لماذا تنهار الليرة التركية..؟


تكثر في الآونة الحالية التحليلات التي تتحدث عن سبب انهيار الليرة التركية السريع مقابل الدولار، وذلك بعد أن تراجع سعر صرفها بأكثر من 20 بالمئة في غضون أربعة أشهر، وهو بالفعل ما يثير العجب ويدعو للتساؤل، سيما وأن البيانات المتعلقة بالاقتصاد الكلي التركي، لا تدل على أن هناك انهياراً ما في أي من المؤشرات الأساسية، بل على العكس من يقرأ بيانات التجارة الخارجية، يكتشف بأن تركيا من بين الدول القليلة في العالم التي نجت من الركود والانكماش خلال فترة جائحة كورونا في العام الماضي.. اللهم إلا إذا كانت البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية غير صحيحة وغير دقيقة.

وبالعودة إلى هذه الأرقام، فقد أعلنت وزارة التجارة التركية، في مطلع العام الجاري، أن حجم الصادرات في العام 2020، بلغ 169.5 مليار دولار، رغم الانكماش الاقتصادي وتراجع الطلب في بعض الأسواق العالمية بسبب جائحة كورونا.

أما أرقام الواردات التركية فزادت بنسبة 4.3 بالمئة في العام 2020، لتبلغ 219.4 مليار دولار. إلا أن وزارة التجارة الخارجية أشارت إلى أن واردات الذهب بلغت أكثر من 25 مليار دولار في العام الماضي، الأمر الذي يفرض عدم حسابها، ضمن بيانات التجارة الخارجية.
 
واحتلت تركيا في عام 2020 نسبة 1.03 من حجم الصادرات العالمي، لأول مرة في تاريخها.

ومؤخراً أعلنت وزارة التجارة التركية عن رقم التجارة الخارجية حتى شهر أغسطس/آب 2021، ليصبح رقم إجمالي التجارة الخارجية التركية 310 مليارات دولار في ثمانية أشهر فقط، كما كان وزير التجارة التركي قد أعلن عن رقم الصادرات في شهر سبتمبر/أيلول بأنه وصل إلى 20 ملياراً وقرابة 22 مليار واردات، مما يجعل رقم التجارة الخارجية للأرباع الثلاثة الأولى من 2021 حوالي 362 ملياراً، مما يرجح أن يصل الرقم إلى 450 مليار دولار في نهاية عام 2021 بفرض السير على المنوال نفسه.

أما أرقام التصدير المعلنة في الأرباع الثلاثة الأولى من 2021، فقد فاقت 160 مليار دولار أمريكي أي أنها اقتربت مما جرى تحقيقه في مجمل عام 2020، ويتوقع أن تصل الصادرات التركية مع نهاية العام الجاري إلى 215 مليار دولار أمريكي وفي 2022 إلى أكثر من 220 ملياراً. 
 المتأمل في الأرقام السابقة، يكتشف بأن الاقتصاد التركي بألف خير، ولا يوجد فيه ما يستدعي هذا الانهيار الذي تتعرض له الليرة، حتى أن العجز في الميزان التجاري، معقول لدولة مثل تركيا، تبلغ فاتورة استيرادها السنوية من الطاقة، أكثر من 40 مليار دولار، ما يعني أنه في حال نجحت الدولة في تأكيد الاكتشافات النفطية والغازية التي أعلنت عنها سابقاً في البحر الأسود، فإنها سوف تقترب من التوازن بين أرقام الصادرات والواردات، وقد تتفوق الأولى على الثانية، في غضون عامين، بحسب ما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في وقت سابق.. إذاً، نعود للسؤال في العنوان: لماذا تنهار الليرة التركية..؟

تحدث مؤخراً العديد من المحللين، عن أن السبب يعود بالدرجة الأولى إلى إصرار الحكومة التركية، على خفض سعر الفائدة في البنك المركزي التركي، ثلاث مرات خلال العام الجاري، كان آخرها قبل يومين، بنسبة 100 نقطة أساس، أي واحد بالمئة، ليصبح سعر الفائدة 15 بالمئة، بعدما كان في مطلع العام الجاري 18 بالمئة.

وبحسب رأيهم، فإنه عندما يقوم البنك المركزي بتخفيض سعر الفائدة، فإن ذلك يدفع المودعين، إلى سحب أموالهم، وإيداعها في بنوك دول أخرى، تدفع سعراً أعلى للفائدة، أو أن يقوموا بسحبها وتحويلها إلى دولار، أو شراء الذهب، وفي جميع الحالات فإن ذلك يدفع الليرة للانخفاض، نتيجة زيادة الطلب على الدولار أو زيادة المعروض من الليرة المطروح للبيع.. أي يحدث ما يشبه المضاربة في هذه الحالة.
 
