إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من "الترليونير السوري")
2018-10-10 03:57:32


على مائدة عشاء ضخمة، التم شمل العائلة الكبيرة، آل الدمشقي. أولاد أعمام جمال، بما فيهم أولاد عمه رشاد، وحتى أولاد أعمام والده، حضروا الوليمة مع عائلاتهم. كما حضر شقيقا جمال، جهاد وطارق، مع عائلتهما.

كانت وليمة مشهودة، وكان لقاءً مثيراً للشجون والذكريات، لكن معظم حضوره، تشغلهم المصلحة والغاية منه، بما فيهم جمال نفسه. إذ كان الأخير يريد إعلام كبار رجالات عائلته، الذين يمسكون بزمام جزء كبير من امبراطوريته الاستثمارية العالمية، أنهم قد يكونون مقبلين على حالة طوارئ، تتطلب ترتيبات خاصة.

وبعد أن تناول الجميع ما استطاع من أصناف الطعام المتنوعة، انفرد جمال في زاوية خاصة هادئة، برجالات العائلة، بعيداً عن ضجيج النساء والأولاد، الذين عقدوا اجتماعاتهم الخاصة في مكانٍ آخر.

قال جمال لأكبر أولاد عمه رشاد، الذي يتولى العديد من مصالحه في لبنان وفي الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية:

-    نريد اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة، فنحن على أهبة صراع عسكري محتمل مع إسرائيل.

بُهت الحضور، وظهرت الرهبة في نظرات غالبيتهم، فتدخل طارق، شقيق جمال الأصغر:

-    يا إلهي، هل نحن مقبلين على حرب؟
-    نعم.
-    لماذا؟
-    ألم تكن تتابع الأخبار في وسائل الإعلام مؤخراً، كلها تتحدث عن بوادر صراع عسكري بيننا وبين إسرائيل؟

لم يكن أحد من الحضور يعتقد أن ما تتحدث عنه وسائل إعلام عربية وغربية، أمر حقيقي، ظنوه ضجة إعلامية لا أكثر.

قال أكبر أولاد العم رشاد: - جمال.. ألم تستطع تلافي الأمر؟
-    ولماذا علينا تلافيه؟

كان رده بنبرة جافة، أعلمت الجميع أن عليهم فقط اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأن ليس من حقهم التدخل في التفاصيل أو السياسات التي يديرها ابن عمهم جمال.

عاد طارق ليتدخل: - هل علينا اتخاذ تدابير أمنية تتعلق بحمايتنا وحماية عائلاتنا؟
-    نعم.. يفضّل ذلك. وإن كنت أستبعد أن يلجأ الإسرائيليون لهذا الأسلوب.. لكن على سبيل الاحتياط، يفضّل اتخاذ الإجراءات اللازمة.


كانت لهجته جافة، وكان جاداً جداً، ولوهلة، خطر في ذهنه عمه الراحل رشاد، كبير العائلة سابقاً، وأحد أثريائها البارزين. تذكر جديته وصرامته في الحديث، يبدو أنه يستنسخ، باللاوعي، نموذجاً من الشخصيات، التي لطالما كان معجباً بها، وهو اقتفى أثرها في كثير من الأمور، لكنه افترق عن مبادئ عمه في أمور كثيرة أخرى.

كان يتقصد البرود والصرامة في لهجته، إذ لم يكن يريد أن يطمع أحد من العائلة، بموجب قرابته به، فيناقش سياسات الدولة السورية وتوجهاتها، التي يعتبرها جمال شأناً غير عائلي، شأناً لا يعني العائلة، وليس من حقوقها عليه أن تناقشه فيه، إلا من منطلق المشورة والنصح ربما، وإن طَلبَها هو بنفسه حصراً، لكن، ليس من منطلق الحق في ذلك.

رغم أن جمال أعاد إحياء سُنة عمه الراحل رشاد، بتشغيل أقاربه وأهله، معه، بعد صعوده السريع في عالم الثراء والأعمال، إلا أنه أبقاهم خارج دائرة القرار في الشأن السياسي. ولم يكن أحد من عائلة جمال يشغل أي منصب رسمي في الدولة السورية الجديدة. بل لم يكن لأحد منهم أي تأثير فعلي على آلية صنع القرار في هذه الدولة. ولم يسبق أن ناقش جمال سياسات الدولة السورية، التي يُعتبر أبرز صانعيها، مع أحد من أفراد عائلته من آل الدمشقي.

ربما، منذ افتراق شقيقيه، طارق وجهاد عنه، في الغردقة بمصر، يوم اشتق كل منهما سبيله، وتركاه وحيداً، ليعيش واحدة من أشد محنه النفسية ألماً، غلب العقل على العاطفة في طريقة تعامل جمال مع علاقاته العائلية. لكن ذلك لم يمنعه من أن يمدّ لهم جميعاً يدّ العون، ويرفعهم معه إلى مصافي الثراء. كان جمال يقتفي في ذلك، إلى حدٍ ما، آثار عمه الراحل رشاد، الذي كان جمال في شبابه ينتقده كثيراً، على الأقل، داخل نفسه، ويرى الكثير من السلبيات في منهجه بالتعامل مع الأهل والأقارب، كان أبرزها، الجفاء والصرامة في الحديث والتعامل مع الأهل. لكنه لاحقاً، حينما صعد سريعاً في عالم الثراء، ليتقرّب منه الأهل والأقارب، حتى أولئك الذين سبق أن أساؤوا له بصورة مباشرة، كأولاد عمه رشاد، لاحظ جمال أن التعامل الودّي المُرهف مع الأهل، يزيد الكثير منهم طمعاً، فيطلب المزيد، ويعتبر أن ذلك حقٌ له، وليس حسن خلق من جمال ذاته.

أدرك جمال أن خبرة عمه رشاد علمته تلك الحقيقة قبل سنوات، لذا، في شبابه، لم يكن جمال يدرك لماذا يتصرف عمه بجفاء وصرامة مع معظم الأهل، كان جمال يفسر ذلك حينها، على أنه ترفّعٌ وكِبَر، لكنه اكتشف لاحقاً أن هذه الصرامة تحدّ من طمع بعض الأهل في رحابة صدر جمال، وتلزمهم بالحدود التي وضعها لهم.

إحدى القضايا التي طالما كان جمال ينتقدها في عمّه الراحل رشاد، بُخله على محيطه، حتى أولئك الذين يعملون معه بكدّ. كان العم الراحل يُقتّر المخصصات على أقاربه، فيعيشون في معظمهم معيشة جيدة، لكنها تبقى بعيدة جداً عن مستوى حياة العم وعائلته. وكان جمال يعتبر ذلك شكلاً من أشكال الرغبة في البقاء أعلى شأناً من الجميع، من جانب عمه الراحل، ولم يكن جمال يرى تبريراً لذلك. ويذكر جمال كم من مرة ضاقت عليهم المعيشة في صغرهم، ورفض العم رشاد التدخل إلا بعد لأيّ. كان ذلك يشعرهم بالإذلال، إلى حدٍ ما.

لذا تجنب جمال ذلك في تعاملاته مع الأهل والأقارب، فاعتمد معهم مبدأ النسبة المئوية من كل الأرباح التي يتسببون بها له، فأثرى بعضهم ببراعة جهده، فيما كانت إمكانيات الآخرين متواضعة، فأغدق عليهم جمال مرتباً شهرياً ضخماً، يجعلهم يعيشون عيشة الأثرياء، بحق.

لكن في نهاية المطاف، استنسخ جمال سيرة عمه الراحل رشاد، وتحول إلى كبير العائلة، وذلك الذي يجمعها حوله، في العمل، ويقيل أفرادها من عثراتهم، المعيشية دوماً، والاجتماعية أيضاً، من حين لآخر.

وحتى أولاد عمّه رشاد، الذين حالما توفي والدهم، عزلوه عن مشاريع العم رشاد، وأقالوه من كل وظائفه، وأبعدوه عن حياتهم، فتسببوا بنكسة معيشية لم يسبق له أن عاشها سابقاً، هو وأشقاؤه، حينما كان فقط في الثالثة والعشرين من عمره، وأشقاؤه مراهقون صغار.. حتى هؤلاء، أكرمهم جمال، وتعامل معهم وكأن لم يكن شرخ مؤلم، قد حدث بينهم سابقاً.

كان ابن عمّه الأكبر، أول المتصلين به بعيد تداول وسائل الإعلام الأنباء عن ثروته الهائلة التي حاز عليها، في مطلع العام 2020، حينما أصبح جمال يمتلك 70 مليار دولار على الأقل.

يومها، فُوجئ جمال باتصال ابن عمه، وتعامل معه برسمية إلى حدٍ ما. لكن لاحقاً، وفي الاتصالات التي تكررت من جانب ابن العم، ذاب جليد العلاقة بينهما. وعقد جمال لقاءً مع أقاربه في بيروت، قبيل زواجه من إيمان، حيث طلب منهم المشاركة في جاهة عائلية كبيرة، حسب طلب أهل زوجته، يومها.

