بيروت وبغداد تُحكمان من دمشق.. (الفصل الرابع عشر من "الترليونير السوري")
2018-12-07 19:57:31


سار بخطوات واسعة، مرحباً بالضيوف، والبشاشة تكسو محياه، وهو يقول لأول الواصلين منهم: "أهلاً بك فخامة الرئيس". فقهقه، إيهاب الصلح، وهو يتقدم نحو جمال، قائلاً: "رئيس بوجودك جمال باشا!". واحتضنا بعضهما، وتبادلا التحيات والسلامات، وقبل أن ينتهيا، كانت ناهد ميقاتي بمحاذاتهما، فبادرت بالقول: "خفت يحجبوني على الطريق".

قهقه جمال بمرح بادٍ، ثم ألقى نظرة متمعنة عليها، وقد جال ببصره، من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، كانت ترتدي تنورة سوداء أقصر من الركبة بقليل، فتتبدى ترهلات ساقيها، وكانت كنزتها البيضاء الحريرية تكشف عن أعلى مفرق ثدييها، وتكشف ترهلات رقبتها، فيما كان شعرها الملفلف القصير، مصبوغاً بلونٍ مائلٍ للصفرة، والمساحيق تكسو وجهها، والكحل يحيط بعينيها الخضراوتين الصغيرتين.

سلط جمال نظرات متفحصة مصطنعة على حماته، مرفقة بابتسامة ساخرة، فقالت: "مزعوج من صِبايي، وإنت مبين أد زوجي".. والتفتت إلى ابنتها إيمان التي كانت أول المرحبين بها، معقبةً: "الله يعينك، كبران رجالك كتير". فقهقه جمال مرة أخرى بمرحٍ بادٍ، فيما ظهر شيء من الامتعاض على إيمان، حاولت إخفائه بجهدٍ كبيرٍ، واصطناع ابتسامة واهية.

لم تأبه ناهد لامتعاض ابنتها الذي استشعرته، والتفتت إلى جمال لتتابع وصلة استفزازه التي تعشقها، لتقول: "للأمانة،.. شفت كتير نسوان سبور لما مررنا بطريق الصالحية، شكلكم ما حجبتوا المسيحية لسه".

فأجابها جمال: "على فكرة، نسوان الصالحية ما ضروري يكونوا مسيحيين.. صلحي معلوماتك".

قاطع إيهاب وصلة الاستفزاز المتبادل بين الطرفين، وقال: "شو رأيكم نريح، وبعدين بستأنفوا المعركة".

ضحك الاثنان، وتقدم جمال لاحتضان حماته، وتقبيلها.

اعتادت ناهد، منذ اقتران جمال الدمشقي بابنتها، والذي تزامن مع صعود متواصل لمكانته المالية والعالمية، أن تستفزه بطريقة تحاول من خلالها تثبيط ثقته المتفاقمة بالنفس. كانت تخشى على ابنتها من تصاعد ثقة الرجل بنفسه. لكن جمال كان يقابل تلك الاستفزازات التي عادةً ما تُجلل بالمزاح، باستفزازات مقابلة مجللة هي الأخرى بالمُزاح.

كانت علاقتهما في البداية، تسودها ريبة وعدم ارتياح. ناهد تخشى من أن يتكبر الرجل على ابنتها، وأن يُحيل حياتها إلى مأساة تشابه قصصاً كثيرة في الزواج من مُترفين. فيما كان جمال يستشعر تكبراً ملحوظاً لدى ناهد، التي طالما أبدت جلياً ذلك التعالي السائد لدى بعض اللبنانيين، حيال أقرانهم من السوريين. تعالٍ يرده لبنانيون، إلى تفوق حضاري وقِيمي ومعرفي لبناني، مقارنة بالمستوى الحضاري للسوريين، ويظهر جلياً لدى الطبقة المتوسطة العليا، ولدى الأثرياء، من اللبنانيين.

وفي البدايات، كانت إيمان تساير أمها في إبداء ذلك التعالي، إلى حدٍ ما، كوسيلة لتعزيز ميزاتها في نظر زوجها الثري الصاعد، وتذكيره بها، كلما بدت منه هفوات نابعة عن اختلاطه الدائم بعالم النخبة حول العالم، وما يقابله من نساء جميلات يخطبن ودّه.

لكن جمال كان يتعامل مع تعالي إيمان، هذا، الذي كان يدرك كنهه ومبرراته، بعاطفة أكبر يمنحها لإيمان، في خلواتهما، وبمودة أشد، يبديها حيالها، كلما غاب عنها لفترة وجيزة في إحدى رحلات عمله التي لا ترافقه فيها. وبإجلال وتكريم كبيرين، يمنحها إياهما في لقاءات الصالونات مع صفوة العالم، التي تحضرها معه، من حين لآخر، حيث يُظهر جمال قدراً كبيراً من التقدير لزوجته.

وكان جمال، في بداية زواجهما، قد اشترط على إيمان أن تعزّز ثقته بها، بألا تخبر أي أحد، حتى أمها، عن أيٍ من أسرارهما، خاصة تلك التي يُفضي بها لها. وإن ثبت له أن إيمان عند قدر ثقته بها، ستكون مكمن أسراره، حتى منها تلك الخطرة، حيث يمكن له البوح بكل ما يريد، بأمان، وهو واثق بأن الصدر الذي يبوح له، قادر على كتمان السرّ، وتقدير خطورة البوح به لطرف ثالث.

وكانت إيمان بالفعل عند قدر ثقة جمال بها، وقد اختبر ذلك عدة مرات خلال سنوات زواجهما الأولى، فاكتشف أن إيمان لا تبوح لأمها، أو لأي أحدٍ آخر، بأيٍ من الأسرار الخطرة، السياسية والمالية، التي يبوح بها لها. وهكذا، مع الزمن، تعززت علاقة جمال بإيمان، وتحولت من اختبار متبادل للثقة بينهما، إلى رابط وطيد آمن لكليهما، جعل إيمان تصبح أكثر التصاقاً بـ جمال، وأكثر إحساساً به، ورهافةً حياله. باتت تفهمه من النظرة، وتدرك كنه ما يدور في خلده، من طريقة تصرفاته، فتسعى دوماً لدعمه في مختلف المواقف، مستندة إلى خبراتها المهنية والعلمية واللغوية، وموهبتها الراقية في عالم العلاقات العامة وفنون الاتيكيت والتصرف.

تحولا، جمال وإيمان، إلى سندٍ، كل منهما للآخر. وكما كانت إيمان داعمة لـ جمال في مختلف المواقف، كان جمال يمنحها ثقته المطلقة، ويستمع لنصائحها، بل ويشركها في كثير من قراراته ومشاريعه وسياساته.

وبعد بضع سنوات من زواجهما، لم يعد لدى إيمان أي مبرر للتعالي على زوجها من منطلق دفاعي، بل على العكس، أصبحت ليّنة، طيّعة، حسّاسة حيال ما يشعر به ويعانيه من متاعب أو ضغوط، قريبة جداً منه وجدانياً. وكان جمال، مع تقدم سنوات زواجهما، يصبح أكثر التصاقاً بـ إيمان، لا بالمعنى المكاني، بل بالمعنى الوجداني.

وكانت ناهد، والدة إيمان، قد استشعرت، في سنوات زواج ابنتها الأولى، أن الأخيرة تبتعد عنها، وتصبح أكثر التصاقاً بزوجها، وتتغير الكثير من طباعها، فتصبح أكثر هدوءاً ورزانة، وأكثر حرصاً على سلامة زوجها المعنوية والمادية، وأكثر تحسساً لمشاعره، ورهافةً حياله. فابتعدت عن أمها، إلى حدٍ ما، ولم تعد تفضي لها بأي من مكنونات صدرها، وباتت ناهد تستشعر حذراً من جانب إيمان عندما يدور بينهما أي حديث، فتفهم الأم، أن ابنتها تحرص على عدم الكشف عن أي تفصيل من حياتها مع زوجها، قد يُزعج الأخير، الكشف عنه.

ولأن ناهد، بطبيعتها، متسلطة، قيادية، ثقتها عالية جداً بالنفس، تعتقد أنه يجب عليها أن تلعب دوراً في توجيه العائلة الصغيرة الوليدة، التي تحمل مسؤوليات كبرى، بموجب الثروة والنفوذ الذي تملكه، لذا كانت ناهد تتدخل كثيراً، وتستفسر بإلحاح، عن كل تفصيل وتطور في حياة الزوجين، الشخصية والمالية والسياسية، الأمر الذي كانت تقابله إيمان، بتحفظٍ واضحٍ، وبإجابات مبتورة موجزة، تؤكد قناعة الأم بأن جمال استطاع سلب لُبّ ابنتها، وتملكها، فـ إيمان ليست المرأة التي يتم تملكها بالقسر والقهر، بالعكس، ذلك قد ينفّرها ويدفعها للثورة، هي امرأة يتم تملُّكها بعاطفة شديدة مُوشَّاة بحكمة عالية، تجعلها تقبل أن تمنح قيادتها لطرف آخر، سوى نفسها.

وهكذا، زال ذلك الرابط الوجداني الذي كان يربط بين الأم وابنتها، اللتين كانتا سابقاً، بئر أسرار بعضهما، مما أثار غيرة الأم، واستيائها، فتحول تعاليها على جمال، إلى أسلوب استفزازي ملحوظ، تكسوه السخرية، في كل لقاء بالرجل. الأمر الذي كان يثير استياء إيمان، بشكل واضح.

لكن جمال، الذي أدرك أن شرخاً تسبب به في العلاقة بين الأم وابنتها، بادر لاحقاً إلى تعزيز علاقته بـ حماته، عبر دعم اهتماماتها، ومنحها مزايا شخصية وعائلية، جعلتها لاحقاً، تنقلب من ضفة الاستياء منه، إلى ضفة التقدير له. فاشترى فيلا  فخمة في أطراف بيروت، تحمل شهرة تاريخية، وأهداها لـ حماته بمناسبة عيد ميلادها الستين. ومن ثم، دعم زوجها (حماه - والد زوجته)، وفيق الصلح، وابنها، إيهاب، في تشكيل قوة سياسية مؤثرة في لبنان. ودعم إياس وأيمن، ولديها الآخرين، في إدارة شركة استثمارية ضخمة في لبنان، بتمويل منه، وهب ربع أسهمها لحماه، وفيق، وحماته، ناهد، والربع الآخر لولديهما، إياس وأيمن.

وبذلك، تحقق لـ ناهد جانب كبير مما تعشق وتحب، فتحولت إلى سيدة مجتمع فريدة في بيروت، يتقرّب منها صفوة اللبنانيين، وتُعقد في صالونها لقاءات بسيدات لبنان، اللواتي يستهدفن توطيد صلاتهن بها، بغية التقرّب عبرها، إلى جمال الدمشقي، وامبراطوريته المالية والاستثمارية.

ولبّى جمال لـ ناهد، عشرات الطلبات والالتماسات. فيما كانت ناهد حذرة من الإثقال عليه، فلم تكن تلجأ إليه، إلا بعد غربلة مئات الطلبات والالتماسات التي كانت تصلها عبر علاقاتها الاجتماعية المتجذرة.

وهكذا، تخافتت مشاعر الريبة وعدم الارتياح بين جمال وناهد، وتحولت تدريجياً إلى مشاعر ودّ ومعزّة، بعد أن استشعرت ناهد مراراً أن جمال يريد كسب ودّها حقاً. قدّرت ناهد من جمال ذلك، لأنه لم يكن مجبراً عليه، فهو رجل قوي، ذو مكانة عالمية، وابنتها باتت طوع بنانه، مسلوبة اللبّ فيه. لذا أدركت ناهد أن جمال يخطب ودّها، لأجلها هي، لأنه يريد علاقة متينة يسودها التعاضد، مع أهل زوجته. قدّرت ذلك فيه، فبادلته الأمر.

إلى جانب ذلك، ومع تقدم السنوات في علاقتهما، ونجاحات جمال المتتالية والمتصاعدة على مختلف الصعد، المالية والاستثمارية والسياسية، باتت ناهد تثق بقدرات جمال وحنكته، وتُكن له إجلالاً تجاهد دوماً لإخفائه، لكنه يتبدى في عدم التعليق على سياسات جمال أو مخططاته، وبالاكتفاء بمداخلات طفيفة. بات الرجل في نظر ناهد، عقلية فذّة، لم تعد هي ذاتها، ترى في نفسها، ندّاً له.

لكن ناهد لم تغيّر من أسلوبها في السخرية المتعالية، حيال جمال، وكأنه بات طقساً يسود علاقتهما، في كل لقاء، إذ يتبادلان المزاح الساخر، فيما بينهما. ودائماً يظهر الاستياء على إيمان، التي كانت تخشى من أي شيء قد يزعج زوجها، فهي تقدّر ما قدّمه لعائلتها، ولم تكن تفهم مبرر ما تقوم به أمها. لكنها لم تفاتحها في ذلك أبداً، فـ جمال لم يُعلمها يوماً بأنه مستاء من أمها. كانت إيمان دائماً تسأل جمال، قبل قدوم أمها لزيارتهم، خشية أن يثير ذلك استيائه، فيُظهر خلاف توقعاتها، ويرحب بشدة.

في نهاية المطاف، تعوّدت جميع الأطراف الأخرى على عادة جمال وناهد، بالسخرية المتبادلة، المجللة بالمُزاح، في بداية كل لقاء، وخلاله. حتى الأحفاد، كنان وإياد، وخاصة الأخير، كانا يشاركان في وصلة المزاح، حينما كبرا. الوحيدة التي بقيت تستاء من ذلك، هي إيمان. تقديرها لزوجها لم يُتح لها هضم أسلوب أمها. ربما لأن إيمان تعلم من أسرار جمال ما يجعلها تقدّر عقل ذلك الرجل الجبّار، وإبداعه وحنكته، بصورة لم تعد تُتيح لفطنتها، حتى مجرد المُزاح معه، إلا في أجواء من الاحترام. فيما ناهد، لا تعلم عن جمال إلا رأس جبل الجليد، فيما كان الخفي منه، بالنسبة لـ ناهد، عظيم وجليل، في نظر ابنتها إيمان.

***

"فنجان أهلاً وسهلاً؟".. بادرهم جمال بالاقتراح، فيما كان الجميع يتخذ مكانه في مجلسٍ بصالون مكشوف في إحدى حدائق القصر، على طريقة البيوت العربية الدمشقية القديمة، تتوسطه نافورة يكسوها الرخام، تحيط بها، وتكللها، قطع من المزروعات، فيما تحجب الشمس عنهم، عريشة متمددة على عواميد بارتفاع مترين منهم، وفي الأفق يتبدى جانب من حدائق القصر الغنّاء.

"ولا جوعانين؟.. نسرّع بالغداء؟".. عقّب جمال، فقالت ناهد: "لأ.. أكلنا شيء خفيف على الطريق.. خلينا نبلش بقهوة شامية، بهالجلسة الرائعة". فتدخلت إيمان: "تكرمي". وأوعزت لإحدى الخادمات بتحضير القهوة.

كانت ناهد قد تواصلت مع ابنتها منذ بضعة أيام، تجس النبض، رغبةً في زيارتهم، فبادرت إيمان سريعاً للترحيب بها، ومن ثم، شعرت بأنها تسرعت، إذ خشيت أن يكون جمال، في هذه الظروف الاستثنائية، غير مستعد لاستقبال أمها، وتحمّل استفزازاتها المعتادة. لكن جمال، كالعادة، رحّب بشدة، واستغل قدوم ناهد، فاتصل بـ إيهاب، وطلب منه مرافقة أمه، لزيارتهم، فقدمت عائلته الصغيرة معه.

