مع انتهاء نموذج الحكومة "الأبوية".. كيف يمكن قياس مقدار التعافي في الاقتصاد السوري؟


نشرت صحيفة "الثورة السورية" تقريراً تضمن تعليقات خبيرين سوريين على تصريحات وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، في حواره مع قناة الإخبارية السورية، قبل أيام.

وقال الشعار إن نموذج "الحكومة الأبوية" التقليدي انتهى، وأن دور الدولة في الوقت الراهن قد تحول جذرياً من كونه دوراً "إنتاجياً" مباشراً ومنافساً، إلى دور "تيسيري" يركز على تسهيل بيئة الأعمال وفتح الآفاق أمام القطاع الخاص، داعياً الصناعيين والمنتجين إلى تحمل مسؤولياتهم.

كما قال الوزير إن الاقتصاد السوري لا يزال في "مرحلة جنينية" من حيث البناء الجديد، لافتاً إلى إعادة تشغيل مئات المصانع وعودة آلاف الورش إلى العمل بعد التحرير، وترخيص 3560 منشأة صناعية جديدة. وأوضح أن الاقتصاد السوري يقوم حالياً على نموذج "الاقتصاد الحر الموجه" الذي يسمح بالعمل ضمن القوانين، مع تدخل الدولة لتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية.

وفي تصريحات لـ "الثورة السورية"، قال الخبير في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات، مهند زنبركجي، إن الحكومة لا يمكنها رفع يدها بالكامل عن دعم قطاعات حيوية تمس صلب الحياة اليومية كالخبز. مضيفاً أن الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها تحافظ على شكل من أشكال الدعم لمواطنيها.

وشدد على ضرورة "التوزيع العادل" للمواد الأساسية بأسعار رمزية، خاصة أن القاعدة الفقيرة تشكل 85 بالمئة من السوريين، ولن تلمس آثار التعافي لفترة طويلة.

ويصف زنبركجي النموذج الحالي بأنه أقرب إلى "اقتصاد غير منضبط"، يغيب عنه الدور الرقابي الصارم للدولة، وهو غياب أضر بالعديد من الصناعات الوطنية لعدم وجود حماية كافية لها.

بدوره، يقول الباحث الاقتصادي عبد الله الرحال، لصحيفة "الثورة السورية"، إن قياس أي تحول اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يعتمد فقط على أرقام عامة أو مؤشرات جزئية قد لا تعكس الواقع المعاش للمواطن.

ويلفت إلى أن الحديث عن التعافي لا يجب أن يُختصر بعدد المصانع التي أُعيد تشغيلها أو بعدد المنشآت التي حصلت على تراخيص جديدة، فهذه الأرقام، رغم أهميتها كمؤشرات أولية، لا تكفي وحدها للدلالة على تعافٍ اقتصادي فعلي.

ويؤكد الرحال أن التعافي الحقيقي يُقاس بمعايير أكثر عمقاً، مثل ارتفاع الإنتاج الفعلي واستدامته، وزيادة القيمة المضافة، وتحسن الصادرات، وخلق فرص عمل منتجة فعلاً، والأهم من ذلك كله "ارتفاع الأجور الحقيقية". أما الاكتفاء بفتح منشآت قد تعمل بشكل مؤقت أو لا تعمل بكامل طاقتها، فلا يمكن اعتباره تعافياً بالمعنى الاقتصادي الدقيق.

من زاوية أخرى، يشير الخبير في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند زنبركجي، إلى غياب الأرقام الإحصائية الحقيقية والشاملة التي تسمح بتقييم الوضع بطريقة علمية.

ويلفت زنبركجي إلى وجود "فجوة مقلقة" في البيانات، فذكر ترخيص آلاف المنشآت لا يعد مؤشراً كافياً ما لم يرافقه توضيح دقيق لعدد المنشآت التي استمرت في الإنتاج الفعلي.

كما يؤكد ضرورة عدم إغفال عدد المصانع التي أغلقت أبوابها نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل والطاقة، أو بسبب عدم قدرتها على الصمود أمام البضائع المستوردة، خاصة في قطاع النسيج الذي يمثل هوية الصناعة السورية.

ويرى زنبركجي أن المؤشرات الحقيقية والملموسة للتعافي يجب أن تُقاس بمعيارين أساسيين يلامسان حياة الناس، هما حجم الوظائف الفعلية التي ضخها الاقتصاد لامتصاص البطالة، ومدى التحسن الحقيقي في متوسط دخل الفرد وقدرته الشرائية.

وفيما يتعلق بالزمن الذي يحتاجه السوريون ليشعروا بالفرق مع التوجّه الاقتصادي الجديد، يطرح الخبيران رؤيتين متقاربتين.

يؤكد الباحث الرحال أن الحديث عن تحسن فوري غير واقعي في ظل الدمار وشح الموارد، وأن أي تحسن جزئي قد يبدأ بالظهور خلال 6 إلى 18 شهراً، خاصة إذا جرى التركيز على الخدمات الأساسية، أما التحسن الأوسع في الدخل فيتطلب من سنتين إلى أربع سنوات، بينما يحتاج التعافي الهيكلي الشامل وقتاً أطول.

من جهته، يرى زنبركجي أن الأمر يعتمد على جودة التخطيط الاستراتيجي، الذي يفتقد حالياً للخبرات العالية في إدارة الأزمات، وبحسب تقديراته تحتاج سوريا من 4 إلى 5 سنوات لوقف التدهور، و8 سنوات للوصول إلى الاستقرار، و12 سنة لتحقيق الاستقرار الكامل والازدهار.

 

 

ترك تعليق

التعليق