وبعيد ذلك، اجتمع جمال مراراً مع أولاد عمه رشاد، الثلاثة، واكتشف أنهم تعرضوا لنكسات مالية كبرى بعيد إبعادهم للأقارب والأهل الذين كانوا يمسكون بزمام نشاطات أبيهم الاستثمارية، داخل سوريا، وخارجها. فدخل معهم جمال في استثمارات مشتركة، وأقالهم من عثراتهم المالية، ومن ثم، أعاد التواصل مع أقارب له، من أولاد عم أبيه، الذين كانوا يعملون مع العمّ رشاد، وشغلهم معه. وكان قبل ذلك قد تواصل مع شقيقيه، ورتب لهما أدواراً وظيفية محترمة في امبراطوريته المالية، وأغدق عليهما المال.

خصص لـ طارق، فيلا فخمة في الغردقة المصرية، حيث أدار طارق من هناك نشاطات جمال الاستثمارية في قطاع السياحة المصري على البحر الأحمر. كما خصص لشقيقه جهاد، فيلا فخمة أيضاً في الشيخ زايد قرب القاهرة، حيث أدار الأخير من هناك نشاطات استثمارية أخرى لـ جمال في قطاع المطاعم السورية الناشطة في مصر، وفي قطاع العقارات أيضاً، ولاحقاً في قطاع الصناعات الغذائية والنسيجية، بالتعاون مع رجال أعمال سوريين ناشطين في مصر.

كانت تلك البداية. ومع تضخم امبراطورية جمال المالية والاستثمارية، ترقى شقيقاه، وكذلك أولاد عمه، وباقي الأقارب، في الأدوار الوظيفية. وتحسنت أوضاعهم المعيشية، إذ باتوا مُحتسبين عملياً على عالم الثراء.

كذلك فعل جمال مع أقاربه من جانب أمه، فتواصل مع أولاد أخواله الراحلين، ومع أولاد خالاته أيضاً. حتى بعض أقارب جمال من درجات قرابة أبعد من أولاد العم والخال، ممن تواصلوا معه طالبين العون لظروفهم المعيشية المتدنية، أقالهم جمال من عثراتهم، وخصص لبعضهم وظائف مُجزية مالياً في مشاريعه واستثماراته حول العالم.

لكن، في خضم كل ذلك الإحسان للأهل، غلبت مع الزمن، سمتا الصرامة والجفاء في سلوك جمال معهم. وكان جمال يلاحظ استياء بعضهم من ذلك، لكنه لم يكن يفهم هو ذاته، لماذا يغلب عليه هذا السلوك، إذ لم يكن نابعاً دوماً عن وعي عقلاني كامل ومقصود. ربما، لأنه في وقت ما، كان فيه بأشد الحاجة للجميع، لم يجد أحداً منهم بجواره. أو ربما، هي مورثات العائلة، التي انسلت من العم رشاد إليه، فهو الراعي الصارم والجاف، للجميع.

انفض جمع العائلة، بعد أن أفهم جمال رموزها ورجالاتها، كيف عليهم أن يتصرفوا في الأيام القادمة. قبّل أولاد شقيقيه، وأطفال أولاد عمه، وأقاربه، وسلّم عليهم واحداً تلو الآخر. في تلك الحظات كانت سرائره منفردة، وكان بشوشاً للغاية مع الأطفال. دائماً يترك لديهم انطباعاً مُحبباً. فقط مع الأطفال. أما مع الكِبار، تسود الصرامة والجفاء ملامح وجهه ونبرته، رغم محاولاته الدائمة لتلطيفها.

***

توالت نجاحات جمال الدمشقي، الاستثمارية والمالية، بعيد العام 2020، ليصعد سريعاً في عالم الثراء والنجاح، بصورة سلبت الألباب، وحولته إلى أيقونة فريدة من النجاح في عالم المال والأعمال.

بدأ جمال باستثمار الكوتا الخاصة به من السياح المنخرطين في صفقة البنك السويسري البريطاني، التي صممها. ذلك الاستثمار الذي درّ عليه سيولة مالية قدرها 25 مليار دولار، سرعان ما حولها إلى استثمارات سياحية، بدأت في مصر وتركيا، لتنتقل سريعاً إلى دبي ولبنان والأردن وتونس، ومن ثم، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية.

أدار تلك الاستثمارات المبنية على ثروة قدرها 25 مليار دولار، بكفاءة عالية. وخلال عام، استقرت تلك الاستثمارات، بصورة تُدر عليه دخلاً شهرياً لا يقل عن 200 مليون دولار.

في العام التالي مباشرةً، طوّر جمال فكرة مشروعه السياحي – الرياضي، بالتعاون مع البنك السويسري البريطاني، فتضاعف أعداد المتفاعلين معه، وبات دخله السنوي يُقدّر بـ 140 مليار دولار، 90 مليار دولار منها، نصيبه من أرباح مشروع البنك السويسري البريطاني، السنوية، التي وصلت إلى ترليون دولار، كل سنة تقريباً، في أضخم صفقة سياحية في التاريخ، درت إيرادات بلغت 10 ترليون دولار في السنة.

 و50 مليار دولار كان دخل جمال من شراء شركات سياحية عالمية لحصته من السياح المتفاعلين مع مشروعه، كل سنة.

أي أن ثروة جمال الدمشقي أخذت تتزايد سنوياً بمقدار 140 مليار دولار.

ومنذ العام 2022، تربع جمال الدمشقي على عرش الثراء العالمي، ليصبح أثرى رجل في العالم، وربما أثرى رجل في التاريخ المسجل، بثروة تتجاوز الـ 200 مليار دولار، وبإيرادات سنوية تتجاوز الـ 140 مليار دولار. وكان من المتوقع لـ جمال أن يصبح أول "ترليونير" في التاريخ قبل نهاية عشرينات القرن الحادي والعشرين. لكن ذلك لم يحدث، فـ جمال أقام شبكات اجتماعية خيرية، وأخرى بغايات سياسية، في لبنان ومصر وتركيا والأردن، كلفته مبالغ خرافية ذهبت تقديرات إلى أنها تفوق الـ 500 مليار دولار.

كانت النقلة النوعية الثانية له، على صعيد الثراء، هي ذلك السبق العلمي الذي أنجزه خبير سوري، متعاقد مع مجموعة "الدمشقي" القابضة، والذي استطاع من خلاله تفعيل استخدام الوقود الحيوي مرفقاً برقاقة طاقة شمسية، بصورة تتيح تشغيل محركات السيارات، ولاحقاً، محركات صناعية عملاقة، بسرعات تساوي تلك التي يحققها الوقود النفطي أو الغاز.

تحققت تلك النقلة النوعية عام 2025، واحتاج جمال إلى ثلاث سنوات كي يثبت للعالم، بما لا يدع مجالاً للشك، أن ذلك السبق العلمي، يتمتع بالجدوى الاقتصادية الكفيلة بإزاحة النفط والغاز بصورة كلية من عالم احتياجات البشر.

ومنذ العام 2030، تتالت عروض الشركات العالمية الكبرى للتعاون مع مجموعة "الدمشقي" القابضة، في مجال إنتاج ذلك الوقود الحيوي المرفق برقاقة الطاقة الشمسية. وحافظ جمال على الملكية الفكرية لذلك الاستثمار، ومنح الخبير السوري الذي حققه، 20%، من كل الأرباح المتحصلة عنه، والتي باتت تقدر بـ 150 مليار دولار سنوياً.

وما بين هاتين النقلتين النوعيتين، نقلة استثمار فكرته السياحية – الرياضية بالتعاون مع الـبنك السويسري البريطاني، ونقلة استثمار فكرة الوقود الحيوي المرفق برقاقة طاقة شمسية، حقق جمال نقلات أقل نوعية، لكنها ولدت له إيرادات مالية سنوية، وقيمة معنوية عالية لدى دوائر صنع القرار الإقليمية والعالمية.

من أبرز تلك النقلات، الصفقة الأولى التي صممها لاستثمار مساحات زراعية هائلة في مصر، بمشاركة صناديق سيادية عالمية، وشبكات مصرفية دولية، باستثمار قدره ترليون دولار، تحصل بموجبه دول خليجية، وأوروبية، على حصيلة من المزروعات، يُستخدم بعضها للاستهلاك البشري المباشر، وبعضها الآخر في الصناعات الغذائية، وبعضها الثالث، بات يُستخدم لاحقاً، في تصنيع الوقود الحيوي المزمع استخدامه كطاقة بديلة عن النفط والغاز.

انتعشت مصر بصورة غير مسبوقة بموجب ذلك الاستثمار، وتحصّل جمال بموجبه على صافي أرباح سنوية تقدر بـ 10 مليارات دولار. ولاحقاً، كرر جمال ذات المشروع في جنوب تركيا، ولاحقاً أيضاً في روسيا.