سلّم الأحفاد على جدتهم، ناهد، وخالهم، إيهاب، وزوجة خالهم وأولادهما. وانشغلت ناهد مطوّلاً في ممازحة أولاد ابنتها، ومداعبتهم، إذ كانت تُكن لهم حيزاً خاصاً من المحبة، فهم يحملون الكثير من "جيناتها"، حسب وصفها المتكرر. خاصة إياد، الذي يشبهها كثيراً، بشُقرَتِه البادية. وكان أبناء جمال يحبون جدتهم كثيراً، فهم يُقدّرون مرحها الودود معهم، ويستشعرون مَعَزّتهم لديها، ويعشقون رحلاتهم إلى فيلا بيروت، حيث يقضون أوقاتاً ممتعة من اللعب والرحلات مع أولاد أخوالهم، وفي ظل جدتهم، التي تتساهل معهم كثيراً، وتخصّهم بالكثير من العناية والترفيه، وتلحظ اهتمامات كل منهم، فتُهدي كل منهم ما يناسب اهتماماته، في كل زيارة أو لقاء. لذا، كان أولاد جمال يُقدّرون جدتهم كثيراً، ويحبونها بصورة بادية عليهم. وكان ذلك يُشعر جمال بسرورٍ شديدٍ، يتصاعد كلما رأى أولاده يلتفون حول جدتهم، يتهامسون معها، ويقهقهون، ويتبادلون المزحات، في بهجة جليلة لديه. ونفس الشعور كان يتولد لدى إيمان، كلما رأت أولادها يتحلقون حول أمها، فيما الأخيرة تُغدق عليهم من مشاعر المحبة، ما يشكل غذاءً روحياً عالي الأهمية بالنسبة لهم، في تقدير إيمان.

وفيما كانت الجدّة مشغولة بمحادثة الأحفاد، حيث اجتمع أولاد جمال وأولاد إيهاب حولها، طلب جمال من إيهاب الانفراد في حيزٍ آخر، ولمحتهما ناهد يغادران، فأدركت أن الأمر جللٌ، إذ لم يكن من عادة جمال، الجمع بين اللقاءات العائلية، وبين لقاءات العمل والسياسة. ورغم تبرمها الدائم، إلا أن ناهد تعودت أن جمال لا يطلعها إلا على ما يريد، وكذلك بات ابنها إيهاب أيضاً، لا يُفصح لها، إلا بما يمكن الإفصاح عنه.

وفي ركنٍ هادئٍ من صالونات القصر، تناول جمال فنجان قهوته، وبعد أن رشف منه رشفتين، بادر إيهاب الذي كان يرشف هو الآخر من فنجان قهوته، قائلاً: "الأخبار عن حرب محتملة بيننا وبين إسرائيل، دقيقة".

بُهت إيهاب، وأرخى يديه سريعاً، ليضع فنجان القهوة على المنضدة المنخفضة القريبة منه. حدّق في جمال قليلاً، ثم عقّب: "كنت أظنها حرباً إعلامية ونفسية؟".

-    هي أكثر من ذلك.. الخيارات أمامنا منحصرة في اتجاهين، إما أن نرضخ لمطالبهم، التي ما إن نرضخ لأحدها، حتى تتالى، ولن نتخلص منها أبداً، أو أن نقبل بالمواجهة معهم.
-    لكن يا جمال، أنت تعهدت أمام أصدقائنا في الغرب أنك لن تكون البادئ في أي حرب مع إسرائيل.
-    نعم.. وأنا ملتزم بذلك.. هم من سيبدؤون.
-    هل هذه تكهنات؟، أم معلومات؟
-    معلومات.. أكيدة.. استخباراتنا أكدت، عبر أكثر من قناة، أن إسرائيل تُعدّ العُدّة لتوجيه ضربة عسكرية لإحدى منشآتنا.

صمت إيهاب قليلاً، ثم عقّب: - تقصد ضربة محدودة.
-    نعم.
-    وأنت سترُدّ؟
-    نعم.. حينها، سنُعلن أننا في حِلٍ من التزاماتنا بوقف إطلاق النار، وسندخل حرباً شاملة معهم.

تبدى القلق على وجه إيهاب، وظهر أنه يتخيّر مفرداته، فهو يدرك أن جمال رجلٌ متسامحٌ على الصعيد العائلي، وربما المالي، لكن على صعيد السياسة، وتحديداً، في سوريا، الأمر مختلف تماماً، فهو متصلب، وسبق أن وضع حدوداً لتدخلات إيهاب، بصورة صارمة، في الكثير من الشؤون المتعلقة بالسياسة السورية. وذلك مقابل منحه هامشاً واسعاً للتحرك بأريحية على الصعيد اللبناني.

قال إيهاب: - جمال.. أوضح لي ما في ذهنك.. إن أمكن.
-    تصوراتنا أن الحرب ستكون محدودة بجبهة الجولان، مع احتمال كبير أن تشمل المعركة الجوية والصاروخية المديين السوري والإسرائيلي.

رشف رشفتين من فنجان قهوته، واستطرد: - وإن أُتيح لنا، سنستعيد الجولان.

اتسعت حدقا عيني إيهاب، البنيتين، وقال وهو يغالب توتره، ويصطنع الهدوء قدر المستطاع: - لكن.. هل تتوقع أن الغرب سيسمح لك بذلك؟
-    قبل حتى أن يستوعبوا ما الذي حدث.. سنكون بإذن الله على ضفاف بحيرة طبريا.

لم يكن إيهاب يعرف شيئاً عن المقدرات العلمية النوعية على صعيدي الاتصالات والتسليح، التي تملكها المؤسسات التي تعمل بإشراف جمال. كان يسمع كثيراً، وسبق أن ناقشه كثيرون، بأن جمال يملك قدرات علمية نوعية غير معلنة، لكنه لم يتجرأ على التساؤل عنها أمامه، وكان يظن دوماً أنها مبالغات تُشيعها نخب محسوبة على الإسرائيليين في الغرب، وتنشرها في وسائل الإعلام، وعبر مؤسسات بحثية غربية. لذلك، كان إيهاب، في هذه اللحظة، غير قادر على تفهم قرار جمال، بخوض غمار حرب مع دولة تحظى برعاية دولية مطلقة.

استشف جمال حالة الارتباك التي تسود عقل إيهاب، فبادره بالقول: - لا تخف.. درست هذه الخطوة عشرات المرات، قبل اتخاذ القرار بخصوصها.. لدينا ما يضمن لنا، بإذن الله، أنها ستكون خطوة نوعية، وآمنة، على صعيد ردع الإسرائيليين.

فقال إيهاب وقد تهاوى صوته بشكل واضح: - وماذا عن لبنان؟
-    ستُصدر من جانبك، حال بدء الحرب، إعلاناً بالحياد.
-    الحياد؟
-    نعم.. لا شأن للبنان بهذه الحرب. وقد اتخذنا احتياطاتنا على الصعيد العسكري والاستخباراتي، لضمان الهدوء على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.
-    لكن.. هل تضمن أن الإسرائيليين لن يجرّوا جبهة لبنان إلى الحرب.
-    ليس لهم صالح في ذلك.. خاصة حينما يتفاجئون بردّ فعلنا.. ليس من صالحهم توسيع جبهة الحرب، وتعريض جبهتهم الشمالية لزخات من مئات الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.. ستكفيهم جبهة سوريا، وسيحمدون المولى أننا لم نفتح جبهة لبنان أيضاً، وسيفهمون ذلك على أنها رسالة تفيد بأن نوايانا في الحرب محدودة، ولا تدخل في إطار تهديد وجودهم بشكل كلّي، وذلك سيساعد على لفلفة الأمور بسرعة.

صمت إيهاب لما يقرب الدقيقة، ثم قال: - لكن.. تعتقد أن الإسرائيليين سيقبلون بخسارة الجولان؟
-    القضية يا صديقي ليست قضية قبول أو رفض، القضية، ما الذي يستطيعون فعله.. حالما يُفاجئون بما لدينا، سيسعون سريعاً لوضع حدّ للمواجهة.

تهيّب إيهاب قبل أن يقول هذه العبارة، لكنه قالها في نهاية المطاف: - هل تملكون قدرات نوعية غير معلنة؟
-    نعم.. وذلك الأمر فائق السرّية.. على الأقل في الفترة القليلة القادمة، قبل بدء الحرب.. لأنه بعد ذلك، سيكون الأمر مكشوف للعلن.
-    نعم، أتفهم ذلك.
-    لا تخشى شيئاً.. الإسرائيليون لن يفتحوا جبهة لبنان.. وأنت من جانبك ستظهر بمظهر الحريص على أمن لبنان، أمام الجمهور اللبناني، خاصة من المعارضين لنا، وسيقول الإعلام الموالي لك، أن إيهاب عزل نفسه عن شريكه السوري، حرصاً على أمن لبنان، وتفضيلاً لسلامته.. يعني، الأمر سيصب في نهاية المطاف، لصالحك، سياسياً.
-    نعم.. أدرك ذلك.. لكن ما أخشاه ..

صمت.. كان يخشى التشكيك بصوابية التخطيط لدى جمال. كان جمال دوماً يخطط ويرسم السياسات، ويرسم تكتيكات تنفيذها، حتى على صعيد لبنان، وكانت التعديلات على تلك الخطط والتكتيكات، المبنية على رأي إيهاب، أو رأي والده الراحل، وفيق، طفيفة. في معظم الأحيان، كان وفيق الصلح، وابنه إيهاب، يسيران بدقة وفق المرسوم لهما من جانب جمال. وتعوّد إيهاب، من والده الراحل، مناقشة جمال في خططه، بروية وحذر شديدين، بعد أن التمسوا منه، أكثر من مرة، تصلباً وصرامة في النقاش، في مرحلة إقرار أية خطة، فيما كان جمال مرناً ومتسامحاً في النقاش في المراحل الأولى لرسم معالم الخطة أو السياسة.

كان جمال يستمع كثيراً، ويُصغي بكُليته، لآراء وخبرة وفيق الصلح، وكذلك، إيهاب. وكان يُتيح لمستشاريه جميعاً، حيزاً كبيراً من البحث والنقاش عند طرح أي مشكلة أو تحدٍ. لكن، حينما يصلون إلى مرحلة إقرار أي السيناريوهات يجب تنفيذها، وكيف، يكون جمال صاحب القرار، وبعد اتخاذ القرار، لا يتقبل جمال أي نقاش أو نقد أو تعريج على ما سبق. كان حازماً بعد اتخاذ القرارات واعتماد سيناريو محدد لحل مشكلة أو مواجهة تحدٍ ما. وقد تعود إيهاب ألا يناقشه في تلك المرحلة، فبعد عقدين من العمل سوياً، بات كل منهما يعرف طِباع الآخر جيداً.

قال جمال: - اسمع يا إيهاب.. لو كان مُتاحاً لي سيناريو أقل خطورة من الحرب، لما ترددت.. لكن الإسرائيليين حشروني في الزاوية، وهناك قرار غربي استشعرته بجلاء، يُتيح للإسرائيليين جرّنا إلى مواجهة، للكشف عن مقدراتنا.. فالحل الوحيد هنا، أن نردعهم.

امتقع وجه إيهاب، فقال جمال: - أفضي بما لديك.

نظر إيهاب في عيني جمال بثبات، ثم قال: - يمكن لك اتباع سياسة حافظ الأسد الشهيرة.. احتفظ بحق الرد، وردّ على الإسرائيليين في مكان وزمان وأسلوب آخر. ما دام العدوان الإسرائيلي سيقتصر على ضربة عسكرية محدودة، لا يوجد داعٍ للمخاطرة بحرب شاملة.

مال جمال بجسده إلى الأمام، وصوّب نظراته الحادة إلى عيني إيهاب، وقال: - لقد أوضحت لك أننا نملك مقدرات عسكرية نوعية غير معلنة، ونملك منشآت عدة في مواقع مختلفة من سوريا، والإسرائيليون واثقون من ذلك، لكنهم غير متأكدين من طبيعة تلك المقدرات، أو مواقع المنشآت التي يتم العمل فيها. عدم الرد على الإسرائيليين في ضربتهم المحدودة، يعني أننا نُتيح لهم تكرار ذلك، في ضربات أخرى مستقبلاً، كلما استشعروا أنهم يملكون معلومة استخباراتية تُوحي لهم بإمكانية استهداف منشأة عسكرية أو بحثية مرتبطة بتطوير قدراتنا. وهذا الأمر لا يناسب مخططاتنا في تطوير تلك القدرات، مطلقاً.

بعد أن أنهى جمال جملته الأخيرة، رجع بجسده إلى الوراء، واتخذ وضعيته الهادئة السابقة. لكن إيهاب تجرأ على متابعة النقاش، فالأمر هذه المرة، أخطر من كل مرة سابقة، قال له:

-    لكن يا جمال، ردكم يعني الكشف عن امتلاككم مقدرات نوعية، ستدفع الغرب وإسرائيل إلى تكثيف الجهود للقضاء عليها.

أجابه جمال بهدوء: - بدايةً، لن نكشف إلا حيزاً محدوداً جداً من مقدراتنا، بصورة كفيلة بردع الإسرائيليين. ومن ثم، سنتجاوب مع كل المساعي الغربية لوضع حدّ للمواجهة وتثبيت وقف إطلاق النار من جديد. وما دام هم البادؤون، فلا يوجد أي مبرر يحرجنا أمام أصدقائنا في الغرب، على العكس. وبالتالي، سيبادر أولئك الأصدقاء إلى وضع صيغة اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، وسيكون الإسرائيليون قد تعلموا درساً قاسياً، بألا يكرروا اعتداءاتهم.. تذكر يا إيهاب، أنني اشترطت عليهم في محادثات ويلز، وبصورة حازمة، ألا تقوم إسرائيل بأي اعتداء علينا، حتى لو كان محدوداً، لأن ذلك سيكسر هيبتي أمام شعبي، وسيضطرني إلى الرد. وكنت حينها واضحاً معهم، أنني لن أكون أسداً جديداً في سوريا، ولن أتقبل أي اعتداء، مهما كان محدوداً، وأن أي اعتداء سيكون بمثابة فضّ للاتفاق بيننا. لقد كنت واضحاً، بجلاء، بهذا الخصوص. وسألتزم بجانبي من الاتفاق. لذا، لا أعتقد أن هناك أي مبرر لمخاوفك حيال موقف الغرب، ونخبه التي تربطنا بها علاقات وثيقة. في نهاية المطاف، لا يوجد لدى تلك النخب ما يبرر لها تحطيم كل مصالحنا المشتركة، وسيتدخلون لتطويق المغامرة الإسرائيلية المُرتقبة، سريعاً، كي تعود الأمور إلى سابق عهدها.

-    ولكن..

قاطعه جمال، فأدرك إيهاب أن هامش النقاش قد أُقفل: - اسمع يا صديقي، لا يوجد لدينا خيارات أفضل، وقد درسنا كل السيناريوهات، واتخذنا كل الاحتياطات، ولدينا من المقدرات ما يسمح لنا بخوض حرب شاملة، ولأشهر، قد تكون مدمرة للإسرائيليين، بصورة غير متوقعة.. ورغم ذلك، لن نقدم على الكشف عن كل مقدراتنا، ولن ننجر إلى حرب شاملة مدمرة للطرفين، وسنتجاوب مع المبادرات التي ستتسارع للفلفة الأمر قبل خروجه عن السيطرة، وفي نفس الوقت، نكون قد أعطينا الإسرائيليين درساً قاسياً، يضمن لنا أمننا، وأمن منشآتنا البحثية والعسكرية، في المستقبل.

