جدل وتساؤلات على منشور لحاكم المركزي بخصوص شح السيولة في المصارف
- بواسطة اقتصاد --
- 03 شباط 2026 --
- 0 تعليقات
أثار منشور لحاكم مصرف سورية المركزي، جدلاً في تعليقات على صفحته الشخصية في "فيسبوك"، بخصوص عدم تلبية طلبات بعض السوريين من السحوبات النقدية من حساباتهم المصرفية المفتوحة لدى المصارف.
وتشكّل معضلة عجز السوريين عن سحب السيولة النقدية التي يريدونها من حساباتهم المصرفية، واحدة من أكبر المشكلات في الاقتصاد السوري، منذ سنوات. ولم تعدّل الإدارة الجديدة للمركزي، بعد سقوط نظام الأسد، من السياسة السابقة القائمة على فرض قيود على السحوبات النقدية من المصارف. وكان الهدف الرئيس من هذه السياسة، هو لجم انهيار سعر صرف الليرة. لكنها تسببت لاحقاً، ومع تسارع معدلات التضخم، بفقدان الثقة تماماً بالقطاع المصرفي، وميل السوريين لاكتناز أموالهم بعيداً عن المصارف، رغم المخاطر الأمنية الناجمة عن ذلك.
وقال الدكتور عبد القادر حصرية، في منشوره إن "إدارة السيولة هي من مهام المصرف المعني والمسؤوليات الملقاة على عاتقه"، وهي عبارة تؤشر إلى عقدة شح السيولة المتاحة لدى المصارف. معقباً: "طلبنا من إدارات المصارف العاملة ضرورة توجيه كافة الفروع لديها لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لإدارة السيولة النقدية المتوفرة بشكل موضوعي وعادل".
ويعتقد خبراء أن تقييد السحوبات المصرفية ضرورة ملحة بالنسبة للمركزي، في الوقت الراهن، وذلك خشية حصول سحب جماعي للودائع والسيولة من الحسابات المصرفية، جراء حالة فقدان الثقة بالقطاع المصرفي.
ووفق منشور حاكم المركزي، فإن هناك ثلاثة أهداف لتوجيهه الخاص، بإدارة السيولة المتاحة لدى المصارف. الهدف الأول: "تلبية أكبر عدد ممكن من طلبات المودعين المتعلقة بموضوع السحوبات النقدية من حساباتهم (سواء المودعة بعد تاريخ 7/5/2025 أو قبله) مع التأكيد على الالتزام بتوجيهات إدارة مصرف سورية المركزي لجهة إعطاء الأولوية دائماً لدفع الرواتب المستحقة للمواطنين (القديمة والجديدة)".
كان المركزي قد أصدر تعميماً شهيراً في 7 أيار الفائت، يلزم جميع المصارف بتمكين أصحاب الحسابات الجارية المغذاة نقداً، وحسابات الودائع لأجل المودعة بعد الـ 7 من أيار، من السحب من هذه الحسابات بحسب رغبتهم في أي وقت وبدون سقف محدد. ولم يتضح إن كان حاكم المركزي قد قصد أن تلبية طلبات المودعين بعد 7 أيار، تُعالَج وفق واقع السيولة في فرع المصرف المعني. وبالتالي، قد يُرفَض طلب المودع بالسحب النقدي من حسابه، رغم التعميم المشار إليه. كذلك لم يتضح وجه الصلة بين ودائع وحسابات المتعاملين وبين "إعطاء الأولوية دائماً لدفع الرواتب المستحقة للمواطنين". وهنا تساءل معلقون: هل هذا يعني أن جانباً من السيولة الناجمة عن ودائع وحسابات المودعين، يتم استخدامها لتغطية الرواتب؟!
حاكم المركزي أشار إلى الهدف الثاني لتوجيهه للمصارف حول كيفية إدارة السيولة، وهو: "التوزيع العادل للسيولة المتوفرة لدى المصرف بين كافة المتعاملين وخاصة لصغار المودعين"، وهو ما يؤشر إلى شكاوى تتعلق بخصوصيةٍ تحظى بها طلبات السحب النقدي الخاصة بكبار المودعين في المصارف، على حساب صغار المودعين.