قبل ذلك، وفي عام 2024، هندّس جمال صفقة تاريخية غير مسبوقة، لنقل ملايين الرؤوس من الأبقار والماعز من الصين والهند ودول آسيوية أخرى، إلى أوروبا والأمريكيتين، لذبحها وفق معايير صحية عالية، وبيعها بأسعار أقل بكثير من أسعار اللحوم المحلية، بصورة خدمت الطبقة المتوسطة في الدول الغربية، وجزءاً كبيراً من دول أمريكا اللاتينية. وقد حصّل جمال بموجب هذه الصفقة التي تكررت، أكثر من مرة لاحقاً، مرابح تجاوزت الـ 100 مليار دولار، في كل مرة.

وبموجب مسابقات الأفكار العلمية ذات الاستثمارات الاقتصادية، التي أطلقتها مجموعة "الدمشقي" القابضة، لأول مرة، عام 2025، حقق جمال سلسلة من الاستثمارات المُثمرة، حصد من خلالها أرباحاً طائلة.

وفي مطلع العام 2031، جزمت مجلة فوربس العالمية، أن الدخل السنوي لـ جمال الدمشقي هو في أقل الحدود، 300 مليار دولار أمريكي.

وفي عام 2033، تعهد جمال في خطاب شهير أمام "المؤتمر السوري التأسيسي"، بالتكفل بكل تكاليف إعادة إعمار سوريا، والتي قُدرت بحوالي 1 ترليون دولار، في خطة ستستغرق 5 سنوات. يومها شكك الكثير من المراقبين بصدق جمال، لكن الأخير التزم بتمويل حكومة دمشق بـ 200 مليار دولار سنوياً، حتى العام 2038.

***

انتعشت سوريا، وعادت الحياة إلى الكثير من أركانها المهجورة والمهدمة، وعاد ما قُدّر بـ 60% من المهجّرين خارجها، إليها، خلال السنوات الخمس التي شهدت عملية إعادة إعمار تاريخية، تحولت معها سوريا إلى ورشة عملٍ لا تهدأ.

خلال السنة الأولى من عملية إعادة الإعمار، تم طبع عملة جديدة، حملت نفس الاسم، "الليرة السورية"، لكن بتصميم جديد، ضم لوحات تُوحي بالتمجيد للثورة السورية، وبتغطية من احتياطي نقد أجنبي، احتفظ به البنك المركزي بدمشق، بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار. وحينما طُرحت الليرة الجديدة في الأسواق، فُرض على شركات إعادة الإعمار الخليجية والتركية والروسية والأوروبية والأمريكية، أن تتعامل داخل السوق السورية، بالليرة السورية. فارتفع الطلب عليها. وخلال بضعة أشهر منذ مطلع العام 2034، الذي شهد إصدار الليرة الجديدة، ارتفعت قيمتها الشرائية. وفي مطلع صيف 2034، قُدّر الدولار بـ 50 ليرة سورية جديدة، لا غير. وبذلك نفّذت حكومة دمشق أول وعودها، وهي إعادة الاعتبار للعملة السورية التي كانت قد اندثرت من الأسواق تقريباً، قبل عقدٍ من ذلك التاريخ.

كانت عملية إعادة الإعمار تسير وفق منهجية معدة مسبقاً، تقوم على أساس اعتبار جميع المناطق المهدمة، مُلكاً للدولة، على أن تعوّض الأخيرة سكانها الأصليين، من المتواجدين في الداخل، أو اللاجئين في الخارج، إما بسيولة مالية تقابل قيمة العقارات التي كانوا يملكونها في تلك المناطق، أو بحصة من العقارات الجديدة التي ستُبنى هناك، تساوي قيمة عقاراتهم المهدمة.

قدّم ملايين السوريين صكوكاً تثبت ملكياتهم، إما في الداخل السوري، أو عبر مكاتب افتُتحت خصيصاً لهذه الغاية، في مختلف مدن العالم التي تتواجد فيها جاليات مُعتبرة من السوريين. ومن لم يستطع إثبات ذلك بالصكوك، قُبلت لصالحه شهادات عيان من سكان المنطقة ذاتها. ولاحقاً، تم تعويض حتى أولئك الذين لم يستطيعوا أن يُثبتوا ملكياتهم، ولا بأي طريقة. وتم الحديث في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، عن حالات نصب وكذب من سوريين ادعوا ملكيات لا تعود لهم، وتحصلوا على تعويض بالفعل. لكن حكومة دمشق اشترطت على من يريد الحصول على التعويض، العودة إلى البلاد، الأمر الذي حصر شريحة من حصل على التعويض بأولئك الذين كانوا مستعدين لترك حياتهم التي أسسوها لسنوات في بلدان مختلفة، والعودة إلى بلدهم الأم. وبالفعل، عاد أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري، فيما بقي حوالي 4 ملايين في الخارج، ولم يحصلوا على تعويضات في ذلك الحين.

 وخُصّص الحيز الأكبر من تلك التعويضات لمهجري المناطق الأكثر تضرراً في سوريا. ورغم كل ما أُشيع عن تزوير وكذب بخصوص المُلكيات العقارية المهدمة، نال معظم من تقدم بطلبات تعويض، على تعويضات مالية مُجزية، ساهمت في إنعاش الاقتصاد السوري، لأنها أُنفقت داخل سوريا. فبات في سوريا سيولة مالية ضخمة، شكلت دفعاً هائلاً لمختلف المشاريع المهنية والاستثمارية التي افتتحها سوريون عائدون إلى بلدهم الأم.

في عام 2035، قالت صحيفة الاندبندنت البريطانية، إن جمال الدمشقي أعاد إحياء سوريا، التي تحولت، ربما، إلى أكبر ورشة عمل شهدها التاريخ المعاصر. وكانت السوق السورية تستوعب سريعاً، طالبي فرص العمل، والراغبين بالاستثمار. وارتفع الطلب على أصحاب المهن المختلفة خاصة أولئك المرتبطين بقطاع الإعمار والبناء.

تعاقدت شركات عالمية عديدة مع حكومة دمشق، في عملية إعادة الإعمار، غلبت عليها الجنسيات الخليجية والتركية والروسية والأوروبية والأمريكية، وبدرجة أقل، الصينية. لم تتبع حكومة دمشق أي معيار سياسي في قبول أو رفض الشركات الراغبة بدخول السوق السورية، ما دامت مستعدة للالتزام بالضوابط الخاصة لعملية إعادة الإعمار.

ولأن حكومة دمشق لم تفرض أية ضرائب على الشركات العاملة في سوريا، خلال السنوات الخمس الأولى من عملها، تحولت سوريا إلى قُبلةٍ للاستثمار، وسارعت كبرى الشركات العالمية للحصول على عقود عمل فيها. لكن حكومة دمشق فرضت، بموجب تعليمات من جمال الدمشقي، شروطاً على الشركات الراغبة في العمل بسوريا، مقابل الإعفاء الضريبي الكامل خلال السنوات الخمس الأولى، أبرزها، الالتزام الصارم بالمعايير البيئية، وتشغيل عمالة سورية بصورة حصرية، وفرضت حداً أدنى للرواتب التي يجب على تلك الشركات أن تمنحها لموظفيها والعاملين فيها، وهي 700 دولار أمريكي.

سارعت الشركات الراغبة في العمل بسوريا، إلى البحث عن عمالة سورية كفوءة وماهرة، إما في الداخل السوري، أو في بلدان الجوار، أو في أوروبا والغرب، وبرواتب مجزية تشجع السوريين على قبول العمل في تلك الشركات، والعودة إلى الداخل السوري.

كان جمال الدمشقي يريد حضّ السوريين على العودة بأي طريقة، وفي نفس الوقت، توفير ظروف مشجعة لتلك العودة. وبالفعل، وخلال 5 سنوات فقط، تمكنت سوريا من استعادة 60% من أبنائها المُهجّرين خارجها.

***

خلال السنة الأولى من عملية إعادة الإعمار، تم إتمام هدم وإزالة كل آثار الدمار في المناطق المهدمة في سوريا، وإعادة تسوية الأراضي، ومن ثم تجهيز البنية التحتية، بأعلى التقنيات العالمية، من خطوط للصرف الصحي والمياه والكهرباء والانترنيت.

وفي السنة الثانية، بدأت عملية الإعمار الجديدة. وتم تأسيس المباني السكنية على أساس نظام توليد الطاقة بالاعتماد على الشمس، وبدعم من الوقود الحيوي، بصورة تسمح لكل بناء، بصورة منفردة، بتوليد الكهرباء الخاصة به.

وخلال تلك الفترة، تم إعادة إعمار مؤسسات الدولة المهدمة، والشركات والمصانع المدمرة، العامة منها والخاصة.

وفي السنة الثالثة من إعادة الإعمار، تم التركيز على مد شبكة متطورة من طرقات النقل بين المحافظات السورية، وداخل المدن. وتم تشجير مساحات واسعة من التراب السوري.

واعتمدت عملية إعادة الإعمار على نظام الأبراج السكنية. لكن تلك الأبراج كانت متباعدة، وتفصلها مساحات خضراء.

