"اقتصاد" في حديث مطوّل مع أحد رموز آل الشلاح


هموم وتطلعات أحد المحسوبين على البورجوازية الدمشقية العتيقة 

لطالما كتبنا في "اقتصاد" على مدار سنوات الثورة عن رؤيتنا الإيجابية لدور البورجوازية السورية في النهوض باقتصاد البلاد بعد الانتصار على نظام الأسد. لا النهوض بها وفق رؤى اقتصادية بحتة، بل في سياق أبعد من ذلك، يستعيد دور هذه البورجوازية التاريخي، في عهدها الذهبي، بخمسينات القرن الماضي، يمكن كانت سوريا في مصافي الدول الناهضة، بقوة.

وكانت لنا فرصة اللقاء برجل أعمال من المحسوبين على البورجوازية الدمشقية العتيقة، للحديث عن مشاغله وهمومه وتطلعاته، وأبرز التحديات التي واجهها خلال سنوات ما بعد الـ 2011. هو الدكتور طارق شفيق الشلاح، سليل العائلة العريقة في مجال التجارة والأعمال الحرة. وابن شقيق بدر الدين الشلاح، شهبندر التجار الأسبق.

جمعية خيرية يعرفها كل دمشقي

كان لافتاً رغبة الدكتور طارق في افتتاح حديثه معنا، عن دور الجمعية الخيرية التاريخية، التي أسسها جدّه، الحاج المرحوم، سليم الشلاح، منذ العام 1907، والتي يعرفها كل دمشقي. جمعية الإسعاف، بدار الأيتام والمدرسة الخاصة بهم، التابعة لها. وبنشاطاتها في مساعدة المعوزين والشباب المقبلين على الزواج، أو من يواجه حالة طبية عصيبة ويحتاج للعون المالي.

يترأس الدكتور طارق الشلاح مجلس إدارة الجمعية منذ العام 1992، وما يزال. وقد حدّثنا عن أحلك الظروف التي مروا بها، خلال سنوات ما بعد الـ 2011، حينما خشي أن تتقلص تبرعات التجار والصناعيين وأهل الخير في دمشق، من الممولين لنشاطاتهم الخيرية، بصورة تضرّ بالأيتام المُعالين من جانبهم. لكن، حسب وصفه، فإن أهل الخير في هذا البلد، كُثر. ورغم تراجع أعمال تجار دمشق وصناعييها، وقدراتهم المالية، بقي تمويل الجمعية سارياً، وقادراً على التكفّل بدار الأيتام والمدرسة الخاصة بها.

وتموّل الجمعية رواتب المدرسين والكادر الإداري في المدرسة التي تشمل المرحلة الابتدائية وللذكور فقط، وفق أنظمة وزارة التربية، وبالتنسيق معها. وكانت إحدى أبرز التحديات التي واجهت الجمعية، ورئيس مجلس إدارتها، في سنوات حكم الأسد الأخيرة، تلك الضغوط التي تعرضوا لها من جانب وزارة الشؤون الاجتماعية، لإيواء أطفال أيتام لا كفيل أو قريب لهم. وأوضح الدكتور الشلاح لنا، أنهم يأوون الأيتام الذين لهم أقارب غير قادرين على إيواءهم. ويمنحون لهؤلاء الأيتام متنفساً لقضاء عطلة الأسبوع (الجمعة والسبت)، لدى أقاربهم، إذ تغلق الدار والمدرسة خلال العطلة، وذلك بغرض ألا يشعر الأطفال وكأنهم مسجونون، أو أن لا "نسب لهم". وأوضح الشلاح أنه طُلب منه إيواء أطفال (لا كفيل أو قريب لهم)، حتى خلال عطلة الأسبوع. فتذرع الشلاح بأن نظام عملهم قائم على مبدأ العطلة الأسبوعية. فعرضت عليه الوزارة تمويل عمل الكادر العامل في دار الأيتام، خلال أيام العطلة. لكنه أصرّ على رفضه، ليتضح له لاحقاً، أنه كان على صواب في إصراره على الرفض، بعد أن تأكد –بعيد سقوط النظام-، أن هؤلاء الأطفال هم، لآباء معتقلين.

السياحة كثروة تضاهي النفط والغاز

اشتق الدكتور طارق الشلاح لنفسه عملاً في قطاع السياحة منذ عقود. وأسّس شركة "الهائل للسياحة والسفر". وقد قاد جمعية مكاتب السياحة والسفر في سوريا منذ عام 1983 وحتى عام 2009، وأصبح عضواً بجمعية اتحاد السياحة والسفر العالمية ممثلاً عن الدول العربية لـ 6 سنوات، خلال العقد الأول من القرن الحالي. وقد تمكن من إقناع هذه الجمعية الدولية بأن تقيم مؤتمرها السنوي بدمشق، عام 2003، بغرض الاستفادة من فعاليات هذا المؤتمر في الترويج للسياحة بسوريا. وكان لذلك أثر كبير في انفتاح سوريا بصورة أكبر على السوق السياحية الدولية.

