"ألغاز" صفقة الغاز مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا"


في واحدة من أضخم صفقات الاستثمار في حقول الغاز السورية، والتي احتفت بها البلاد –رسمياً- قبل يومين، نجد جملة نقاط غامضة وفجوات معلوماتية لم يتم الإفصاح عنها في التصريحات العلنية. وهي نقاط جوهرية عادة ما تكون محور اهتمام المحللين الاقتصاديين والقانونيين في مثل هذه العقود.

فأمس الأول الثلاثاء، استقبل الرئيس أحمد الشرع، في قصر الشعب، الرئيسيَن التنفيذييَن لكل من شركتَي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إنرجي، الأمريكيتين، إلى جانب رجل الأعمال السوري أيمن أصفري. وحضر اللقاء، وزير الخارجية، أسعد الشيباني، ووزير الطاقة، محمد البشير، والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي.

جاء هذا اللقاء رفيع المستوى، بعد توقيع عقدٍ بين "السورية للبترول"، وشركتَي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إنرجي، بهدف تطوير عدد من حقول الغاز في سوريا وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة.

لكن بحثاً مطوّلاً في التصريحات الرسمية بخصوص هذا العقد، لم تتح لنا الوصول إلى معرفة الحقول المعنية بالتطوير أو المناطق التي سيتم فيها العمل لاستكشاف حقول جديدة. ناهيك عن نقاط أخرى أكثر غموضاً.

ماذا نعرف عن اتفاقية الغاز مع كونوكو فيليبس ونوفاتيرا؟

جاء العقد الموقّع قبل يومين، ترجمة تنفيذية لمذكرة تفاهم موقّعة في 18 تشرين الثاني الماضي. وهي المذكرة التي قالت "السورية للبترول"، إن مساراً من العمل الفني والقانوني والتجاري، أعقبها، وذلك بهدف تحويل التفاهمات الأولية إلى مشروع قابل للتنفيذ.

لكن، ما محتوى هذا المشروع؟ - تقدم التصريحات الرسمية وتلك العلنية الصادرة عن مسؤولي الشركات المعنية، توقعات تشغيلية وإنتاجية، خالية من التفاصيل. فـ "السورية للبترول" تخبرنا أن هذه الشراكة تنتقل "إلى مرحلة جديدة عبر توقيع عقد تطوير لعدد من حقول الغاز في سوريا، بهدف زيادة الإنتاج، دعم إمدادات الكهرباء، تعزيز أمن الطاقة، واستقطاب الخبرات والاستثمارات الدولية للمساهمة في تطوير قطاع الطاقة".

وفي تصريحات سابقة، تعود إلى ما قبل 7 أشهر، حين توقيع مذكرة التفاهم الأولى، قال قبلاوي إنه يتوقع أن تؤدي المذكرة الجديدة إلى زيادة إنتاج الغاز بمقدار يتراوح بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء العمل. كما تشمل المذكرة استكشاف حقل جديد يتطلب تطويره نحو ثلاث سنوات.

فيما تحفظت "كونوكو فيليبس" في ردها على أسئلة لموقع CNBC عربية -عبر البريد الإلكتروني- بشأن تفاصيل المشروع الجديد والتفاصيل المالية والجدول الزمني، بالقول: "نتبع نهجاً منضبطاً في تطوير الأعمال، حيث تخضع جميع الأنشطة للموافقات المناسبة، وتُنفَّذ وفقاً للقوانين واللوائح المعمول به".

وركّز تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية على أن توقيع العقد المشار إليه، يجعل "كونوكو فيليبس" أول شركة نفط وغاز أمريكية كبرى تبرم اتفاقاً من هذا النوع مع دمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد. مع الإشارة إلى أن "كونوكو فيليبس" كانت طرفاً في مذكرة تفاهم جديدة، أُبرمت في 12 أيار الفائت، بشراكة مع شركة "توتال إنيرجيز" الفرنسية وشركة "قطر للطاقة"، للتعاون في استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية.

ما أبرز النقاط الغامضة في صفقة الغاز مع "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا"؟

أولى النقاط المُغيّبة عن الجمهور، والمهتمين الاقتصاديين والقانونيين، حجم الاستثمارات في الصفقة. إذ لم يتم الإعلان عن القيمة المالية التي ستضخها الشركتان الأمريكيتان في عمليات التطوير والاستكشاف.

كذلك لا نعرف طريقة استرداد التكاليف. هل ستتم عبر "عقود مشاركة في الإنتاج"، حيث تسترد الشركات تكاليفها من الغاز المُنتج، أم عبر رسوم خدمات، أم عبر نماذج تمويلية أخرى!

أيضاً، هناك غموض حول توزيع الأدوار والملكيات. إذ لم يتم الكشف عن نسبة مساهمة كل شركة أمريكية مقارنة بحصة "السورية للبترول" في الحقول المطوّرة. ولم يتم تحديد من هي الشركة المشغلة الفنية للمشروع، ومن هي الشركة الداعمة أو الممولة فقط. ففي العقد الذي ذكرتَه المصادر، لدينا ثلاث جهات (السورية للبترول، كونوكو فيليبس، نوفاتيرا إنرجي). والسؤال المطروح هنا، من "المشغِّل"؟ لأن تحديد هذا الأخير يخبرنا من يمتلك السلطة الفعلية على المشروع، ومن يتحمل المسؤولية القانونية والفنية المباشرة. أي باختصار، من هو الطرف الذي يقود العمليات على الأرض.

وكما أشرنا آنفاً، لم يتم تحديد الحقول التي ستخضع للتطوير. والمناطق التي سيجري فيها عمليات استكشاف.

ولم تتطرق البيانات الرسمية إلى المعايير البيئية التي سيتم إتباعها في عمليات الحفر والاستخراج لضمان عدم الإضرار بالبيئة المحلية.

وأخيراً، والأهم ربما. ما نسبة العمالة السورية المحلية التي سيتم الاعتماد عليها مقابل الخبراء الأجانب في إدارة هذه المشاريع؟!


وهكذا نجد، أنه رغم الاحتفاء الرسمي الكبير بهذه الاتفاقية، فإن الأسئلة بخصوصها أكثر بكثير من الأجوبة المتاحة رسمياً. وفي هذا المضمار، لا تعد الشفافية في كشف تفاصيل العقود حول الموارد الريعية في دولة خارجة من نزاع، وتعيش مرحلة انتقالية، شكلاً من أشكال الرفاهية، بل هو أحد أبرز الضمانات لتجنب الوقوع في ذات المقدمات التي أسست لفساد هيكلي معقّد في عهد النظام البائد، حيث كانت الثروة النفطية والغازية السورية، بعيدة عن أية أدوات ممكنة للرقابة والمساءلة، مما أسّس لعقود من الصفقات المشبوهة، وتهريب الثروات، والخاتمة التالية لذلك، مع انفجار ثورة العام 2011.

 


ترك تعليق

التعليق