كان جمال قد أوعز لحكومة دمشق، مشدداً على تشجير أكبر مساحة ممكنة من التراب السوري. وإعادة استصلاح الأراضي الزراعية التي تعرضت للتلف والتدمير والإهمال في السنوات العشرين السابقة.

في السنة الرابعة من إعادة الإعمار، باتت سوريا في حلّة بهية، فغابت كل معالم الدمار، وكأنها لم تكن، وخلال أربع سنوات فقط، مُحيت مشاهد عقدين من الدمار والهلاك، الذي ساد التراب السوري.

خلال السنة الخامسة والأخيرة، تم تطوير المؤسسات التعليمية، والتركيز على تجميل المدن، وساحاتها الرئيسية، ومباني المؤسسات الحكومية، كي تليق بدولة مُهابة. وتم إعادة افتتاح مطار دمشق الدولي بعد توسيعه وتطوير بناه، ليضاهي مطارات إقليمية كبرى.

وفي مطلع صيف العام 2038، تم الإعلان عن انتهاء المرحلة الأخيرة من عملية إعادة الإعمار في سوريا. وأقرّ سوريون يومها، من أولئك الذين يتذكرون سوريا قبل العام 2011، بأن سوريا اليوم أبهى بكثير، وأكثر مهابةً وألقاً.

***

في مطلع صيف العام 2038، كلّف "المؤتمر السوري التأسيسي" حكومة جديدة في دمشق، مهمتها الإشراف على استفتاء وسلسلة انتخابات. وأُعلن عن افتتاح فصل جديد من تاريخ سوريا، حيث سيتم خلال سنة، الاستفتاء على دستور البلاد المُعتمد، وانتخاب مجالس محلية، ومن ثم، سلطة تشريعية بمجلسين، شورى ونواب، وأخيراً، انتخابات رئاسية.

وفي خطاب مشهود، في ساحة الأمويين بدمشق، أعلن جمال الدمشقي أمام حشد هائل من الجماهير، تأسيس "حزب الوسط السوري"، بقيادته. حزب يعتمد تطبيق المُتفق عليه من الشريعة، ويُقرّ بمرجعية الإسلام الرئيسية، ويُقدّر الانتماءات المذهبية والدينية الأخرى، ويمنحها حيزاً خاصاً بها.

تمكن جمال من جمع الإسلاميين المتشددين مع نظرائهم المعتدلين، ومع قوى سياسية أقرب إلى العلمانية، في توليفة غير مسبوقة، اتفق فيها الجميع، بعد جهود حثيثة، على تطبيق المُتفق عليه في الشريعة، كقوانين، وترك الخلافيات جانباً.

فتم الاتفاق على حكم الإعدام للقاتل، وتجريم الزنى العلني والأفعال الموازية له، وتنفيذ أحكام الجلد فيها شريطة توافر أربعة شهود، وتطبيق حد قطع اليد في حالة السرقة المؤكدة المُثبتة، مع توافر الحيثيات الأخرى التي تبرر تطبيق الحد، وتخفيفه في حال عدم توافر الحيثيات الكافية، إلى السجن. وتم الاتفاق على تطبيق حكم مصادرة الأموال والنفي في بعض الحالات، للمسؤولين الذين يثبت تورطهم في حالات رشوة أو فساد مالي. وتم الاتفاق على حد أدنى للباس المُحتشم، للنساء والرجال، فعلى المرأة ألا تلبس ثوباً أقصر من الركبة، أو لباساً يكشف ثدييها بشكل فاضح، مع تكليف شرطة خاصة بمهمة تلطيخ النسوة اللواتي يلبسن ألبسة مخالفة للحشمة المقررة حسب المذكور، بدهان ملون، كشكل من أشكال التعزير المخفف. وتم الاتفاق على جواز الغناء وحفلات الموسيقى والمسرح والسينما، شريطة ألا يسودها حالات اختلاط منافية للآداب العامة، وألا تتضمن الأغاني أي إيحاءات جنسية.

كان جمال توفيقياً، وقد اتهمه البعض بأنه "تلفيقي"، لكنه رغم ذلك نجح حينها في إقرار مسودة دستور تحقق لمختلف الأطراف السورية الحد الأدنى الذي لا يمكن أن تقبل تلك الأطراف بما هو دونه.

في حالة المسيحيين، وباستثناء فرض حالة من الحشمة وفق المذكور أعلاه، فرضت مسودة الدستور المقترح من حزب الوسط الذي يقوده جمال، إقرار حقوقهم الدينية، وممارستها علناً، دون أي قيد أو شرط. والسماح ببيع الخمور ولحم الخنزير في محلات مخصصة تقع حصراً داخل أحياء وبلدات ذات غالبية مسيحية.

وفي حالة الدروز والعلويين والاسماعيليين، تم إقرار ما أُقر على المسلمين، عليهم أيضاً، مع الإشارة إلى احتكامهم لقانون خاص بهم في حالات الأحوال الشخصية.

ولم يتم فرض أي فعل قسري يحض على الصلاة أو العبادات، فقد رفض جمال ذلك رفضاً مطلقاً، رغم ضغوط فئة من الإسلاميين، مذكراً إياهم بشواهد من عهود الصحابة تؤكد عدم جدوى فرض العبادات قسراً على الناس.

مسودة الدستور التي اقترحها حزب الوسط بزعامة جمال، أعلنت "الجمهورية السورية"، اسماً للدولة، وعلم الثورة، علم سوريا ما قبل البعث، علماً لها، وذكر أن سوريا تضم خليطاً من المكونات العرقية والدينية والمذهبية، منوهاً إلى أن اللغة الكردية هي ثاني لغة معترف بها بعد اللغة العربية، وإقرارها كلغة ثانية في المعاملات الرسمية في مؤسسات الدولة، في مناطق الغالبية الكردية، شمال البلاد وشمالها الشرقي.

وأقر الدستور المقترح حالة من الحكم الذاتي محدود الصلاحيات للأكراد والدروز، ولم يقرها للعلويين.

وخلال صيف العام 2038، تعهد جمال في سلسلة لقاءات وأحاديث صحفية متلفزة، بدعم عملية تطوير الاقتصاد السوري، حتى لو لم يفز حزبه في الانتخابات المزمعة لاحقاً. لكن الحملة الإعلامية المكثفة، التي أدارها فريق متخصص، ضم إعلاميين وخبراء ومثقفين وفنانيين، حصلوا على تمويل مُجزٍ من جمال، جعلت الكفة مرجحة لحزب الوسط، بصورة لا تقبل الشك.

وتحدث معارضون سوريون لـ جمال، عن عدم عدالة المشهد الانتخابي المرتقب، وسط الآلة الإعلامية المدعومة من جمال، والتمويل الهائل الذي ناله سياسيون وإعلاميون تولوا عملية إقناع الشارع السوري بمشروع جمال، وجدواه، لمستقبل السوريين.

إلا أن الجميع كان يقر، سراً أو علناً، بأن لا مشروع بديل عن مشروع جمال، يحمل معالم القوة والجدارة التي يملكها، كي يقود مستقبل البلاد نحو الأفضل، خاصة بعد النجاح الهائل الذي حققته حكومة دمشق المحسوبة على جمال، في عملية إعادة إعمار البلاد. لم تكن حكومة دمشق التي قادت عملية إعادة الإعمار تُجاهر بأنها تتلقى الأوامر من جمال الدمشقي، لكن عامة السوريين كانوا على قناعة بذلك.

كانت غالبية السوريين راضين عن قيادة جمال لبلادهم، فأين سيجدون من يُغدق مئات المليارات من الدولارات على بلدهم، دون مقابل حقيقي. فعادةً، النخب الحاكمة تتسابق على كرسي الحكم، كي تحقق معادلة الثروة والجاه. لكن جمال يملك فعلياً، الثروة والجاه، وهو يقدم ذلك، بشكل أو بآخر للسوريين. كان جزء كبير منهم يقرّ بأن المعادلة بين الحاكم والمحكوم في حالة جمال والسوريين، مقلوبة، مقارنة بما هو معتاد، فـ جمال لا ينهب السوريين ثرواتهم ومواردهم كي يُثري على حسابهم هو ونخبته، العكس هو الصحيح، هو يُغدق الأموال على هذا البلد، كي يصبح أفضل، وربما المقابل الوحيد الذي يريده، أن يصبح حاكمه الأوحد، فأين المشكلة في ذلك؟، أين سنجد حاكماً مثله، يدفع بدلاً من أن يأخذ؟.. تلك كانت قناعة غالبية السوريين حينها.

لكن ذلك لم ينفي وجود معارضين لـ جمال، كانوا يخافون من أن سوريا الجديدة ستصبح "سوريا الدمشقي"، بعد أن خسر السوريون أكثر من مليون قتيل، كي يُسقطوا "سوريا الأسد". كان بعض السوريين يخشون من ديكتاتور جديد، يُحكم قبضته على هذا البلد، هو وعائلته والمقربين منه. واليوم، هو يُغدق الأموال لإعمارها وإطلاق مسيرة نهوضها، لكنه لاحقاً، سيحصد ثمار ذلك النهوض، بعد أن يصبح صاحب الكلمة العليا في كل شؤونها.

