ذاكرة السوريين القصيرة وتقلبات الليرة في العام 2017


نجح النظام في تحقيق غايته من الحملة الإعلامية ذات الأهداف النفسية، التي رافقت تقلبات سعر صرف الليرة والدولار، خلال الثلث الأخير من العام 2017. وبات معظم من يتحدثون إليك، يشيرون إلى "تحسن اقتصادي" يرافق التقدم العسكري الذي حققه النظام خلال العام 2017، ويدللون على ذلك، بتحسن سعر صرف الليرة. تحسن وصفه البعض بالنوعي. فهل ذلك دقيق حقاً؟

لماذا نجح النظام وإعلامه في تغيير قناعات معظم الناس، حتى الكثير من مناوئيه، بالاتجاه الذي يريده؟.. الجواب ببساطة، قد يكون في قصر ذاكرة الكثير من السوريين، حتى فيما يتعلق بأوضاع عملتهم المحلية.

انتهى "دولار دمشق" في آخر أمسيات العام 2017 إلى 463 ليرة. وعلى أساس سنوي، وبالمقارنة مع سعر الدولار مقابل الليرة، في آخر أيام العام الفائت، 2016، يكون سعر صرف الليرة قد تحسن بنسبة 7%، فقط.

لكن ذلك التحسن هو بالمقارنة بما كان عليه سعر الدولار قبل سنة بالتحديد. أما لو عدنا قليلاً إلى الوراء، لاكتشفنا أن الدولار ارتفع بالمجمل، وأن سعر صرف الليرة، تهاوى.

خلال السنوات التي تلت الثورة السورية، تعرضت الليرة السورية لخضات عديدة، هوت خلالها بصورة هائلة، لتعود وترتفع لاحقاً، أو بالعكس. لكن، لو أردنا أن نجيب على التساؤل التالي: هل تحسنت الليرة بسبب التقدم العسكري للنظام؟، سيكون الجواب المفاجئ للجميع، لا.

ارتبط التقدم العسكري المستمر للنظام، بالتدخل العسكري الروسي المباشر، الذي بدأ في 30 أيلول عام 2015. منذ ذلك التاريخ، كان المسار العام للصراع العسكري في سوريا، يسير لصالح النظام، بصورة تسارعت كثيراً في الأشهر الأخيرة من العام 2016، وصولاً حتى سقوط شرق حلب في قبضته.

فهل تحسنت الليرة، خلال الفترة المذكورة؟.. لنعود بذاكرتنا القصيرة إلى ما قبل 30 أيلول. تحديداً عند آخر تسعيرة للدولار في دمشق، قبل التدخل العسكري الروسي المباشر. كان الدولار بـ 334 ليرة، فقط.

ومنذ ذلك التاريخ، وحتى اليوم، والدولار في مسار عام تصاعدي، وليس العكس. بمعنى، أن قيمة الليرة تتراجع منذ بدء التدخل العسكري الروسي، وليس العكس.

وبلغة الأرقام، خسرت الليرة السورية أكثر من 39% من قيمتها، منذ بدء التدخل العسكري الروسي المباشر، وحتى اليوم. بكلمات أخرى، منذ أن بدأ المسار العام للصراع المسلح في سوريا، يميل بشكل نوعي لصالح النظام، وحتى اليوم، (أي خلال 27 شهراً)، خسرت الليرة ما يقارب 40% من قيمتها.

وبناء عليه، فإن التحسن الأخير لسعر صرف الليرة، الذي لا يتجاوز 7%، على أساس سنوي، لا يرتبط بشكل مباشر، بالتقدم العسكري للنظام، بل يرتبط بصورة رئيسية، بتلاعب النظام عبر البنك المركزي في أسواق الصرف.

لكن دعونا نكون منصفين، النظام ناجح في حملاته الإعلامية النفسية، ويعتمد قاعدة قديمة، لكنها ما تزال تؤتي أكلها، "اكذب، واكذب، حتى يصدقك الناس". إنها استراتيجية الكذب الممنهج، التي سبق أن اعتمدها النازي، وآتت أُكلها بين معظم الألمان، حتى ساعات حكم هتلر الأخيرة.

ترك تعليق

التعليق