فكانت الطامة، التي لحقتهم ذيولها، وباتت ثقلاً على كواهلهم، وتهديداً نوعياً لأمن شعوبهم ورفاهها..<br><br>&nbsp;في زحمة الأفكار المُصطرعة في ذهنه المُلتهب، تقدم من خلفه، أحد مساعديه، ووقف على بعد خطوات عشر منه، وهمهم ليعلمه بوجوده خلفه، ومن ثم تكلم: "وصل ديفيد باركر، سيدي".. التفت إليه،.. تأوه.. حدق فيه لبرهة، ثم ازدرد ريقه.. وقال: "قودوه إلى المكتب"..<br><br>***<br><br>سار بروية، ليقطع مسافة كبيرة داخل أروقة قصره، باتجاه مكتبه الفخم، المؤلف من عدة حجرات، ويمتد على أكثر من 3000 متر مربع، مجهزاً بكل ما يتطلبه الأمر، ليكون مقراً للعمل وإدارة نشاطاته الاستثمارية والمالية، والسياسية والإعلامية أيضاً.. كما أنه جُهّز بأُبهة هائلة، من الرخام والسيراميك والموزاييك والأثاث الفخم، ليكون لائقاً لاستقبال كبار الزوار والشخصيات المهمة، واللقاءات النوعية الكبرى.<br><br>في سراديب تحت الأرض، كانت هناك أنفاق عديدة، لها مهمات مختلفة، أحدها كان مجهزاً بقطار داخلي، يُتيح التنقل بين أجنحة القصر الممتد، بأريحية، حيث يمكن لراكب القطار أن يصل أسفل الجناح الذي يقصده، ومن ثم يصعد إليه بمصعد مخصص.. كما أن هناك أنفاق أخرى، لمهمات أخرى، أحدها للأمن، يتصل بغرفة العمليات المسؤولة عن إدارة القصر ومراقبة معظم الأروقة والغرف، داخله، وخارجه، وفي محيطه، بهدف تأمينه.. لكن رغم ذلك، لم يكن جمال يستخدم قطار الأنفاق في الأسفل إلا نادراً.. بل كان يعتمد على قدميه، ويتنقل بحركة سريعة من جناح إلى آخر، داخل القصر، مهما طالت المسافة الفاصلة. فهو حريص على نشاطه الرياضي، منذ أن تمكن من كسر حاجز الوزن الهائل الذي وصله منذ أكثر من عقدين، وهدد بأن يكون الرجل نموذجاً لمُفرطي السُمنة الذين يموتون مبكراً بأمراض القلب والسكري والضغط وسواه..<br><br>كانت هواية جمال المفضلة أن يقضي حيزاً من وقته في غرفة العمليات في باطن الأرض، تحت القصر.. فهو مهووس بالمراقبة والإدارة في الخفاء، وقد تكون تلك إحدى ميزاته التي أتاحت له تحقيق كم أكبر من النجاحات في عالم المال، والسياسة، على حدٍ سواء..<br><br>كان جمال ميالاً للعمل من وراء الكواليس، ورغم أن أي سوريّ تسأله في شوارع دمشق، من يحكم هذا البلد، سيقول لك بكل بساطة، جمال الدمشقي، إلا أن الرجل يهوى الابتعاد عن الأضواء، ويُنكر دائماً أنه الحاكم الفعلي للبلاد، ويؤكد أن التكنوقراط والساسة الذين يتصدرون المشهد، هم حكام هذا البلد..<br><br>لكن، عشق جمال للعمل من وراء الكواليس، لم يكن دائماً موضع ترحيب.. ففي أحيان كثيرة كان مُضطراً للظهور الإعلامي، والحديث أمام الشاشات.. وكان ذلك في مرات معدودة طوال عقدين من ظهوره المُثير للجدل..<br><br>كان أبرز ظهور جماهيري له، في خطابه الشهير الذي ألقاه في ساحة الأمويين، منذ سنتين، أمام حشد هائل من الجماهير.. وكان ناجحاً بكل المقاييس.. رغم أن ذلك الخطاب، أنهكه، سواء في التحضير له، والتدريب على إلقائه، على يدّ خبراء ومختصين في هذا المجال، أو في لحظات الخطاب نفسه.. لكنه، في نهاية المطاف، كسر، وبنجاح كبير، حاجز الخشية من الحديث أمام الجمهور، الذي لطالما عانى منه، والذي دفعه للاعتماد على الإطلالات الإعلامية المُعدة بعناية، مع مقدمين محددين، وعبر قنوات محددة بعينها..<br><br>***<br><br>وصل أخيراً إلى الجناح الضخم الذي يضم مكتبه، وقاعات اللقاءات الخاصة به.. سار باتجاه غرفة مخصصة يتحضر فيها للقاءات.. وقف أمام المرآة الضخمة المخصصة ليتفحص نفسه قبيل اللقاءات النوعية الهامة.. دقق في ملامح وجهه، الحمرة تكتنز وجهه، بوجنتين ممتلئتين.. وشعره البني ما يزال يحافظ على تسريحته المفضلة لديه، إلى الوراء، وقد اشتق الصلع طريقه من زاويتي مقدمة الرأس، مع شيء من الشيب الذي أضفى هالة أجمل على شعره البني الكثيف، المرتص والمتماسك، بفضل الكريمات التي استخدمها مصفف شعره قبل ساعة من الآن..<br><br>طوله لم يكن يتجاوز 178 سنتيمتراً، لكن جسمه الرياضي الممشوق، وكتفيه العريضين، منحاه هالة تُوحي بالمزيد من الطول..