وتتحدث وسائل الإعلام التركية عن وجود خلاف كبير، بين الحكومة والبنك المركزي التركي، الذي يملك القطاع الخاص 50 بالمئة منه، حيث أن هذا الأخير يريد رفع سعر الفائدة، أما الحكومة فتريد تخفيضها.

حجة الحكومة التركية، أن رفع سعر الفائدة سوف يدفع المودعين إلى الإبقاء على أموالهم في البنوك، أما في حال تخفيضها، فإن ذلك سوف يدفعهم لسحبها وتشغيلها في الأسواق، الأمر الذي سوف ينعكس على المواطن التركي، الذي سرعان ما سيشعر بالانتعاش بعد فترة ضغط بسيطة، بالاضافة إلى أن ذلك سوف يدفع الليرة التركية للارتفاع مجدداً أمام الدولار بعد فترة انخفاض مؤقتة.
 
أما القطاع الخاص، فيرى أن الاقتصاد العالمي يمر بفترة نشاط كبير، بعد أكثر من عام من الإغلاق نتيجة جائحة كورونا، وهناك ارتفاع كبير في أسعار كل شيء، بدءاً من أجور الشحن العالمي وانتهاء بأسعار المواد الأولية، وبالتالي فإن الضغط على المودعين ودفعهم لسحب أموالهم في هذه المرحلة، قد لا يدفعهم لاستثمار هذه الأموال في الاقتصاد مباشرة، وإنما سيدفعهم للمزيد من التحوط والاختباء وراء ملاذات اقتصادية أكثر أمناً، ريثما يهدأ فوران الأسواق، وتتراجع الأسعار، وبالذات برميل النفط، الذي ارتفع من 40 دولاراً في الشهر الرابع من العام الجاري، إلى أكثر من 80 دولاراً في الفترة الراهنة.
   
في الواقع، يحاول المحللون الاقتصاديون أن يختصروا قصة تراجع الليرة التركية السريع، والتي وصلت إلى أكثر من 11 ليرة مقابل الدولار، بعد أن كانت أقل من 9 ليرة قبل ثلاثة أشهر، إلى هذا الخلاف الدائر بين الحكومة والقطاع الخاص في البنك المركزي، وبأنه لو تم رفع سعر الفائدة، لما تراجع سعر صرفها.. فإلى أي حد هذا الكلام دقيق..؟
 
من وجهة نظر شخصية، فإن الأسباب الكامنة وراء انهيار سعر صرف الليرة التركية، لا علاقة له بهذه الخطوات الإجرائية.. وحتى لو كان الكلام السابق صحيحاً من الناحية الاقتصادية، فإنه لن يؤدي إلى هذا الانهيار الكبير في سعر الصرف.. وأغلب الظن أن من يقف وراء المشاكل التي يتعرض لها الاقتصاد التركي بشكل عام، هو أسباب سياسية بحتة، تتعلق بهذا التشنج في علاقات تركيا مع الدول الأوروبية وأمريكا، وبعض الدول العربية والخليجية التي تعتبر السوق الأكبر للبضائع التركية.. هذا بالإضافة إلى الأسباب السياسية الداخلية، والصراع بين الحزب الحاكم والمعارضة، مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية والرئاسية، نهاية العام القادم، والتي تشير إلى عدم الاستقرار في البلاد، وهو بالتالي ما يدفع رأس المال المحلي والأجنبي، للهروب من البلد، بغض النظر عن رفع سعر الفائدة وخفضها.
 
باختصار، المشكلة تكمن بتذبذب سعر صرف الليرة التركية.. لا يهم أن يصل الدولار إلى 11 ليرة أو 12 أو حتى 15 ليرة.. المهم هو استقرار سعر الصرف عند حد ثابت ومعين، ولفترة طويلة، وأن تكون التغيرات بسيطة ومحدودة.. لكن مقتل الاقتصاد التركي والليرة اليوم، هو هذا التغير الكبير في سعر الصرف، والذي يعني بأن من أودع أمواله في البنوك بالليرة التركية في العام الماضي، فإنه قد خسر منها نحو 30 بالمئة، دون أن يحرك ساكناً.. وهذا لوحده سبب كبير لأن تفر هذه الأموال من البنوك، أو حتى من البلد برمتها.

ترك تعليق

التعليق