لم تكن أصوات هؤلاء المعارضين، الذين كانت بعض القنوات الإعلامية المحسوبة على جمال ذاته، تستضيفهم، وتسمح لهم بأن يقولوا آرائهم بكل فجاجة، لم تكن تلك الأصوات قادرة على إقناع غالبية الشارع السوري، الذي كان يسأل دائماً، ما البديل؟، إن لم نصوت لحزب جمال اليوم، ما هو المشروع البديل عنه؟، ومن هي النخبة القادرة على قيادة البلاد، ودفع 200 مليار دولار سنوياً، لها؟

كان عقداً اجتماعياً غير معلنٍ، بين غالبية السوريين، وبين جمال الدمشقي، لك حكم البلاد، ولنا 200 مليار دولار سنوياً، مرفقة بحرية رأي عالية المستوى. لم يكن أحد يُعتقل بسبب رأيه، في عهد حكم جمال، غير المُعلن. كان انتقاد جمال متاحاً حتى على وسائل إعلامه، ذاتها.

وخلال سنة، صوّت غالبية السوريين لنص الدستور الذي اقترحه حزب الوسط السوري، بزعامة جمال. وأُقر ذلك الدستور. ومن ثم، حصد حزب الوسط غالبية تتجاوز الـ 67%، في مقاعد المجالس المحلية. ومن ثم، حصد الحزب غالبية تتجاوز الـ 77% في مجلسي الشورى والنواب.

وفي مطلع صيف العام 2039، كانت دمشق على أُهبة الاستعداد لأول انتخابات رئاسية بعد أكثر من عقدين. وقبل شهرين من الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر آب من ذلك الصيف، فُوجئ السوريون بحزب الوسط، الذي يقوده جمال، يُرشّح، ناجي الفتيحي، رئيساً للجمهورية، ووسام شرف، نائباً له.

قبل ذلك الإعلان الصادم بأسابيع، نجح معارضو جمال القلّة، من التكتل في حزب سياسي أعلنوه باسم "التجمع الوطني الديمقراطي"، ضم قوى سياسية يسارية وقومية وأخرى محسوبة بشكل غير معلن على حزب العمال الكردستاني، الفرع السوري، وأخرى ذات عمق مذهبي مرتبط بالعلويين تحديداً، إلى جانب بعض الدروز والمسيحيين. ذلك التكتل السياسي كان يحظى بنسبة 20% في مجلسي الشورى والنواب، فيما يحظى حزب الوسط بقيادة جمال، بنسبة 77% في المجلسين، والـ 3% الباقية كانت لمستقلين لم يندرجوا في أي من التكتلين.

لم يكن أحد يتوقع للتكتل المعارض النجاح. ورشّح "التجمع الوطني الديمقراطي" لمنصب رئاسة الجمهورية، شخصية يسارية شهيرة، من صفوف المعارضة المبكرة لنظام الأسد، منذ العام 2000، والتي عاشت في المنفى منذ بدايات ثورة العام 2011. وتم اختيار شخصية كردية وسطية، نائباً له.

لكن المؤشرات واستطلاعات الرأي كانت تؤكد أن الغالبية العظمى من السوريين لن يصوتوا لمرشح المعارضة. فهو سبعيني، مُنظّر، لا قوة ميدانية فاعلة له على الأرض، ولا يحظى بدعم من قوى اجتماعية سورية فاعلة، ربما باستثناء ثلة من الأكراد والعلويين، وثلة أقل من الدروز والمسيحيين. ذلك أن جمال الدمشقي استطاع اجتذاب أبرز قيادات الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين، ليكونوا جزءاً من تكتله السياسي، وبقيت قيادات وشخصيات من أبناء الأقليات، متطرفة إلى حدٍ ما في مطالبها، ترفض الانصياع للمعادلة التي رسّخها جمال للبلاد، هي التي التحقت بالتكتل المعارض، ولعبت دوراً بارزاً في دفعه إلى الواجهة، بعد أن كان يقتصر على عجائز من قيادات المعارضة التقليدية القديمة، التي تعود إلى بدايات القرن الحالي، والتي انفصلت عن واقع السوريين منذ أواخر العام 2011، والتحقت بمنافٍ ودول عديدة في الخارج.

لكن ترشيح حزب الوسط، لـ ناجي الفتيحي، ووسام شرف، شكل صدمة للشارع السوري، إذ كان الجميع يعتقدون أن جمال الدمشقي سيكون رئيسهم المقبل. كان الفتيحي وشرف، شخصيتين معروفتين للنخب وللشارع السوري، فقد لعبا دوراً فاعلاً في تأسيس حزب الوسط، وفي التشبيك بين قوى سياسية ونخب سورية عدة، خارج البلاد، وداخلها، حتى قبل معركة تحرير دمشق عام 2031.

وكان ناجي الفتيحي ووسام شرف، دائما الظهور في اللقاءات الجماهيرية، وعلى شاشات القنوات الإخبارية. لذا، كانا معروفين لدى الشارع السوري، ويعرف معظم المتابعين، أنهما من الصف الأول من القيادات المقرّبة من جمال الدمشقي. لكن، لم يتوقع أحد أن يتم تقديم ذلك الصف من القيادات إلى الواجهة، بدلا ًمن جمال نفسه.

حدثت بلبلة كبرى في أوساط السوريين، تبدت جلياً عبر وسائل الإعلام، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن سبب ذلك القرار الذي امتنع فيه جمال عن احتلال مقعد الرئاسة في بلدٍ أعاد إحيائه بنفسه، وعبر ماله وثروته.

وبعيد أسابيع من القيل والقال، وأحاديث الإعلام وجدالات الفيسبوكيين، ظهر جمال على شاشة قناة "الشام" الدولية، وهي قناة منوّعة، تعود ملكيتها له، أُطلقت عام 2032، من دمشق. وفي حديثٍ مطوّل مع شخصية إعلامية سورية شهيرة تقدم برنامجاً حوارياً أسبوعياً على تلك القناة، قال جمال: "لا أعتقد أنني مؤهل للعمل التكنوقراطي والإداري الذي يتطلبه منصب رئاسة الجمهورية". وأضاف: "وضعنا الأسس العامة والركائز الأساسية لسياسات الدولة السورية، سوياً، في حزب الوسط، ونالت تلك الركائز والسياسات تأييد الشارع السوري في استفتاء الدستور والانتخابات البلدية والنيابية، والآن، على كفاءات الحزب، إن أصبحت قيادةً للدولة السورية، بموجب الانتخابات الرئاسية، أن تُنفّذ تلك السياسات".

جادله الإعلامي المخضرم، مذكراً إياه بأنه "كاريزما" سورية عتيدة، في نظر الكثير من السوريين، وأنهم كانوا يراهنون على قيادته. فأجاب: "لن أبتعد عن الشأن العام، على العكس، سأتابع مهامي في دعم الدولة السورية، وتقديم النصح والمشورة والدعم العملي لقيادتها، كلما تطلب ذلك، وسيبقى مقر إقامتي الرئيسي في دمشق، قريباً من رأس الدولة السورية، وفي أتم الاستعداد لخدمتها، متى احتاج الأمر. أما العمل التكنوقراطي الإداري الذي يتطلبه موقع رئاسة الجمهورية، فهو لا يناسبني، فأنا شخص أعاف الروتين، وغير مؤهل للعمل الإداري اليومي.. ومن ثم، علينا ألا ننسى أن مُرشَحَي الحزب، ناجي الفتيحي، ووسام شرف، شخصيتان سياسيتان، من الطراز الرفيع، خبرا على أرض الواقع، عالم السياسة، داخلياً، وفي العلاقات الدولية.. لذا أنا، وقيادة حزب الوسط، نثق بهما ثقة مطلقة، وآمل أن يثق بهما الشعب السوري أيضاً".

سأله الإعلامي المخضرم، بخبث: "هل من أسباب أخرى، أعمق، دفعتك للابتعاد عن أي منصب رسمي في الدولة السورية؟"، أجابه جمال: "نعم.. لا أريد لسوريا أن تكون سوريا الدمشقي.. أريدها أن تكون سوريا المؤسسات، التي تتعلم فيها الكفاءات كيف تصعد، والنخب كيف تساوم وتتفق، والتكنوقراط كيف يديرون بوحي من المصلحة العامة.. وعلى العبد الفقير لله، القابع أمامك، مهمة ترسيخ دعائم هذه الدولة، علها تسير دون دفة قيادة فردية، بعد حين من الزمان، فتصبح كدول العالم المتقدم، المستقرة، تسودها عادات سياسية وانتخابية عريقة، تحكم الخلافات بين نخبها والتيارات السياسية المتصارعة في أوساط شعبها، ليكون صندوق الاقتراع الترجمة لموازين قوى تلك النخب والتيارات في أوساط السوريين، لا القوة والقهر والإكراه.. مهمة العبد الفقير لله، القابع أمامك هنا الآن، العمل على دفع دفة تلك الدولة في الفترة الأولى فقط، إلى أن تصبح قادرة على السير بمفردها، دون الحاجة لقيادة من أية شخصية كانت. دولة تصبح قيادتها مرتبطة بنخب وكفاءات، حصلت على تأييد الشارع. دولة نخب ومؤسسات، لا دولة قائد كاريزمي فرد".