<br><br>عيناه بنيتان رائقتان، ومع شارب كثيف نسبياً، بني اللون، أصبح وجهه "ماركة" مسجلة في خانات "الوسامة"، حسب الكثير من المعجبات به.. <br><br>تذكر ذلك.. فندت عنه ضحكة.. وبرقت عيناه.. لم تظهر زوجته غيرتها عليه يوماً، فثقتها به كبيرة، حسبما يظن.. لكن ذلك لا يمنع من حقيقة أنه سعيد بما يعج به العالم الأنثوي في وسائل التواصل الاجتماعي من تعليقات تُبدي الإعجاب بوسامته،.. حتى أن إحدى معجباته المهوسات، أطلقت هاشتاغ بعنوان "جمال.. أجمل رجل على الإطلاق"، أثار الكثير من الجدل، ونال الكثير من المتابعة.. لكن رغم ذلك، لم يكن الأمر كفيلاً بإثارة غضب إيمان، أو غيرتها، أو خشيتها عليه.. أو ربما كانت تصطنع ذلك أمامه، لا يعرف.. وبكل الأحوال، لم يتعدَ الأمر شيئاً من البهجة الداخلية في نفسه، جراء هذا الإعجاب الذي يحظى به في أوساط بعض النساء، بشكله وشخصيته،.. لم يسمح جمال لتلك البهجة أن تتبدى على مُحياه، حينما كان أحد يمازحه بخصوص ذلك.. فهو أكبر من أن تتملكه تلك الترهات.. لذا، أبقى بهجته داخلية، ولم يجرؤ حتى على أن يستخدمها، كأي رجل، في استثارة غيرة زوجته.. فهو يحبها..<br><br>آه.. حينما برقت تلك الفكرة في ذهنه.. إيمان.. اهتاجت عواطفه، وشعر برغبة عارمة للارتماء في أحضانها.. كان يشعر هناك بالأمن.. هل يُعقل أنه في "لاوعيه"، يجد فيها أمه الراحلة منذ عقود؟!.. استنكر الفكرة مباشرةً، فعلاقته مع إيمان أكبر من مجرد تعلق "مرضيّ".. الثقة التي أسساها معاً، لتشكل الرابط بينهما، متينة، لدرجة أنه لم يجرؤ يوماً على مجرد التهديد بخيانتها..<br><br>وكيف يخونها، فهي ليست امرأة عادية.. بجمالها، وقوامها الممشوق، وحسها المرهف، وثقافتها العالية، ونسبها الراقي.. والأهم من كل ذلك.. بحنانها البالغ، وإحساسها الكبير بما يعتمل بين جوانحه، لتكون دوماً السند، حينما تثقل الهموم، فيُريح الرأس على صدرها، ويسمع منها حكماً، ونصائح مثمرة، وأحياناً، تكتفي فقط بالاستماع إليه، ولأوجاعه ومخاوفه.. مودة كبيرة تعتمل بينهما.. فهو يظن أن علاقته الزوجية إحدى أنجح العلاقات الزوجية في التاريخ.. هو يظن ذلك.. بل ويؤمن بذلك.. لذا لم يجرؤ يوماً على تهديد ثقة إيمان به.. أو تهديد المودة الكبيرة الراسخة بينهما..<br><br>تذكر لقائه المُنتظر مع "ديفيد باركر".. شيء من التأخر يُفيد دون شك، لكن الكثير منه يضر، لذا عليه أن يُسرع، فقد مضى على باركر أكثر من نصف ساعة في مكتبه.. تناول زجاجة العطر النفيسة التي يعشقها، ورَشّ منها كمية كبيرة على بدلته من بعيد.. هي أيضاً مثال صارخ على بذخه، فزجاجة عطره تلك، تتجاوز قيمة الأونصة الواحدة من العطر المتواجد فيها، 12 ألف دولار أمريكي.. لكنه كان يبرر ذلك لنفسه، بأنه يعشق العطور، وفي وضعه ومكانته وحجم ثروته، لا يُعتبر ذلك المبلغ بذخاً..<br><br>دقق في هندامه، في بدلته المفصلة خصيصاً له، والتي هي أيضاً نموذج صارخ على بذخه، فسعرها تعدى الـ مليون دولار، وهي مصممة من خامات نادرة، لكنه حذّر مصممها الفرنسي الشهير، من أن يدخل في نسيجها أي خيط من الذهب أو الحرير، على غرار ما يفعل بعض الأثرياء من أقرانه، فهو رغم بذخه الكبير، حريص على تجنب المُحرّمات..<br><br>اعتَقَد أنه جاهز.. وقرر أخيراً أن يتوجه إلى قاعة الاستقبال، حيث يقبع باركر منذ أكثر من نصف ساعة.. وخطى جمال خطواته الأخيرة نحو اللقاء الذي كان يهابه كثيراً، خاصة، في ضوء الرسائل التي وصلته أخيراً ممن يمثلهم باركر في نيويورك..<br><br><br><font>يتبع في الفصل الثاني..</font><br><br><br><br>]]></content:encoded>
						<wfw:commentRss>https://www.eqtsad.net/news/article/19299</wfw:commentRss>
						<slash:comments>0</slash:comments>
						<enclosure url="https://www.eqtsad.netuploads//02645d9357747f962a6d5b67.jpg" length="3335" type="image/jpg" />
						<media:content url="https://www.eqtsad.netuploads//02645d9357747f962a6d5b67.jpg" width="340" height="300" medium="image" type="image/jpg" />
				</item>
					</channel>
					</rss>