تقرير لصحيفة أمريكية: داعش تطبّق رؤيتها في مدينة الرقة السورية
عندما قُصف مصنعه في مدينة حلب شمال سوريا، بدأ رجل الأعمال قدري بدراسة خيار أن يبقى في المنزل متعرضا لخطر الموت في الغارة الجوية القادمة، أو أن يقوم بالفرار مثل مئات آلاف آخرين إلى مخيم للاجئين في تركيا.
ولكن، وبدلًا من ذلك، قرّر الرجل الانتقال إلى المدينة المجاورة، الرقة، وهي الآن العاصمة الفعلية للقوة الجهادية الأسرع نموًّا في العالم. هناك وجد درجة من النظام والأمن، وهي الأمور الغائبة في أجزاء أخرى من سوريا.
“القتال في سوريا سوف يستمر، ولذلك علينا أن نعيش حياتنا”، قال رجل الأعمال، والذي اكتفى بذكر الاسم الأول، قدري، ويشرف الآن على عشرات العمال في مصنع جديد لملابس الأطفال قام بتملكه في الرقة.
وقبل وقت طويل من سيطرة المتطرفين على المدن الكبيرة في العراق، كانت المجموعة التي تعرف باسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قد سيطرت على معظم محافظة الرقة السورية، التي تضم نحو مليون شخص. ومن خلال الإدارة الاستراتيجية والقوة الغاشمة، بدأت المجموعة التي تدعو نفسها الآن ببساطة الدولة الإسلامية، بفرض رؤيتها للدولة، التي تمزج تفسيرًا أصوليًّا للإسلام مع الجوانب العملية للحكم، على أهل المحافظة.
في بعض الأوقات، فاز التنظيم بالاحترام المستغرب من بعض المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، مثل قدري، والذي سوف يقبل بأي سلطة يمكنها استعادة حياة ما تشبه الحياة الطبيعية. المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في حلب، من خلال المقارنة، لا يزال يعصف بها نقص الطعام والجريمة. ولكنْ هناك جانب مظلم للحكم الإسلامي أيضًا، وهو الإعدام العلني والقواعد الاجتماعية الصارمة، وهو ما ترك الكثيرين في هذا المجتمع المتسامح دينيّا واجتماعيّا قلقين إزاء المستقبل.
في مدينة الرقة، ضباط شرطة المرور يحافظون على السير منظما، الجريمة هي مسألة نادرة، وجباة الضرائب يقومون بإصدار الإيصالات. ولكن تماثيل، مثل تمثال الأسود في حديقة الرشيد، دمرت لأنها اعتبرت تجديفا. الأماكن العامة، مثل الآماسي سكوير، حيث اعتاد الشبان والشابات على الجلوس في المساء، تمّ إحاطته بأسوار من المعادن الثقيلة رفعت عليها أعلام داعش السوداء. الأشخاص الذين اتّهموا بالسرقة تمّ قطع أيديهم أمام العامة.
“ما أراه في الرقة يثبت أن الدولة الإسلامية لديها رؤية واضحة لإقامة دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة”، قال مدرس متقاعد في مدينة الرقة. وأضاف: “إنها ليست مزحة”.
قواعد داعش في الرقة توفر نظرة ثاقبة حول ما يحاول التنظيم القيام به وهو يتحرك لترسيخ قبضته في الأراضي التي تمتد على الحدود السورية العراقية. موظّف في صحيفة نيويورك تايمز أمضى ستة أيام في الرقة مؤخرًا، وأجرى مقابلات مع عشرات من السكان. لم يتم التعريف بالموظف ومن تمّت مقابلتهم من أجل حمايتهم من انتقام المتطرفين.