لم يكن إيهاب راضياً تماماً عن هذه الخلاصة، لكن، كان يعلم أن لا جدوى من النقاش أكثر من ذلك، لقد اتخذ جمال قراره، وحيّد لبنان، بصورة لا تبرر لـ إيهاب أي اعتراض. لكن إيهاب كان يخشى في تلك اللحظة ألا تصدق حسابات جمال، فيخسر الجدار المتين الذي يستند إليه، ويصبح نهباً لخصومه اللبنانيين الذين يتحيون الفرصة للنيل منه، والفتك به.

***

منذ عام 2034، وإيهاب الصلح رئيساً لوزراء لبنان. في واحدة من أطول الحكومات استمراراً، في بلدٍ شهد عقوداً طويلة من عدم الاستقرار السياسي منذ العام 2005. لكن، بعد تحرير دمشق عام 2031، وسيطرة جمال الدمشقي على كامل التراب السوري، واستتباب الأمر له تماماً هناك. تزايد نفوذه في لبنان، وكان تكتل "لبنان الجديد"، الذي يقوده إيهاب الصلح، الذراع السياسي له، مرفقاً بشبكة دعم اجتماعية ضخمة، ومليشيا مسلحة قوية.

ومنذ اتفاق ويلز الشهير، الذي أعقب محاولة اغتيال جمال الدمشقي، في بيروت، والكشف عن تورط جهات استخباراتية إيرانية وإسرائيلية في ترتيب تلك المحاولة، بالاعتماد على خلايا تتبع لحزب الله.. بات لبنان، بمباركة دولية وإقليمية، تحت ظلال جمال الدمشقي، وسط عجز إيراني – إسرائيلي، عن فعل أي شيء.

***

حينما التقى جمال الدمشقي، بـ إيهاب الصلح، لأول مرة، كان الأخير في السادسة والعشرين من عمره، يعمل في ملاك وزارة الخارجية اللبنانية، بموجب إجازة يحملها في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت، وبموجب علاقات والده مع متنفذين داخل مؤسسات لبنانية.

لكن إيهاب كان يأمل بمسارٍ آخر لحياته المهنية. إذ كان يتقد حماساً، وإيماناً، بإمكانية اشتقاق سبيل سياسي آخر للبنان، مختلف عن حالة المحاصصة الطائفية التي يعيشها منذ تأسيسه، والتي جرّت عليه عدم استقرار دائم، وتبعية لجهات خارجية، ومناعة ضعيفة في مواجهة الأزمات والمؤثرات المحيطة به.

ومنذ بداية تعارفهما، يوم خطوبة جمال وإيمان، كان إيهاب متحفظاً حيال جمال، ينهج نهج والدته في إظهار شيء من التعالي حياله، بالاستناد إلى عراقة نسبه، ودراسته في الجامعة الأمريكية، إلى جانب تلك الفوقية التي يشعر بها حيال السوريين عموماً.

 لكن شكل العلاقة سرعان ما تغيّر. وقرر إيهاب انتهاج نهج والده وفيق، الذي رأى في جمال شخصية فريدة، تستحق كل تقدير، وفي المصاهرة معه، مكسباً نوعياً لعائلته الصغيرة خصوصاً، ولآل الصلح، ومن ثم، لبنان، عموماً.

أدرك وفيق الصلح، منذ أول لقاء له مع جمال، حتى مع ارتباك الأخير، الجليّ حينها، أن جمال شخصية منظمة، منهجية، هادئة، تعرف ما تريد، وتفكر مراراً قبل الإقدام على أي قرار. ومع الثروة التي يمتلكها، والنفوذ الذي التحق بها، باتت قدرة جمال على التأثير هائلة. وكان وفيق يتوقع ذلك مبكراً. لذا قرر وفيق، منذ البداية، توطيد علاقته بـ جمال، واستثمارها بما يخدم صعوده، وصعود أولاده، في عالم السياسة والمال، في لبنان، واستعادة مكانة آل الصلح البائدة منذ عقود، كأسرة سياسية مؤثرة في صنع المشهد اللبناني.

 ولم يخذل جمال حماه (عمّه)، بل على العكس، دعمه في كل توجهاته، وفي نفس الوقت، حاول استثمار خبرة عمّه، وصلاته العائلية والنخبوية، بصورة تخدم مصالحه التي كان على وشك تدشينها، في لبنان، منذ العام 2020.

أثبت صعود جمال السريع، في عالم صفوة الأثرياء الذي تربع على عرشه منذ العام 2022، أن نظرة وفيق الصلح حياله، دقيقة، فتبناها إيهاب، وحاول التقرّب من جمال، الذي فتح له الباب واسعاً.

بدأ الأمر بتأسيس شركة استثمارية في لبنان، بتمويل من جمال، استغل وفيق الصلح، من أجلها، صلاته ومعارفه في نخبة اللبنانيين. لكن لاحقاً، تحوّل وفيق إلى بوابة يقصدها رموز تلك النخبة ذاتها، كي يصلوا عبرها إلى جمال. وبهذه المكانة، استطاع وفيق توطيد مصالح الشركة الاستثمارية الوليدة، التي أُوكلت إدارتها لاحقاً، إلى إياس وأيمن، الشقيقين الصغيرين لـ إيمان وإيهاب.

أما إيهاب، فكانت البداية له بالاستقالة من عمله كموظف في الخارجية اللبنانية، حيث بدأ في تحقيق حلمه، بدعمٍ من جمال. وأسّس تياراً سياسياً، استهدف عند نشأته، طلبة الجامعات اللبنانية، من مختلف الطوائف والانتماءات. وكان شعار ذلك التيار، لبنان من غير طائفية. وهدفه، إعادة تأسيس نظام الحكم اللبناني بصورة تُقصي المحاصصة الطائفية بصورة نهائية، يصبح معها اختيار الحكام والمسؤولين اللبنانيين، عبر صندوق الاقتراع، يتم على أساس أجنداتهم ومشاريعهم وبرامجهم الانتخابية، التي يتعهدون بتنفيذها، وليس على أساس الاصطفافات الطائفية والسياسية المُلحقة بها.

وتطوّر ذلك التيار. بدأ بطلبة الجامعة الأمريكية في بيروت، وتحوّل لاحقاً ليستهدف طلبة مختلف الجامعات اللبنانية. وفي بداية تأسيس التيار، استهتر به مختلف الأفرقاء اللبنانيين الفاعلين، وقرر بعضهم فتح قنوات تواصل مع جمال الدمشقي، عبر وفيق الصلح، على أساس المصالح الاستثمارية والاقتصادية، وتجاهلِ تيار إيهاب الصلح الجديد. لكن التيار الناشئ، صعد بسرعة، وتحوّل إلى قوة سياسية مُخيفة، قوامها، شباب لبنانيون من مختلف الطوائف، يبغون نهضة لبنان على أسس جديدة مختلفة عن تلك التي نشأ وترعرع عليها.

كان التحوّل الأبرز، تفاقم تهديد "داعش" لـ لبنان، بعد اجتياحه لكامل سوريا، وسيطرته على وسط العراق. ساعد ذلك التطور، جمال الدمشقي، في تبرير تدعيم شبكته الاجتماعية الخيرية الضخمة في لبنان، التي أُنشئت بغاية رعاية اللاجئين السوريين، بقوة أمنية وعسكرية مُرفقة بها. وقَبِلت كل الأطراف اللبنانية ذلك، على مضض، بضغوط إما من أطراف خارجية، أو وسط الخشية من اجتياح داعشي مرتقب للبنان، والحاجة إلى أي مساعدة من أي طرف، بما فيها، الطرف السوري، ممثلاً بـ جمال الدمشقي، خاصة مع وجود أكثر من 4 ملايين سوري في لبنان.

في تلك الأيام، شارك إيهاب الصلح شخصياً في قيادة القوة العسكرية والأمنية التي أسسها جمال في لبنان، خلال عمليات التصدّي للاجتياح الداعشي. وحمل السلاح شخصياً. وقاد فرقاً مسلحة من لبنانيين مُلحقين بقوة جمال العسكرية، رغم امتعاض حزب الله الشديد. لكن الأخير لم يجد الوقت مناسباً لوقف ذلك التطور، الذي أدرك مبكراً، خطره على تفرد الحزب بالساحة اللبنانية، كأقوى ميليشيا مسلحة فيه.

وتم صدّ الاجتياح الداعشي، وردّه ليبقى محصوراً في منطقة عرسال فقط. وتحقق ذلك النجاح عبر قوة كان قوامها الرئيس ثلاثة أقطاب، الجيش اللبناني، ومقاتلي حزب الله، ومقاتلي جمال الدمشقي من السوريين ومن المُلتحقين بهم من اللبنانيين.

وبات وجود ميليشيا سورية مسلحة، تضم بين صفوفها مقاتلين لبنانيين، سُنة، أمراً واقعاً في لبنان، لم يستطع حزب الله فعل أي شيءٍ حياله.

وفي السنوات التي تلت صدّ الاجتياح الداعشي، راقب حزب الله تصاعد قدرات القوة العسكرية والأمنية التي أسسها جمال، وتفاقم أعداد المُلتحقين بها، والتي كانت تضم في صفوفها قوة عسكرية لبنانية القوام، سُنية المذهب. وكان جمال يبرر ذلك بالتحضير لتحرير سوريا، وسط مباركة دولية وإقليمية، وعجز إيراني، ولهفة إسرائيلية تراهن على اقتتال أهلي، شيعي – سُني، في لبنان.

 ضبط حزب الله نفسه، واكتفى بحملاته الإعلامية والسياسية. وكانت ركيزته الرئيسية اتهام تيار إيهاب الصلح، بأنه حاد عن المبادئ التي انطلق على أساسها، وهي تأسيس لبنان على أسس غير طائفية. إذ كيف سيؤسس لبناناً غير طائفي، وهو منخرط في مشروع جمال لتأسيس مليشيا سُنية، تضم مقاتلين لبنانيين إلى جانب المقاتلين السوريين؟.. وكان إيهاب يردّ بأن ذلك مؤقت بغاية دعم مشروع جمال في تحرير سوريا من "داعش"، والذي يُمثّل أهمية كبرى للبنان، يقيه أية مخاطر تهدد وجوده.

كان الإعلام المحسوب على حزب الله، يردد دائماً: "متى يتحقق الوعد؟".. في إشارة ساخرة إلى مشروع تحرير سوريا. لكن، لم يستطع الحزب القيام بأي شيء باستثناء الحملات الإعلامية والسياسية، في وقت، كان تيار إيهاب الصلح يتمدد، ليشكّل قُطباً سُنياً لبنانياً، لا يمكن تجاهله في معادلات الداخل.

ورغم الصعود السريع لتيار إيهاب، والتمدد الذي حققه كقوة سياسية لبنانية، مدعومة عسكرياً، واقتصادياً، بعد العام 2025.. إلا أن ذلك التيار حاد عن طريقه بالفعل. إذ فرضت عملية التوسع تلك، خاصة الجانب الأمني والعسكري منها، تشكيل دائرة ضيقة للقرار داخل قيادة التيار، كانت سُنية بالكامل. وعجز إيهاب الصلح، لاعتبارات أمنية وعسكرية، فرضها عليه جمال الدمشقي، ودعمها الواقع، عن تشكيل قوة سياسية لبنانية تتجاوز الحواجز الطائفية، حقاً. وكأنه قدرٌ لبناني، أو خاصية مُلتصقة بلبنان، التصاقاً لا فِكاك منه، ألا تتمتن قواه السياسية، إلا، على أسسٍ طائفية.

لكن ما حدث، لم يُثبط آمال وتطلعات إيهاب الصلح. فبعد أن تحوّل تياره، بدعم جمال، إلى قوة سياسية لبنانية، شريكة في تشكيل معادلات الحكم وتركيبته. بدأ يراهن تدريجياً على تحقيق حلمه الأثير، بلبنان غير طائفي، في المستقبل، حالما يصبح القوة الراجحة بين بقية القوى اللبنانية، وبعد أن يصبح قادراً على رسم مسار لبنان، بشكل متفرد. حينها، يمكن له أن يرسم ذلك المسار بالصورة التي يأملها. هذا ما أقنعه به جمال الدمشقي، الذي لم يكن مستعداً للمخاطرة بالاعتبارات الأمنية الخاصة بقوته العسكرية المتطورة على التراب اللبناني، والتي كانت إحدى فرقها، لبنانية سُنية، الغاية منها، مستقبلاً، حسبما كان يخطط جمال، دون أن يعلن ذلك، موازنة قوة حزب الله الشيعية، بصورة تحفظ لـ جمال، ولأنسبائه من آل الصلح، نفوذاً حاسماً في المشهد اللبناني.

وكان ذلك مقدمةً للتحول الثاني عام 2031، حينما فاجأ جمال الجميع، حتى إيهاب الصلح نفسه، بتحرير دمشق، بسهولة كبيرة، واستعادة معظم التراب السوري في بضعة أشهر، ولاحقاً، إحكام السيطرة على كامل سوريا، في أقل من سنتين.

وبذلك، لم يعد جمال الدمشقي، سُورياً يملك نفوذاً في لبنان، عبر ميليشيا مسلحة قوية، وعبر دعم تيار سياسي وقوة اقتصادية كبرى، فقط.. بل أصبح أبعد من ذلك بكثير.. أصبح حاكم دمشق، تلك التي بقيت في عُرف اللبنانيين، المحبوبة المكروهة في آن. فهي لطالما كانت العقبة الأبرز في وجه استقلالهم الكُلّي، وفي نفس الوقت، بقيت العمق الذي لم يستطع اللبنانيون يوماً التخلي عنه، أو الخروج من دائرة التأثر أو التأثير فيه. تلك الدائرة التي حينما أصبحت "داعشية"، عاش لبنان وأهله، عقداً من الزمن، على شفير رعبٍ وهلاك محتملٍ، يلوح لهم من قريب.

***

 بعيد أشهر من استتاب الأمر لـ جمال الدمشقي، في كافة ربوع سوريا، حدث التحول النوعي الثالث في مسيرته ومسيرة أنسبائه، في لبنان. إذ تعرّض موكبه لتفجير هائل، من متفجرات موضوعة تحت الأرض، في نقطة مرور معتادة ومتوقعة لموكبه.

كان جمال يومها، يرافق وفيق الصلح، نحو لقاء رتّبه الأخير مع عدد من القيادات السياسية اللبنانية، لتطبيع المشهد السياسي في البلاد.

كان جمال قد بدأ، منذ استكمال سيطرته على سوريا، في استثمار فوزه الكبير هذا، ومحاولة ترجمته إلى نفوذ أكبر في لبنان. وضغط لإجراء انتخابات نيابية لبنانية جديدة، عبر كتلة إيهاب الصلح في الحكومة.

وبعد الكثير من المشادات السياسية والإعلامية، نجح وفيق الصلح في ترتيب صفقة بين كتلة ابنه السياسية، التي يدعمها جمال، وبين باقي الأفرقاء اللبنانيين، أوهمه مندوبو حزب الله، بالموافقة عليها. وكان من المقرر عقد لقاءٍ بين قيادات الكتل السياسية اللبنانية، لإقرار اللمسات الأخيرة للاتفاق. واشترط مندبو حزب الله حضور جمال الدمشقي شخصياً، بذريعة الحاجة إلى تدعيم الاتفاق بوجود القادة الرئيسيين، الحقيقيين لكل التيارات.