وقصّ الشلاح لنا، كيف واجه يومها تعقيدات البيروقراطية السورية، بخصوص التعامل بالقطع الأجنبي. إذ أن وفود مكاتب السياحة تتعامل بالقطع الأجنبي، وقد طلبت وزارة السياحة الالتزام بإجراءات معقدة بهذا الخصوص. وكاد الأمر أن يعرقل مشروع استضافة المؤتمر الدولي بدمشق، فلجأ الشلاح حينها، إلى رجل الأعمال الراحل، الدكتور عثمان العائدي، مؤسس فنادق الشام، والذي ساعده في تجاوز هذا التحدّي.

وأخبرنا الدكتور طارق الشلاح، أن سنوات ما بعد العام 2000 شهدت انتعاشة متصاعدة لقطاع السياحة وأعمالها في سوريا، حتى أن المنشآت الفندقية كانت تمتلئ بشكل كامل. واستمر ذلك حتى العام 2011. وبطبيعة الحال، وبعد هذا العام المفصلي في تاريخ البلاد، تردى العمل في قطاع السياحة بصورة نوعية، وبات ضعيفاً إلى أقصى الحدود. ويخبرنا الشلاح كيف كانت قضية القطع الأجنبي هاجساً مرعباً للعاملين في السياحة، خلال سنوات ما بعد الـ 2011. حتى مع صدور قرار يتيح لشركات ومكاتب السياحة، التعامل بالقطع الأجنبي. ورغم ذلك، تكررت حالات اعتقال عاملين في السياحة، بتهمة التعامل بالقطع الأجنبي، وبمبالغ صغيرة جداً. وكان ذلك مصدراً لتمويل الأجهزة الأمنية التي احترفت حينها، تصيّد الأشخاص العاملين في هذا المجال.

 

واليوم، لدى الشلاح رهان كبير على انتعاشة نوعية لقطاع السياحة، وقد لمس بنفسه حماس من يتعامل معهم من مكاتب سياحة بدول غربية، لتنظيم رحلات إلى سوريا. لكن ما يزال الوضع الأمني غير المستقر، حاجزاً أمام انطلاقة هذا القطاع، بالصورة المأمولة. وقد أخبرنا الشلاح أن وفداً سياحياً أمريكياً أراد زيارة سوريا، عن طريق شركته، لكنه طلب تأجيل ذلك، نظراً لأن المعالم التي يريدون زيارتها لا تقتصر على دمشق وريفها، بل تشمل تدمر، ومناطق أخرى، ما يزال الوضع الأمني فيها غير مستقر بشكل كافٍ. وخشي الشلاح أن يتعرّض الوفد السياحي الأمريكي لأي طارئ أمني، يتسبب بضرر كبير لسمعة سوريا، في الوقت الراهن. فقرر التماس المزيد من الصبر والرهان على الوقت، وعلى الجهود الحكومية الحثيثة، لضبط المشهد الأمني في مختلف المحافظات، وصولاً إلى اللحظة التي يمكن فيها، التجوّل بسائحين عرب وأجانب، في مختلف المدن السورية، دون أية مخاوف.

وأخبرنا الشلاح برهاناته على قطاع السياحة الذي كان قبل عقد ونصف، يشكل المصدر الثالث للدخل القومي بسوريا، ويدر عليها مليارات الدولارات، سنوياً. معتبراً أنه لا يقل أهمية عن النفط والغاز.

صعوبات كبيرة تواجه إمكانية إحياء عمل آل الشلاح التقليدي

وفي سنوات ما قبل الـ 2011، لم يبتعد طارق الشلاح كثيراً عن عمل الأسرة التقليدي العتيق، بتصنيع قمر الدين والفواكه المجففة وتصديرها. وهو العمل الذي عُرفت به عائلة الشلاح، في النصف الأول من القرن العشرين. وقد كان لهم أراضيهم الخاصة في الغوطة الشرقية، والتي كانت تحتوي على أشجار مثمرة بالمشمش، تعود أعمار بعضها إلى 30 و40 سنة. وحتى بعد صدور قوانين "الإصلاح الزراعي" في عهد حكم جمال عبد الناصر (الوحدة مع مصر)، وحكم البعث بعده، حيث خسر آل الشلاح نحو ثلث أراضيهم، بقي لديهم القدرة على العمل والإنتاج بصورة نوعية، خاصة بعد أن لجأ المزارعون الذين حصلوا على قطع أرض صغيرة بموجب "الإصلاح الزراعي"، للعمل لدى آل الشلاح، عبر ضمان أراضيهم لديهم، نظراً لعدم قدرتهم على توفير التمويل لشراء آليات ومواد الزراعة المطلوبة. وبهذا الصدد، انتقد الشلاح قوانين التأميم والإصلاح الزراعي التي عرفتها سوريا في حقبة الستينات، والتي يعتقد أنها أضرّت بشدة، بقطاع الزراعة، عبر تفتيت الملكيات الزراعية، وتحويلها إلى ملكيات صغيرة بتكلفة إنتاجة مرتفعة على المزارع السوري، مما أدى إلى تراجع قيمة الزراعة كمصدر دخل لقطاع كبير من العاملين فيها، وانتقالهم للعمل في قطاعات أخرى.