لأولئك الذين يدخلون الرقة، داعش تجعل من الواضح، على الفور، مَن هو المسؤول هنا. عند المدخل الجنوبي للمدينة، اعتاد زوار الرقة من قبل على أن تستقبلهم فسيفساء شاهقة للرئيس بشار الأسد وهارون الرشيد، الخليفة الذي حكم العالم الإسلامي من الرقة في القرن التاسع. الآن هناك لوحة شاهقة سوداء تحيي داعش وما يسمى بالشهداء الذين ماتوا من أجل قضيتها.
مجلس مدينة الرقة سابقا يضمّ الآن لجنة الخدمات الإسلامية. المكتب السابق لوزارة المالية يحتوي على المحكمة الشرعية والشرطة الجنائية. شرطة المرور تتمركز في مدرسة الشريعة الأولى الثانوية. بنك الائتمان في الرقة هو الآن سلطة الضرائب، حيث يجمع الموظفون 20 دولارا كلّ شهرين من أصحاب المحلات من أجل الكهرباء والمياه والأمن. معظم أصحاب المحلات قالوا بأنّهم تلقوا إيصالات رسمية مختومة بشعار داعش، وبأنّ الرسوم أقلّ ممّا كانوا يدفعون من رشاوى لحكومة الأسد. “أشعر وكأنني أتعامل مع دولة محترمة، وليس بلطجية”، قال أحد الصاغة في الرقة.
ثلاث كنائس في الرقة، والتي كانت في وقت قريب موطنا لأقلية مسيحية نشطة، أُغلقت. وبعد الاستيلاء على أكبرها، قامت داعش بإزالة الصليب عنها، وعلقت الأعلام السوداء على واجهتها، وحولتها إلى مركز إسلامي تبث شاشات التلفاز فيه فيديوهات المعارك والعمليات الانتحارية من أجل تجنيد مقاتلين جدد.
ولا يزال في الرقة عدد قليل من المسيحيين، مقابل دفعهم ضريبة أقل من بضعة دولارات في الشهر. وعندما تقوم دوريات ضباط الشرطة الدينية لداعش بالتأكد من إغلاق المحلات التجارية خلال وقت صلاة المسلمين، يجب على المسيحيين طاعة ذلك أيضا.
الشرطة الدينية منعت التدخين في الأماكن العامة، وهي الخطوة التي قلّلت من الحياة الاجتماعية في المدينة، وأدّت لإغلاق المقاهي. كما تأمر داعش النساء بتغطية الرأس في الأماكن العامة. وقال أستاذ جامعي من الرقة، بأنّ مسلحين من التنظيم قاموا مؤخرا بتوقيف حافلة في طريقها إلى دمشق بعدما وجدوا امرأة على متنها لم تقم بتغطية رأسها بشكل كافٍ. وأضاف الأستاذ بأنهم أوقفوا الحافلة لمدة ساعة ونصف، حتى قامت المرأة بالذهاب إلى البيت وتغيير حجابها.
وتمكنت داعش من الحفاظ على المواد الغذائية في الأسواق، وعمل المخابز ومحطات الوقود. إلّا أنّها واجهت مزيدا من المتاعب مع مياه الشرب والكهرباء، حيث لا يتوفران لمدة تصل إلى 20 ساعة في اليوم.
المتطرفون الشباب الأكثر انجذابًا للعنف يفتقرون عادةً إلى المهارات المهنية، وهو ما دفع زعيم داعش، وهو أبو بكر البغدادي، إلى الطلب من الأطباء والمهندسين بالسفر إلى أماكن مثل الرقة للمساعدة في بناء دولته الإسلامية. وقال البغدادي، في خطاب صوتي: “الهجرة واجب عليهم، حتى يتمكنوا من الإجابة على حاجة ماسة للمسلمين”.
هذه التعبئة الدولية هي بالفعل واضحة في الرقة، حيث إنّ المسلحين عند نقاط التفتيش هم غالبًا من السعودية، مصر، تونس، أو ليبيا. أمير الكهرباء في الرقة سوداني، ويتمّ تشغيل المستشفى من قبل أردنيّ يقدم تقاريره إلى رئيسه المصري.

التعليق