ظن جمال الدمشقي أن حزب الله يريد عبر هذه الحركة، إحراج تيار إيهاب الصلح، وتقديم القائد الحقيقي لذلك التيار على الملأ من الجمهور اللبناني، عبر المطالبة بحضوره شخصياً للقاء المُزمع. فالقائد الحقيقي لتيار إيهاب الصلح، الذي كان يحمل اسم "لبنان الجديد"، كان سورياً. وكان الجميع يعرف ذلك. وكان حزب الله، حسب ظن جمال حينها، يريد إحراج التيار عبر الإصرار على حضور قائده السوري، لمراسم الاتفاق.

 لم يكن جمال مزعوجاً من ذلك، بل على العكس، كان يريد استثمار ذلك الإحراج، وعكسِه، ليكون تعبيراً صارخاً عن نفوذه الشخصي الحاسم في المشهد اللبناني. فيما كان إيهاب متحرجاً من تلك الخطوة، لكنه لم يستطع معارضتها، بعد أن أظهر والده حماسةً كبرى لحضور جمال.

كان وفيق يعتقد أن حضور جمال لذلك الاجتماع، بقدر ما سيعزز القناعة بأن القائد الحقيقي لتيار آل الصلح السياسي، هو جمال الدمشقي، بقدر ما سيعزز من قوة آل الصلح، بحكم أنهم مدعومون بشكل مباشر، وكُلّي، من أثرى رجل في التاريخ، ومن الحاكم الفعلي لـ دمشق. وكان وفيق الصلح يعتقد أن حضور جمال الدمشقي سيُوصل رسالة عميقة للبنانيين، مفادها، أن اتفاقاً يرتب المشهد السياسي في بلدهم، تطلب حضور حاكم دمشق، الذي يغيب كثيراً عن الأضواء، حتى في عاصمته الأثيرة، دمشق.

بكل الأحوال، غلب على ظن جمال وعمّه وفيق، وكذلك إيهاب، ومعظم المراقبين، أن حزب الله يسعى لإحراج كتلة الصلح السياسية، التي يقودها إيهاب، في البرلمان، وعبر حصته من الوزراء في الحكومة. ولم يكن أياً منهم يظن، ولو لوهلة، أن خلايا تابعة لحزب الله، على صلة مع الدائرة الضيقة في أعلى هرم الحزب، بتكليف من مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبتنسيق مع المخابرات الإيرانية، وعبر تعاون تقني مع الموساد الإسرائيلي، يحضرون لعملية اغتيال ضخمة، تكرر قصة اغتيال رفيق الحريري عام 2005.

كانت إسرائيل تريد أن تعود الفوضى إلى سوريا. لم تكن راضية عن صعود قائد جديد للبلاد، يتمكن من توحيدها وإعادة إحياء مؤسسات دولتها. خاصة أنه قائد سُني، ويقود مؤسسة عسكرية محترفة، يغلب عليها السُنة، وقد استطاع احتواء قيادات جهادية سابقة، وإلحاقها بمؤسسته العسكرية. وبما يملكه من ثروة خرافية، يملك القدرة على تحويل سوريا إلى دولة تهدد الأمن الإسرائيلي، بصورة جدية هذه المرة.

كان الإسرائيليون، في بداية عهد جمال الدمشقي، يخشون من الترحم على زمن "داعش"، التي استطاعوا تطبيع الوضع الحدودي معها بسهولة كبيرة، رغم بقاء حالة عدم اليقين حيال العلاقة مع قياداتها، قائمة. وكذلك، كان يخشون من الترحم على زمن حافظ الأسد، الذي كان ملتزماً، ومن بعده ابنه، بقواعد لعبة، لا تشكل أي خطر على الوجود الإسرائيلي، ما دام كرسي الحكم في دمشق، آمناً.

لذا، كانت إسرائيل ترى في التخلص من جمال الدمشقي خطوة مناسبة لإعادة حالة الفوضى إلى الكيان السوري، بصورة تُلهي مكوناته، ببعضها، لأمد طويل آخر.

أما إيران، فلم تكن قادرة على هضم فكرة نهوض السُنة في سوريا من جديد، وما يشكله ذلك من تهديد بدأت نُذره تلوح، حيال ربيبها الأثير في لبنان، حزب الله. وكانت إيران ترى في جمال الدمشقي تحدياً خطيراً، كونه يشكل حليفاً سُنياً، حضارياً، للغرب في المنطقة، يحفظ مصالح الغرب، ويُلغي حاجة الأخير لاستيعاب إيران. كانت إيران تخشى من أن يتوجه الغرب بكُليته، من جديد، نحو حصارها والعمل على إضعافها، ما دام، لا حاجة حقيقية للتعاون معها.

بكل الأحوال، اجتمعت مصالح الإيرانيين والإسرائيليين، وفيما بينهما، حزب الله، على التخلص من جمال الدمشقي. فكانت محاولة اغتياله تحولاً نوعياً، جاء بنتائج عكسية على الأطراف التي دبرته.

وفيما تولت خلايا حزب الله، إعداد الساحة الميدانية، تولى الموساد وضع أجهزة تشويش قادرة على إبطال عمل الرادارات المرافقة لموكب جمال الدمشقي، والمتخصصة بكشف المتفجرات عن بعد.

وحصل التفجير الهائل، في قلب العاصمة اللبنانية بيروت. ونجا جمال الدمشقي بأعجوبة، بإصابات طفيفة، فيما قضى عمّه، وفيق الصلح، نحبه.

شكّل الحادث صدمة. واستجر إدانات واسعة. وأغضب جهات إقليمية ودولية عديدة، في مقدمتهم الأتراك والخليجيين، والفرنسيين والألمان، وشريحة واسعة من النخبة الأمريكية.

خلال أسابيع، تمكن فريق تقصي للحقائق، مزوّد بأجهزة متطورة، من كشف أدلة جازمة تثبت تورط حزب الله، وعملاء للموساد الإسرائيلي. وقبيل رأس السنة، عام 2034، كادت مخابرات الجيش اللبناني تُلقي القبض على خلية الموساد الإسرائيلي، المتورطة في الحادث، والتي تمكنت من الفرار في اللحظة الأخيرة، عبر الشريط الحدودي، في جنوب لبنان. وثبت دور حزب الله في تيسير عملية هروبهم. وتم تصوير أعضاء الخلية في مواضع مختلفة قبل فرارهم. وزادت القناعة بتورط إسرائيل وحزب الله، سوياً، في محاولة الاغتيال.

وفي مطلع العام 2034، حصلت صدمة مدوية في الولايات المتحدة الأمريكية. إذ فرّ ثلاثة عملاء للمخابرات الأمريكية، سي آي إي، إلى استانبول، ومن هناك عرضوا في مؤتمر صحفي وثائق تثبت بشكل دامغ أن إسرائيل أعلمت قيادة المخابرات الأمريكية بنيتها اغتيال جمال الدمشقي، في عملية تم ترتيبها مع الإيرانيين، باستخدام خلايا لحزب الله، في بيروت. وأن قيادة المخابرات الأمريكية حاولت الضغط على الإسرائيليين، كي لا يقوموا بهذا الفعل، لكنها لم تُعلم قيادتها السياسية في البيت الأبيض، بالأمر.

شكّل ذلك الحدث، هزة كبرى للمجتمع السياسي والمؤسساتي في الولايات المتحدة الأمريكية. واستقال مدير المخابرات المركزية الأمريكية، ومن ثم أحيل إلى التحقيق، واعترف على الملأ بصحة تلك الوثائق المُسربة. ورغم أن جهات أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية كشفت عن أن مؤسسة "الدمشقي" القابضة، دفعت مبالغ طائلة للعملاء المنشقين عن جهاز المخابرات الأمريكية، لقاء الكشف عن تلك الوثائق، إلا أن ذلك لم يحرف النظر عن كارثية ما قامت به المخابرات الأمريكية، حينما أخفت معلومة بهذه الخطورة عن القيادة السياسية المُنتخبة في البيت الأبيض.

وقررت روسيا، التي باتت على صلة شراكة معمقة مع جمال الدمشقي، في ذلك التاريخ، استغلال الموقف لإحراج خصمها الأمريكي التاريخي، وإحراج الغرب عموماً، وطرحت مشروع قرار في مجلس الأمن، يقترح فرض عقوبات على إيران، ووضع حزب الله على لائحة الإرهاب. لكن المشروع تجاهل الدور الإسرائيلي تماماً.

وتم التصويت على القرار بالإجماع. وعاد زمن العقوبات الدولية على إيران، فيما بات حزب الله منظمة إرهابية، حسب قاموس الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

لكن جمال الدمشقي لم يقبل تمرير العقاب على إيران وحزب الله، وتحييده عن إسرائيل. وعبر اتصالات سرّية، أعلم أصدقائه من النخب الغربية، أنه بصدد رفع الرقابة عن الحدود مع إسرائيل، في سوريا، وفتحها للجهاديين، ودعوة كل الراغبين لقتال إسرائيل، إلى القدوم لسوريا، وافتتاح أول جبهة ضد هذا الكيان، منذ عقود.

كما ألمح جمال إلى أنه قد يصبح في حلٍ من كل الاتفاقيات الاقتصادية التي يُعتبر طرفاً فيها، في مقدمتها، اتفاقيات استثمار الوقود الحيوي المرفق برقاقات الطاقة الشمسية، مع الولايات المتحدة الأمريكية، تحديداً.

ورصدت إسرائيل، وأجهزة استخباراتية غربية، نشاطات ميدانية، ومالية، تُدلل على أن جمال الدمشقي قد يكون جاداً في تهديداته.

وتفاقمت حملات الإدانة في أو*ساط الإعلام الغربي، لما فعلته إسرائيل، ولم تعد الأخيرة تلقى تعاطفاً من أي طرف.

وفي ظل تلك الأجواء، تدخل البريطانيون، وأقنعوا جمال الدمشقي، والإسرائيليين، بالجلوس على طاولة حوار، وتطبيع الأوضاع بينهم. قال البريطانيون لـ جمال يومها، "تعلم أن الإدانة غير كافية مع إسرائيل، وأن إطلاق الجهاديين من القمقم مرة أخرى، سيضر بإسرائيل، مثلما سيضر بك، وسيقضي على مشروعك لإعادة إعمار سوريا، وسيحولك من أيقونة سورية، يرغب الغرب في التعاون معها، إلى إرهابي مُطارد، يعيد تكرار سيرة أسامة بن لادن، لا أكثر".

كان جمال يعلم أن البريطانيين محقون، فاستياء العالم اليوم من إسرائيل، سينقلب إلى استياء منه، حالما يرفع راية الجهاد ضدها، ويهدد وجودها. وبالفعل، قد يتحول إلى نسخة من بن لادن، في نهاية المطاف. مُطارد، إرهابي في قاموس الغرب، وعبثي في استراتيجياته التي لن تجر إلا الويل والثبور لأمته.

وبعد بضعة أشهر من حادث الاغتيال، زالت الغشاوة عن عيني جمال، وأعلم البريطانيين باستعداده للحوار مع إسرائيل، بوساطة منهم، لكن بشكل سرّي.

وعُقدت مفاوضات سرّية في مزرعة لأحد الأثرياء البريطانيين، من أصدقاء جمال، وممن تربطهم صلات صداقة وطيدة بالإسرائيليين. كانت المزرعة تلك في ويلز. وبدأت المفاوضات السرّية على مستوى مندوبين عن الأطراف، تحولت في نهاية المطاف، إلى لقاء ضم جمال الدمشقي وأبرز معاونيه من جهة، ووزير الدفاع الإسرائيلي ومدير الموساد وأبرز الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة إلى جوارهما، من جهة أخرى.

لم يقبل جمال أن يتحول اللقاء إلى تطبيع سياسي. وأصرّ على أنه إعادة إحياء لوقف إطلاق النار. وطرح ثُلة من الشروط، من أبرزها، إطلاق مفاوضات سورية – إسرائيلية، لاستعادة الجولان، تتعهد إسرائيل في بدايتها، بقبول مناقشة إعادة كامل الهضبة للسوريين. ومناقشة وضع المسجد الأقصى تحت رعاية دولية، بوصفه موقعاً للتراث العالمي، لا يجوز إجراء أي تغييرات فيه، أو عليه. وتعهد إسرائيل وسوريا، على نفس المستوى وبنفس الدرجة، بعدم الاعتداء المتبادل. وتعهد الإسرائيليين بعدم تنفيذ أي عملية تهجير قسرية للفلسطينيين من الأراضي الفلسطيينة المحتلة سواء كانت الضفة والقطاع، أو فلسطين 48. وتعهد إسرائيل باستعدادها التخلي عن مزارع شبعا وكفرشوبا، للبنانيين. وقبول النفوذ السوري في لبنان، كأمر واقع، وعدم التدخل فيه، مع تعهد جمال بالعمل على ضمان أمن الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وعدم القيام بأي نشاط من شأنه تهديد الأمن الإسرائيلي انطلاقاً من تلك الحدود.

وبعد ثلاثة لقاءات، شديدة المراس، كادت المفاوضات أن تنهار، إذ رفض الإسرائيليون معظم طلبات جمال، باستثناء وقف إطلاق النار المتبادل في سوريا ولبنان، وقبول الوجود السوري في لبنان كأمر واقع وعدم التدخل في الشؤون السورية واللبنانية.

وتدخل الأمريكيون عبر فريق مندوبين من الخارجية والمخابرات، يحمل تفويضاً واسع الصلاحيات من الرئيس الأمريكي، عرض على جمال إقرار الأمريكيين بلبنان وسوريا، له، مقابل ضمان أمن الحدود المتبادل على الجبهتين السورية واللبنانية.

فوافق جمال بشروط، أبرزها، عدم قيام إسرائيل بأي اعتداء، مهما كان محدوداً، وإلا فإن الاتفاق سيكون لاغياً. كذلك، أن تتعهد واشنطن بعدم قيام إسرائيل بأي عمل من شأنه تهديد المسجد الأقصى، أو تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة، وإلا فإن الاتفاق سيكون لاغياً.

مقابل ذلك، يتعهد جمال بعدم خرق اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهتين السورية واللبنانية، مطلقاً.

وبعد ثلاث جولات جديدة من المفاوضات، وافق الإسرائيليون على القبول بشروط جمال، برعاية أمريكية – بريطانية، نالت لاحقاً مباركة فرنسية وألمانية. وتم عقد الاتفاق السرّي، الذي سرعان ما تسربت بنوده إلى وسائل الإعلام الغربية، قبل أن يظهر جمال على شاشات وسيلة إعلام دمشقية مملوكة له، ويصارح السوريين بتفاصيل ما حصل في ويلز البريطانية.

لم يُبدِ كثير من السوريين اعتراضهم. لم يكن غالبية السوريين يحبذون فتح جبهة قتال في الجولان. كانت غالبيتهم العظمى سعيدة بعودة الاستقرار إلى بلادهم، وانطلاق عجلة إعادة الإعمار.

أما في لبنان، فقد أثارت المعطيات المُسربة غضباً في بعض الأوساط، وسعادة بالغة في أوساط أخرى. لكن ما حدث لاحقاً حسم الموقف لصالح جمال. فإسرائيل عرضت عليه المساعدة في القضاء على حزب الله، عبر عمل عسكري. وكان الغرب يسارع في إجراءات الضغط على الحزب، بموجب قرار دولي اعتبر الحزب منظمة إرهابية. وبدأ الحديث عن عمل عسكري غربي يستهدف الحزب، بالتنسيق مع إسرائيل، وبموافقة ضمنية من جمال الدمشقي.