فسأل الإعلامي المخضرم، بخبث، من جديد: "هل يعني ذلك أنك مستعد للتخلي عن نفوذك المستقبلي في هذه الدولة التي تعمل على دفع دفتها اليوم؟". أجابه: "نعم، بدون شك.. سأتخلى عن أي نفوذ قسري قهري لي على هذه الدولة، ذلك النفوذ الضروري في الفترات الأولى، والذي يجب التخلي عنه في الفترات المتقدمة من تطور الدولة.. لكن ذلك لا يعني أنني لن أسعى لحفظ نفوذ لي، ولعائلتي، من خلال الإقناع للشارع السوري، ومن خلال تقديم مشاريع تُرضي هذا الشارع، أكسب من خلالها تأييده، دون أي إكراه أو قسر".

كان قراراً حازماً بعدم اعتلاء أي منصب رسمي في الدولة السورية. اكتفى جمال باحتلال موقع رئيس حزب الوسط، وهو منصب توجيهي يتولى صاحبه رسم السياسات والتوجهات الرئيسية العامة للحزب، فيما يتولى المكتب التنفيذي في الحزب، عملية التنفيذ.

وهكذا كان جمال بالنسبة لكثير من السوريين، شخصية قيادية فريدة في عُرفهم. فهم اعتادوا على قيادات تستأسد كي تتصدر المشهد، وقد تُنحّي جانباً كل مبادئها في سبيل احتلال أعلى المناصب. كان معظم السوريين يعرفون القائد بأنه ذلك الذي يظهر لهم في كل وقت وحين، وصوره تحتل صدر مؤسسات الدولة، وتماثيله تنتشر في الساحات العامة، والحديث عنه لا يغيب في وسائل الإعلام والتواصل. كان جمال قائداً استثنائياً، فهو يريد العمل وراء الكواليس، الأمر الذي قسم السوريين حياله، إلى فريقين، أحدهما لم يتقبل هذه النوعية من القيادات، ونظر إليها بعين الريبة، متسائلاً عن غاياتها النهائية، ولم يبد قناعة بالتبرير الذي ساقه جمال عبر حواره الشهير قبيل الانتخابات. وفريق آخر، زاد احترامه لهذه القيادة، وإعجابه بأدائها، وتقديره لحنكتها. كان الفريق الآخر من السوريين واسعاً جداً، كان يرى في جمال أيقونة فريدة، خصّها الله لهم، كي ينتشل بلدهم، وينتشلهم معها، من حضيضٍ وصلت إليه، لتصبح في مكانة مرموقة، بعد أن باتت لأكثر من عقد، بقعة قروسطية، تُنسج الأساطير حول ما يحدث فيها، حول العالم، فيما يعيش سكانها حياة لم يعشها معظم سكان الأرض منذ قرن فائت، وكأنهم دخلوا آلة الزمان، وارتدوا عقوداً إلى الوراء.

وبكل الأحوال، ومع اختلاف مواقف السوريين حيال تبربر جمال لاعتزال المناصب الرسمية في الدولة، لم يكن أحد يتوقع للتكتل المعارض الفوز. فالعقد الاجتماعي غير المعلن، بين السوريين، وبين جمال، القائم على حكمه لهم، حتى لو من وراء الستار، مقابل إغداق 200 مليار دولار سنوياً لدفع مسيرة الدولة السورية، كان قد تأصل في أذهان السوريين، وتورط فيه جمال بصورة لم تسمح له، لاحقاً، بالفكاك، أبداً، حتى مراحل متأخرة من حياته.

وفاز ناجي الفتيحي بمنصب رئاسة الجمهورية، بنسبة 82% من أصوات السوريين الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية، والتي بلغت نسبة 75% ممن يحق لهم التصويت. وأصبح وسام شرف، أوتوماتيكياً، نائباً لرئيس الجمهورية.

أدى ناجي الفتيحي القسم الدستوري أمام مجلسي النواب والشورى، في مقر البرلمان السوري العتيد، قرب طريق الصالحية، في قلب العاصمة دمشق، في مشهد دفع بعض السوريين إلى ذرف الدموع، بعد أن استذكروا مشاهد مماثلة في التاريخ السوري القريب، حتى لو كانت لبشار أو حافظ، لكنها كانت تعبر عن وجود دولة، لها في وجدان كبار السن من السوريين الكثير من المعزة والاشتياق.

واستُقبل ناجي الفتيحي في عرض عسكري، أجراه الحرس الجمهوري، الذي بات فرقة صغيرة مخصصة فقط لحراسة قصر الشعب القابع في نقطة جبلية مرتفعة مطلة على دمشق، قرب المزة، والذي أُعيد تأهيله مرة أخرى، ليكون من جديد، مقراً لمؤسسة رئاسة الجمهورية، بما فيها، مقر إقامة الرئيس ذاته، ومكتبه، ومكاتب موظفيه، ومستشاريه، والأجنحة الخاصة باستقبال زعماء الدول الأخرى، إلى جانب غرف عمليات وتحكم في الطوابق الموجودة تحت الأرض.

أما نائب رئيس الجمهورية، الذي احتل وسام شرف، موقعه، فاستعاد مكتبه القديم المتواضع، في منطقة أبو رمانة، بقلب العاصمة دمشق، وأُلحق بمبناه القديم، الذي أعيد تأهيله، ثلاثة مبانٍ أخرى، لتوفير المساحة الكافية للموظفين والمستشارين المُلحقين بنائب رئيس الجمهورية.

وبعد بضعة أسابيع، كلّف ناجي الفتيحي، رجل أعمال حلبيّ شهير، بتشكيل الحكومة الجديدة، وسط جدل وإدانات من بعض الرافضين لسياسة تصدر رجال الأعمال لمشهد الحياة السياسية في البلاد. لكن تشكيلة الحكومة الجديدة مرت بسهولة في تصويت مجلسي الشورى والنواب، حيث يسيطر حزب الوسط على غالبية المقاعد.

كان الدستور المُعتمد للبلاد قد حدد ولاية رئيس الجمهورية، بخمس سنوات، وحدد لكل رئيس، ولايتين فقط، كحد أقصى.

 وأعلن ناجي الفتيحي، بعيد تكليف الحكومة الجديدة، ونيلها تأييد السلطة التشريعية، أنه سيخصص السنوات الخمس التالية لتنفيذ خطة سبق أن أعلن جمال عن استعداده لتمويلها، وهي استثمار البادية السورية، مترامية الأطراف، زراعياً، عبر مشروع طموح يعتمد على اتفاق مموّل مع تركيا، تسمح بموجبه الأخيرة بحفر آبار ارتوازية على أعماق كبيرة، على طول الحدود السورية – التركية، يمكن بموجبها تأمين كميات هائلة من المياه الجوفية المُنحدرة من أعماق الجنوب التركي إلى شمال سوريا، قُدرت بأنها تفوق تلك التي يوفرها نهر الفرات بمرات.

كانت الخطة تتطلب تمويلاً بقدر بـ ترليون دولار، تعهد جمال بدفعه، بمقدار 200 مليار دولار سنوياً، على أن يتم استصلاح كافة الأراضي في البادية السورية، وبين المحافظات، وتحويلها إلى بقع زراعية مثمرة، تُزرع فيها محاصيل استراتيجية، كالقمح والقطن والزيتون، وأخرى اقتصادية، كالخضروات والفواكه، وأخرى تخصص كمراعٍ لتوسيع وتطوير الثروة الحيوانية، على أن يُخصص الجزء الأكبر من تلك المساحات، لزراعة المحاصيل المستخدمة كوقود حيوي.

كان جمال قد قرر تكرار تجارب مصر وتركيا وروسيا، التي حولت تلك البلدان إلى مُصدّر رئيس لمحاصيل الوقود الحيوي، المرفق برقاقات الطاقة الشمسية المُصنعة في مصانع مخصصة تتبع لشركات جمال الدمشقي، وفق صفقات محددة مع حكومات تلك الدول.

تلك التجربة، كانت في طريقها للاستنساخ في سوريا، بعد أن أصبح الوقود الحيوي، البديل عن 60% من استخدامات النفط والغاز في العالم، حتى الآن، مما يعني أنه بترول المستقبل، وذهبه الأسود.

