ماذا وراء التدفق الجماعي لآلاف المغاربة على جيب سبتة؟


تدفق آلاف المغاربة مثل الموج الهادر على جيب سبتة الإسباني الواقع في شمال أفريقيا يومي الخميس والجمعة على أمل العبور نحو أوروبا فيما وصفت بأنها أكبر عملية عبور جماعي تنطلق من المغرب منذ سنوات، لكن مع تصدي السلطات الإسبانية للمتسللين انحسرت الموجة مخلفة وراءها عشرات الجثث وعشرات الأسئلة عن أسباب ما جرى.

قالت السلطات الإسبانية أمس السبت إنها انتشلت 67 جثة بعد التصدي لمحاولة نحو 60 ألفا العبور من المغرب إلى سبتة سباحة وسيرا على الأقدام. وعلى الجانب الآخر، أظهرت مقاطع فيديو في وسائل الإعلام المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي اشتباكات ‌بين الساعين للهجرة غير الشرعية والسلطات المغربية وتراشق بالحجارة، واستخدام القوات المغربية الهراوات والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود عند مدخل سبتة.

وقدرت السلطات الإسبانية عدد الذين عادوا أدراجهم إلى المغرب بحلول مساء الجمعة بأكثر من 48 ألفا.

ويعتقد محمد شهبي الباحث في العلوم السياسية أن "هذا العبور الجماعي، يأتي في ضوء هشاشة اجتماعية واقتصادية متراكمة، تمس فئات واسعة من الشبان والراشدين وحتى الأسر مع ارتفاع البطالة، وضعف الحماية الاجتماعية والتفاوتات بين المناطق".

وتشير البيانات الرسمية إلى أن ربع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما لا يلتحقون بالتعليم أو العمل أو التدريب.

وقال شهبي لرويترز إن موجة العبور هنا تستجيب لمنطق "هجرة الفرصة الأخيرة" حيث ينظر إلى سبتة باعتبارها "بوابة محتملة للنفاذ إلى فضاء أوروبي يحمل رمزية العمل المجزي والكرامة وتحسين شروط العيش، حتى ولو بثمن المخاطرة بالحياة".

وأضاف أنه "من منظور علم الاجتماع السياسي يتحول الشريط الحدودي إلى فضاء تتقاطع فيه ‘تطلعات الأفراد‘ مع ‘حدود الدولة‘، فتترجم الأزمات (الفقر، انسداد آفاق الإدماج، هشاشة التعليم والصحة) إلى فعل جماعي مكثف يتجاوز القنوات القانونية والمؤسسية، ويقوى هذا المنطق بفعل قصص النجاح المتداولة، وبواسطة مضمون رقمي يغذي تصورا مبالغا فيه عن سهولة العبور والاندماج في الضفة الأخرى".

وقالت السلطات الإسبانية إن شبكات التهريب روجت لتفسير خاطئ عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في أوائل يوليو تموز يقضي بعدم جواز إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر في أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة أو مليلية على الفور، مما أوهم البعض بأن أي شخص يصل إلى سبتة يمكنه البقاء في إسبانيا.

وعلى الرغم من أن الحكم القضائي أوقف عمليات الإعادة القسرية الفورية، فإنه لا يزال يسمح بالإعادة من خلال الإجراءات القانونية المعتادة.

ولم ترد الحكومة المغربية على طلبات من رويترز للتعليق، كما لم تصدر أي بيانات بشأن هذه الأحداث.

وتشكل سبتة ومليلية، وهما مدينتان إسبانيتان تتمتعان بالحكم الذاتي في شمال المغرب، الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا. ولا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، ويصف الجيبين، اللذين يقعان تحت السيطرة الإسبانية منذ عدة قرون، بأنهما "محتلان".