لم يكن الأخير يفكر جدياً في القضاء على حزب الله، بهذه الطريقة، إلا إن اضطر للأمر. وكان يعلم أن الإسرائيليين يراهنون على قتال سُني – شيعي في لبنان. وفتح جمال قناة تفاوض مع حزب الله، عبر وسطاء. ولاحقاً، التقى إيهاب الصلح ذاته، شخصيات من قيادة الحزب. كان حزب الله يُدرك أن الدائرة تضيق عليه، وكان يخشى من سيناريو الخوض في حرب، تكون فيها كل الأطراف عدوة له، دون أي عمق استراتيجي أو لوجستي يستند إليه، بعد أن أصبحت سوريا في قبضة الدمشقي. ستكون حرباً مدمرة، وسيتمكن الحزب من إيلام خصومه، خاصة من اللبنانيين، وقد يدمر لبنان. لكنه في نهاية المطاف سيُهزم، وستدفع حاضنته الشعبية المستاءة أصلاً من سياساته منذ أكثر من عقد، أثماناً فادحة.

قدّم جمال الدمشقي سلماً لقيادة الحزب كي تنزل من الشجرة التي علقت عليها. عرض عليهم حلّ الذراع العسكري للحزب، وإلحاق عناصره بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، وفق آلية تضمن عدم تكتلهم داخل المؤسسة، مع تسريح من لا يمكن الثقة به، من قيادات الذراع العسكري للحزب، ونزع السلاح من المقاتلين غير المحترفين المُلتحقين به.

وبعد لأيٍ، وحينما لاحظت قيادة الحزب أن إسرائيل تسارع الخطى لإطلاق عمل عسكري ضده، برعاية غربية مباشرة، قبل أن تنجح مفاوضات الحزب مع جمال الدمشقي.. وافقت قيادة حزب الله، بإيماءة إيرانية، على عرض جمال. وتم حلّ الذراع العسكري للحزب، وتسريح معظم مقاتليه، ونزع أسلحته، وتسليم مقاره، وإلحاق جزء من مقاتليه المحترفين بالمؤسسة العسكرية اللبنانية. وبقيت ميليشيا "لبنان الجديد"، السُنية، التي يقود إيهاب الصلح، تكتلها السياسي، ظاهراً على الأقل، هي الميليشيا الوحيدة المتبقية في لبنان، خارج الجيش.

وتم الإعداد على عجل لانتخابات نيابية جديدة. وأطلق تكتل الصلح حملة دعائية ضخمة، تضاعف زخمها بصورة هائلة، حينما أعلن جمال الدمشقي عن تكفله بدفع كامل الدين العام على لبنان، الذي بلغ حينها أكثر من 80 مليار دولار أمريكي، ومنح تكتل الصلح السياسي، إن فاز بالغالبية المناسبة لتشكيل حكومة، 80 مليار دولار أخرى، لإنعاش الاقتصاد اللبناني.

كان إعلان الدمشقي كفيل في أن تتغير مواقف الكثير من اللبنانيين، حتى من غير السُنة. بدأ كثير من اللبنانيين، خاصةً من الوسطين الشيعي والمسيحي، يفكرون بجدية في مقدار العبثية التي تسود استراتيجيات قادتهم، والتي تقود لبنان، من سيء إلى أسوأ.. وأن الحاجة باتت ملحة للركون إلى قيادة موحدة، خاصة إن كانت تلك القيادة قادرة على وضع الاقتصاد اللبناني على سكة التعافي والنمو، من جديد، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الركود.

واستطاع التكتل الذي يقوده إيهاب الصلح، من حصد غالبية كبرى في الأوساط السُنية. وإن كانت تلك النتيجة متوقعة، فإن المفاجأة كانت أن يحصد ذلك التكتل ما يفوق الـ 50% من أصوات الشيعة والمسيحيين والدروز. كان تحولاً تاريخياً، أن تصوت شرائح كبرى من اللبنانيين لتكتل سياسي لا يمثل طائفتهم.


وفي البرلمان اللبناني الجديد، عقد إيهاب الصلح تحالفاً مع تكتل المستقبل وحركة أمل وأبرز القوى المسيحية القائمة حينها. كان التحالف يقوم على أساس قيادته، باعتبار أن تكتله يشكل الأغلبية. وبذلك، تم تشكيل حكومة، حظيت بدعم أغلبية نيابية فاقت الـ 75% في البرلمان اللبناني، في واحدة من المفارقات غير المعتادة في التاريخ اللبناني.

وبعد تشكيل حكومة إيهاب الصلح، التي احتل فيها منصب رئيس الوزراء. حظيت الحكومة بتمويل تجاوز الـ 160 مليار دولار، من جانب جمال الدمشقي، أوفت بموجبها، 80 مليار دولار من ديونها، ليصبح لبنان، لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، بلا دين خارجي.

ولأن الغالبية النيابية كانت في صف إيهاب الصلح، أحكم الأخير سيطرته على المناصب الوزارية المهمة، ومنح المتحالفين معه وزارات هامشية، قبلوها على مضض، مضطرين للتحالف معه، كي لا يخرجوا تماماً من التركيبة الحكومية، ويخسروا كُليةً أية مكاسب مرتقبة من منحة جمال الضخمة للبلاد.

 وانطلقت حركة إحياء اقتصادية غير مسبوقة للبنان، جعلت الأخير ينبض سريعاً بالنجاحات، التي ذكّرت لبنانيين بالماضي التليد لهذا البلد، الذي كان قبل سبعينات القرن العشرين، يوصف بـ "سويسرا الشرق".

ولأن عملية إعادة الإعمار في سوريا، كانت جبّارة، استجلبت سيولة مالية هائلة، ونشاطات اقتصادية غير مسبوقة، نشط الاقتصاد اللبناني، على وقع نشاط جاره السوري، ونشطت المصارف اللبنانية التي لعبت دوراً فريداً في ترتيب النشاطات المالية المتعلقة بعملية إعادة إعمار سوريا. ونشط القطاع السياحي اللبناني سريعاً. وموّلت حكومة الصلح عمليات استصلاح زراعي ودعم حكومي للجنوب اللبناني، جعلت شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين، يتعالون على انتمائهم الطائفي.

وذبُل وهج حزب الله، الذي بقي تأثيره مقصوراً على حملات إعلامية هدفها تشويه سمعة حكومة الصلح، والنيل من أي هفوة من هفواتها. فيما انخرطت معظم القوى المسيحية في علاقات شراكة وطيدة مع قيادة الصلح، في رضوخ لافت لنفوذ جمال الدمشقي، الذي أفادوا منه اقتصادياً، فأثرى الكثير من الاقتصاديين والمصرفيين اللبنانيين، وبات الاقتصاد والمصلحة لغة التحالفات بدلاً من الطائفة.

كان إيهاب الصلح يرى حلمه يتحقق رويداً رويداً، ربما ليس بالطريقة التي كان يبغي بواسطتها، تحقيقه، إذ بقيت الدائرة الضيقة لإدارة لبنان، سُنية، وربما أضيق من ذلك، فهي كانت عائلية، في قبضة جمال الدمشقي وأنسبائه من آل الصلح. لكن رغم ذلك، فإن تلك النخبة التي تحمل طابعاً عائلياً طائفياً، نسجت شراكات نوعية مع مختلف مكونات النسيج اللبناني، ولعبت دوراً فريداً في توزيع المنافع بين تللك المكونات، بصورة جعلت كل اللبنانيين يستشعرون قيمة الاستقرار في ظل الحكم الجديد.

لذا دامت حكومة الصلح ست سنوات في استقرار فريد، في تاريخ لبنان القريب. وكانت المؤشرات كلها تُوحي بأن لبنان دخل حقبة "الدمشقي – الصلح"، بجدارة. وأن لا شيء قادر على التشويش على تلك الحقبة، بصورة نوعية، باستثناء أصوات منفردة تعزف سيمفونية أقرب إلى النشاز في وسط إجماع لبناني غير مسبوق، على أن يكون الدمشقي، راعي الشقيقين، سوريا ولبنان.

لذا، كان إيهاب الصلح يشعر، يوم استدعاه جمال لإبلاغه بالحرب المرتقبة مع إسرائيل، بوطأة مخاوف كبرى. إذ لاحت في مخيلته، هواجس انهيار حقبته الذهبية في لبنان، التي دشنها بدعم جمال الدمشقي، والتي ما كان لها أن تستمر، وتُثمر، كل تلك الفترة، لولا أنها حظيت بتوافق إقليمي – دولي، يقرّ بها، ويتفاعل معها.

***

وصل كنان، الابن البكر لـ جمال وإيمان. والتمت العائلة، بوجود الجدة، ناهد، والخال، إيهاب، وزوجته وأولاده، على مائدة عشاء، وسط أجواء من المرح، التي سادت أيضاً ملامح إيهاب وجمال، اللذين بديا، وكأنهما لم يُجريا نقاشاً حامياً، قبل قليل، حول قضية مصيرية للطرفين.

كانت إيمان أكثر الناس مرحاً، فقد ارتاح صدرها، بعد أن ضمت ابنها الأكبر إليها. ورغم عقلانيتها العالية، كانت غرائز الأم تقض مضجعها. فابنها الذي يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، سيكون بعيداً عنها في ظروف مواجهة عسكرية، لا يستطيع أحد الجزم بطبيعة خاتمتها. لذا، كانت ليلتها في أوج الارتياح، أن بات ابنها الأكبر في بيته، آمناً سالماً، من أي تهديدٍ قد يطاله، جراء سياسات والده.

وكان جمال أيضاً مرتاحاً لذلك. وكان مرحاً. وكان يشعر بهدوء نفسي كبير بعد أن غالب قبل أسبوعين مخاوفه من المواجهة مع إسرائيل. "لماذا الخوف ما دام كل شيء مدروس حتى أدق التفاصيل؟.. لا يجب أن نكون جبناء.. أدينا ما علينا، وأعددنا العدة الملائمة.. وسنتكل على الله".. هكذا كان جمال يحدث نفسه، وكان قد تجاوز حالة الرهبة التي حلت به، حينما كان يتلقى تهديدات الإسرائيليين، وكان يفكر في كيفية الرد المناسبة.

وبدأ الأولاد يتبادلون النكات، والمزحات، تشاركهم ناهد، التي عادةً ما تكون مايسترو تلك الوصلات من المرح العائلي. وحينما أخذ وسام، ذو الـ 11 ربيعاً، يسأل كنان عن مغامراته في أمريكا، مع الفتيات الأمريكية الفاتنات، والمتحررات، حسب وصفه.. انهالت تعليقات الأولاد والمراهقين، والتفت إياد إلى جدته، ليقول لها:

-    بالمناسبة، ألم تجدي تنورة أقصر من هذه؟.. نحن في دولة إسلامية.

كان يستهدف استفزازها، ليستجر ردودها المثيرة للمرح بالنسبة له، فبادرت ناهد للرد عليه:

-    يبدو أن والدك أحسن تربيتك.. فعلاً "فرخ البط عوام".

والتفتت نحو ابنتها، لتتابع: - طبعاً، والدتك "شوي وبتتحجب".

لم تعلّق إيمان، وردت بابتسامة هادئة. كانت إيمان، التي تربت ونضجت في أجواء متحررة، في بيروت، ما تزال تسود بيت أمها وعائلات أشقائها، حتى اليوم، قد أصبحت بعد عقدين من زواجها، بـ جمال، أقرب لعقليته.

ورغم أنه لم يفرض شيئاً عليها، إلا أن إيمان أصبحت أكثر حشمة في لباسها. وكانت قد ناقشت مع جمال، أكثر من مرة، فكرة ارتدائها للحجاب، وأجابها جمال في كل مرة، أن ذلك قرارها وحدها، وأنه لا يريدها أن تُقدم على ذلك لأسباب، لا تمت إلى قناعاتها الشخصية، بصلة.

كان جمال يخشى أن تستجيب إيمان لبعض الحملات الفيسبوكية التي كانت تُشن عليها، وعليه أيضاً، من جانب متشددين إسلاميين في سوريا، يتساءلون، كيف أن زوجة الحاكم الفعلي للبلاد، سافرة.

لكن، ولأن القانون المفروض بموجب الأغلبية النيابية حينها، كان قد فرض قيوداً على لباس النساء، تضمن الحشمة، لكنه لم يفرض الحجاب بصورة قسرية.. لم يكن هناك أي خرق قانوني في أزياء إيمان، التي كانت بعيدة جداً عن الأضواء، وعن الحياة العامة، إلا ما ندر.

ورغم أن الجميع كان يعلم أن لإيمان نفوذاً كبيراً، خاصة من خلال التأثير في آراء زوجها، إلا أنها لم تكن تظهر على مسرح الأحداث، بصورة مطلقة.

ولم يكن جمال يرى ضرورة في ارتداء إيمان للحجاب، إن لم يكن ذلك نابعاً عن قناعتها الشخصية به. فـ جمال وإيمان، خاضا منذ بداية علاقتهما، وحتى قبل الزواج، نقاشات حامية الوطيس، حول قضايا وجود الله، وصدقِية النص القرآني. وانتهت نقاشاتهما التي امتدت طوال سنوات، بشكل متقطع، إلى توافق بالقناعات، يعزز إيمانهما بالإسلام. وكان التزامهما الديني يتطور مع تقدم السنوات، ليصبح أكثر جدية مما سبق، دون أي إجراء قسري من جانب أي منهما، حيال الآخر.

وفيما التزم جمال مبكراً بالصلاة بصورة دائمة، ومستقرة، إلا ما ندر من تقصير. تأخرت إيمان في تحقيق ذلك الالتزام، لكن وتيرة التزامها تسارعت لاحقاً، حينما بدأ أولادها يكبرون، وبدأت تشعر بمسؤولية عالية، توجب عليها أن تكون القدوة الأفضل لهم.

وفي عام 2027، أديا معاً، جمال وإيمان، فريضة الحج. ومنذ ذلك الحين، التزمت إيمان بألبسة محتشمة جداً، رغم متابعتها الدائمة لآخر صيحات الموضة العالمية.

وحتى العام 2040، وحتى هذه الجلسة العائلية الدائرة الآن، كانت شخصية إيمان قد أصبحت أكثر التزاماً، بالصلاة، وبالحشمة في اللباس. لكنها لم تستطع، حتى اللحظة، تقبّل الحجاب، فهي ابنة بيئة يتغلغل التحرر في وجدانها و"لاوعيها"، بصورة يصعب الفكاك منه.

ولم يكن جمال مستاءاً من ذلك، فهو حينما اختار إيمان، كان يدرك من أي بيئة هي، وكانت خطوطه الحمراء، التي لا يمكن له القبول بسواها، هي التزام إيمان الأخلاقي بصورة ترسخ ثقته بها. إلى جانب قبولها بالجدل المنطقي حول مختلف القضايا، من بينها القضايا الإيمانية، والقبول بنتائج ذلك الجدل، والالتزام بها، بشكل طوعي.

عدم التعصب، لا للتدين، ولا لنقيضه، كان شرط جمال على إيمان. وليكن الحكم بينهما المنطق العقلي الصرف. وهو ما قبلته إيمان، والتزمت به، وتطورت علاقتهما بموجبه.