لكن الشلاح أطلعنا على واقع أليم، أصاب عمل العائلة التقليدي في الزراعة والصناعة المرتبطة بها، في السنوات التالية للعام 2011. إذ قُطعت أشجار أراضيهم، وتحولت إلى أراضٍ شبه جرداء، ونُهبت محتويات ورشات التصنيع الخاصة بهم هناك. وهو واقع ينسحب على حالة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في سوريا، التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب وظروف الحصار والاشتباك والتدمير الممنهج فيها. والذي حمّل الشلاح مسؤوليته كاملة، لنظام الأسد البائد، وحربه البشعة التي شنها على السوريين.



واليوم، يخبرنا الشلاح أن إعادة تأهيل أراضيهم وإحياء عمل العائلة التقليدي في صناعة الفواكه المجففة، المشهورة كماركة دولية، بات أمراً عصيباً. إذ أن استصلاح هذه الأراضي، حتى تصبح أشجارها مثمرة من جديد، يتطلب ما بين 5 إلى 6 سنوات. ولا يخفي الشلاح علينا، أن الجدوى الاقتصادية لهذا العمل، منخفضة وتكاليفه مرتفعة. وهو ما يضيء على التحدّي الكبير الذي تواجهه مساعي إعادة إحياء المتضرر من زراعة سوريا. وعلى نطاق وطني، يعتقد الشلاح أن إحياء الزراعة في سوريا، مجدداً، واستعادة دورها كمصدر رئيس للدخل القومي ولتشغيل الأيدي العاملة، ولتوفير الأمن الغذائي للسوريين، لا يمكن أن يتم دون دعم من الدولة، عبر تخفيض أسعار الوقود والسماد، إلى جانب الحاجة لتوفّر المياه. ورغم المشهد العصيب الذي يحيط بهذا القطاع، لدى الشلاح رهان إيجابي يستند إلى عودة أهم حقول النفط والغاز لسيادة الدولة السورية، في الجزيرة. إذ يعتقد الدكتور طارق، أن ذلك قد يتيح مستقبلاً، تخفيض أسعار الوقود، أو توفير سيولة مالية لدى الدولة، لإعادة تقديم جانب من الدعم للمزارع السوري، تسمح بتثبيته مجدداً في هذا العمل.

في زيارة جيمي كارتر إلى مزرعة آل الشلاح

على الصعيد الشخصي، يخبرنا الدكتور طارق الشلاح عن سنوات دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ نال الدكتوراه في الاقتصاد، في إحدى جامعاتها، خلال سبعينات القرن الماضي. وفي تلك الحقبة، أتاحت له الظروف فرصة العمل مع الفريق الانتخابي للرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر. والذي زار سوريا لاحقاً، بعيد انتهاء ولايته، مطلع الثمانينات من القرن الماضي. وخص حينها، مزرعة آل الشلاح الشهيرة، بزيارة خاصة. والتقى الدكتور طارق الشلاح شخصياً. ويخبرنا الدكتور كيف استُدعي أمنياً يومها، للتحقيق معه حول طبيعة علاقته مع جيمي كارتر.

 

رهان كبير على عودة النفط

إحدى رهانات الشلاح اليوم، هي في قطاع النفط والغاز. إذ أخبرنا أنه، وبالتنسيق مع ابن عمه، غسان بدر الدين الشلاح، يعتزمون خوض غمار قطاع الخدمات النفطية في سوريا، عبر تمثيل شركات غربية وازنة. وهم في طور التأسيس لشركة في هذا المجال.


في الختام، أسرّ لنا الدكتور طارق الشلاح، أنه يقاوم ضغوط أولاده المقيمين في الولايات المتحدة، بمغادرة البلاد. بل ويعمل على جذب رجال أعمال سوريين في الخارج، للعودة إلى سوريا، من آل الشلاح، تحديداً. فهو، حسب وصفه لنا، لا يعتزم مغادرة سوريا، حتى الممات. ورهاناته فيها، وعلى مستقبلها، كبيرة جداً.

 

ترك تعليق

التعليق