وكانت خطة الاستصلاح تلك تتضمن أهدافاً أخرى، منها، تأسيس تجمعات سكنية بين الأراضي الزراعية الواسعة، في عمق البادية المُستصلحة، بصور نموذجية، تشابه طرق العمارة الأمريكية للمساكن في أطراف المدن، على أن تحظى تلك التجمعات بكل المستلزمات من بنية تحتية، وخدمات لوجستية وتعليمية وصحية وثقافية وترفيهية. وكان الهدف في نهاية المطاف، جذب شريحة واسعة من السوريين للسكن في تلك التجمعات السكنية الجديدة، لتحقيق غايتين، الأولى، إخراج السوريين من التجمعات المدنية الكبرى، بغية التخلص من حالة الازدحام السكاني الكبير في المدن، وما يتبعها من تلوث ومشكلات خدمية وبيئية، والغاية الثانية، العمل على الجمع بين ألوان الطيف السوري المختلفة، في تجمعات سكنية تربطهم فيها مصالح معيشية مشتركة، بصورة تخفف من حالة الاستقطاب الديمغرافي في سوريا على أسس طائفية وعِرقية.

سيكون سكان تلك التجمعات من أولئك المُلتحقين بمشروع الاستصلاح الهائل، الذي ستشهده أراضي البادية السورية الواسعة. وسينالون بموجب التحاقهم ذاك، عقار تمليك في التجمعات السكنية الجديدة، وحصة من أرباح الأراضي التي يتولون استصلاحها، بتمويل ودعم كامل من ممولي الخطة ومنفذييها.

ذهبت تقديرات إلى أن مشروع الاستصلاح الهائل المزمع، يتطلب أكثر من مليون يد عاملة، وبالتالي، فهو سينقل ما يتراوح بين 2 إلى 3 مليون نسمة (عائلات الأيدي العاملة)، إلى عمق البادية السورية، التي من المُفترض أن تتحول إلى أراضٍ زراعية غنّاء.

كان مشروعاً واعداً، أثار شهية الكثير من السوريين، ممن رغب في هذا النوع من الحياة، بعيداً عن ضجيج المدن، في تجمعات سكنية راقية، بموجب قطعة أرض يستصلحها، تُدر عليه دخلاً شهرياً مناسباً لحياة معيشية ممتازة. كان الكثير من المتحدرين من بيئات زراعية، ممن لا يملكون حيازات زراعية في مناطقهم، أو يملكون حيازات صغيرة لا تتمتع بجدوى استثمارها، متحمسين لذلك المشروع. كذلك، انضم إليهم فئة من أهالي المدن، الذين ينشدون الحياة الريفية الهادئة، بهوائها العليل، وهدوء مجتمعاتها الصغيرة، حيث يعرف الجميع بعضهم، وتسود علاقات اجتماعية عميقة بين الجيران في بقعة جغرافية محدودة.

كما أثارت تلك الخطة شهية الكثير من المستثمرين السوريين، الذين راهنوا على افتتاح أنشطة خدمية وتعليمية وترفيهية في التجمعات السكنية الجديدة.

وبموجب تلك الخطة، تم حل إشكال تاريخي، يعود إلى ستينات وسبعينات القرن العشرين. إذ تم منح الأكراد مساحات واسعة من الأراضي، التي سيتم استصلاحها، كتعويض لهم عن تلك الأراضي التي سُلبت منهم، في عهد العمل على إنشاء سد الفرات، والذي اعتُبر حينها، في نظر الأكراد، عملية تعريب ممنهجة لمناطق تمركزهم الديمغرافي.

كذلك، تم تعويض مئات آلاف العرب، الذين يتحدرون من سلالة "عرب الغمر"، الذين كانوا قد خسروا أراضيهم يوم إنشاء سد الفرات في السبعينات، وتم تعويضهم بأراضٍ صُودرت من الأكراد في ذلك التاريخ، ليتم طردهم من تلك الأراضي لاحقاً، عشية إنشاء الكيان الكردي، شمال شرق البلاد، في منتصف العقد الثاني من القرن الحالي.

حُلَّ إشكال تاريخي، وكان الجميع راضياً. لكن أمراً لم يعترض عليه الكثيرون، كان جمال يمرره بهدوء من خلال تلك الخطة، وهو الجمع بين العرب والأكراد، ومكونات عرقية سورية أخرى، في التجمعات السكنية الجديدة، بحيث لا يكون أي منها بلون عرقي أو مذهبي واحد. كان هدف جمال الخلط قدر المستطاع بين السوريين، بمختلف ألوان طيفهم، علهم يخرجون، بعد حين، من بوتقة انتماءاتهم الضيقة، إلى رحابة الانتماء الوطني الجامع بينهم، بموجب الوطن، والمصلحة المشتركة أيضاً.

وهكذا، أطلق المشروع الذي أعلنت عنه حكومة دمشق الجديدة، المُنتخبة، نشاطات اقتصادية جديدة، ضخمة، وعزز السيولة داخل سوريا، وقلّص نسب البطالة إلى أقل من 2.5%، الأمر الذي جعلها تقترب من النسب العالمية في دول الغرب.

***

في بداية خريف العام 2039، أكدت مجلة "فوربس" الاقتصادية العالمية، أن ثروة جمال الدمشقي باتت، دون شك، تفوق الـ ترليون دولار (1000 مليار دولار). وقالت المجلة حينها، إن جمال الدمشقي أنفق ما يتجاوز الـ 1.5 ترليون دولار على مشاريع خيرية، وأخرى سياسية، من بينها ما أنفقه على عمليات إعادة إعمار سوريا.

كانت المجلة دقيقة. إذ بات مجموع القيمة التقديرية لاستثمارات جمال، وعقاراته، إلى جانب السيولات المالية التي يملكها، حول العالم، يتجاوز الـ ترليون دولار.

ونُحت لقب "الترليونير" خصيصاً لـ جمال الدمشقي، الذي بات أول "ترليونير" معروف في التاريخ.

لم يكن وزن جمال مالياً فقط، إذ أن امتلاك مجموعته القابضة، "الدمشقي"، لحقوق الملكية الفكرية والاستثمارية، لعدد من الأفكار العلمية الرائدة، مصدر قوة معنوية هائلة. لذلك، قالت يومها، صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، بأن جمال بات قوة إقليمية كبرى، فهو يملك مصادر قوة ناعمة عديدة، تتمثل في المال والاستثمارات والصفقات التي يُديرها مع الحكومات. كما أنه يملك جيشاً يتبع لسيطرته غير المعلنة، في سوريا، ويملك نفوذاً هائلاً، في سوريا، وكذلك في لبنان، ووسط العراق المحرر أخيراً من "داعش".

ويملك جمال علاقات مصالح وطيدة ومتبادلة، تقترب إلى حد التحالف الهيكلي العميق، مع نخب حاكمة في دول، كتركيا، وبعض الدول الخليجية.

وأقرت "الاندبندنت" بأن جمال يُخفي الكثير من المفاجآت، من بينها ما يتم التهامس بخصوصه، في أوساط استخباراتية، عن امتلاكه مقدرات علمية في مجال الاتصالات والتجسس، غير مُعلنة، قد تكون متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

ذلك الحديث عن نفوذ جمال وتأثيره الدولي، ومصادر قوته، المعروفة، وتلك الخفية، تزامن مع توقيع صفقة اقتصادية دولية، مثّلت النقلة النوعية الكبرى، الثالثة، لـ جمال، في عالم الاستثمار. إذ نجح جمال، بعد سنوات من التخطيط، والتفاوض، وجمع الخيوط، وتشبيكها، في عقد صفقة بين كبرى شركات النسيج العالمية، بمباركة صينية تحديداً، مقابل منح الصين ميزة معرفية على صعيد استثمار الوقود الحيوي ورقاقات الطاقة الشمسية، وتصنيعها على أراضيها.

الاتفاق ضم كل شركات النسيج العالمية الكبرى، وأيضاً، تلك متوسطة الحجم، وحتى الصغيرة. وشاركت فيه الغالبية العظمى من دول العالم. وبموجب ذلك الاتفاق، تم تقسيم سوق النسيج العالمي، بين تلك الشركات، بصورة تحقق مكاسب نوعية لمختلف الأطراف، على أن تُستحدث، خمس مواقع عالمية، لتصنيع النسيج، تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع السوق العالمية للنسيج، بالاتفاق بين مختلف الأطراف الدولية. كانت تلك المواقع، في تركيا ومصر وسوريا وإيران والصين. واستحوذ جمال على الاستثمارات الخاصة بالمواقع في سوريا ومصر وتركيا وإيران، وترك الموقع الصيني للمستثمرين الصينيين.

وبموجب ذلك الاتفاق، سيتم تقسيم سوق النسيج، بنسبة تفوق الـ 75%، بين منسوجات صينية مخصصة للطبقات الوسطى الدنيا، والفقيرة، وبين منسوجات مصرية وتركية وسورية وإيرانية، مخصصة للطبقات الوسطى الوسطى، والوسطى العليا، والطبقات الثرية.