فيما ركز حاكم المركزي في هدفه الثالث من إدارة السيولة المتاحة، على "حسن سير عملية استبدال العملة بما يحقق التوزيع العادل وتلبية أكبر عدد من المتعاملين".
ورغم تحذير الحاكم من "فرض العقوبات والجزاءات المناسبة.. بحق الفروع المخالفة للمصرف في حال عدم التقيد بما ذكر أعلاه"، يقول متعاملون ومعلّقون على صفحة الحاكم ذاتها، إن فروعاً لبنوك معروفة تتهم المركزي بتعطيل تسليم السيولة، وبالتالي تعطيل تسليم الأموال لأصحابها، بما فيها حتى رواتب المتقاعدين.
وختم حاكم المركزي بالتأكيد على أن "تعزيز الثقة بقطاعنا المصرفي هي الطريق الوحيد لتوفير السيولة في اقتصادنا الوطني". وهو تأكيد يقرّ بأزمة السيولة، التي وصفها خبير اقتصادي ومالي سوري، علّق على منشور الحاكم، بالقول: ".. أزمة السيولة لم تعد خللاً تشغيلياً محدوداً، بل تحولت إلى ضغط نقدي واسع الأثر ينعكس مباشرة على الأسعار وسعر الصرف وسلوك المتعاملين، وهو ما يجعل عامل الوقت حاسماً في المعالجة".
وأضاف الدكتور محمود مفيد عبد الكريم، في تعليقه: "تشهد الأسواق السورية شحاً واضحاً في النقد المتداول.. التقديرات غير الرسمية لحجم التداول النقدي الفعلي تشير إلى تراجع السيولة المتاحة في السوق بما يقارب 30–40٪ خلال فترات استبدال العملة، نتيجة سحب النقد من التداول بوتيرة أسرع من إعادة ضخه عبر المصارف. هذا التراجع يظهر بوضوح في عجز المصارف عن تلبية السحوبات اليومية، وفي تفاوت كبير بين الفروع".
وأضاف عبد الكريم: "انعكاس ذلك على السوق كان مباشراً. في قطاعات الغذاء والسلع الأساسية، سُجلت زيادات سعرية تتراوح بين 10٪ و25٪ خلال فترات قصيرة، رغم ثبات نسبي في سعر الصرف أحياناً".
وعقّب: "من زاوية سلوكية، بيانات السحب والإيداع تشير إلى نمط مقلق: ارتفاع السحوبات مقابل انخفاض الإيداعات الجديدة. في بعض الفروع، تتجاوز السحوبات اليومية الإيداعات بنسبة 2 إلى 1، ما يعني أن السيولة الخارجة من الجهاز المصرفي لا تعود إليه، وهو ما يضرب جوهر الوساطة المصرفية ويغذي الاكتناز".
كان حاكم المركزي، عبد القادر حصرية، قد أجاب على تساؤلات حول "أزمة السيولة النقدية"، في مؤتمر صحفي عقده في نهاية كانون الأول الفائت، مع الإعلان عن التعليمات التنفيذية لعملية استبدال العملة السورية، بالقول، إنه مع مرور الوقت سيتم حل هذه الأزمة، داعياً المواطنين الذين يحتفظون بالأوراق النقدية (البنكنوت) في منازلهم إلى إيداعها لدى المصارف لأن الاحتفاظ بها أمر خطير، وأنه ليس هناك خيار سوى العودة للقطاع المصرفي واستعادة الثقة به، حسب وصفه.
وأكد الحاكم حينها، أن "تلقي مبالغ من الكاش والاحتفاظ بها سيؤدي إلى أزمة سيولة كالتي نشاهدها، حيث يتم ضخ العملة بالقطاع المالي وتذهب إلى خارجه ولا تعود كودائع في البنوك"، مشيراً إلى أن المركزي يعمل مع المصارف على إجراءات بهذا الشأن لاستعادة الثقة، واصفاً بأنها "ليست أزمة ضخ سيولة فقط، بل هي أزمة ثقة".

التعليق