لذا حينما علّق إياد على هندام جدته، المتحرر في نظره، كان ردّ ناهد الموجّه إلى ابنتها، يُعبّر عن استياء ضمني لدى ناهد، بسبب تحول شخصية ابنتها، التي أصبحت أقرب للعقلية الدمشقية، المحافظة. وهو تحوّل تجلى في شخصيات الأولاد أيضاً، وعبّر عنه إياد بشكل جلّي. وكانت إيمان تدرك استياء أمها، وتتفهمه. لكنها لم تكن مستعدة لتغيير مسار حياتها الذي اشتقته مع زوجها، والذي باتت تؤمن بصوابيته، بصورة تفوق إيمانها السابق بصوابية نهج عائلتها التي ربّتها.

***

بعد تعليق إياد على هندام جدته، وردّها عليه، تبادل الجميع التعليقات، وقهقه جمال بانشراح بادٍ، والتفت إيهاب إليه ليقول: - يبدو أن إياد المرشح الأوفر حظاً لخلافة جمال باشا الدمشقي.

فقال جمال: - لا أعتقد ذلك.. إياد يفكر بالانتساب للمؤسسة العسكرية.

ووجّه نظراته إلى ولده، مع ابتسامة رضا بادية على مُحياه، وعقّب: - لديه ميول واضحة بهذا الاتجاه.

فانبرى وسام ساخراً: - عسكري أشقر، وبذقن حليقة.. لم أفهم وفق أي مدرسة عسكرية سينتظم في الجيش السوري.

قالت ناهد: - ما شاء الله.. وعي سياسي مبكر عند وسام.. لك إذا عمرك 11 سنة، وفهمان بهيك شغلات..

والتفتت إلى إيمان، وتابعت: - لك أولادك شكلهم مؤهلين تماماً لقيادة المسيرة، شكلك عبتجهزيهم بجدارة.

ضحكت إيمان، وعقّبت في محاولة منها لإرضاء غرور أمها وسكب الماء على رماد استيائها الملحوظ: - يبدو أنها جينات أمي، وزوجي.

فانفردت أسارير وجه ناهد، وأطلقت ضحتكها المميزة بصوتها الرنان.

كانت ليلة عائلية دافئة، تستجلب التفاؤل. لكن جمال سرعان ما اضطر للانسحاب منها، حينما أعلمه أحد مساعديه بأن الضيف الذي ينتظره، قد وصل.

***

كان ضيف جمال الدمشقي، المُنتظر، هو شخصية أمنية وعسكرية، عراقية، فريدة. تتحدر من عائلة بغدادية عريقة، هي آل الكيلاني. انخرط منذ شبابه المُبكر في مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق. وكانت له صولات وجولات عديدة في أوساط جهادية وعشائرية وسياسية، في وسط العراق. ولاحقاً، في سوريا.

صافحه بحرارة. وبعد أن جلسا، طلب جمال من الخدم جلب القهوة المُرّة، التي يعشقها الضيف الفريد. ومن ثم، حدّق فيه بانشراحٍ بادٍ، وقال: - لولا ورعك، لقلت أنك صدام حسين جديد.

قهقه فايز الكيلاني. لم يكن هذا التوصيف الذي كرره جمال أكثر من مرة على مسامعه، يزعجه، فهو يُقدّر صدام حسين، ويعتقد أن الرجل المثير للجدل، كان شخصية فريدة، ظلمها التاريخ. وذلك لم يكن رأي جمال، في بعض النواحي، فـ جمال كان ينفُر من القسوة المبالغ بها، ومن استسهال القتل والتعذيب، بذريعة فرض الاستقرار.

لكن تشبيه جمال لـ فايز الكيلاني بـ صدام حسين، لم يكن يرتبط بتشابهٍ في بعض نواحي الشخصية، فقط، بل كان يتعلق بشبهٍ كبيرٍ جداً على صعيد الهيئة. فـ فايز الكيلاني يشبه صدام حسين، شكلاً، بصورة كبيرة جداً. إلى جانب الشبه الكبير بينهما، في بعض الصفات والسلوكيات.

إلا أن الأمر الوحيد الذي يُميز فايز الكيلاني، بشكل حاد، عن صدام حسين، هو خشية الأول الشديدة، من التورط فيما يغضب الله. كان توصيف جمال له، بـ "الورِع"، في مكانه. فذلك الوَرَع حدّ بصورة كبيرة من ميله للقسوة، وأساليبه الحدّية الحازمة في حل المشكلات.

***

بعد سلسلة من المجاملات، والتساؤلات المعتادة عن الأحوال، واستفسار جمال عن آخر التطورات على صعيد إدارة وسط العراق، بدأ جمال يخوض في لبّ الموضوع، الذي من أجله، استدعى فايز الكيلاني إلى دمشق، بشكل عاجل.

قال له: - يبدو أننا على أهبة مواجهة عسكرية مُرتقبة مع الإسرائيليين.

برقت عينا فايز السوداوتين، وظهرت ابتسامة طفيفة على شفتيه. لكنه بقي صامتاً، ينتظر من جمال المزيد من الإفصاح.

-    لا أريد أن تتورطوا نهائياً بذلك. لا لبنان، ولا العراق، سيتورطان في تلك المواجهة. لكن أريدك أن تضع قواتك في حالة الاستعداد القصوى، خشية أي حركة غدر من إيران.

بعد وهلة صمت وتأمل، نطق فايز أخيراً، ليقول: - يمكن لنا أن نشكل سنداً عسكرياً نوعياً لكم في هذه المواجهة.

-    ستكون مواجهة موجزة ومحدودة. أنت تعلم رأيي في هذا الأمر. سبق أن تناقشنا كثيراً فيه. المواجهة الشاملة والنهائية مع إسرائيل، ما تزال مبكرة جداً. ما سيحدث مجرد ردّ عسكري قاسٍ، بغاية الردع المستقبلي، إلى أن نصبح جاهزين للحظة المُنتظرة.

صمت جمال برهلة، ثم عقّب: - المطلوب منكم فقط تأمين أنفسكم من أي خطوة إيرانية محتملة أثناء المواجهة مع إسرائيل، رغم أنني أستبعد ذلك تماماً.

-    نعم.. فهمت عليك. نحن جاهزون تماماً لذلك. بكل الأحوال، نحن في حالة حذر وتيقظ دائم حيال أي حركة غدر إيرانية، تأتي من الحدود معهم شرقاً، أو من الجنوب، من جانب أتباعهم. أنت تعلم، لا مأمن لهم.
-    نعم.. لكن أعتقد أنهم أذكى بكثير من أن يزامنوا أي تحرك لهم، مع مواجهة إسرائيلية معنا. إلى جانب أن اتفاق النسيج شكّل تثبيطاً كبيراً لقدرات المتطرفين منهم على التأثير في صنع القرار بطهران.. لكن، دون شك، يجب أن تكونوا متيقظين.. أمن بغداد، من أمن دمشق.
-    لا تخشى شيئاً.. الأمور ستكون على أفضل ما يرام، بإذن الله.

***

عام 2004، كان فايز الكيلاني في السابعة عشر من عمره فقط، حينما انخرط مع مجموعة مقاومة عراقية استهدفت الجنود الأمريكيين، في أطراف العاصمة بغداد.

ترك المدرسة، رغم تفوقه الدراسي الملحوظ، خاصة على صعيد اللغة. إذ كان يحفظ الشعر ويتقن إلقاءه، بصورة فريدة، وكان يتمتع بذاكرة حديدية. لكنه كان حينها شاباً ينبض حيوية، ويتمتع بقوة جسدية ملحوظة، يحرص على تنميتها عبر التدريبات الرياضية الشاقة. وكان صدام حسين، بالنسبة له، مثلاً أعلى، مأخذه الوحيد عليه، أن سمح للمال الفاسد أن يتغلغل في أوساط نخبته.

كان فايز، المتدين السُني، يشعر بأن الاحتلال الأمريكي يتوافق مع الهوى الإيراني – العراقي الشيعي، الذي يستهدف قصم ظهر سُنة العراق. ومع تفاقم حوادث استهداف الميليشيات الشيعية لسُنة بغداد، سيطر الفكر المتطرف على عقلية فايز، وتحوّلت قناعاته نحو أولوية طرد الاحتلال الأمريكي، ومقاتلة الميليشيات الشيعية، التي تستهدف تنفيذ أجندات إيرانية في العراق.

في البداية، انخرط مع مجموعات المقاومة العراقية التي استهدفت الاحتلال الأمريكي تحديداً. وتدريجياً، سيطر الخط الجهادي على بعض تلك المجموعات، وانجر فايز نحو هذا الخط، فانضم إلى تنظيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين". لكن توسع ذلك التنظيم في سفك الدماء، واستسهال استخدامه لفقه "التترس"، جعل فايز يدخل في مراجعات داخلية عديدة.

خلال انخراطه في نشاطاته القتالية مع المجموعة الجهادية المذكورة، حرص فايز على تثقيف نفسه دينياً. وبنى على ثقافته الواسعة التي امتلكها في المرحلة الثانوية، قبل تركه للدراسة، والتي كان خلالها يقرأ بنهم، كل ما يقع بين يديه من كتب في اللغة أو في الدين.

وتدريجياً، تفاقمت شكوك فايز في عبثية استراتيجية فرع القاعدة في العراق، الذي حمل لاحقاً اسم "دولة العراق الإسلامية". وعلى وقع تأجج الخلافات بين فصائل المقاومة العراقية، بين شقها القاعدي ممثلاً بـ "دولة العراق الإسلامية" من جهة، وبين شقها الآخر من الفصائل الإسلامية الأخرى، كالأخوان المسلمين، والعشائرية، كعشائر الأنبار، من جهة أخرى.. مال فايز للفريق الأخير، وانشق عن "دولة العراق الإسلامية"، والتحق بإحدى الفصائل الأخوانية المسلحة.

لكن بعد أن انخرط جزء كبير من تلك الفصائل في مشروع الصحوات، الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، انفك فايز عن الفصيل المُنتمي إليه، ورفض الانخراط في حرب ضد "دولة العراق الإسلامية"، بدلاً من استهداف الأمريكيين. وعاد مُتخفياً إلى بغداد، حيث أقنعه والده بمغادرة البلاد، إلى تركيا. واستطاع الأب تدبير طريق لتهريب ابنه إلى تركيا، حيث عمل هناك مع أحد معارف والده من المستثمرين العراقيين الذين هاجروا منذ مطلع التسعينات.

في تركيا، عمل فايز بجد، لكن وجدانه بقي متعلقاً بالعراق، وألم حاد يعتصر قلبه على ما آلت إليه مسيرة "الجهاد" في بلده، والتي انقلبت إلى حرب بين الفصائل المقاومة للاحتلال الأمريكي، قضت على مسيرة "الجهاد" تماماً، وأفنتها.

وحينما اندلعت الثورة في سوريا، وظهر تنظيم "جبهة النصرة" إلى الواجهة، كفرع للقاعدة هناك، سرعان ما التحق فايز به، تاركاً كل ما أنجزه من نجاحات مهنية في تركيا. عاد فايز إلى الساحة التي يعشقها، والتي كان يأمل أن يلقى حتفه فيها، يوماً ما. لكن ذلك لم يحدث. وتكررت سيرة "الجهاد" في العراق، مرة أخرى في سوريا، مع رتوش مختلفة قليلاً. الأمر الذي أدخل فايز في مخاضٍ نفسي أليم، هز قناعاته حتى بجذور الإيمان الذي يملأ قلبه. وبدأ يراجع مدى صدقية النص القرآني ذاته، بعد أن ران على قلبه الشك.

 بعيد سيطرة "داعش" على دمشق، ومعظم التراب السوري، كان فايز الكيلاني أحد المُلتحقين بثُلة من قادة المعارضة السورية، من الذين احتُجزوا في معسكر مخصص لهم أنشأته تركيا. وهناك، خاص فايز مراجعات ذاتية معمّقة، انخرط خلالها في نقاشات دقيقة، مع الشيخ أسامة عز الدين، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز منظري التيار السلفي، بعد مراجعات أجراها هو الآخر في ذات المعسكر، حيث اجتمعا.

كان فايز يعرف أسامة جيداً، فهما زملاء بندقية في صفوف "النُصرة"، ولاحقاً، "فتح الشام". ولأنه كان يعرفه جيداً، كان يثق بتقواه، إلى حدٍ كبير، فلجأ فايز إلى أسامة كي يُنجده من شكوكه المتفاقمة، التي طالت أسس الشريعة التي قاتل تحت رايتها أكثر من عقدٍ ونصف من الزمان، وإن بشكل متقطع.

وفي نقاشاتهما، التي احترف فيها فايز البحث المنهجي في النص القرآني، ومن ثم في الموروث الفقهي المتعلق به، أفضى الرجل إلى راحة نفسية كبيرة، واستقرار وجداني، يوافقه قناعة عقلية مُطلقة، بصدقِية النص القرآني، باعتباره، كلام الخالق.

لكن فايز، افترق عن أسامة في خلاصة خطيرة، خلص إليها الأول، بعد سنوات من البحث المنهجي، وهي أن الموروث الفقهي المتعلق بتفسير القرآن، والمُعتمد بشكل شبه كلي على الأحاديث النبوية والسيرة، يتطلب مراجعة شاملة.

بدأ فايز يشكك بصوابية الأحاديث النبوية، وخلص في نهاية المطاف، إلى اتباع منهج قريب من القرآنيين، إذ اعتمد القرآن كمصدر وحيد للتشريع، ورفض اعتماد روايات الأحاديث الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في أي شأن تشريعي، بصورة مطلقة. وهي خلاصة عجز الشيخ أسامة عز الدين، عن حرف فايز عنها. إذ لم يستطع أسامة، المتفقه العتيد حينها، إقناع فايز بأن مشكلات "الجهاد" وتجاربه الفاشلة العديدة، تتعلق بإشكاليات التطبيق، ونفاذ حبّ السلطة والأمارة إلى نفوس الكثير من المجاهدين.

كان فايز يعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فهو يتعلق بجانب واسع منه، بالبنية الفكرية التي يقوم عليها مصطلح "الجهاد" المعاصر. وهي بنية تتطلب مراجعة شاملة، لأن مصادرها المرتبطة بالحديث النبوي، لا تتمتع بالقطعية اللازمة في صدقيتها.

بكل الأحوال. لم يذهب فايز بعيداً في الترويج لقناعاته، وحصرها بذاته، وبمن يناقشه بصددها، لا أكثر. كان يخشى أن يتورط في ابتداع "بدعة"، يثبت ضلالها، فيحمل ذنب من يتبعها. لذا، انزوى فايز الكيلاني بعيداً عن عالم الجدل والنقاش في أوساط الجهاديين، الذي توسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في موجة مراجعات هي الأكبر في تاريخ السلفية الجهادية المعاصرة، حتى ذلك الوقت.

 كان فايز يشعر بتأنيب ضمير كبير، ويُحمّل نفسه، وأقرانه من الجهاديين، مسؤولية الفشل الذريع الذي حل في العراق وسوريا، وقبلهما، في أفغانستان.

لذا، وجد فايز سلواه في الابتعاد عن كل ما يتعلق بذلك الحيز المؤلم من حياته. لكن، حينما عرض جمال الدمشقي على الشيخ أسامة عز الدين قيادة المراجعات المتعلقة بالسلفية الجهادية، بصورة ممنهجة، مدعومة منه، بما يتيح ترجمتها على أرض الواقع، عبر دحر "داعش"، واستعادة سوريا منها.. وبعد أن تطور ذلك المشروع، وباتت له جوانب ميدانية وقتالية معقدة.. استدعى الشيخ أسامة، فايز الكيلاني، وقال له: "أختلف معك تماماً في قناعاتك الراهنة، لكنني أثق بتقواك وورعك، لذا أريدك معنا في مشروع لإعادة الضياء للجهاد، من جديد".

