هوامش الجغرافيا والانفتاح الاقتصادي


آمال كثيرة علّقها السوريون على السلطة الحالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وخصوصاً في ظل الوعود التي قدمتها، بأن سوريا تتطلع لأن تصبح نموذجاً يشبه نموذج سنغافورة في شرق آسيا.

وأغلب السوريين يسمعون باسم سنغافورة، لكنهم لا يعرفون كيف استطاعت هذه الدولة المعزولة والفقيرة الموارد، أن تصبح من أنجح التجارب الاقتصادية في العالم. ولو علموا لزاد إحباطهم، لأن ما حدث هناك هو أقرب للخيال، ونموذج خاص من المستحيل حتى التفكير بالاقتراب منه. 

يجب أن نعترف أن سوريا محكومة بجغرافية سياسية لعينة، هي التي تحكمت على مدى التاريخ بالأدوار التي يجب أن تؤديها، والأوضاع التي يجب أن تكون عليها، وقلما كان لأبنائها وقادتها دور كبير في إدارة مستقبلها على النحو الذي يريدونه ويطمحون إليه. ولكن هذا لا يعني أن هامش المناورة إلى هذا الحد ضيق ومحدود، بل يمكن لهذا الهامش أن يتسع ويزيد إذا ما عرف القادة الجدد للبلاد كيفية الاستفادة من الجانب الآخر للموقع الجغرافي المهم لسوريا، والذي يمكن أن يصبح هو بحد ذاته درعاً حصيناً يدافع عنها ضد الأخطار المحدقة بها.

لقد فعلت الحكومة السورية خيراً من خلال فتح أشرعة البلاد على مصراعيها، للاستثمار العربي والأجنبي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تحسن الحكومة إدارة هذا الاستثمار على النحو الأمثل وبما يعود بالنفع على الشعب السوري.

ويجب أن لا يغيب عن أعيننا الاستفادة من بعض التجارب لدول قامت بفتح الباب للاستثمارات الخارجية، من أجل أن لا نقع في نفس الأخطاء التي وقعت فيها.

ويحضرنا في هذا المجال التجربة الأرجنتينية في مطلع التسعينيات، التي قامت بفتح الباب أمام رؤوس الأموال الأجنبية، وخصخصت العديد من الشركات الحكومية، ثم دخلت استثمارات كبيرة، لكنها كانت في جزء كبير منها أموالاً قصيرة الأجل، تبحث عن الربح السريع، وعندما فقد المستثمرون الثقة، خرجت الأموال بسرعة، مما أدى إلى أزمة مالية حادة في عام 2001، ارتفعت معها معدلات البطالة وزاد الفقر إلى مستويات كبيرة.

وأيضاً يجب أن لا يغيب عن بالنا التجربة الروسية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، التي انتهت تجربتها بالانفتاح الاقتصادي، على تركز الثروة بيد عدد قليل من رجال الأعمال، وهو ما دفع الدولة لاحقاً إلى إعادة فرض السيطرة على بعض القطاعات الاستراتيجية.

وهناك نماذج أخرى في أفريقيا، مثل زامبيا والكونغو الديمقراطية، وهي تجارب يعتبرها البعض إلى حد ما ناجحة، كون أموال الاستثمار الأجنبي لم تهرب من البلاد، لكنها بنفس الوقت وقعت بالعديد من المشكلات البيئية، وسوء أوضاع البنية التحتية، والتي انعكست في النهاية على صورة مشكلات أخرى، أضرت بالاقتصاد الوطني، وكبدته خسائر إنتاجية كبيرة.

في المقابل إذا ما حاولنا دراسة النماذج الناجحة، مثل الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية، وبصورة أقل، فيتنام، فإننا سوف نجد أن هذه الدول لم تفتح أبوابها للاستثمار الخارجي بدون شروط، بل فرضت سياسات محددة، مثل نقل التكنولوجيا إلى الشركات المحلية وتوظيف نسبة كبيرة من العمالة المحلية، وفرض ضرائب وقوانين واضحة، وحماية بعض الصناعات الوطنية في المراحل الأولى، ومنع سيطرة المستثمرين الأجانب على بعض القطاعات الاستراتيجية.

باختصار، الاستثمار الأجنبي ليس سيئاً أو جيداً بحد ذاته، فهو يمكن أن يكون محركاً للنمو إذا وضعت له ضوابط تحقق مصلحة الدولة، لكنه قد يؤدي إلى أضرار إذا ما خرجت الأرباح إلى الخارج، أو اعتمد الاقتصاد عليه بشكل مفرط، وأدى إلى إضعاف الشركات الوطنية ودفع الدولة إلى بيع أصولها بثمن منخفض.

لذلك فإن الفرق الحقيقي ليس في فتح الباب للاستثمار، بل في الشروط التي تضعها الدولة ومدى قوة مؤسساتها التنظيمية.

 

ترك تعليق

التعليق