* ظروف مختلفة

يرى المحلل السياسي محمد العمراني بوخبزة أن هذه الواقعة ليست الأولى في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، إذ سبقتها أزمة 2021 حين حاول آلاف المهاجرين غير الشرعيين الدخول من المغرب إلى إسبانيا عبر بوابة سبتة، وكانت العلاقات المغربية الإسبانية حينها متوترة بسبب استضافة إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو المعادية للمغرب للعلاج على أراضيها، واتهام ‌إسبانيا آنذاك للمغرب بالتقصير في حراسة الحدود.

ويقدم الاتحاد الأوروبي دعما ماليا للمغرب لحماية الحدود.

لكن بوخبزة أوضح أن العلاقات المغربية الإسبانية تمر "بأحسن فترات الود والتفاهم" حاليا بعدما أيدت مدريد خطة المغرب للحكم الذاتي للصحراء الغربية، وهي إقليم يعتبره المغرب جزءا من أراضيه، لكن جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، تسعى للحصول على الاستقلال للإقليم.

وعن مسببات التدفق الجماعي نحو سبتة، يعتقد بوخيزة أن الدوافع الاقتصادية ليست وحدها السبب. وقال "لاحظنا في تصريحات هؤلاء المهاجرين أن منهم من له عمل ومن هو في وضعية مريحة، لكن ما حدث لا يمنع من التساؤل بشأن السياسات العمومية، وأداء الاقتصاد الوطني، والوضعية الحقوقية بالبلاد".

وأضاف "المغرب الآن أمام تحديات عليه أن يواجهها وخاصة أننا في مرحلة ديموغرافية خاصة جدا، بحيث أن الهرم الديموغرافي للمغرب يتشكل أساسا من الشباب، وبالتالي فإن الاقتصاد الوطني مطالب بأن يضاعف المجهود من أجل استيعاب هذه الفئة، لكن ليس الجانب الاقتصادي هو الدافع نحو الهجرة بل الرغبة في التغيير".

وحسب إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط، بلغت نسبة البطالة العام الماضي 13 بالمئة مقارنة مع 13.3 بالمئة في 2024.

وألقى العاهل المغربي محمد السادس خطابا يوم الأربعاء الماضي بمناسبة مرور 27 عاما على جلوسه على العرش قال فيه إن الدولة تواصل طرح "العديد من المبادرات وبرامج التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، من أجل تحسين ظروف عيش المغاربة وتحقيق العدالة الاجتماعية المجالية".

* حقوقيون يدقون ناقوس الخطر

قالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في بيان بشأن أحداث سبتة إن "النزوح الجماعي شمال المغرب، وتصاعد محاولات العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين، يعكس مدى انسداد الأفق الاجتماعي، ويفضح الفشل الذريع لسياسات الدولة في توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للمواطنين والمواطنات".

وأضافت "يمثل إقدام أعداد غفيرة من الشباب والقاصرين، ومن النساء والرجال من كل الأعمار على المخاطرة بأرواحهم والهروب من بلادهم، مؤشرا خطيرا على حالة اليأس المتفشي وفقدان الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية وفي المستقبل ككل".

كذلك دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى "اتخاذ إجراءات مستعجلة للكشف عن مصير جميع المفقودين إثر محاولات العبور نحو مدينة سبتة". وقالت إنه حتى صدور بيانها أمس السبت بلغت "حصيلة الوفيات وفق المعطيات المتوفرة إلى حدود 67 وفاة، مع احتمال ارتفاع العدد".

وقالت نادية طاري مديرة مؤسسة (شرق-غرب) غير الحكومية، التي تعنى بقضايا الهجرة وإدماج اللاجئين، لرويترز "نحن في المؤسسة تفاجأنا بهذه الهجرة الجماعية غير المفهومة، كيف سيذهب كل هؤلاء دفعة واحدة بطريقة غير شرعية ونحو المجهول".

وأكدت أن "الحل يكمن في التوعية.. بالنسبة لنا هذا تهور هذا غير مسؤول، يجب توفير الشغل لهؤلاء، وحياة اجتماعية مستقرة بالإضافة إلى التكوين (التدريب) والدراسة من أجل حياة كريمة".

ترك تعليق

التعليق