في البداية، رفض فايز بشدة، وقال للشيخ أسامة: "ألم تكتفوا.. لقد حولتم دولاً إلى رماد، في العراق وسوريا، وبدلاً من أن تنصروا المظلومين فيها، نكلتم بهم، ومهدتم الطريق لتدمير ما تبقى من عالمهم المتهاوي".

كانت ردة فعله عنيفة في البداية. لكن محاولات الشيخ أسامة لم تتوقف. كان فايز الكيلاني قد اكتسب خلال أكثر من عقدٍ ونصف، من تجاربه القتالية مع القاعدة، في سوريا والعراق، خبرات ميدانية وتنظيمية عالية، كان مشهوداً لها لدى مختلف الفاعلين في تلك الأوساط. فإلى جانب، استبساله القتالي، كان فايز يملك عقلية عسكرية وتنظيمية ميدانية، فذّة، بدت للجميع، وكأنها فطرية. موهبة إلهية خُصصت له. فكان مسؤولاً عن عدد كبير من نجاحات الجهاديين، خاصة في مرحلة انخراطه معهم، في سوريا.

عاد الشيخ أسامة للتواصل مع فايز، وأوضح له أن مشروعه هذه المرة، مختلف عن كل مرة، فهو سيقوم على شراكة مع شخصية أقرب للعلمانية، حسب وصف الشيخ أسامة، وفهمه، لشخصية جمال الدمشقي.

قال له الشيخ أسامة: "لن ندّعي هذه المرة، امتلاك الحق المطلق، ولن نسعى لإنشاء خلافة أو إمارة إسلامية، قروسطية، تجلب العداء الدولي والبلاء على المسلمين. بل سنشارك في مشروع لشخصية حضارية، يغلب عليها الطابع العلماني، فسنكون القاعدة التحتية له، وهو الواجهة لنا، أمام العالم، فنحقق حلم السابقين منا، بدولة إسلامية، لكن بغطاء حضاري، يتم تقبلها على المستوى الدولي، وفي نفس الوقت، يمكن لنا عبر غطاء هذه الدولة، تأسيس قوة، وإعداد عُدة مناسبة لحرب حاسمة، ونهائية، مع الكيان الصهيوني، والغرب الداعم له".

كان ذلك تصور الشيخ أسامة لجانبه من التحالف مع جمال الدمشقي، حينها. وقد تقبّل فايز ذلك التصور سريعاً، ليس لقناعةٍ بالتصور ذاته، بل لقناعة بشخصية القائد له، وهو جمال الدمشقي، الذي كان يحظى بإعجاب كبير لدى فايز. فهو ليس ثرياً، محنكاً في عالم الأعمال فقط. بل هو أكثر من ذلك. هو مشروع قائد عروبي فذّ، حسب قراءة فايز حينها.

وانخرط فايز في مشروع جمال. وقابله لأول مرة عام 2028. توافق الرجلان، وكلفه جمال بقيادة الجانب الميداني التنظيمي لعملية اختراق "داعش"، وصولاً إلى قلب الكفة على قيادته، واستعادة سوريا، على أقل تقدير.

وفي معركة تحرير دمشق، كان فايز الكيلاني في طليعة المقاتلين الذين اقتحموا المدينة. يومها كان الأمل يملؤه من جديد، بعد عقدٍ من القنوط. وكانت عيناه على بغداد، التي لم ينتظر طويلاً كي يطأ أرضها من جديد، مُحرّراً هذه المرّة، لا مقاوماً متخفياً.

***

بعيد اتفاق ويلز الشهير، ونجاح جمال الدمشقي في تجنب مواجهة مع حزب الله، كان الغرب والإسرائيليون يحرّضون عليها بشدة.. وبعد أن بسط سيطرته شبه المطلقة، على لبنان، عبر التكتل السياسي الذي يقوده شقيق زوجته، إيهاب الصلح. طلب الأمريكيون، وأطراف أوروبية أيضاً، من جمال، أن يتحرك للقضاء على فلول "داعش"، في الأردن والعراق.

بعد اندحار الدواعش من سوريا، بقيت سيطرتهم قائمة في شمال الأردن، وفي وسط العراق. وكان مقاتلو جيش جمال قد توقفوا عن ملاحقة مقاتلي "داعش"، عند حدود سوريا المعروفة، وفق اتفاق سايكس بيكو، الشهير.

وافق جمال من حيث المبدأ، لكنه طلب المقابل. وبدأت سلسلة مفاوضات سرّية حول ثمن مشاركة جمال في دحر الدواعش من شمال الأردن تحديداً. وكُللت تلك المفاوضات باتفاق سرّي قضى بموافقة الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين، على تسليح الجيش السوري الوليد، الذي هو بالأساس، جيش جمال من المقاتلين الذين جمعهم ودربهم ونظمهم في لبنان.

التسليح كان يشمل الأسلحة الثقيلة تحديداً. الدبابات والمركبات والسفن العسكرية، والطائرات المتطورة، وفق عقود شراء ميسّرة. ورغم اعتراضات إسرائيل على ذلك القرار الغربي، إلا أن النخب الغربية لم تتوان عن تنفيذه. ذلك أنها كانت على قناعة مطلقة بأن جمال لا يستطيع الاستفادة من تلك المقدرات العسكرية كثيراً، في مواجهة مع إسرائيل. ذلك أن الأخيرة تمتلك أجيالاً أحدث من الأسلحة التي حصل عليها جمال. أجيالاً لم تُتح في أسواق المتاجرة بالسلاح، قبل ذلك.

كانت نخبة الغرب سعيدة جداً باتفاقها مع جمال، فهو أفاد شركات السلاح لديها، وفي نفس الوقت، لم تكن تستشعر أي خطرٍ جراءه. لم يكن الغرب يعلم أن جمال امتلك مخطوطات بخصوص تركيب وعمل تلك الآليات، وآليات أخرى أكثر تطوراً منها، اشتراها بمبالغ طائلة، عبر اختراقاته المتعددة لأجهزة مخابرات وشركات تسليح غربية. ولم تكن تلك النخب مقتنعة بما كان الإسرائيليون يؤكدونه، مراراً، بأن جمال يدير مشروع تصنيع عسكري متقدم للغاية، وأن نسخ السلاح المقدمة له، ستخدم مشروعه ذاك، بصورة غير مسبوقة.

ولأن نخب الغرب كانت مطمئنة، وافقت على طلب جمال بابتعاث مقاتلين من جيشه، للتدرب على أحدث أنواع الأسلحة في دول غربية، بينها الولايات المتحدة الأمريكية. رأت نخب الغرب في ذلك، خطوة مناسبة لاختراق المؤسسة العسكرية التي أنشأها جمال، عبر تجنيد، أو استمالة، قيادات عسكرية فيها، من المتدربين لديهم. لم يكن الغرب يعلم أن هناك جهازاً أمنياً محترفاً، يتابع حتى تنفسات تلك القيادات، في الغرب، عبر أجهزة اتصالات متطورة، متفوقة على تلك المتواجدة لدى الغرب حينها.

وبذلك، حقق جمال نقلة نوعية في مشروعه التسليحي، بشقيه، البحثي والتصنيعي، وكذلك، في شقه التدريبي، عبر إيفاد مقاتلين وقيادات، يثق بهم، ومراقبين بدقة، للتدرب في المنشآت العسكرية الغربية. وكانت إسرائيل على حق في تخوفاتها.

ونفّذ جمال، الشق الخاص به من الاتفاق. وعبر تنسيق عالي المستوى، مع الجيش الأردني، وبغطاء جوي أمريكي، شارك فيه البريطانيون، تمكن مقاتلو جيش جمال من دحر "داعش" في أقل من ثلاثة أشهر، من شمال الأردن، وتركوا لمقاتلي التنظيم ممراً برياً عبر الصحراء، إلى العراق. وبدأ الغرب يفاوض جمال للإجهاز على ما تبقى من "داعش"، في وسط العراق، هذه المرة.

كانت خشية ورغبة، تحث النخب الغربية على إقناع جمال بخوض غمار المعركة الأخيرة مع "داعش"، في العراق. أما الخشية، فكانت من أن "داعش"، الذي خسر معظم أراضيه، وانتكس ليُحشر في وسط العراق فقط، قد يعاود استراتيجيته القديمة، القائمة على استهداف العمق الغربي، بعمليات إرهابية، كوسيلة لتعويض حالة الانتكاس التي وصل إليها. لذلك كان الغرب يريد القضاء على "داعش"، سريعاً، وبشكل نهائي.

أما الرغبة، فكانت أن يخوض جمال حرب استنزاف قاسية في وسط العراق، حيث سيكون "داعش"، أكثر شراسة من أي مرة سابقة، لأنه لم يعد لديه مهرب آخر، وهزيمته أمام مقاتلي جمال هذه المرة، ستعني الفناء. وفي حال فوز جمال في معركة القضاء على "داعش"، كان الغرب يراهن على أن يخوض الرجل حرب استنزاف مع الإيرانيين، هذه المرة، الذين لن يقبلوا بسيطرة رجل قوي على مناطق متاخمة لأراضيهم.

كانت تلك الرغبة تدعمها إسرائيل، التي كانت تترقب اللحظة التي سيتم فيها استنزاف جمال. كانت تتوق كي ترى مشروع الرجل، الذي تعده خطيراً، يتهاوى على وقع مغامرات واندفاعات، خاطئة، حسب تقدير الإسرائيليين.

وكان جمال يدرك ما يفكر به الغرب والإسرائيليون جيداً، لكنه كان يراهن على اختراقه عالي المستوى لـ "داعش"، الذي لم يكن الغرب يفهم سرّه بعد. إذ لم يكونوا يعلمون شيئاً عن القدرات العلمية النوعية التي يملكها جمال على صعيد الاتصالات والأقمار الصناعية الصغيرة التي تبث له معطيات ميدانية، وتتجسس لصالحه على تحركات واتصالات كل الأشخاص والقيادات الذين يستهدفهم، في أوساط نخبة "داعش".

وكان جمال أيضاً يراهن على أمرٍ آخر، وهو بضعة آلاف من المقاتلين العراقيين الأشداء، الذين كان فايز الكيلاني، في ذلك الحين، يستكمل المراحل الأخيرة من تدريبهم وإعدادهم لمعركة السيطرة على وسط العراق.

واشترط جمال على الغرب الإقرار له بوسط العراق، الذي سينتزعه من "داعش". وأن يدعمه جوياً في أي مواجهة مع الإيرانيين. فوافق الغرب، مقرّاً بالأولى، ومبطناً نية الغدر في الثانية.

***

في مطلع صيف العام 2035، كان مئات آلاف العراقيين الفارين من وسط العراق، يعيشون في مناطق من شمال سوريا، وشرقها. عشرات الآلاف منهم، مقاتلون وقيادات في صفوف "داعش"، انشقوا عن الأخير، بعد انتكاساته في سوريا والأردن. كانت تلك المجموعة البشرية هي الأساس الذي سيبني عليه، فايز الكيلاني، بتمويل ودعم وتوجيه جمال الدمشقي، قوة عسكرية عراقية محترفة، تتولى عملية تحرير وسط العراق من ربقة تنظيم "داعش".

وبحسّه الأمني العالي، كان فايز الكيلاني يُدرك أن مئات من أولئك المنشقين عن "داعش"، هم بالحقيقة عملاء لقيادة التنظيم، ابتعثهم الأخير بغاية اختراق جيش جمال العراقي، المُزمع إنشاؤه، وإجهاض تجربته، في اللحظة المناسبة.

وحالما أعلن فايز الكيلاني، بدعم من جمال، فتح باب التطوع لأي عراقي يريد الالتحاق بالقوة العسكرية المزمع إنشاؤها، انتسب إليها الآلاف. وبدأ فايز الكيلاني عملية "غربلة" للتخلص من عملاء "داعش" المُحتملين.

بدايةً، أعلن فايز لجميع المنتسبين أن كل من تثبت صلاته بقيادة "داعش"، وعمالته له، سيكون مصيره الإعدام. ومن ثم، أعلن فتحه الحدود مع العراق أمام أي منتسب يريد التراجع والعودة إلى أحضان "داعش"، قبل أن تبدأ عملية التحقيق في خلفيات كل منتسب وفي غاياته وصلاته.

لم ينسحب أحد إلى العراق. كان من بين المنتسبين للتنظيم العسكري الذي أنشأه فايز، مئات من قادة "داعش" الميدانيين، الذين أكدوا بأن صبرهم قد نفذ من عبثية القيادة العليا لـ "داعش"، وأن قناعتهم بإخلاص تلك القيادة قد تحولت إلى النقيض، وأنهم وصلوا إلى قناعة بأن قيادة "داعش"، مجرد رجال متحجري القلب، يرومون الجاه والحكم، ويتذرعون بستار الدين، وأن التخلص منهم، واجب كل من يريد تبرئة الإسلام من أخطر تهمة أُلصقت به في التاريخ المعاصر.

لكن فايز الكيلاني لم يكن يبني مواقفه على إدعاءات أحد. تظاهر بالاقتناع، وفي الخفاء، عمل جهاز أمني محترف على دسّ أجهزة تنصت في أوساط القيادات المشكوك بها. وبعد ثلاثة أشهر فقط، أعلن فايز الكيلاني مرة أخرى عن فتح الباب أمام من يريد العودة إلى حضن "داعش"، مؤكداً هذه المرة، أن لديه قائمة بأسماء مئات الأشخاص المرتبطين بقيادة التنظيم سرّاً، والذين يعملون لصالحه، بغاية اختراق الجيش العراقي الجديد.

وتعهد فايز بالأمن والأمان لكل من يكشف عن غايته الحقيقية، وبأنه سيتيح له مغادرة سوريا إلى العراق، وقال لهم واضعاً يده على شاربيه: "لكم مني وعد بشرفي". فتردد عشرات، وكشفوا عن تورطهم في نشاطات "داعش" الهادفة لاختراق الفرقة العسكرية المزمع تأسيسها، بالفعل. وأتاح لهم فايز، بالفعل، أيضاً، مغادرة سوريا، عائدين إلى العراق. ودعا من جديد، من ما يزال يظن أنه في مأمن، وأنه لم يُكشف، من العملاء للتنظيم، بأن تلك هي فرصته الأخيرة، لمغادرة سوريا. وهذه المرة، خرج بضعة أشخاص فقط. وبعد أن غادروا. ألقى الجهاز الأمني الخاص بالفرقة العسكرية، القبض على عشرات القيادات والمقاتلين، ودامت المحاكمات العلنية عدة أيام، أُذيعت خلالها تسجيلات، وكُشفت وثائق، تثبت عمالتهم للتنظيم، وأُعدموا، في نهاية المطاف، ميدانياً، على مرأى من آلاف المنتسبين للفرقة العسكرية.

وبعيد ذلك، فتح فايز الباب، للمرة الأخيرة، أمام من يريد المغادرة، مؤكداً أن كل من يثبت تعامله مع تنظيم "داعش"، مستقبلاً، سيتم إعدامه بنفس الطريقة. وغادر بضع عشرات آخرين.