وأمام ذلك التكتل النسيجي العالمي، الذي أنشأه جمال، اضطرت كل الشركات في العالم، للالتحاق به، أو الخروج من السوق فعلياً، فاحتكر بذلك سوق النسيج العالمي بصورة شبه كاملة، بالتنسيق مع الصين، والدول الإقليمية المشاركة في الاتفاق، وبموافقة غربية، بعد أن أُدرجت أبرز الشركات الغربية في الاتفاق، بموجب حصة خاصة بها.

وقُدرت إيرادات الاتفاق الشهير، الذي وُقّع في جنيف، في خريف العام 2039، بـ 1.5 ترليون دولار سنوياً، 10% منها ستكون لصالح مجموعة "الدمشقي" القابضة، التي ارتفعت إيراداتها السنوية لتصبح بحدود 500 مليار دولار سنوياً.

وقبل نهاية العام 2039، قالت "فوربس"، إن جمال الدمشقي سيحصد سنوياً، مرابح صافية، تتجاوز نصف ترليون دولار (500 مليار دولار)، مما سيجعله قوة اقتصادية واستثمارية ومالية أسطورية، كفرد.

كان جمال قد قرر تخصيص 60% من إيراداته السنوية لصالح سوريا وشبكات إعمار ودعم مالي في دول إقليمية أخرى، منها لبنان، وحكومة وسط العراق الوليدة، المدعومة من جانبه. وكان ذلك يعني أن ثروة جمال الدمشقي، الخاصة، ستزيد، سنوياً، بمقدار، 200 مليار دولار، فيما سيزيد نفوذه سنوياً، بمقدار 300 مليار دولار، سيستثمرها في سوريا ولبنان والعراق، وبلدان أخرى، حول العالم.

كانت إسرائيل تراقب صعود جمال الدمشقي، السريع والمُقلق، بالنسبة لها. وكانت منذ بداية العام 2040، تفكر جدياً في تقليم أظافره سريعاً، قبل فوات الأوان. وكانت تجربتها السابقة، في محاولة اغتياله، عام 2033، قد لقيت إدانة قاسية من أوساط غربية واسعة، وكادت تُطيح بكل ما بقي من تعاطف ومقومات تحالف، بين أوساط النخب الغربية، بما فيها الأمريكية، وبين الكيان الإسرائيلي.

لذلك، كانت إسرائيل تفكر بطريقة أخرى. إذ أنها فهمت منذ نهاية العام 2033، أن تصفية جمال الدمشقي، خط أحمر غربياً، لأن ما نُسج من مصالح مشتركة نوعية، بين النخب الغربية، وبين جمال، تجعل الأولى تفكر ألف مرة، قبل تغييبه القسري. كانت تلك النخب ترى في جمال شريكاً مفيداً للغاية، وشريكاً مطمئناً، إلى حدٍ ما، في آن. فهو استطاع، عبر أفكاره الاستثمارية الخلّاقة، إنعاش الاقتصاد العالمي بصفقات ونشاطات اقتصادية، قُدّرت قيمتها بأكثر من 10 ترليون دولار. أفاد منها الغرب كثيراً، فانتعشت اقتصادياته الراكدة لعقود.

إلى جانب ذلك، كانت تلك النخب الغربية، تخشى أن يؤدي غياب جمال الدمشقي، بصورة قسرية ومفاجئة، إلى انفلات مقدرات علمية وعسكرية غير معلنة، يملكها الرجل، وتلك النخب تثق بوجودها لديه، وتخشى أن تصبح تلك المقدرات المجهولة المدى، حتى الآن، في أيدي شخصيات مُنفلتة، غير معروفة بالنسبة للغرب، يصعب ضبطها، أو التفاهم معها.

كانت نخب الغرب على ثقة بأن جمال يطوّر قدرات علمية غير معلنة. لكن تلك النخب كانت على ثقة، أنها قادرة على ضبطه. كما أن أسلوب جمال في البحث الدائم عن تسويات ومساومات وصفقات وحلول وسط، مع مختلف الأطراف، حتى تلك التي تكن له العداء، جعل نخب الغرب ترى فيه شريكاً مطمئناً إلى حدٍ ما.

فهو نسج في بداية صعوده علاقات وطيدة مع صفوة أثرياء الغرب ومستثمريه، وكذلك، مع نخبه السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية، وكذلك، مع نخب من التكنوقراط الغربي. ومن ثم، نسج شراكات معمقة مع النخبة التركية، باتجاهيها، الإسلامي والقومي العلماني. وكذلك، نسج شراكات وطيدة مع نخب الدول الخليجية. ولاحقاً، عزز شراكته مع النخبة الحاكمة في مصر. ومن ثم، استطاع استمالة روسيا، لتصبح واحدة من أقرب شركائه وحلفائه، بعد أن كانت تنظر إليه نظرة ارتياب حادة، بحكم مواقفه المعلنة المعارضة لتدخلها السافر في بلاده. ومن ثم، استمال الصين. وها هو، عام 2039، يستميل ألد أعدائه في المنطقة، إيران، حتى بعدما ثبت تورط إيران في محاولة اغتياله عام 2033، بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، وبعد أن حاربت المقاتلين العراقيين المحسوبين عليه، الذين كانوا يتقدمون للقضاء على دويلة "داعش" وسط العراق.

إيران، التي واجهت جيش جمال، في العراق، بالقوة العسكرية المباشرة، وفشلت، رغم رهان بعض نخب الغرب، وكذلك إسرائيل، على حرب طويلة بين السُنة والشيعة في العراق، يرعاها جمال من جانب وإيران من الجانب الآخر.. فُوجئت، أي إيران، بـ جمال، يقبل بفتح قناة تواصل معها، سرية في البداية، وعلنية، لاحقاً.. لتُتوج، سلسلة مطولة من المحادثات، في مسقط بعُمان، ومن ثم، في دبي بالإمارات، وأخيراً، في استانبول بتركيا، باتفاق إيراني، مع جمال الدمشقي، يحدد الحدود، ويقرّ لـ جمال، بوسط العراق، بما فيها بغداد، ويقرّ لإيران بجنوب العراق بدءاً من كربلاء والنجف. ومقابل ذلك، تم خرط إيران في مساعي تأسيس التكتل النسيجي العالمي، الذي جعل منها واحدة من أكبر خمسة مواقع عالمية لصناعة النسيج، مما عزز اقتصادها بصورة غير مسبوقة.

باختصار، كانت نخبة الغرب معجبة بـ جمال، وتراهن على براغماتيته، وترى أن مصالحة كاملة بينه وبين إسرائيل، ليست أمراً مستحيلاً، خاصة أنه هو ذاته، أسرّ لأصدقاء له، من تلك النخب، أكثر من مرة، باستعداده للتصالح التام مع إسرائيل، بشرط استعادة القدس الشرقية، والسماح بإقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، تملك مقومات البقاء والاستمرار، إلى جانب إرجاع الجولان لسوريا، ومزارع شبعا وكفرشوبا للبنان.

لكن ذلك، لم يمنع النخب الغربية، المقربة من دوائر صنع القرار الخفي، في عواصم الغرب، من الموافقة على اقتراح إسرائيلي سرّي، مفاده، القيام بعمل عسكري ضد سوريا، للكشف عن القدرات التي يملكها جمال الدمشقي، على أن يكون ذلك العمل العسكري، بغطاء غربي غير معلن، وعلى أن يعمل الغرب على ضبطه، كي لا يتحول إلى حرب شاملة تهدد الوجود الإسرائيلي.

وافقت نخب الغرب، الخفية، على ذلك الاقتراح. ومنذ مطلع العام 2040، كانت إسرائيل، ودوائر استخباراتية غربية، تُعد العدّة لعمل عسكري ضد سوريا. لكن إسرائيل، جربت بدايةً، الضغط على جمال، علّه يخضع دون عمل عسكري، ويقبل الكشف عن طبيعة التحصينات العسكرية التي يتم تعزيزها جنوب سوريا، قرب الجولان. وإن قَبِل بذلك، كانت إسرائيل تعتزم تطوير مطالبها، لتصل إلى حد المطالبة بزيارات لمفتشين دوليين إلى مقرات ومنشآت عسكرية وبحثية داخل الأراضي السورية.

كانت إسرائيل تريد، بأي شكل كان، الكشف عن حقيقة القدرات العسكرية والعلمية، التي يملكها جمال، وتلك التي يطورها سراً، وإلى أي مدى وصلت. ولم يرفض الغرب مطلب إسرائيل هذه المرة، شريطة ألا تخرج الأمور عن السيطرة. فالقضاء الكامل على جمال الدمشقي، مرفوض، غربياً.

***


يتبع في الفصل الرابع عشر..

روابط الفصول السابقة:

بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")

نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")

منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")

لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")

حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")

وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")

امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")

بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")

سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")

عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")

اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")

من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")






إياد الجعفري - خاص - اقتصاد



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


تعليقات حول الموضوع

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



  جميع الحقوق محفوظة © 2011 - 2018 - أحد مشاريع زمان الوصل

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2018
top