وبعد تلك الخضة الأمنية الشديدة، اطمئن فايز إلى أن ثلة المقاتلين الذين بين يديه، ليسوا عملاء لـ "داعش"، وأنه يستطيع الآن بدء العمل الحقيقي، في تدريبهم وتنظيمهم، استعداداً للحظة الموعودة. لكن عمليات المراقبة والتنصت لم تتوقف، في حق كل من تواردت الشكوك فيه، في أوساط الجهاز الأمني. ولاحقاً، أسس فايز، من مقاتلين يتمتعون بخبرات أمنية سابقة، جهازاً أمنياً آخر، سرياً، كانت مهمته التنصت ومراقبة الجهاز الأمني الأول، العلني.

وخلال سنة من تدريب 20 ألف مقاتل عراقي، معظمهم من المنشقين عن "داعش"، كُشف عن العشرات من العملاء للتنظيم، وأُعدموا في محاكمات ميدانية، على مرأى من باقي المقاتلين. وأحكم فايز الكيلاني قبضته الأمنية على مؤسسته العسكرية، التي أصبحت مطلع صيف العام 2036، جاهزة للقيام بمهمتها المنتظرة.

وكانت المفاجأة كبيرة، إذ سرعان ما اندحر التنظيم أمام مقاتلي الجيش العراقي الذي أسسه فايز الكيلاني. واجتاح ذلك الجيش، سريعاً، معظم مساحات، الأنبار ونينوى، واقترب من بغداد. وانحصر من لم يفرّ أو ينشق من مقاتلي التنظيم، في بقع جغرافية معزولة، خاض الجيش العراقي المتقدم، ضدها، حروباً شرسة، أفنت أبرز قيادات التنظيم، وأشرس مقاتليه. وسلّمت قيادات أخرى، نفسها للجيش المتقدم. وحالما شعرت قيادة التنظيم في بغداد أنها في طريقها للاندحار الكامل، تواصلت سريعاً مع الإيرانيين، وعرضت عليهم تسليمهم بغداد، مقابل تأمين ملجأ آمن لتلك القيادة. ووافق الإيرانيون على تلك الصفقة، على أن يتولى تنفيذها مقاتلو الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، والذين كانوا يومها يحتشدون شمال النجف وكربلاء، باستعداد إعلان ساعة الصفر، للتقدم صوب بغداد.

لكن الخطة كانت مكشوفة بشكل مبكر من جانب استخبارات الجيش العراقي الذي يقوده فايز الكيلاني. وتقدمت فرق من ذلك الجيش، لتطويق بغداد من الجنوب، وقطع طريق الدخول على تلك الميليشيات. كما تقدمت فرق أخرى لتطويق بغداد من الشمال ومن الشرق، وتركت منفذاً صغيراً لما بقي من قيادات داعش للفرار باتجاه إيران، كي لا يقاوموا داخل المدينة، بشراسة أكبر.

وبالفعل، دخل فايز الكيلاني منتصراً مؤزراً بفرحة أهالي المدينة، ووطأت أقدامه مسقط رأسه، بعد أن أكثر من  ثلاثة عقود من الفراق. وفيما كان الكيلاني يجوب شوارع بغداد، وقواته تمشط أحيائها بحثاً عن خلايا متبقية لـ "داعش"، كانت قوات من الحرس الثوري الإيراني تجتاز الحدود وتتقدم نحو العاصمة العراقية، من الشرق.

طلب جمال الدمشقي، مؤازرة الطيران الأمريكي، الذي تدخل بالفعل، ووجه ضربات للمقاتلين الإيرانيين المتقدمين، لكنها كانت ضربات محدودة، وغير نوعية، أوضحت بجلاء أن الأمريكيين سعداء بتلك المواجهة المنتظرة بين الإيرانيين ومقاتلي جمال. وكان جمال يتوقع ذلك، وكان فايز الكيلاني على استعداد لتلك المواجهة الشرسة.

وبالفعل، خاض مقاتلو الجيش العراقي، بقيادة فايز الكيلاني، حرباً شعواء، مع المقاتلين الإيرانيين، الذين كانوا، بالفعل، أشداء، واستبسلوا في القتال، لكن قدرة جيش الكيلاني على اختراق اتصالاتهم، والتشويش عليها، بل، واستخدام موجاتها لإيقاع بعض المقاتلين الإيرانيين، ببعضهم الآخر، وجرّ بعضهم إلى كمائن معدة مسبقاً.. أدت في نهاية المطاف إلى مقتلة كبرى لطليعة القوات الإيرانية التي دخلت الأراضي العراقية.

ودامت المواجهات الدامية مع الإيرانيين حتى مطلع صيف العام 2037. وكانت الأشد. كانت أكبر التحديات التي واجهت جمال. ذلك أن الجهد وعدد المقاتلين الذين بُذلوا في استعادة كامل سوريا، وكذلك، شمال الأردن، ووسط العراق، من "داعش"، كان لا يتجاوز عُشر ما بُذل من جهود ومقاتلين، سقطوا على تراب العراق، دفاعاً عنه ضد الغزوة الإيرانية الشرسة.

لكن، كانت الكفة تميل بشكل واضح لصالح مقاتلي الجيش العراقي، بقيادة فايز الكيلاني، والذي دُعّم بآلاف المقاتلين السوريين، الذين أرسلهم جمال، وبتمويلٍ بالذخيرة والسلاح والمعدات المطلوبة، لم يهدأ، عبر العمق اللوجستي في سوريا.

وقبيل خريف العام 2037، انهارت معظم الجبهات الإيرانية، المقابلة لوسط العراق، واجتاح المقاتلون العراقيون، وأقرانهم السوريون، الأراضي الإيرانية، وسيطروا على شريط حدودي داخل الأراضي الإيرانية، بعمق يتجاوز الـ 200 كلم، وبطول يتجاوز الـ 300 كلم. كان الإيرانيون يندحرون بصورة متسارعة. انهارت معنوياتهم. وتعرضت طائراتهم للتشويش من رادارات خاصة ألحقها جمال بقوات الجيش العراقي، بصورة جعلت جدواها صفراً. وخاض العراقيون حرب شوارع في مدن وبلدات حدودية إيرانية. وفي مطلع تشرين الأول، بدأت المؤشرات كلها تدلل على أن الجيش الإيراني، والميليشيات النظامية المُلحقة به، تكاد تنهار كليةً. وأعلمت قيادات تلك القوات، مرشد الجمهورية الإيرانية، أن الانهيار بات قاب قوسين أو أدنى، وأن ذلك قد يعني فتح الطريق أمام المقاتلين العراقيين والسوريين، باتجاه العاصمة الإيرانية طهران.

وفي محاولة أخيرة، تمكن الإيرانيون من إرغام حلفائهم من شيعة العراق، جنوب البلاد، على القيام بعمل عسكري يشغل الجيش العراقي الذي يقوده فايز الكيلاني، بعد أن تلكأ حلفاء إيران كثيراً، خشية التعرض لمقتلة كبرى، بعد أن رأوا اندحار الإيرانيين المُريع أمام مقاتلي الكيلاني والدمشقي.

وبالفعل، تقدمت ميليشيات شيعية عراقية، قُدرت بالآلاف، صوب بغداد. وتحقق ما كانت تخشاه قيادات تلك الميليشيات، إذ تعرضت لمقتلة كبرى، في كمائن كانت قد أُعدت خصيصاً لهم، جنوب العاصمة العراقية.

وبعد تلك الانتكاسة الأخيرة، توسلت طهران وسطاء خليجيين، كي يفتحوا للإيرانيين قنوات تواصل مع جمال الدمشقي. واستجاب الأخير. وبدأت سلسلة مفاوضات، تلكأ فيها جمال كثيراً، فيما كان مقاتلو الجيش العراقي، يتقدمون بثبات، في العمق الإيراني.

بدأت جولة المحادثات الأولى في عُمان. ومن ثم، أتبعتها جولة أخرى في دبي. لتكون الأخيرة في اسطنبول، برعاية تركية. حيث اتفق جمال، أخيراً، مع الإيرانيين، على جملة بنود، أبرزها، إقرار إيران بوسط العراق، له، وعدم التعدي عليه، مطلقاً، لا بصورة مباشرة، ولا عبر وكلاء. مقابل انسحاب مقاتليه العراقيين والسوريين من إيران، وضمان أمن الحدود المتبادل.

اشترط الإيرانيون عدم التعدي على الكانتون الشيعي، جنوب العراق، فوافق جمال، على مضض، إذ لم يكن يرى الوقت مناسباً الآن لخوض غمار معركة شرسة أخرى في الجنوب العراقي. كان جمال متلهفاً لوقف الحرب، سريعاً. وكان يترقب اللحظة التي يستطيع من خلالها تأمين وسط العراق، والبدء بإعماره، تاركاً ملف جنوب العراق، للمستقبل، ومراهناً على الحنق الشعبي، في أوساط الشيعة، من قياداتهم الموالية لإيران، والذين أرهقوا الناس فساداً، أورثهم فقراً مُدقعاً، رغم الثروات النفطية الهائلة القابعة في مناطقهم.

وطوال هذه المعمعة، وقف أكراد الإقليم العراقي على الحياد، يترقبون بقلق مجريات المعارك. وحينما وضعت الحرب أوزارها، أعلم جمال قيادة أكراد العراق، في أربيل، برغبته في التعاون معهم، مشيراً إلى أنه لا ينوي، مطلقاً، التقدم نحو مناطقهم، وأنه يريد البحث عن القواسم المصلحية المشتركة. الأمر الذي استجابت له قيادة الأكراد في العراق، بارتياح كبير.

وهكذا، خضع وسط العراق لسيطرة جمال الدمشقي، الذي أوكل إدارته لـ فايز الكيلاني، ودعمه بكل الإمكانيات المالية واللوجستية والأمنية والعسكرية، المطلوبة. وبدوره، أدار فايز الكيلاني عملية سياسية، بقي خلالها وراء الكواليس، على غرار ما قام به جمال الدمشقي، في دمشق. وصدّر الكيلاني قيادات سياسية وتكنوقراط، عراقيين كفوئين، ليكونوا على واجهة المسرح السياسي والمؤسساتي العراقي. وبدأت عملية إعادة إعمار لوسط العراق، وإعادة بناء لمؤسسات دولته المندثرة، بتمويل ودعم سخي من جمال الدمشقي.

وبعد انتهاء الحرب مع إيران، بسنتين، أتم جمال الدمشقي اتفاق النسيج العالمي، الذي أشرك فيه الإيرانيين، في مفاجأة أثارت استغراب معظم المراقبين، واستياء بعض أتباعه. كان جمال يريد اتقاء حقد الإيرانيين، عبر شراكة اقتصادية، تُفيد في تطوير اقتصاد بلادهم. كان جمال يريد تحييد أية مخاطر آنية، كي يتفرغ لمشروعه، الذي كان رهانه الرئيس فيه، هو تحقيق نهضة اقتصادية وعمرانية وعلمية كبرى في الحواضر التي يحكمها. بالتزامن مع إنجاز مشروعه التسليحي المأمول، الذي ينتظر جمال ثماره على أحرّ من الجمر، فهو سيكون العُدة المأمولة لمواجهة الإسرائيلي، الذي كان جمال يثق، ثقة مطلقة، بأن الصراع معه، صراع وجود، لا صراع حدود.

وبالفعل، انخرطت إيران في اتفاق النسيج العالمي، وأفادت منه بإيرادات تجاوزت الـ 100 مليار دولار، واتجهت بحماس نحو تطبيع العلاقات مع جمال الدمشقي، بعد أن اقتنع قادتها، بأن لا بديل عن تقبّل وجود كيان عربي سُني قوي، بجوار بلدهم، وأن الأمثل، تطبيع العلاقات مع ذلك الكيان، بدلاً من الصراع معه، بصورة تؤدي إلى استنزاف الطرفين، عبثاً.

وبقيت الحدود قائمة بين العراق وسوريا، كما بقيت بين لبنان وسوريا. لكن، كان الجميع يعلم بأن المساحة الجغرافية الممتدة، من بغداد، عبر دمشق، وصولاً إلى بيروت، هي وحدة سياسية واحدة، في العمق، وإن تعددت حكوماتها، في العواصم الثلاثة. وحدة سياسية واحدة، تخضع لسيطرة جمال الدمشقي، ووكلائه، حصراً.

حقيقة أقرّ بها الإيرانيون على مضض شديد، كما أقر بها حزب الله في لبنان، بعد أن فقد معظم حاضنته الشعبية، وذراعه العسكري. كما أقرت بها، الدول الإقليمية الفاعلة، التي كانت في معظمها، ترى في جمال الدمشقي، حليفاً استراتيجياً، وفي مقدمتها تركيا، ومعظم الدول الخليجية.

كما أقرّ الغرب بتلك الحقيقة، ونظر إلى جمال نظرة إعجاب، لمقدراته، وحنكته، ولبراغماتيته العالية، واستعداده للتواصل والمساومة، وانفتاحه على الغرب، وحتى على الشرق.

كان المشهد، من بغداد إلى دمشق، وصولاً إلى بيروت، يعكس تطوراً يرسم معالمه جمال الدمشقي، وتنفذه قيادات كفوءة، ونخب منخرطة في مشروع نهضة عمرانية واقتصادية وعلمية، غير مسبوقة، في العواصم الثلاثة.

كانت إسرائيل الوحيدة، التي كانت ترقب ما يحدث بقلق شديد، وتبحث عن السبيل الأمثل لإقناع الغرب بضرورة إجهاض مشروع جمال الدمشقي، الإعماري والتطويري، قبل فوات الأوان.

وقد تمكن الإسرائيليون أخيراً من إقناع نخب الغرب، بأن لا ضير من تجريب قدرات جمال في عمل عسكري محدود، يُتيح الفرصة للكشف عن حقيقة تلك القدرات المُريبة. وافقت نخب الغرب التي يتغلغل اليهود في أوساطها، بصورة نوعية، على ذلك. شريطة ألا تتم الإطاحة بـ جمال، لأن الغرب كان يخشى غياب البديل، وانفلات المقدرات الكامنة بين يدي جمال، لتصبح في أيدي قيادات مجهولة بالنسبة له، وغير مضبوطة.

***


يتبع في الفصل الخامس عشر..

مواد ذات صلة:

إعادة إعمار سوريا قبيل العام 2040.. (الفصل الثالث عشر من "الترليونير السوري")

بعث سوريا الفاشلة.. (الفصل الثاني عشر من "الترليونير السوري")

نفق الصناعات السرّية قرب تدمر.. (الفصل الحادي عشر من "الترليونير السوري")

منعطف العام 2020.. (الفصل العاشر من "الترليونير السوري")

لقاء المحفل السرّي في بلودان.. (الفصل التاسع من "الترليونير السوري")

حوار مع مرجعية جهادية.. (الفصل الثامن من "الترليونير السوري")

وصولاً إلى الدرك الأسفل، قبل رحلة الصعود.. (الفصل السابع من "الترليونير السوري")

امبراطورية اتصالات كبرى، سرّية.. (الفصل السادس من "الترليونير السوري")

بداية مشوار أسطورة المال والأعمال – (الفصل الخامس من "الترليونير السوري")

سقوط دمشق – (الفصل الرابع من "الترليونير السوري")

عائلة جمال الدمشقي - (الفصل الثالث من "الترليونير السوري")

اللقاء مع اليهودي الأمريكي – (الفصل الثاني من "الترليونير السوري")

من شرفة القصر بالمالكي – (الفصل الأول من "الترليونير السوري")




إياد الجعفري - خاص - اقتصاد



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



  جميع الحقوق محفوظة © 2011 - 2019 - أحد مشاريع زمان الوصل

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
ALL RIGHTS RESERVED 2019
top